صفحات من جهاد الشباب المسلم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حسن دوح صفحات من جهاد الشباب المسلم


صفحات-من-جهاد-الشباب-المسلم.jpg


مقدمة

هذا الكتاب أملته علي الأحداث المتلاحقة في المنطقة العربية ... أردت أن أضع أمام شباب هذه الأمة تجربة رائعة من تاريخ جهادهم ... ولم أشأ أن أغفل الدخن الذي شاب هذه التجربة، حتى يكونوا على حذر وهم يترسمون خطى إخوانهم الذين سبقوهم.

والكتاب يحمل في حناياه قصة أحداث وقعت في مصر في أواخر عام 1951 وأوائل سنة 1952، ويحكي لنا جانبا من كفاح آحاد الشباب في مواجهة ستين ألف جندي إنجليزي كانوا يعسكرون على ضفتي قناة السويس، تدعمهم إمبراطورية ضخمة وتساندهم قوى حلف الأطلنطي.

ويكشف الكتاب عن الصراعات السياسية والفكرية التي لازمت مراحل الكفاح ... وكيف تمكن الشعب من توحيد قواه في مواجهة الإنجليز والقصر والأحزاب وكل القوى المتحالفة ضده.

وينقلنا الكتاب عدوا إلى أحداث اليوم ... في محاولة لإيجاد تفسير للغارة الهمجية التي تدافعت من الشرق والغرب لعرقلة خطى الزحف الحضاري الذي بدأ في أمتنا...

ويحاول الكتاب أن يشير إلى مصادر الإشعاع التي يمكن على هديها أن تقهر فلول الظلام العالقة بأمتنا.

وكل ما أرجوه أن نقرأ الكتاب في أعمالنا وتصرفاتنا، ولا نكتفي باستعراض صفحاته ونجري على سطوره.

ومعذرة لكل قارئ يلمس مني قصورا ... وشكرا لكل قارئ يقدم لي نصيحة وتوجيها ...

وفقنا الله لما فيه الخير.

نحن هنا في بلادنا

  التاريخ 5 يناير سنة 1856، والمكان قصر محمد سعيد "باشا" والي مصر ... يقف "فردينان دلسيبس" بين يدي الخديوي في خشوع مصطنع حتى ينتهي الخديوي من بصم المخطوط الرهيب، الذي يفوض المهندس الفرنسي في حفر برزخ قناة السويس.

يتناول دلسيبس المخطوط، ويمضي على الفور في تنفيذ المشروع الكبير مستغلا كل إمكانيات الشعب المصري ... مستنزفا أمواله ودماءه.

ونقلب صفحة أخرى من التاريخ ... فيطالعنا وجه بريطانيا الكئيب وهي تطل في ترقب على أمواج البحر الأبيض والبحر الأحمر وهما يتعانقان عبر البرزخ الكبير ...

فتتحرك مطامعها التقليدية، وتدفع بكل قواها لتزاحم الفرنسيين، وتخلع أقدامهم من مصر حتى لا تتكرر حملة "بونابرت" من جديد.

وبعد مناورات ومؤامرات يتقدم الأسطول البريطاني يوم 22 يوليه سنة 1882 ليطوق مصر في البحر، وكانت حجته أن الحكومة المصرية تقيم تحصينات وقلاعا على شواطئ الإسكندرية، وأن هذه القلاع تغيظ بريطانيا وتتحداها!

أرسلت بريطانيا إنذارا إلى الحكومة المصرية تطالبها بوقف التحصينات وإلا!

وكان رد رئيس الحكومة درويش باشا ووزرائه رائعا رائعا وقويا قالوا "نحن هنا وفي بلادنا، ومن حقنا بل واجبنا أن نصونها ضد كل عدو يبادئنا بالعدوان.

إن مصر بالمحافظة على شرفها وعلى حقوقها لا تستطيع أن تسلم أي مدفع أو أية قلعة مهما تكن إلا إذا اضطرتها الحرب ..".

