فاطمة سليمان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فاطمة سليمان

فاطمة سليمان ... مدرسة الصبر

الدكتور محمد بديع ..زوج ابنة السيدة فاطمة سليمان

إذا استقرت معاني الإسلام في قلب إنسان، واستطاع أن يعيش بها حياةً عملية استطاع أن يصنع أشياءً كثيرة تعود على الجميع بالنفع.

ولقد قدم الدعاة والداعيات في كل عصر ومصر تضحيات عظيمة من أجل هذا الدين، وما النماذج التي قدمتها جماعة الإخوان المسلمين من المجاهدات إلا حلقات في سلسلة من نماذج طيبة تفاعلت قلوبهن مع نور هذا الدين، بدأت بعصر النبوة؛ فوجدنا نسيبة بنت كعب رضي الله عنها تنتفض لتدفع بجسدها وتزود عن رسول الله (ص)، في غزوة أحد ضد الكفار، حتى وجدنا في العصر الحديث نساءً أعدن سيرة السلف الصالح.

لقد ابتليت زوجات كثير من الإخوان في أنفسهن فاعتقلن، وابتلين في أرزاقهن وأزواجهن وأولادهن وبناتهن، فكن مثالاً صالحاً يُحتذى به في مواجهة الظلم والظالمين، ونبراساً للفتيات اللاتي يأتين بعدهن ليحملن راية هذا الدين.

ونموذج كفاطمة سليمان من سلسلة النماذج التي جسدت الإسلام بمعانيه الحية، وأعادت سيرة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، ففاطمة اعتقل زوجها الطيار محمد علي الشناوي ما يقرب من عشرين عاماً، وزوج ابنتها الدكتور محمد بديع (المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حالياً) كان ضمن من اعتقل في محنة 1965م، وقد تعرضت للمحن على مدار حياتها... تعالوا بنا نقترب من شخصيتها ونتعرف على جهادها.. لنعرف من تكون؟

منبت الزهرة

فاطمة سليمان محمد سلامة هذا اسمها، ولدت عام 1926م بالمطرية بمحافظة الدقهلية، لوالد كان يملك مراكب نقل بحري تجاري، فكان يعيش حياة رغدة، غير أنها لم تحصل على أية شهادات دراسية، إلا أنها كانت تجيد القراءة والكتابة، وظلت الزهرة تترعرع حتى نضجت، فسارع إليها الشباب ليقطفوها ويحظى كل واحد منهم بها زوجة.

وفي نهاية المطاف؛ حظي بها الشاب محمد علي الشناوي، الذي كان متخرجاً لتوه في كلية الطيران، ومحمد الشناوي من مواليد 29/1/1918م بالمطرية بمحافظة الدقهلية، وكان ضابطاً طياراً في الجيش المصري، وكان أحد رجال النظام الخاص، حيث كان تابعاً لوحدة الجيش تحت قيادة الصاغ محمود لبيب، والطيار عبدالمنعم عبدالرؤوف.

اعتقال الزوج

اعتقل الشناوي بعد حادثة المنشية عام 1954م، واتهم بتجهيز طائرة ملغمة لاغتيال الرئيس جمال عبدالناصر، فحكمت عليه محكمة الثورة بالإعدام، وكان معه ضمن من حكم عليهم بالإعدام الأساتذة محمد مهدي عاكف، وعلي نويتو، وسعد حجاج، وصلاح شادي، إلا أن الإعدام خُفف للمؤبد قضى منها 20 عاماً بين سجون مصر من الواحات والمحاريق إلى قنا ثم طره فالقناطر حتى خرج من السجن عام 1974م، كما اعتُقل مرةً أخرى عام 1982م لمدة شهر.

