بين ذكرى تحويل القبلة .. وبدء عام دراسي جديد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقالة-مراجعة.gif
بين ذكرى تحويل القبلة .. وبدء عام دراسي جديد

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

رسائل.gif

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، ورضِيَ الله عن أصحابه الطيبين الطاهرين.. وبعد!!

يعيش المسلمون هذه الأيام ذكرى تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، فيما يستعد أبناؤنا وبناتُنا لبدء عام دراسي جديد، وبين هذين الأمرين سيكون حديثُنا هذا الأسبوع.

تحويل القبلة

أحدث تحويلُ القبلة- الذي كان في السنة الثانية للهجرة- رجَّةً كبيرةً في مجتمع المدينة المنورة وما حولها، وشاء الله سبحانه أن يكون الحدث اختبارًا وتمحيصًا للمؤمنين وفتنةً لغيرهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 142-143).

اختبار صعب للمسلمين

كان المسلمون في مكة قبل الهجرة يتوجَّهون في صلاتهم إلى الكعبة، لكنهم خرجوا من ديارهم التي ألِفوا العيش فيها، ووطنِهم الذي أحبوه، وهاجروا إلى المدينة المنورة؛ امتثالاً لأمر الله ورسوله، وليقيموا المجتمع المسلم، ويتمكنوا من أداء شعائر دينهم بحرية، كانت الهجرة صعبةً على نفوس الصحابة جميعًا، بل حتى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال لمكة: "إنك أحبُّ بلاد الله إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت"، وهو الذي قال لبلال- رضي الله عنه- حين رآه يتذكر مكةَ ودروبَها: "يا بلال، دع القلوب تقر..".

وسط هذه الأجواء ومع حداثة عهد المسلمين بالهجرة وفي السنة الثانية منها أُمِروا بالتوجه في صلاتهم إلى بيت المقدس، رغم ما للبيت العتيق من مكانة في نفوس المسلمين.

إن الإسلام يريد أن تكون قلوب المسلمين ونفوسهم خالصةً لله وحده، تتبع أوامرَه وتتجنب نواهيَه، منزَّهةً من هوى النفس، وفي مثل تلك الحوادث يظهر الفارقُ بين مَن يمتثل لله ولرسوله ويقول: "سمعنا وأطعنا" ومن ينقلب على عقبيه ويسقط في الفتنة.

إن اتباع أمر الله وطاعته والاعتزاز بهذه الطاعة هو الأصل في معتقَد كل مسلم وسلوكه، فالمشرق لله، والمغرب لله، وبيت المقدس لله، والبيت الحرام لله، والمسلم يجب أن يكون متميزًا بأن تبلغ العقيدة من نفسه مبلغَ الاستيلاء الكامل، وأن يكون اتجاهُه حيث أمره ربه.

ولا يعني تحويل القبلة- بأي حال من الأحوال- إهمالاً لبيت المقدس ومسجده الأقصى، فهو في مقدمة مقدسات الإسلام، وقد عِشْنا قبل أقل من ثلاثة أسابيع أجواءَ حادثة الإسراء والمعراج، وما حملته الحادثة من تأكيد على مكانة المسجد الأقصى المبارك.. ثاني المسجدين ومنتهى الإسراء ومبتدَأ المعراج، ثم نال الأقصى- فك الله أسره- مزيدًا من الفضل فكان القبلة الأولى للمسلمين، وظل لستة عشر شهرًا تتجه إليه وجوهُ المسلمين وقلوبُهم وصلاتُهم ودعواتُهم، حتى شاء الله تحويلَ القبلة مرةً أخرى إلى البيت الحرام.

تمرُّ بنا الذكرى و المسجد الأقصى لا يزال أسيرًا.. صحيحٌ أن جزءًا عزيزًا من أرض فلسطين قد شهد اندحارَ جنود الاحتلال الصهيوني، وهو وإن كان انسحابًا ناقصًا لأن العدو لا يزال يسيطر على فضاء غزة وبحرها وحدودها، إلا أن ذلك الانسحاب لم يكن ليحدث لولا تضحيات الشعب الفلسطيني وانتفاضاته المتكررة، والتي كانت آخرها انتفاضة المسجد الأقصى عقب تدنيس المجرم شارون لساحة المسجد.