لم يعبأ الإنجليز بهذا التحدي، وأصدروا أوامرهم لقواتهم على مصر، ووقف الشعب المصري يدفع بكل قواه غارة الوحوش البيض .. وهنا برزت الخيانة في شخص الخديوي توفيق، فأصدر تصريحه المشئوم يوم 31 يوليه سنة 1882 الذي جاء فيه "يصرح لكم باحتلال كل نقط برزخ السويس، التي ترونها مفيدة لحرية المرور في القناة وحماية المدن والسكان المجاورين، وتحطيم كل قوة لا تعترف بسلطتنا".

وتحتل مصر .. وتحشد قوات بريطانية ضخمة على ضفة القناة الغربية .. وتعلن بريطانيا أنها ليست أكثر من حارس يقوم على حماية حرية الملاحة في القناة ... ويصدر "جرانفيل" منشورا يطمئن فيه الدول الكبرى على حرية الملاحة ..

ولكن الدول الكبرى يساورها القلق، فتعقد اجتماعا في الآستانة يضم ثماني دول كبرى .. وفي أول أكتوبر سنة 1888 م تبرم معاهدة من سبعة عشر بندا تنص على ضمان الملاحة في القناة .. ولكن الإنجليز يضيفون فقرة بسيطة إلى المعاهدة، وبذلك ينسخون كل شيء فيها تقول الفقرة البسيطة "إن هذه التدابير التي تتخذها الدول الكبرى لا تعد واجبة التطبيق بشكل يعرقل حقوق القوات البريطانية التي تحتل مصر، أو يعطل حريتها في العمل".

وتمضي عجلة الزمن .. وعلى الطريق الطويل يشهد العالم الصراع الجبار بين شعب أعزل وبين أقوى إمبراطورية معاصرة ... وتسجل الأيام مواقف بطولية رائعة لرجال بذلوا أرواحهم في سبيل أمتهم ... كما تسجل آسفة على لوحة سوداء أسماء الخيانات الوطنية..

والقصة تطرح في أمانة دور الشباب وهو يصدر في عزم قرارا مسلحا بطرد بريطانيا من مصر ... وتعطي كل ذي حق حقه في أحكام أقرب ما تكون إلى أحكام القضاء ...

والقصة .. بعد أن تسجل الأحداث، وتدون المواقف ترسل إشعاعا من نور على الطريق الطويل المظلم الذي تعبره أمتنا في أدق مرحلة من مراحلها ..

فما هي القصة ...

مصر تتحدى حلف الأطلنطي

"لن ندخل في دائرة الأحلاف أيا كان طريق الدخول إليها ولو بحجة الدفاع عن الشرق الأوسط".

الشعب المصري سنة 1951

إلغاء المعاهدة وتهديدات بريطانيا

في اليوم السابع من أكتوبر سنة 1951 م ألغت الحكومة المصرية معاهدة الصداقة والتحالف مع بريطانيا كما ألغت اتفاقية 1899م الخاصة بالسودان .. وقال رئيس الوزراء وقتها "مصطفى النحاس باشا" من أجل مصر وقعت معاهدة سنة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها" ... ووافق البرلمان على إلغاء المعاهدة.

كان إلغاء الحكومة للمعاهدة صدمة كبيرة لبريطانيا ولحلفائها، خاصة فرنسا، وعلى الفور عقد اجتماع بينهما وصدر بيان إنجليزي فرنسي بعدم الموافقة على قرار مصر بإلغاء المعاهدة.

ولم تنتظر أمريكا كثيرا بل عجلت بتحديد موقفها، وأعلن وزير خارجيتها "دين أتشيسون" في مؤتمر صحفي عن عدم موافقة حكومته على قرار الحكومة المصرية وطالبها بالتمهل ..

ثم جاءت أول خطوة عملية من حاكم السودان الإنجليزي "تشالز كسنجر" الذي تحدى قرار مصر بإلغاء المعاهدة، وبالتالي ضم السودان لتاج مصر ... ولكن الحاكم فوجئ بموافقة الأحزاب السودانية والشعب السوداني على إلغاء المعاهدة وما يتبعها من آثار.