وقد عمل بعد خروجه من السجن في السبعينيات مديراً عامّاً للإنتاج بمصانع الشريف للبلاستيك، توفي يوم 11/03/2007م عن عمر ناهز 89 عاماً. (1)

ومن المواقف الطريفة التي يحكيها الأستاذعباس السيسي عن الأستاذ محمد الشناوي في السجن:

«أنه كان يجري بجواري الأخ أحمد شعبان بسلاح المهندسين، وقد أنهكه الجري وأضناه التعب، وسمعت صوتاً من الخلف وكان صوت الملازم أول طيار محمد الشناوي وهو يقول: «شد حيلك يا أخ أحمد، ربنا معاك». ولكن الأخ أحمد لم يبادله الكلام، فقال الضابط محمد الشناوي: «يا أخ أحمد لا تنس أننا بايعنا الله تعالى على الموت في سبيله»، فنطق الأخ أحمد بقوله: «نعم يا سيدي أنا بايعتك على الموت ولم أبايعك على التعذيب». (2)

زواجها

تزوجت عام 1941م، وانتقلت إلى عش زوجها بالقاهرة، حيث مكان عمله، ورزقهما الله بخمسة من الأولاد، هم: «فاطمة» التي أصبحت وكيلة وزارة بالتربية والتعليم، وهي زوجة اللواء سلاح الصاعقة عبداللطيف البسيوني، ثم «إبتسام» التي كانت تعمل مدير عام بقصور الثقافة وهي زوجة المهندس محمد كمال ربيع؛

ثم المهندس محمد محمد علي الشناوي ويعمل خبيراً بحرياً بالتأمين على السفن، ثم «سمية» التي أصبحت مديرة مدرسة الدعوة ببني سويف، وهي زوجة الدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، ثم «يسرية» وكانت تعمل موجهة بوزارة التربية والتعليم وهى زوجة الدكتور محمد حامد شريت وكيل وزارة بالمعاش، وهو نجل المرحوم الحاج حامد شريت عضو الهيئة التأسيسية للجماعة.

دروس في الصبر

كانت السيدة فاطمة كمثيلاتها من زوجات الإخوان اللاتي ابتلين بفقدان الزوج خلف السجون، حتى وصل الحال إلى فقدانهم أغلى فترة في حياة الإنسان وهي فترة الشباب، بل زاد العبء عليها أكثر من غيرها؛ لأنها لديها خمسة من الأبناء في أعمار صغيرة.

لقد عاشت الزوجة مع زوجها تؤدي دورها كزوجة وكأم وكأخت داخل الجماعة، حتى استيقظت على أصوات ضرب الرصاص، فاستعلمت الخبر فعلمت أن بعض الرصاصات ضربت على جمال عبد الناصر أثناء خطابه في المنشية فأدركت المحنة، ولم تفق مما حدث حتى وجدت الضربات على باب بيتها، من الطارق؟ إنهم زوَّار الفجر، جاؤوا لأخذ الزوج إلى مكان لا يعرفه أحد، وسارعت باحتضان أبنائها لتحميهم بحنين الأمومة مما هو قادم.

الحكم بالإعدام

وعقدت المحاكمات، وخرج جمال سالم بأحكام الإعدام، ثم تبعه الفريق حتاتة في السلوك نفسه غير السوي، فحكم على زوجها وصحبته بالإعدام شنقاً، فنزل الخبر عليها كالصاعقة، غير أنها رفعت أكف الضراعة إلى الله أن يخلفها في مصيبتها ويرزقها خيراً منها، وكأن أبواب السماء قد استجابت لدعواتها المكلومة، فخُفِفَ الحكم على زوجها للأشغال الشاقة المؤبدة، فكانت فرحة في المنزل بالرغم من صعوبة الحكم، لكنه أخف من قسوة الإعدام، غير أن الحاج محمد الشناوي حزن حزناً شديداً وبكى، وقال: أخاف أن يكون الله حرمني شرف الشهادة في سبيله.

رحل إلى السجن ليقضي زهرة شبابه، في تهمة هو منها بريء، كما أنها حكمت على زوجته وأبنائه حكماً قاسياً، عندما خطفت راعي البيت لمدة عشرين عاماً، إنها قسوة.. غير أن ذلك لم يحرك شيئاً في أناس جبلت قلوبهم على حب الله والتضحية من أجله، وإدراك أن الله لا يضيع عباده.

