د صفوت حسين يكتب :عندما يؤمم الانقلابيون التاريخ

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
د صفوت حسين يكتب :عندما يؤمم الانقلابيون التاريخ


الجمعة,10 أكتوبر 2014

د صفوت حسين

كفر الشيخ اون لاين | خاص

لعل الضجة التي أثيرت حول تضمين المناهج الدراسية مايسمي بثورة 30 يونيو يضع أيدينا حول أحد جوانب مأساة التعليم في مصر خاصة في مجال التاريخ،وتطرح العديد من الأسئلة حول كتابة التاريخ المدرسي ومن يقوم بهذه المهمة؟ وعلي أي أساس؟ ومدي حق الطالب في الاختلاف والاتفاق مع الآراء المطروحة في المناهج؟

لقد تركز معظم الجدل حول وضع أسماء وصور محمود بدر ورفاقه من مؤسسي حركة تمرد في منهج الصف السادس الابتدائي والغريب أن الضجة الكبري حول هذا الموضوع جاء من معسكر 30 يونيو أكثر من المعسكر المناهض ل30 يونيو،والذي يعتبرها انقلابا،وإذا كان من الممكن تفهم معارضة هذا المعسكر جملة وتفصيلا لما جاء في المناهج الدراسية حول هذا الأمر فإن ما يلفت النظر هو ما يتعلق باعتراضات معسكر 30 يونيو،والتي في الأغلب تتعلق بدوافع شخصية مبعثها الغيرة والحسد،وتحكمها نظرية "اشمعني هو أحسن مني في ايه وليه ما كتبوش اسمي ووضعوا صورتي!!" وإن حاول البعض أن يغلف اعتراضه بأن الثورة المجيدة أكبر من حركة تمرد،وأن هناك الكثيرين ممن لعبوا دورا فيها،وأنها ثورة شعب وكلام من هذا القبيل وبعيدا عن محمود بدر - الذي من المؤكد سيكون له موضع في تاريخ تلك الأحداث،وإن كان مكانه سيتحدد علي ضوء معرفة حقيقة حركة تمرد،وما يثار حولها من اتهامات وعلامات استفهام - فإنني أتوقف حول مايطرحه هذا الأمر من جوانب متعددة فهل يجوز كتابة تاريخ فترة مازلنا نعيش أحداثها ونصدر أحكاما قاطعة عليها؟