حلف الأطلنطي يتحرك

لم تمض ساعات على قرار الحكومة المصرية بإلغاء المعاهدة ... وقبل تصديق الملك عليها ... حتى تحركت كل قوى الأطلنطي تتحدى القرار المصري ... وعقد أيزنهاور قائد عام حلف الأطلنطي اجتماعا حضره "عمر براديللي" ورؤساء حرب القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية لدراسة موقف مصر ..

وفي نفس اليوم أعلنت الحكومة البريطانية إلغاء إجازة الجنود والضباط في منطقة القناة، كما أعلنت حالة الطوارئ في جميع قواتها.

وفي اليوم التالي أي يوم 11 أكتوبر وجهت بريطانيا إنذارا إلى مصر تحملها فيه مسئولية أرواح القوات البريطانية في القناة.

وفي حمى الغضب أصدرت بريطانيا أعجب قرار لها، وهي أنها سوف تدافع عن مصر "ضد أعدائها" حتى وإن رفضت مصر .. وطبعا لم يكن الأعداء أكثر من خيالات وأشباح في رأس الدولة العجوز ...

ولما هدأت الحمى قليلا وعادت بريطانيا لحكمتها التقليدية وخبثها، قالت لمصر إنها مستعدة لإجلاء قواتها عن القناة إذا قبلت مصر الاشتراك في الدفاع عن الشرق الأوسط ...

وكان آخر سهم في جعبة بريطانيا وحلفائها تلك المقترحات التي تقدمت بها إنجلترا وأمريكا وفرنسا وتركيا لمصر وهي "موافقة مصر على المساهمة في الدفاع عن الشرق الأوسط" ...

وجاء في ديباجة المقترحات "ما دامت مصر تنتمي للعالم الحر فإن الدفاع عن الشرق الأوسط يعتبر أمرا حيويا لها وللأمم الديمقراطية الأخرى".

ولم تنتظر مصر كثيرا لترد على مقترحات الحلفاء لأن الشعب المصري كان معبأ للغاية ... كما لم يكن في وسع الحكومة أو القصر التصدي لإرادة الجماهير الثائرة، وكان رد الحكومة واضحا وهي أنها "لن تدخل في دائرة الأحلاف أيا كان طريق الدخول إليها ولو بحجة الدفاع عن الشرق الأوسط".

كان هذا موقف الحكومة الرسمي تحت ضغط الشعب الثائر، ولكنها لم تكن تتوقع أن يقدم الشعب على خطوات إيجابية ..

فبعد يوم واحد من رد الحكومة على مقترحات الحلفاء، سدد العمال المصريون أول ضرباتهم، وكانت من عمال السكة الحديد الذين يشتغلون في منطقة القناة، فقد اتخذوا قرارا إجماعيا بعدم نقل الجنود البريطانيين إلى معسكراتهم ... فأصاب الشلل كل المعسكرات وتوقفت حركة الخدمات داخل المخيمات فجن جنون الإنجليز وأخذوا يطلقون نيرانهم على الأهالي بلا وعي.

هذه الأحداث المتلاحقة من الجانبين وضعت الحكومة في حيرة وقلق، فهي لم تكن تتوقع موقفا إيجابيا من الشعب ... كما لم تكن تضع في حسبانها تصرفات القوات البريطانية ... ففكرت في اتخاذ موقف شبه حيادي فدعت إلى تنظيم مقاومة سلبية ..

"على مذهب غاندي في الهند" إلا أنها لم تكن تعرف حدود هذه المقاومة، كما لم تكن على استعداد للمضي فيها، فالشعب المصري كان قد فقد الثقة في كل زعمائه .. كما فقد الثقة في كل الأساليب السلمية "والمتعقلة" ... كان الشعب مستعدا للتضحية لأبعد حد فداء لحريته واستقلاله، بعد أن تحمل ثمانين سنة من المعاناة والآلام.

ومضت الأحداث سريعة ومتلاحقة تتدافع من تلقاء نفسها.