وتذكر ابنتها «سمية» أنه يوم النطق بالحكم على الوالد كان يوماً صعباً، حيث ارتدت ملابس الحداد، وهذه الابنة رغم صغر سنها طلبت من أمها أن تفتح شباك المنزل لتدعو الله ففتحت لها الشباك، فأخذت الفتاة تدعو وتقول: «يارب.. بابا.. يارب»..

تركها الزوج وحدها تواجه الحياة بأطفال صغار، والمضايقات الأمنية على المنزل لم تنقطع، وقلة الدخل حيث منع عنها راتب الزوج، مما اضطرها أن تبيع مشغولاتها الذهبية وأساس بيتها، كما باعت ميراثها من أجل توفير لقمة العيش لأبنائها الصغار.

مسلسل المحن

ويستمر مسلسل المحن الرهيب، فما كاد يمر على الحكم على زوجها عدة شهور حتى فقدت والدها وأخاها الصغير خلال أسبوعين مما زاد الجراح ألماً، وبعد أن أفاقت من محن الأب والأخ فوجئت بقرار ترحيل زوجها إلى سجن الواحات، الذي يبعد عن القاهرة مئات الكيلومترات، داخل الصحراء الغربية، أقرب ما يكون للحدود السودانية، وكان عليها تجهيز الزيارات وتكبد المشاق والسفر خلال يومين ذهاباً وإياباً لرؤية زوجها في سجن الواحات ثم المحاريق.

لم تكد تعود من سجن الواحات بعد زيارة شاقة، وما كاد هذا الجسد المثقل بالمتاعب يصل إلى مقره حتى وجدت مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث اكتشفت أن أبناءها يمرون بأزمة صحية؛ فـ«سمية» أصيبت بالدفتريا، وسارعت الأم بعزل باقي الأبناء عنها، والعناية بكل ما يطببها، في ظل المتاعب الأمنية التي تواجهها، وقلة الرعاية الطبية تحت هذا الحصار الذي تعانيه، وظل الحال كذلك عدة أسابيع حتى عوفيت «سمية».

غير أنها ما كادت تسترجع عافيتها حتى سقطت ابنتها الصغرى «يسرية» فأصيبت بارتجاج في المخ، فدخلت بها في طور الرعاية الطبية حتى عوفيت، وفي التوقيت نفسه أصيبت ابنتها «إبتسام» بمرض منعها من الحركة، فكانت تحملها الأم لتصعد بها إلى الشقة في الدور الرابع وتنزل بها يومياً لتذهب بها إلى المدرسة.

وأثناء عودة ابنها الوحيد من المدرسة أصيب بحادث نجم عنه عدة كسور في عظامه، عطلته عن الدراسة عدة شهور، وصحب كل ذلك ضيق في الرزق واضطهادات أمنية، غير أنها اتصفت بالتدبير الذي أذهل أبناءها، فأحيتهم حياة كريمة وسط الناس بفضل عملها في تصميم الملابس لأرقى دور الأزياء في القاهرة، والتي كانت تتعامل معها لذوقها الرفيع ودقتها في العمل. (3)

صمود لا مثيل له

ظلت الزوجة طوال عشرين عاماً تعمل بكل طاقتها، لتجبر خاطر زوجها وقت الزيارات، فلم تتخلف عن زيارته في أي مكان يذهب إليه، وانطبق عليها قول إحدى الأخوات: «أود زوجة لابني تحمل الكرتونة وتذهب وراءه في السجون»، ومع ما كانت تسمع من أهوال تشيب لهولها الولدان داخل سجون عبد الناصر كان ينقبض قلبها هلعاً على زوجها، إلا أنها كانت تسارع بالوقوف بين يدي الله تتضرع له أن يحمي زوجها ومن معه من الصالحين، وأن يخزي المجرمين.

