راحلون على طريق الدعوة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
راحلون على طريق الدعوة


الهضيبي والسيسي وأبو الحمد- يرحمهم الله- أبرز الراحلين عام 2004 م

شهد عام 2004 م رحيل عدد من الإخوان، الذي ساهموا في ري هذه الشجرة المباركة على مدى حياتهم، التي قضوا معظمها في رحاب جماعة الإخوان، وكانت بداية العام موعد رحيل المرشد المستشار الهضيبي، وفي نهايته رحل قطبا الإخوان عباس السيسي، وأبو الحمد ربيع- عضو مكتب الإرشاد.

وفي خلال العام ودَّع الإخوان عددًا من إخوانهم الذين سبقوا إلى الدار الآخرة، ولبوا نداء ربهم الذي قال في كتابه العزيز: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23)، وعلى الدرب يسير آلاف الإخوان، حاملين رايةَ الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مستلهمين خبرات وجهود إخوانهم الراحلين.

مع بداية العام غيب الموت مرشدَ الإخوان المستشار محمد المأمون الهضيبي الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الخميس 8/1/2004 م، وكانت جنازتُه تعبيرًا رائعًا عن وجود الإخوان القوي في الشارع المصري، فكان نصرًا للإخوان في موته، كما كان كذلك خلال حياته.

والهضيبي من مواليد 1921 م، ووالده هو المستشار حسن الهضيبي- المرشد الثاني لجماعة الإخوان- وقد تربى في أسرة إخوانية صافية، خرج من السجن عام 1971م، ثم انتقل للعمل بالسعودية حتى عاد قبيل وفاة المرحوم التلمساني عام 1986 م، وكان المتحدث الرسمي للإخوان طوال عهد المرشد الراحل أبو النصر، ثم نائبًا للمرشد في فترة الأستاذ مصطفى مشهور حتى أصبح مرشدًا عامًا في نوفمبر- رمضان- 2002 م، وشغَل موقع الناطق باسم كتلة الإخوان في البرلمان 1987 م- 1999 م، وكانت جنازته الهائلة تعبيرًا عن المكانة التي يحتلها في قلوب المصريين؛ حيث احتشد الآلاف صباح الجمعة أمام مسجد رابعة العدوية، يتقدمهم رموز الإخوان وعدد من القيادات النقابية والسياسية.

وقد قدر المراقبون عدد الحضور بما لا يقل عن 300 ألف مشيع..الأمر الذي دفع الجميع للدهشة؛ نتيجة تمكن الإخوان من حشد هذه الآلاف خلال ساعات قليلة، وفي اليوم التالي احتشد الآلاف أيضًا من أبناء مصر والدول العربية والإسلامية في عزاء المستشار الراحل، وحضره ممثلو القوى السياسية والوطنية والعربية معددين مناقب الفقيد.

وبعد عزاء المرشد بعدة أيام قام الإخوان بتأبين علَم آخر من أعلامهم، وهو الصحفي الكبير عبد المنعم سليم جبارة وذلك بنقابة الصحفيين، وحضر التأبين جلال عارف نقيب الصحفيين، ومحمد علوان نائب رئيس حزب الوفد، وعدد كبير من أصدقاء وتلاميذ الفقيد الذين استعرضوا حياة جبارة الذي قضى عشرين عامًا في السجن، ثم خرج قويًّا ليشارك في تحرير مجلة الدعوة..إلى أن سافر إلى الإمارات في بداية الثمانينيات، وظل هناك حتى تم استدعاؤه عقب وفاة الأستاذ جابر رزق، وتمكن من نقل الأفكار من عالم التجربة إلى الواقع، وكان يحمل مسئوليات كبيرة لم يظهر حجمُها إلا بعد وفاته.

وانتقل إلى رحاب الله مع بداية مارس الأستاذ علي يوسف من الرعيل الأول لدعوة الإخوان، ومع قدوم شهر أبريل فقد الإخوان الحاج محمود الجوهري - مؤسس قسم الأخوات بالجماعة- عن عمر يناهز90 عامًا، وكان الجوهري قد انضم للإخوان عام 1940 م، واعتُقل أكثر من مرة..أولها في عهد النظام الملكي عام 1949 م، وله عدد من المؤلفات في مجال الأسرة والمجتمع المسلم، وقد أصيب بأزمة قلبية دخل على أثرها المستشفي قبل وفاته بأسبوعين، وطلب بعدها رؤيةَ المرشد العام وبعض أعضاء مكتب الإرشاد الذين زاروه قبل وفاته بساعات.

ياسين والرنتيسي شهيدا الأقصى

وقبل مرور شهر على اغتيال أحمد ياسين كرر الصهاينة فاغتالوا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بنفس الطريقة يوم 17 أبريل، وندد مرشد الإخوان بالحادث، مطالبًا بقطع العلاقات، وطرد السفراء الصهاينة من البلاد العربية فورًا، وندد طلاب الجامعات في مظاهراتهم والنقابيون- خلال المؤتمرات والاعتصامات التي نظموها- بالصمت العربي المخزي إزاء تكرار استهداف قادة المقاومة الفلسطينية.