وجاءت الخطوة التالية من القوات البريطانية التي خرجت من معسكراتها وضربت الحصار حول الجمارك في القناة ... واستولت على إحدى ناقلات البترول كانت تستعد لتفريغ حمولتها ... وكان المقصود بهذه العملية شل حركة النشاط في الدولة وتعطيل المواصلات ... وكانت أقسى ضرباتهم احتلال كوبري الفردان، وبذلك قطعت المواصلات بين شرق القنطرة وغربها.

وفي 18 أكتوبر أي بعد ثلاثة أيام من تصديق الملك على إلغاء المعاهدة وصلت حاملة طائرات بريطانية إلى القناة وتبعتها قوة مظلات ...

تشرشل في المعركة

وتضامنا مع الخطة العسكرية المتكاملة بدأ الإنجليز يشكلون سياستهم الداخلية وفقا للظروف الجديد ... فدفعوا بداهية السياسة والحرب "السير ونستون تشرشل" إلى الحكم ليرأس حكومة محافظة متعصبة ... جاءوا بالرجل الذي استطاع بدهائه أن يهزم المحور في الحرب العالمية الثانية ... وكانت أول خطوة اتخذها تهديد مصر بالاحتلال الكامل ...

ولكن الشعب قابل التهديد بمزيد من التجمع والاستعداد وكان أسرع رد عليه امتناع العمال المصريين عن تفريغ السفن الإنجليزية ... فاضطر الإنجليز صاغرين لرفع علم إيطاليا على سفنهم كساتر لهم إلا أن العمال فطنوا للخدعة ورفضوا تفريغ السفن ...

ولقد استطاع العمال أن يسجلوا مواقف بطولية رائعة في المعركة .. فلم يكتفوا بالمواقف السلبية كعدم تفريغ السفن أو تعطيل المواصلات ولكنهم لجأوا لعمليات فدائية داخل المعسكرات كإشعال الحرائق والاستيلاء على الأسلحة وخطف الجنود ... ووجد الإنجليز أن الأمر لم يعد في وسعهم احتماله .. فقاموا بغارات همجية على تجمعات العمال في منازلهم بالسويس والإسماعيلية، وأخيرا كانت مفاجأة الحكومة الإنجليزية بقرار سحب العمال من المعسكرات ...

والواقع أننا فرحنا وقتها بهذا القرار، ولكنني أعتقد الآن أنه لم يكن قرارا حكيما لأن العمال كان في وسعهم تدمير المعسكرات من الداخل ومساعدة العمل الفدائي الزاحف من الخارج ولعل الصدى الكبير الذي أحدثه قرار الحكومة يشفع لها في تصرفاتها ...

فلقد شلت كل ضروب النشاط في المعسكرات .. واضطر السادة الإنجليز! لخدمة أنفسهم بعد أن كانت الأيدي السمراء تعمل جاهدة في خدمتهم! ولم يكن هذا الأمر سهلا عليهم .. خاصة بالنسبة للمواصلات ويكفي أن نتصور الآن منظر القطارات وهي راقدة كتوابيت الموتى في داخل المعسكرات.

كان طبيعيا بعد توقف العمال عن العمل أن تتوقف الإمدادات عن الإنجليز خاصة الخضراوات والفواكه فلجأوا لأسلوب آبائهم في القنص فقطعوا الطريق على السيارات المحملة بالخضراوات وسرقوا ما بها، واستمر الحال على هذا الوضع، ضربات عشوائية متقطعة من الطرفين، ومجهول لا يستطيع أحد استكشافه.

هذه لقطة سريعة عن حالة المعسكرات الإنجليزية في القناة بعد إلغاء المعاهدة ولنحاول في عجالة أن ننفذ إلى قلب مصر السياسي لنتحسس نبضها.  

القصر والأحزاب والشيوعيون والإخوان

  كانت أحداث القناة وتحرشات الجنود بالمواطنين، وضربات العمال المتلاحقة للعدو تشعل حماس الشباب في كل مكان، الطلبة والعمال والموظفون .. والفلاحون .. كل الشعب كان يغلي كالمرجل .. مظاهرات في المدن وانفعالات في الريف ...