الحقيقة أنه لايمكن بحال من الأحوال كتابة تاريخ تلك الفترة الآن وأي كتابة في هذا الصدد الآن هي أبعد ماتكون عن الكتابة التاريخية العلمية الجادة فهذه الكتابات تدخل في نطاق السياسة فكتابة فترة تاريخية يتطلب مرور خمسين عاما علي الحدث حتي تتوفر المصادر التاريخية،ويفرج عن وثائق تلك الفترة،وتهدأ الأحداث تماما فالحكايات المتداولة حول أحداث 30 يونيو،والآراء المختلفة حولها بما فيها مايبدوا شديد التهافت ستوضع علي مائدة البحث التاريخي من خلال المنهج العلمي لكتابة التاريخ لمحاولة الوصول لحقائق تاريخية حول هذا الأمر،ورسم صورة أقرب لما حدث ومناقشة وتفنيد كل ما سيق حولها فلا يمكن الآن وفي ظل تشابك الأحداث وغياب المصادر الأصلية الجزم بشي في هذا الأمر فعلي سبيل المثال فأحد جوانب هذا الحدث هو موقف الولايات المتحدة من 30 يونيو فهناك من يري أنها متواطئة مع الانقلاب، وهناك من يري أنها تساند الإخوان،وهناك من يري أنها مترددة في اتخاذ موقف محدد،وتستطيع أن تجد لكل رأي مايبرره وهذا شي طبيعي في عالم السياسة أما عندما يوثق هذا الجانب تاريخيا فيجب الانتظار حتي الإفراج عن الوثائق الأمريكية والاطلاع علي محاضر جلسات الأمن القومي الأمريكي،وغيرها من مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة،وكذلك البرقيات والتقارير المتبادلة بين السفارة الامريكية في القاهرة ووزارة الخارجية لمعرفة حقيقة موقف الولايات المتحدة وتطورات هذا الموقف وأذكر أثناء إعدادي لرسالة الدكتوراه عام 2000 أنه وقع اختياري علي موضوع تنتهي فترته الزمنية عام 1970 وهو ما أثار اعتراض بعض الأساتذة الذين رأوا أن مرور فترة 30 عاما ليست كافية،وأن وثائق تلك الفترة لم تتح بصورة كاملة بعد وقد اضطررت لتغيير الموضوع فهل يستطيع باحث في مجال التاريخ أن يسجل الآن رسالة عن ثورة 25 يناير أم يجب أن يمر عليها إن لم يكن خمسين عاما فعلي الاقل فترة زمنية لاتقل عن ثلاثين عاما لمن يرون أن وسائل الاتصالات والنشر وتدفق المعلومات ونشر الوثائق أسرع من ذي قبل فضلا عن قيام بعض الدول بنشر الوثائق بعد عشرين عاما والبعض بعد ثلاثين عاما مع ملاحظة أن هذه الدول تحتفظ بالوثائق التي تري لها أهمية خاصة،أو تضر بالأمن القومي مددا أطول من ذلك بكثير،ومع ذلك تبقي المشكلة في الوثائق المصرية فبالرغم من أن القانون يحدد خمسين عاما لنشر الوثائق إلا أن هذا لا وجود له علي أرض الواقع باستثناء بعض الوزارات والهيئات كوزارة الخارجية أما الأجهزة الأمنية والمخابراتية فلا مجال للوصول إلي وثائقها،ومازالت معظم وثائق ثورة يوليو 1952 غير متاحة حتي الآن بالرغم من مرور أكثر من ستين عاما علي الثورة ففيما يتعلق ب 30 يونيو متي تتاح تقارير المخابرات وأجهزة الأمن عن عدد المشاركين في التظاهرات سواء في 30 يونيو أو المظاهرات التي أعقبتها،ومتي تتاح محاضر المجلس الأعلي للقوات المسلحة،ومحاضر مجلس الدفاع الوطني،وتقارير المخابرات العامة والحربية عن الأوضاع التي سبقت وتلت 30 يونيو إن هذه إشارات سريعة لتوضيح أن المسالة ليست بهذه الخفة التي يتعامل بها البعض مع الحدث

وإذا تناولنا من يكتب منهج التاريخ نجد تصريحات لوزارة التربية والتعليم متناقضة فضلا عما تحتويه من كلام يدين الوزارة والقائمين عليها،وتوضح أن الأمور تتحكم فيها الأهواء السياسية فضلا عن عدم الإدراك لعلم التاريخ فقد قررت وزارة التربية والتعليم تشكيل لجنة للنظر في شكوى حزب النور من الإساءة اليه ووصفه بأنه حزب غير دستوري في منهج التاريخ بالصف الثالث الثانوي،وصرح المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم" أن من قام بتأليف كتاب التاريخ هو من الخارج ، و ذلك وفقا لقانون الملكية الفكرية،وبعد عملية التأليف تشكل الوزارة لجنة للمراجعة قبل العرض على مجمع التاريخ،وأن الوزارة لا تستطيع أن تتدخل فى الأمر لمعالجته،وأن الوزارة قابلت الشكوى بالعمل على توحيد الصف و منعا للانقسام،و أن الوزارة فى حال تم وجود الخطأ فإنها لا تمانع فى رفعه بمشاركة أعضاء من الحزب فى اللجنة" ثم عاد مرة أخري وصرح :