على درب الصالحين

أما يوم 3 مايو فكان موعد الإخوان في توديع رائد التعليم والدعوة عبد المحسن شربي، الذي ساهم في وضع برامج التعليم بالسعودية، وتدرَّج في السلك التعليمي حتى وظيفة مدير عام التعليم الثانوي بمحافظة الغربية، وكان الإمام البنا قد اختاره مع محمد فريد عبد الخالق للإشراف على قسم الطلاب بالجامعة عام 1942 م وحتى عام 1946 م، ثم اعتقل في الفترة من 1954 إلى 1956 م وأعيد اعتقاله عام 1965 م لمدة 3 سنوات.

وفي نفس الفترة انتقل إلى رحمة الله الأستاذ إبراهيم العريان الموجِّه بالتربية والتعليم وشقيق الدكتور عصام العريان.

وفي مساء الأحد 8 مايو تُوفي الدكتور أنور شحاتة- أمين صندوق النقابة العامة للأطباء- عن عمر يناهز 49 عامًا، بعد أن تدهورت صحته نتيجة إصابته بتليف في الكبد، وشارك مرشد الإخوان وعدد كبير من قادة الجامعة في تشييع جثمانه، وبعدها بأيام قليلة رحل عشيري عبد السلام أبو العلا من الرعيل الأول الذي حمل الدعوة.

زهيري في سبيل الله

م. أكرم زهيري

ثم كانت وفاة أحد شباب الإخوان في ظروف مأساوية؛ ونتيجة إهمال جسيم من جانب وزارة الداخلية؛ حيث لفظ المهندس أكرم زهيري (40 عامًا) أنفاسه متأثرًا بالجراح التي أصيب بها خلال خروجه من سجن طرة- حيث كان معتقلاً ضمن مجموعة الـ58- إلى النيابة لاستكتابه، ولم يتم إسعافه لمدة عشرة أيام.

وأثار استشهاد زهيري يوم 8/6/2004 م حالةً من التوتر في مصر؛ نتيجة اتهام الإخوان لوزارة الداخلية بالتقصير في رعايته صحيًا، كما أكد الدكتور محمد حبيب- نائب المرشد- أن ما حدث ليس سلوكًا فرديًا، لكنه منهج وأسلوب حكم وسياسة دولة، وتساءل الدكتور جمال حشمت- خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد بعد وفاة زهيري- عن السبب في اقتحام البيوت وانتهاك الحريات، وأضاف الدكتور محمد مرسي أن قتل زهيري أدى إلى زيادة حالة الاختناق التي تنتشر بين الناس.

وأعلن سيف الإسلام حسن البنا تضامن نقابة المحامين الكامل مع أسر المعتقلين، وطالب علي عبد الفتاح بإشراف القضاء الكامل على السجون، كما أصدر تجمع (مهندسون ضد الحراسة) بيانًا اتهموا فيه وزيري الداخلية والعدل بسبب تقصيرهما في رعاية أكرم، مؤكدين أن مقتله يعتبر وصمةَ عار في جبين النظام المصري.

وفي منتصف يوليو ودَّعت محافظة الدقهلية رمزها الإخواني الكبير الشيخ محمود أبو رية عن عمر يناهز 83 عامًا، وشارك في جنازته- في قرية ميت خميس- قرابة ألف من الإخوان ومحبيهم يتقدمهم المرشد العام وعدد من أعضاء [مكتب الإرشاد] ونواب مجلس الشعب.

وتوفِّي الداعية محمد داود حمص يوم 25/7 عن عمر يناهز 69 عامًا، وكان قد تعرف على دعوة الإخوان في محاضرة للإمام البنا في مدينة رشيد وهو ما زال طالبًا بالثانوي، وخلال نفس الفترة توفي الدكتور حسين الدرج- المرشَّح في انتخابات مجلس الشعب عام 2000م- والذي حوكم عسكريًا عام 2001م وصدر الحكم ضده بالحبس لمدة ثلاث سنوات، وأُفرج عنه في فبراير بعد قضائه ثلاثة أرباع المدة وتدهور حالته الصحية.

أما المفكر الاقتصادي يوسف كمال فقد انتقل إلى رحمةِ الله عن عمرٍ يناهز 73 عامًا بعد مشوار طويل حافل بالعمل في مجالي الاقتصاد والدعوة الإسلامية، وكان الفقيد قد اعتقل فيما عرف (بجهاز التمويل) خلال العهد الناصري، وله عدد من الدراسات الاقتصادية المهمة.