الشباب وقود الانتفاضة

لقد حمل العبء الأكبر من تلك التضحيات شبابُ فلسطين، الذين ترسَّخت قوة الإيمان ومبادئ الجهاد في قلوبهم، فقاتلوا المحتلين الغاصبين في شجاعة وعزم، وحين افتقدوا السلاح قاتلوا بالحجارة، تسمع منهم صيحاتِ التكبير، وترى في عيونهم الإصرارَ على المضيِّ في طريق التحرير.

انتصرت الانتفاضة لأن شبابها مضوا في طريق الجهاد دفاعًا عن الوطن ضد الاحتلال، وبذلوا جهدهم لنصرة الحق وإقرار العدل والسلام، مقتدين في ذلك بشباب سلفِ الأمة الذين كانوا دومًا في الطليعة يذودون عن حياض الإسلام ويدافعون عن ديار المسلمين علمًا وعملاً، كانوا يتقدمون صفوف الجهاد لإعلاء كلمة الله، ويتزاحمون بالمناكب في حلقات العلماء، يستنيرون بما عندهم من علوم، ويتلقَّون منهم النصيحة، ويستفيدون من ثمرة جهودهم وتجربتهم، وكان من الشباب قادةٌ للجهاد اندفعوا لتبليغ دعوة الله، وسارت الجيوشُ تحت ألويتهم، فحقَّق الله النصر على أيديهم.

إلى الطلاب في مستهلِّ عامهم الجديد

لذا فإننا نقول للطلاب وهم ينتمون إلى فئة الشباب وهم يستهلُّون عامَهم الدراسيَّ الجديد: إنكم قلب الأمة، منكم يتدفق ماءُ الحياة في جسدها، عندكم الحماسُ والحيويةُ والصدقُ والإخلاصُ والشجاعةُ، وأنتم طاقةٌ عظيمةٌ إن حَسُن توظيفُها في اتجاه الخير، والشباب في أي أمة هم العمود الفقري الذي يشكِّل عنصرَ الحركة والحيوية؛ إذ لديهم الطاقة المنتجة، والعطاء المتجدد، ولم تنهض أمة- غالبًا- إلا على أكتاف شبابها الواعي وحماسته المتجددة.

ولما كان "على قدر أهل العزم تأتي العزائم" فإن الآمالَ المبنية عليكم واسعةٌ، والأنظار تتطلَّعُ إليكم، والأعناقَ تشرئبُّ لترى ما سوف تقومون به؛ دفعًا للعدوان الشرس على هذا الدين، وخوضًا لميادين العلم لدفع غائلة الجهل والفقر والتخلف، وتحقيقًا للسبق لأمتنا في كل الميادين.

واعلموا أنكم ستواجِهون في سعيكم لتحقيق تلك الآمال عقباتٍ كؤودًا عليكم أن تجتازوها بكل عزم وإخلاص، فإن حماستكم في عطاء الخير المتجدد غاظت أعداءَ الإسلام، فسعَوا إلى وضع العراقيل في طريقكم أو تغيير وجهتكم.. إما بمحاولة فصلكم عن دينكم، أو إيجاد هوَّةٍ سحيقة بينكم وبين العلماء فيفقد الشباب "بُوصلة" التوجيه السليم، أو بتأليب الحكومات عليكم، كما أننا نرى مؤشراتٍ خطيرةً قد ظهرت على كثير من أقرانكم، من قبيل ضعف مستوى التحصيل العلمي، واضمحلال نشاطات الشباب وإبداعاتهم، وقلة مساهماتهم الثقافية والفكرية، وانصراف قطاع منهم عن قضايا الأمة، ومحاولة تقليد الغرب في كل فاسد من الأمور.