" تم تشكيل لجنه يوم الاثنين الماضي 6\10\2014 من مؤلف ماده التاريخ ومستشار المادة والمستشار القانوني وعضو مجلس تطوير المناهج للنظر فيما أثير حول وضع حركة تمرد وحزب النور في المناهج الدراسية علي اعتبار ان الحزب يقوم علي أساس ديني مما جعل حزب النور وأعضائه يطالبون برفع هذا الخطأ من كتب الوزارة"

وأضاف " أن الوزارة ليست طرفا في وجود أى مشكلة مع أي جهة وإذا تأكدت من وجود خطأ سيرفع فى الحال من المناهج"

بينما صرح وزير التربية والتعليم ، "أن الوزارة لا تتدخل في وضع المناهج وأن هناك متخصصين لذلك بعيداً عن الأهواء والتفسيرات المختلفة"

وذكر أن المناهج تناولت فترة حكم الإخوان وثورة 30 يونيو وما تلاها حتى تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال السرد فقط.

والواقع أن محاولة وزارة التربية والتعليم النأي بنفسها عن ما يحتويه المنهج بحجة أن من يقوم بتأليف الكتاب هو من خارج الوزارة،وأن هناك متخصصين في ذلك يتناقض مع ما أورده المتحدث باسم الوزارة نفسه بأن بعد تأليف الكتاب يعرض علي لجنة مشكلة من الوزارة لمراجعته أي أن إقراره أوعدم إقراره يعود للوزارة بل لو افترضنا جدلا أن الوزارة لاتتدخل في وضع المنهج فهل يمكن أن تقر الوزارة بكتاب لا أقول يقر بأن ما حدث في 30 يونيو انقلاب بل فقط يعرض الرأيين دون أن يتبني أحدهما ثم يقر الرجل بـأن اللجنة المشكلة للنظر في شكوي حزب النور وموضوع تمرد إذا تأكدت من وجود خطأ سيرفع في الحال من المناهج !!!

والأغرب أن الرجل يبرر تشكيل لجنة للنظر في شكوى حزب النور بأنه من باب "توحيد الصف و منعا للانقسام" أي أن تشكيل اللجنة جاء لاعتبار سياسي مراعاة لحزب النور الذي شارك في أحداث 30 يونيو وتطوراتها،والأنكي من ذلك ماجاء في تصريحه الأول عن مشاركة أعضاء من حزب النور في اللجنة،وبمفهوم المخالفة لو تقدم حزب معارض لما حدث في 30 يونيو بشكوى ضد المناهج فلا مكان لها لدي الوزارة الحريصة علي وحدة الصف،وهؤلاء بطبيعة الحال خارج الصف!!! والأعجب من كل ذلك ماصرح به الوزير من أن هناك متخصصين في كتابة المناهج بعيدا عن الأهواء والتفسيرات المختلفة،وعلي حد علمي لم أسمع أن المتخصصين في كتابة المناهج من الملائكة أوالأنبياء والمرسلين، أو أن التاريخ مسألة حسابية أو معادلة كيمائية لامجال فيها للآراء والتفسيرات المختلفة !!!

ثم ماذا يحدث لو جاء نظام حكم آخر ورأي أن ماحدث في 30 يونيو انقلاب وسار علي نفس النهج الخاطئ في كتابة التاريخ المدرسي بالتأكيد سنجد خبراء متخصصين ومؤلفين من الخارج لاتتدخل الوزارة في عملهم يؤكدون أن ماحدث في 30 يونيو انقلاب مكتمل الأركان علي الشرعية!!!