واستمرت على هذا الخوف مع الرجاء كلما مرت بالإخوان محنة؛ فعندما حدثت مذبحة طره، التي قام بها عبد الناصر وزبانيته في أول يونيو 1957م، جرد أيضاً تجريدة كبيرة لتقوم بالدور نفسه مع سجناء سجن الواحات، الذي كان يضم كبار الشخصيات وأعضاء مكتب الإرشاد

أمثال الأستاذ محمد حامد أبو النصر، وعمر التلمساني، والدكتور محمد خليفة، وحسين كمال الدين، والأستاذ محمد مهدي عاكف، ومحمد الشناوي، وعلي نويتو وغيرهم، وكانت هذه التجريدة تحت قيادة اللواء إسماعيل همت، وكانت نيته عمل مذبحة على غرار ما حدث في طره، غير أن الله ابتلاه بمرض شديد منعه من إقامة هذه المذبحة ونجى الله المؤمنين. (4)

غير أن هذا العمل لم يَرُقْ لجمال عبد الناصر، فقرر نقل المساجين إلى سجن المحاريق الذي صوره الأستاذ سعد سرور في زجله الذي يقول فيه:

ع المحاريق ع المحاريق

ربك بكره يفك الضيق

والله رجعنا للزنازين اوعى تكون مهموم وحزين

شد العزم وقول يا معين لف النمرة وياللا قوام

واتقل واصبر ع الأيام

وابقى في وقت الحق جريء

(5)

كل ذلك كانت الزوجة المكلومة تسمع عنه، غير أن الله رزقها قلباً صادقاً، وألهمها صبراً وثباتاً ورضا بقضاء الله.

خروج الزوج

في عام 1974م خرج الزوج بعد رحلة طويلة خلف القضبان، عاد فوجد الزوجة خير ربان قاد السفينة فوصل بالأولاد إلى بر الأمان، كما كانت نعم الرفيق لأهله وإخوته، بل كانت نعم الرفيق لإخوانها، عاد ليجدها باعت كل ما تملك من حلي وأمتعة لتنفقه على أولادها؛

فحمل عنها قيادة السفينة، ورزقه الله بعمل في مصانع الشريف للبلاستيك، حيث اختاره الحاج عبد اللطيف الشريف ليكون مديراً عامّاً للإنتاج بمصانعه، وسارت الحياة كما قدرها الله لهما، فلم ينشغلا بالحياة وجمع المال بقدر انشغالهما بالدعوة، فكانا نموذجين عمليين للدعاة الربانين.

وفاتها

كانت الحاجة فاطمة على اتصال بالحاجة زينب الغزالي دائماً، وفي يوم من الأيام رأت إحدى الأخوات تقوم بتغسيل وتكفين امرأة توفاها الله وتدعو لها بدعاء طيب، فتمنت أن تغسلها هذه الأخت وتكفنها وتدعو لها؛

وفي إحدى زيارتها للحاجة زينب الغزالي أسرَّت لها بهذه الأمنية، حتى كان يوم 9/2/1992م حيث وجدت الحاجة زينب الغزالي الأخت المغسلة تتصل عليها لتخبرها أنها ذاهبة لزيارة الحاجة فاطمة لأنها مريضة بالمستشفى، فذهبوا إلى المستشفى وعندما وصلوا علموا بأنها توفيت فقامت الأخت بتغسيلها وتكفينها وتحققت أمنيتها. (6)

رحلت الحاجة فاطمة بعد رحلة عناء ومشقة تميزت فيها بالتدبير والاقتصاد والحزم والعطف والحنان والصبر.

الهوامش

  1. موقع إخوان أون لاين .
  2. عباس السيسي: حكايات عن الإخوان، دار النشر والتوزيع الإسلامية،
  3. أوراق مكتوبة حصل عليها الأستاذ عبده دسوقي من د. محمد بديع والسيدة زوجته.
  4. عبدالحليم خفاجي: عندما غابت الشمس، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1408هـ - 1987م.
  5. سعد سرور كامل: خواطر مسجون، دار الدعوة للطبع والنشر، الجزء الأول، 1985م.
  6. أوراق د. محمد بديع.

المصدر : مجلة المجتمع عدد 1822 -11/10/2008