وانطلقت الصحافة تلهب حماس الشعب وتلتها الإذاعة التي تحولت إلى منابر للخطابة، واستطاع الشعب أن يمزق كل أرديته الحزبية القديمة ونسي في غمرة الحماس انتماءاته الحزبية، وطرح عن كاهله كل الزعماء الذين كانوا يتلاعبون به ويسخرونه لمصالحهم ... ولكنه مع هذا لم يشأ أن يشغل نفسه بخوض معارك معهم، حتى يتفرغ لمعركته ضد العدو الأخطر ... حتى الملك الذي بلغت كراهية الشعب له ذروتها خاصة بعد فضيحة أسرته وزواج أخته بأحد المسيحيين ...

استطاع الشعب أن يصطنع معه هدنة مؤقتة فسكتت الهتافات ضده ولكن لم ترتفع الهتافات له، كما كان يتوقع بعد موافقته على إلغاء المعاهدة ... أما مصطفى النحاس فكان أقصى أمله أن يغفر له الشعب سقطته سنة 1942 يوم أن فرضه الإنجليز بدباباتهم على الحكم – أراد النحاس أن يتطهر من ماضيه أمام الشعب، وفي نفس الوقت كن يقوم بحركة تطويق ضد العرش ...

إلا أنني لا أعتقد أنه كان يفكر في ثورة لخلع الملكية ... كان قصارى أمله أن يعزل الملك في قصره ويتحكم هو في البلاد وكان الملك يعرف هذا تماما إلا أنه كان يخشى أن يخرج الأمر من يد الوفد، وتتمكن قوة أخرى كالجيش أو الإخوان المسلمين من القفز على رأس الملك والنحاس معا ... أما الأحزاب الأخرى فآثرت الانطواء والترقب ولم يكن في وسعها إلا أن تظهر رضاها عن ثورة الشعب .. ولعلنا نكون منصفين إذا قلنا إن الحزب الوطني كان من أسبق الأحزاب تأييدا لحركة الشعب ..

ولكنه كان يفتقد القاعدة الشعبية ... والتنظيم ... أما حزب مصر الفتاة أو الحزب الاشتراكي كما كان يسمي نفسه فقد حرص على الاستفادة من الموقف ... وعلى صفحات جريدته نصب أحمد حسين نفسه قائدا للمعركة .. والواقع أن الحزب الاشتراكي كانت تصرفاته لا تنبئ عن الجدية ... كما كان أساليبه للدعاية لا تثير احترام المواطنين، ومع هذا كانت تستهوي الكثير من الشباب ...

ولعلي أذكر قصة طريفة كانت مثار سخرية الجميع من الحزب الاشتراكي ... فلقد استطاع أحد أبناء الشرقية أن يدفع بخبر مكذوب وهو استشهاد شاب اسمه هدهد ... فالتقطت الصحيفة النبأ وذكرت قصة استشهاد وهمية ومعركة وهمية كذلك، وأكدت أن هدهد هذا من طلائع الحزب .. وإني بسبيل تسجيل حقائق تاريخية لا أحب أن أغمط دور أحمد حسين في إثارة حماسة الشباب كما لا أستطيع أن أنكر عليه وطنيته، لكنني أعتقد أن أسلوب أحمد حسين والذي تبناه الكثير من شبابه كان يميل للتطرف والمبالغة.

ومن حق القارئ أن نستعرض أمامه نشاط الحركة الشيوعية في مصر إبان معركة القناة .. والحركة الشيوعية تواجدت في مصر بزعامة "هنري كوريل" الصهيوني ... وكانت الحركة قد تجاوزت مرحلة السرية إلى أن ظهرت على السطح .. وبدأ الشيوعيون يعلنون عن أنفسهم في كل مكان .. حتى في المحاكم كانوا يعلنون عن تكوين حزبهم الشيوعي ... ولكنهم كانوا يعانون كثيرا من وجود حركة الإخوان المسلمين التي كانوا ولا يزالون يعتبرونها من أشد الحركات عداوة لهم ..