ونحن لا نلوم الشباب وحده على هذه الظواهر السلبية؛ إذ لا شكَّ أن الحكومات تتحمل القسطَ الأكبر من المسئولية؛ لغياب التخطيط السليم لتنشئة الشباب، واضمحلال دور وزارات، وانحراف دور أخرى من تلك الوزارات التي تتعامل مع الشباب.. كالتربية والتعليم، والتعليم العالي، والشباب والإعلام والثقافة، فهذه وتلك قد قصَّرت في توفير وسائل الرقيِّ العِلمي وظروفه والأخذ بأسبابه، بل نراها- على العكس- تسوق الشباب في اتجاه البُعد عن الدين والقيم والأخلاق، وتغييب وعيِه بقضايا الأمة، وفقدانه لهويته العربية الإسلامية ومسخِ شخصيته، فضلاً عن الاهتمام بكل سطحي وتافِهٍ والبُعد عن كل عميق وجاد.

ومثل هذه المشكلات تحتاج من الوزارات المعنية تغييرًا جوهريًّا في سياساتها وتعظيمَ دور الدين والخلق والعلم والمعرفة، ولنتذكر كيف سادت أمتُنا العالمَ حين اهتمت بتلك الأمور، كما يحتاج الأمر إلى العناية بالعملية التعليمية في المدارس والجامعات، وتزويدها بوسائل التعليم المتقدمة، وتعيين مسئولين من ذوي الكفاءة والخلُق، وفتح مراكز للرعاية العلمية، ومنح الشباب فرصةَ التعامل مع التطور العلمي والتقني المتنامي.

إن الشباب بتوجيههم ورعايتهم مثل النبتة إذا أحسن الزارعُ رعايتَها نمَت وأثمرَت، وإذا أُهملت تَعثَّر نموُّها ولم تثمر، وعلى ولاة الأمور من قادة وعلماء ومفكرين تقع مسئوليةُ الأخذ بأيديهم ورعايتهم وتوجيههم نحو منهج الإسلام؛ ليسيروا وفقَ تعاليم شريعته فكرًا وتطبيقًا.

لا تتأثروا بتقاعس المتقاعسين

لكنا نقول للشباب: إنكم قد تجدون تقاعسًا من البعض عن القيام بمهامه، بل قد تجدون مَن يعمل على عكس مقتضى أمانة المسئولية، فلا يكن ذلك مبررًا أو مسوِّغًا لكم، فإن مِن بين مسئولياتكم أمامَ الله ثم أمام مجتمعاتكم أن تقودوا التغيير نحو الأفضل، وأن تضطلعوا بالمهمة التي لم يقم بها الآخرون.

إن بلادَنا تحتاج لكي تنهض وتحقق رسالتَها إلى جهود كبيرة في المجالَين التربوي والعلمي، فأول مقومات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة العلم والتعلم، فبهما يحدُث النهوضُ والتقدمُ والرقيُّ الفكري والعقلي، ومن هنا كانت الحفاوة بالعلم وطلبه ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: من الآية114).

لقد وعت حضارتُنا قيمةَ العلم والتعليم، ولم تقف عند السطح والقشور، بل تعمَّق الباحثون والمفكِّرون في الدقيق من الأمور، وهو ما يجب عليكم أن تقوموا به، خاصةً وقد تيسرت لكم سُبُل البحث العلمي بشكل لم يكن متاحًا لمن سبقكم.

كما اتجهت الحضارة الإسلامية إلى توظيف العلم في سائر أمور الحياة، فتنوعت الدراسات وتشعَّبت الإنجازات، وانتشرت مراكز العلم يؤمُّها طلاب المعرفة من المسلمين وغيرهم، وبرَع من المسلمين علماءٌ في مجالات متعددة، ولا تزال مصادر حضارتنا صالحةً أن تُعيد الكرَّة كي تسطَع شمسُها من جديد بجهدكم أيها الشباب، وذلك ما ندعو له ونعمل من أجله؛ حتى نكون أهلاً لوراثة الأرض التي وعد الله عبادَه الصالحين.. ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105)، ويكون ذلك بامتلاك متطلبات الوراثة من إيمان وعلم وقوة.

فهيا أيها الشباب والطلاب.. أروا اللهَ من أنفسكم حسنَ التوجهِ وصالحَ العملِ، وأروا أمتَكم الجدَّ والاجتهادَ، والعزم والمثابرة ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.