وكانت صدمة [الإخوان] في فقد ابنهم الشاب طارق زكي المكاوي كبيرةً؛ حيث توفي غريقًا حين كان يقضي إجازته السنوية مع أسرته، بعد أن عاش معظم حياته في رحاب الإخوان منذ كان طالبًا بالثانوي، وخاض تحت رايتهم انتخابات مجلس الشعب في دائرة كرداسة عامي 1995 م، 2000 م وشيَّعه30 ألفًا ضاقت بهم شوارع القرية.

وبعده ودَّع إخوان إمبابة أيضًا فقيدهم الأستاذ محمد عثمان من منطقة أوسيم وهو علَم من أعلام الحركة الإسلامية الذي وافته المنية بعد صراع مع المرض، وكان عضوًا بالمجلس المحلي لمحافظة الجيزة عام 1992 م، وأحد مرشحي الإخوان في انتخابات عام 1987 م، وشارك في العمل الخدمي وأعمال البر في مركز أوسيم.

معلمنا الحب

ورغم أنه كان مريضًا منذ فترة إلا أن الإخوان جميعًا قد أصابهم الحزن عندما توفِّي رائد مدرسة (الدعوة بالحب) الحاج عباس السيسي الذي يعتبر مُحيي دعوة الإخوان وباعثها من جديد بعد خروجه من المعتقل في السبعينيات، وهو حاصل على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية، وتطوع بمدرسة الصناعات الحربية بتوجيه من فضيلة المرشد العام الإمام حسن البنا، والتحق بوِرَش سلاح الصيانة بعد التخرج، وحضر معارك الحرب العالمية الثانية عام 1940 م في الصحراء الغربية، واعتُقل عام 1940 م لانتمائه للإخوان وقضى في المعتقل 6 أشهر.

الشيخ أبو الحمد ربيع والأستاذ عباس السيسي

ثم اعتُقل عام 1954 م لمدة عامين، وفُصِل من الخدمة عام 1956 م، واعتُقل مجددًا عام 1965 م إلى عام 1974 م، ثم ساهم بدور بارز في نشر الدعوة خارج مصر ، وشهدت له ساحات العالم بتحركاته وجولاته الدعوية، وله عدة مؤلفات، منها (الدعوة إلى الله حب)، (حسن البنا..مواقف في الدعوة والتربية)، (الطريق إلى القلوب)، ورغم أن أكثر من 25 ألفًا قد شهدوا جنازته إلا أن قلوب الإخوان جميعًا تحتفظ به داخلها.

وكانت صدمةٌ أخرى حين فقدت الدعوة الإسلامية والأزهر الشريف وجماعة الإخوان عضومكتب الإرشادالشيخ أبو الحمد ربيع، وهو مدير عام المنطقة الأزهرية بسوهاج سابقًا، والذي ولد عام 1934 م بقرية الشواولة مركز المنشأة، وحفظ القرآن والتحق بالأزهر، ثم حصل على شهادة العالمية من كليلة اللغة العربية مع إجازة التدريس، وتدرج في وظائف الأزهر حتى شغل منصب مدير عام المنطقة الأزهرية بسوهاج، والتحق مبكرًا بدعوة الإخوان ؛ مما جر عليه غضب السلطات الناصرية في الستينيات فاعتُقل عدة مرات ثم اعتُقل عام 1992 م في قضية (سلسبيل)، وسافر إلى أمريكا عام 1989 م للقيام بأنشطة دعوية.

الشيخ الشهيد

وتسببت جريمةُ الصهاينة باغتيالهم للشيخ القعيد أحمد ياسين- مؤسس حركة (حماس) في اندلاع شرارة الغضب في الشارع المصري، ونظم الإخوان وشاركوا في عدد كبير من الاحتجاجات الرافضة؛ حيث عقدوا مؤتمرًا شعبيًا كبيرًا داخل الجامع الأزهر، شارك فيه أكثر من 10آلاف مصلٍّ، وأشار خلاله الأستاذ محمد مهدي عاكف- مرشد الإخوان - إلى الدرس الذي قدمه ياسين في العمل والتضحية، مطالبًا الحكام بالعودة إلى الله، كما طالب الشعوب الإسلامية بدعم المجاهدين بكافة الوسائل.

وشهدت شوارع مصر في القرى والمدن مسيرات حاشدةً؛ تنديدًا بالجريمة الصهيونية، كما اندلعت المظاهرات في جامعات مصر ، وتم عقد عدد من المؤتمرات لفضح المخططات الصهيونية، كما أقام تحالف القوى الوطنية بمصر عزاءً شارك فيه أكثر من 40 ألف شخص..وكانت الطائرات الصهيونية قد قصفت الشيخ الشهيد عقب خروجه من المسجد بعد أداء صلاة فجر يوم 22 مارس؛ حيث استُشهد ومعه اثنين من رفاقه؛ ليؤكد زَيف دعاوى السلام، وأن تحرير فلسطين لن يتم إلا بالمقاومة حتى طرد المحتلين.