كانوا يقولون إن "الإخوان والعدس" من أسباب تعويق الحركة الشيوعية في مصر ... ويقصدون بالعدس، أن العامل أو الفلاح الفقير يستطيع أن يشبع من العدس بمبلغ زهيد وبالتالي لا يشعر بالجوع الذي يدفعه للشيوعية ... أما موقف الشيوعيين من المعركة فكان يتلخص في إثارة الشباب ودفعهم للحرب، إلا أنهم كانوا يبخلون بدماء أبنائهم من أعضاء الحزب ... كانت فلسفتهم الاستفادة من دم غيرهم لصالح المد الشيوعي .. وفي نفس الوقت كانوا حريصين على توريط الإخوان واستنفاد طاقاتهم في حرب وطنية ضد الإنجليز حتى يسهل ضربهم بعد ذلك.

ولعل من الإنصاف أن نتكلم عن الإخوان المسلمين .. وأقول هنا وأنا أتعرض لحركة الإخوان، إنني سأحاول أن أكون قاضيا يصدر حكما يتحرى أن يكون عادلا لا محاميا مهمته الدفاع عن جماعة ارتبط بها مصيريا وذاق حلوها ومرها على طريق الحياة ... وأذكر أنني قلت في أول خطاب لي في الجامعة إنني سأخلع ردائي خارج حرم الجامعة وطالبت كل الشباب أن يأخذوا أنفسهم بسياسة التجرد للحركة الوطنية متناسين كل ارتباطاتهم الحزبية ...

ولكن هل التزم الشباب وهل التزمت أنا بهذا الشعار، الواقع أنني بذلت قصارى جهدي في سبيل أداء الأمانة التي حملتها .. ولكن لم أستطع أن أجرد إخواني من عواطفهم الإخوانية ... أما الحزبيون فكان كل واحد منهم مشدودا بخيوط تربطه بناديه، ولكن ليس يعني هذا أنني أتهم كل الشباب الحزبي بل إن كثيرا منهم نفض يده من انتمائه الحزبي، وتجرد لخدمة أمته ...

وأعود لحركة الإخوان وأقول إن الإخوان كانت في سنة 1951 تحاول أن تسترد نشاطها وتجدد نفسها بعد محنة سنة 1948 والتي انتهت باستشهاد مرشدهم الأستاذ حسن البنا، ثم إنها كانت تعيش تجربة قيادة من لون جديد وصيغة جديدة ... قيادة صامتة هادئة تتمثل في المستشار الأستاذ حسن الهضيبي ... والذي كان يلتزم بأسلوب القاضي في معالجته للقضايا التي تعرض عليه .. ولم تكن له قدرة حسن البنا في مخاطبة عواطف الشباب ومشاعرهم ...

والرجل لم يكن راغبا في منصبه الجديد بل قبله راغما تحت ضغط بعض قادة الجماعة الذين كانت نظرية تساوي الرؤوس تكاد تجعلهم في وضع لا يسمح لهم بإعطاء الولاء لأحدهم، فكانت فكرة اختيار الهضيبي هي الحل الأمثل للضغط على جميع المشاكل الداخلية ... لكن هل حققت هذه الفكرة المطلوب منها ...

الواقع يقول إن الظروف والأحداث المتلاحقة وظهور أحداث يوليو سنة 1952 والصدام المتلاحق بين الثورة والإخوان لم ولن تمكننا من إنصاف الحقيقة .. فالهضيبي عاش عمره في الإخوان في ظلال محن وأحداث إلا أنه لم يعش تجربة التوجيه والإرشاد التي مارسها حسن البنا من سنة 1928 إلى أن استشهد في سنة 1948، أما في معركتنا هذه فإن الرجل أعطاها كل طاقاته، وقدم لها ابنه إسماعيل كمشاركة فعالة فيها ...

