حوار حول الحوار
بقلم : د.ناجي صادق شراب
تناولت في مقالتي السابقة والتي جاءت بعنوان "الحوار الفلسطيني وخيار الحوار" أن الحوار ضرورة تحتمها خصوصية الحالة الفلسطينية، ويحتمها إستمرار الإحتلال الإسرائيلي، وان الحوار آلية لحسم الخلافات وإدارة الشأن السياسي العام على أسس من القناعة وتبادل الرأي وأن للآخرين رأيهم كما أن لي نفس الحق، وبمنهاج سلمي مدني، ولذلك فالمجتمعات التي تعتمد الحوار نهجا وأسلوبا تعتبر مجتمعات متقدمة ديمقراطيا، وحتى نكون منصفين وموضوعيين فإن ديننا وتراثنا الحضاري والقيمي يؤكد على قيمة الحوار، ولذلك العيب في ممارساتنا السياسية وفي عملية التنشئة التي عمقت ثقافة العنف وثقافة الإقصاء للآخرين، وايضا ثقافة أني على صح وغيري على خطأ، ولا مجال إلا للرأي الأحادي، وهذا عمق من ثقافة التبعية والتخلف الفكري والتراجع في مسارات التقدم والتنمية.
هذه المفاهيم مهمة جدا ونحن نتحدث عن الحوار الفلسطيني الفلسطيني.
والسؤال إذا لا يريد الفلسطينيون التحاور مع أنفسهم فمع من يتحاورون؟
وبأي وسيلة يحسمون قضاياهم السياسية والإقتصادية والمجتمعية؟
هل بأسلوب القوة والذي يتعارض تماما مع لغة وثقافة المقاومة وثقافة الديمقراطية التي تقوم على الكل الفلسطيني، وعلى الشراكة الحقيقية.
من هنا فلا خيار أمام الفلسطينيين إلا الحوار حتى نصل إلى الهدف الرئيس وهو بناء نظام سياسي ثقافته وعماده القيمي والمرجعي هو إعتماد الحوار كأحد أهم الأسس التي يستند عليها هذا النظام، هذا إذا أراد الفلسطينيون فعلا التصدي ومواصلة مسيرة النضال والبناء السياسي.
فالخصوصية الفلسطينية التي أشرنا إليها تجمع ما بين الإحتلال وما بين البناء السياسي لكينونة سياسية فلسطينية توفر كل مقومات القوة لإنهاء الإحتلال..
والخصوصية الثانية ان القضية الفلسطينية ليست فلسطينية التكوين فقط، بل لها أبعاد إقليمية ودولية تفرض هذا الحوار وتفرض الخيار الديمقراطي الذي لا يمكن أن يقوم إلا بالحوار نهجا وقيمة وآداة سياسية..
والخصوصية الثالثة البعد الحضار والقيمي للصراع العربي الإسرائيلي وفي قلبه الفلسطيني، هذا البعد يؤكد أن الصراع في أحد أهم جوانبه ليس صراعا عسكريا فقط، بل هو صراع حضاري ديمقراطي.
وفي هذا السياق قدمت إسرائيل نفسها على أنها واحة للديمقراطية في وسط تخلف فلسطيني وعربي، ومن خلال هذه الصورة تغلغلت إسرائيل في الوجدان الدولي وغطت على كل أشكال الإحتلال اللاديمقراطية واللاأخلاقية، ولذلك علينا أن ندرك أن هذا الحوار وهذا البناء الديمقراطي لا يقل أهمية إن لم يكن أهمها في عملية إنهاء الإحتلال.
ولا يكفي ذلك، بل إن تعدد الملفات والأولويات الفلسطينية والتي أضيفت إليها أخيرا قضية التعمير وإن كانت هذه القضية قائمة وما زالت لكن الحرب الإسرائيلية الأخيرة جعلت منها أولوية اكبر، هذا التعدد في القضايا والملفات بأي لغة وبأي خيار وبأي إستراتيجية يمكن ان تنجز؟
إن لم يكن الحوار فمعنى ذلك إجهاض وهدر لكل عناصر القوة المادية بل وتراجع كل قنوات الدعم المادي الدولي. كل هذه المعطيات تفرض الحوار وتجعل منه ضرورة وحتمية فلسطينية.
والحوار الفلسطيني يثير العديد من التساؤلات: هل توجد رؤية حقيقية للحوار؟
وما مضمونه وماهيته؟
وهل هو حوار من أجل تثبيت أو تحقيق إنجازات لكل تنظيم؟
أم انه حوار من اجل إعادة صياغة كل المنظومة السياسية الفلسطينية بما يجعلها قادرة على التعامل مع المستجدات والتطورات التي لحقت بالقضية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟
هذه التساؤلات في حاجة إلى إجابات واضحة من المتحاورين.
وإذا أردنا لهذا الحوار من اسس للنجاح، فلا بد من أن ينطلق أولا من التكافؤ في الحوار وأقصد بذلك عدم تصور كل حركة فلسطينية أنها أسمى واعلى من غيرها أو أنها متفوقة على الآخرين، وبالتالي تنظر للحوار من أعلى.
وثانيا إمكانية التعايش والتوافق بين الرؤى السياسية المتنوعة والمتعددة، وثالثا عدم فرض أو تملية رؤية على أخرى ورابعا القدرة على نقد الذات والمحاسبة والمساءلة، وخامسا إدراك أن هناك حاجة لإحداث تغيرات جوهرية في بنية المنظومة السياسية الفلسطينية.