أما قول الوزير أن تناول فترة الإخوان وثورة 30 يونيو وماتلاها يتم من خلال السرد فقط فهو قول مضحك فما فائدة هذا السرد وأنت قد أدنت الإخوان،وأصدرت حكما جازما بأن ماحدث ثورة بينما هناك من يسميه انقلابا،ولو افترضنا القبول بوجود هذه الأحداث من باب السرد فقط فإن ماجاء في كتاب الوزارة يتناقض مع حكاية السرد هذه وأنا هنا أتناول ماجاء في كتاب الصف الثالث الثانوي الذي بين يدي فقد تجاهل سرد أحداث المظاهرات المعارضة من جانب دعم الشرعية منذ أحداث 30 يونيو حتي الآن بل إن الإشارة الي اعتصام رابعة لم تزد عن القول"تم فض اعتصام رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013 " دون أن يشير الي أعداد الضحايا حتي التي أوردتهم التقارير الرسمية للدولة بل إن الفصل والكتاب يختتم بالقول بعد الحديث عن نجاح السيسي في الانتخابات "وبهذا بدأت صفحة جديدة في تاريخ مصر الحديث بعد ثورتين متتاليتين :25 يناير 2011،و30 يونيو 2013 ووضع مصر علي الطريق الصحيح لتطبيق الديمقراطية وتغليب مصالح الشعب وتحقيق التقدم والنماء والرفاهية"

والحقيقة لا أعلم ماعلاقة هذا الكلام الإنشائي الذي يصلح لموضوع تعبير بالتاريخ،ولا من أين جاء اليقين بوضع مصر علي الطريق الصحيح لتطبيق الديمقراطية والتقدم والنماء والرفاهية إلا اذا كان المؤلف اضطلع الغيب

وأتوقف عند مؤلفي كتاب الصف الثالث الثانوي فقائمة المؤلفين تشمل د عبد العزيز نوار أستاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس وقد توفي الرجل عام 2006،ود عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان،وثلاثة أساتذة من الواضح أنهم من التربية والتعليم،وكما جاء في مقدمة الكتاب أنه تم إضافة الفصل الثامن الذي يتناول 30 يونيو بمعرفة مؤلف الكتاب

لقد كان يمكن التغاضي عن كل هذه المصائب التي ترتكب باسم التاريخ لو كان لدينا نظام تعليمي يسمح بحرية البحث،ولا يقوم علي الحفظ والتلقين،ويعطي الطالب حرية مناقشة الآراء الواردة وعرض وجهات النظر المختلفة،وترجيح رأي علي رأي ولكننا أمام نظام تعليمي يقوم علي إعطاء نموذج إجابة للمصحح فماذا لوتجرأ أحد الطلبة وارتكب جريمة عرض الرأي الذي يقول بأن ماحدث في 30 يونيو انقلاب،أو ارتكب جناية أكبر وعرض الرأيين ورجح الرأي القائل بأن ماحدث انقلابا ماذا ستكون النتيجة ؟

المشكلة الحقيقية أننا ندرس للطالب حدث أدي الي انقسام مجتمعي لم تشهد له مصر مثيلا من قبل،وبالتأكيد لايوجد مشكلة بالنسبة للطلبة الذين يدرسون هذه المناهج من المؤيدين ل30 يونيو ولكن المشكلة الحقيقة للطلبة المعارضين لها،والذي ربما يكون لهم قريب أو صديق قتل أو أصيب أو اعتقل أو مطارد،وربما كان بعض الطلبة أنفسهم تعرضوا للاعتقال أو هم معتقلون بالفعل،والبعض الآخر يخرج في المظاهرات المعارضة لما يعتبره انقلابا والمطلوب منهم أن يحفظوا منهج الوزارة وأن يكتبوه في الامتحان علي غير قناعاتهم فما هي القيم التي نغرسها في نفوس الطلبة؟!! بل إن الأمر يتعدي الي مدرس المادة،والذي قد يجد نفسه عرضة للوشاية من واحد من ذوي "الاتجاه الوطني " إذا تجرأ ودخل في نقاش مع الطلبة حول توصيف ما حدث أو خرج علي المقرر !!!

يبدوا أن شعار هذا النظام الانقلابي "التأميم هو الحل" فبعد تأميم المساجد ووسائل الإعلام ومحاولة تأميم الحياة السياسية جاء الدور لتأميم واغتيال التاريخ

د صفوت حسين

كاتب ومحلل سياسي

المصدر