إن هذا القدر يكفينا هنا، ونحن بسبيل التعرض لموقف الإخوان من حرب سنة 1951، سنة 1952 .... وقبل أن ننتهي من تحليل موقف الإخوان، لا ينبغي أن ننسى أثر حرب فلسطين سنة 1948 في أحداث حرب القناة، ويكفيني أن أقول إن حرب سنة 1951 كانت امتدادا لما جرى شرق القناة في فلسطين، فالذين تولوا القيادة والتدريب وممارسة العمل في القناة هم من خريجي حرب سنة 1948 وبعض الأسماء تصدق قولي فكامل الشريف وعلي صديق وعبد الرحمن البنان وحسن عبد الغني وعبد العزيز علي ومئات آخرون لا يتسع المقام لذكرهم ..

وكاتب هذه الكلمات كانوا من الذين تمرسوا في حرب سنة 1948 – نضيف إلى هؤلاء بعض الطلبة الذين سبق لهم التدريب في الإخوان والذين دخلوا في عمليات فدائية رائعة ضد القوات البريطانية التي كانت ترابط في بعض مناطق القاهرة وضواحيها، ويسجل التاريخ أو لا يسجل أسماء هؤلاء الرجال فهم أكبر من أن يعيروا آذانهم للمنصفين أو المتنكرين للحقائق.

نعود للحديث عن جماعة الإخوان لنقول إنهم كانوا أصحاب أكبر دور في معارك القناة ويرجع هذا لعدة أسباب لم تتوافر لغيرهم، ذكرنا منها سابق تدريبهم في حرب فلسطين، ثم حافزهم الإسلامي الذي أعطاهم طاقات رائعة ضربت أروع الأمثال في حرب فلسطين، فإذا أضفنا لكل هذا التنظيم الدقيق الذي أبدع فيه أيما إبداع الشهيد حسن البنا، لقلنا إنه كان طبيعيا أن يأخذ الإخوان مكان الصدارة في الحركة الوطنية – برغم الصعوبات الكبيرة التي كانوا يواجهونها من مختلف الحكومات.

يتبقى بعد ذلك دور الجيش والبوليس، فإذا بدأنا بالبوليس لكفانا موقفه الرائع يوم 26 يناير في الإسماعيلية، فإذا ذكرنا رجال البوليس أفرادا لكنا ظالمين إذا لم نسجل بالإعجاب لشريف العبد، وعبد الغني أبو دومه وآخرين من الذين لم تسعفني ذاكرة عشرين سنة تقريبا وتسجيل أسمائهم ...

أما الجيش فكان يغلي من داخله، وكانت أحداث سنة 1948، ومأساة الذخيرة الفاسدة، وخيانات بعض الحكومات من أهم العوامل التي دفعت ببعض الشباب المتحمس لخلق تكتلات وخلايا سرية، كان بعضها امتدادا لخلايا الإخوان، والبعض الآخر وليد انفعال وطني، حتى الملك نفسه بدأ بتكوين جهاز سري في الجيش "لمقاومة الحركات الوطنية المتصاعدة أو تضليلها .. ولعل حادث مصرع الضابط عبد القادر طه في الروضة كان من الأعمال "الفدائية الملكية" ...

ومع كل الظروف التي تحيط بي الآن ومن قبل إلا أنني أرى أن أسجل في أمانة موقف الضباط الأحرار من أحداث سنة 1851/ سنة 1952 ... وقد لمست بنفسي مواقف مشرفة وبطولية لبعض هؤلاء الضباط ...

أذكر منهم صلاح هدايت وزير البحث العلمي سابقا والذي لازم معسكر الجامعة من أول يوم وكان يتولى قسم المواد الناسفة والألغام والمفرقعات ... بل إنه كان يقوم بتصنيعها داخل معسكرات الجيش أو في معامل كلية العلوم بمساعدة زملائه طلبة كلية العلوم ...

وقد اشترك صلاح هدايت في مشروع إغلاق قناة السويس والذي لم يتحقق لظروف فنية، فكان هو والصاغ وصلاح شادي، وآخرين من رجالات الإخوان مكلفين بنسف سفينة بترول عند كوبري الفردان لتعطيل الملاحة في القناة، وقد شارك في هذه العملية أنور السادات وعبد اللطيف بغدادي اللذان نقلا بعض المعدات بطائراتهم إلى مواقع العمليات.