والحوار في حد ذاته لا يكفي فلا بد من إطار مجتمعي متفق عليه يتم في إطاره ولا يتعداه وهذا الاطار يمكننا تحديد حدوده بالاتفاق على مفهوم المصلحة العامة، التي تنبثق بدورها من عقيدتنا وتراثنا وتقاليدنا.
واذا كان الحوار هو لغة العصر وهو الطريق الى الالتئام والتقدم والبنيان، فإننا في أمس الحاجة إلى اعتماد منهج الحوار في حسم قضايانا وخلافاتنا وذلك من خلال طرح مشروع حضاري يرتكز على أوجه الاتفاق وتعظيمها، وتضييق فجوة الخلاف.
وما أجدني الا مصابا بحالة من الدهشة والاستغراب، فكما نعتمد أسلوب الإقناع والحوار مع الآخرين الذين لا تربطنا بهم مصلحة عامة واحده فما بالنا بأبناء القضية الواحدة والمصير الواحد.
الذين سرعان ما تنهار حواراتهم عند أول منزلق أوصدام حتى لو كان إعلاميا..
وهنا أتساءل لماذا لا نتحاور على قاعدة التفاهم لا القطيعة وعلى الاجتماع والالتفاف حول الأهداف المشتركة لا الانفصام والفرقة والخلاف وكأننا لسنا أبناء وطن واحد؟
فلا بد من صيغة للتعايش فالوطن ليس ملكا لأحد، والمعرفة به ليست وقفا على احد دون الآخر، فيجب ان نكون غيورين على وطننا وان نقف صفا واحدا للدفاع عنه، فلا غنى عن الوطن ولا بديل له، وإذا ما اتفقنا على ذلك - ولا اعتقد ان أحدا يخالفني في ذلك - يكون الحوار المثمر الموصل إلى الحقيقة والذي فيه تحترم الأقلية رأي الأغلبية، وتستمع فيه وتحترم الاغلبية رأي الاقلية.
طرأت على ذهني كل هذه القيم السامية المتعلقه بالحوار وأنا اتابع بقلق شديد المشهد السياسي الفلسطيني الحالي وكيف بالفلسطينيين يدخلون من نفق مظلم إلى آخر ومن حرب إعلامية الى أخرى الى درجة التخوين والتآمر والتكفير واللجؤ الى كل المصطلحات والعبارات التي بات المواطن الفلسطيني والعربي غير قادر على تحملها لدرجة بات يفضل سماع وسائل إعلام أخرى حتى يخفف من الضغط النفسي الذي يؤدي الى حالة من حالات الإنفصام أو الشيزوفرانيا السياسية وفقدان التوازن والقدرة على التفكير العقلاني.
انه لأمر محزن ومؤسف أن يتصارع أصحاب القضية التي حافظت على هوية الشعب الفلسطيني رغم كل محاولات التذويب والإنصهار في كيانات سياسية أخرى.
ففي الوقت الذي تذهب فيه إسرائيل إلى إنتخاباتها وتشكيل حكومتها، وتتفق فيه كل الأحزاب على الموقف من القضية الفلسطينية ومن الفلسطينيين، نجد أن الفلسطينيين وهم الطرف الأحوج لمثل ذلك ما زالوا مختلفين، حتى قبل ذهابهم إلى الحوار تطل لغة الإنقسام والتباعد برأسها من جديد. والسؤال لمصلحة من؟
المفارقه أننا عامل توحد لإسرائيل في الوقت الذي فيه نحن الفلسطينيون نلعب دور الإنشقاق والتفتت ومحاولة بناء كيانات هزيلة تكرس الإحتلال. وأمام هذا التعنت الفلسطيني والعناد والكراهية ماذا تبقى لنا أن نفعله، هل نذهب الى مزيد من الإنحدار والإنزلاق نحو خيارات قد تكون أسوا وبالتأكيد هي أسوأ مما حدث؟ وإلى متى سنظل نرفض بعضنا وننكر حقنا في الحياة، ومن الذي له مصلحة في ذلك؟
نحتاج الى حوار عقلاني تطرح فيه كل القضايا من منظور المصلحة الوطنية وليس المصلحة التنظيمية الضيقة..
ولا أعتقد أن هذا مستحيل إذا ما توافرت النوايا، وتوفرت إرادة الخير، وسيطرة الحكمة، والخطوة الأولى تبدأ بوقف الحرب الإعلامية ووقف الإتهامات المتبادلة وإعادة زرع بذور الثقة لا الفتنة والإفراج عن كل المعتقلين السياسيين، لأنه من الخزى لحركات التحرر ان يكون عندها معتقلون سياسيون، لذلك نحتاج الى وقف كل ما يدعو الى الفتنة والشقاق والقتال ووقف كل التدابير التي تعمق الخلاف.
لا طريق أمام الفلسطينيين إلا الحوار مهما كان الاختلاف، وأخيرا الحل بأيدينا وليس صعبا لكن المهم تصفية النوايا من كل الشوائب وبعد ذلك أي مبادرة ستطرح ستكون مقبولة للحوار وسيظل الحل بعيدا إذا بقيت النوايا غير صادقة، وما أسهل القتال ونشر الفتن ورفض الجلوس معا حول طاولة الحوار، ولنتق الله في ديننا وأوطاننا وأبنائنا وشهدائنا وجرحانا الذين كانوا الثمن الغالي للحرب الإسرائيلية الأخيرة.
- استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. -
المصدر
- مقال:حوار حول الحوارالمركز الفلسطينى للتوثيق والمعلومات