كما أسجل لمجدي حسنين دوره الكبير في تدريب طلبة الجامعة عند الكيلو رقم (19) ... وكان كمال الدين حسين من المترددين بكثرة على معسكر الجامعة ... ولعل من الإنصاف أن أسجل للواء المهندس محمود خليل (وهو لم يكن من الضباط الأحرار) موقفه الرائع، فقد تطوع الرجل بإمدادنا بشحنة من الألغام والمواد الناسفة حصل عليها بطريقته الخاصة من خزائن الجيش ...

أقول إن الجيش كان متفاعلا مع الحركة الوطنية وكان يقدم لها وقودها من الأسلحة والذخائر وقد تم هذا كله في سرية تامة، وتكتم يثيران الإعجاب .. والأمر الذي لا ينكره أحد أن الجيش كان معبأ لخوض المعركة إلى جوار الشعب، كما كان معبأ في مواجهة الملك الذي هوت سمعته إلى الحضيض خاصة بعد فضائحه (الأسرية، وموقفه من زوجته الأولى) وإسرافه وبذخه، هذا عدا مواقفه السياسية التي كانت تتعارض مع إرادة الجماهير ...

هذا استعراض سريع لموقف الأحزاب والهيئات والبوليس والجيش من حركة القناة .. سيعترض علي البعض قائلا وأين العمال والفلاحون والموظفون، إنني عرضت في مطلع حديثي لموقف عمال القناة، أما موقف العمال بصفة عامة فكان رائعا وعظيما إذا استعرضناه في القاعدة العريضة، لكن الحركة العمالية كنقابات لم تكن قادرة على اتخاذ مواقف مؤثرة، وذلك بسبب الضربات المتلاحقة التي كانت تتلقاها من القصر والأحزاب، فإذا ذكرنا الفلاح المصري فمن الضروري أن نتتبع مشكلاته من آلاف السنين ثم نحكم بعد ذلك على موقفه ...

وفي إيجاز نقول إن الفلاح كان مغمض العينين عن أحداث وطنه وكانت أمراضه الثلاثة الجهل والفقر والمرض من أسباب عزلته عن حركة الشعب ... هذا بالإضافة إلى أن وسائل الإعلام الموجهة حرصت على إبعاده عن خضم الحياة السياسية ... فإذا أضفنا لهذا كله المشاحنات الحزبية، والصراع حول العمدية، وكراسي مجلس الشيوخ والنواب، والقبلية المتحكمة في الريف ...

إذا أضفنا كل هذه العوامل إلى الفقر والجهل والمرض لالتمسنا للفلاح كل العذر ... لكن إذا استطعنا أن ننفذ من خلال السور الحديدي المضروب على الفلاحين وجدنا معادن نفيسة يكتنزها الريف المصري ... معادن لو وجدت القيادة الصالحة وفرص العمل والبذل لما توانت في تقديم أروع التضحيات في سبيل وطنها ... ولعل ثورة سنة 1919 خير شاهد على مدى استعداد الفلاحين للتضحية دون مقابل ...

أما قطاع الموظفين فعلى الرغم من قسوة ظروفهم المعيشية إلا أنهم كانوا يستطيعون الحركة والعمل، ولكن كانت آفتهم الكبيرة عدم التنظيم ... كانوا انفعالات وثورات غاضبة، واستعدادا للتضحية لكن دون قيادة أو توجيه محدد.

وأخيرا أخلص من هذا العرض السريع، إلى حقيقة لم تكن موضع جدال، وهي أن الجامعة كانت ملتقى أمل أبناء الأمة ... فثقة الشعب فيها لا حدود لها، وارتباطه بها له تاريخه القديم، فقد استطاع الطلبة من عهد مصطفى كامل أن ينتزعوا بجدارة مركز القيادة في الشعب ... ثم إن أبناء الشعب من موظفين وفلاحين وعمال تربطهم روابط بأبنائهم الجامعيين، وكما يقولون إن الرجل لا يحب أن يفضله أحد إلا ابنه ...

ولعل موقف طلبة الجامعة سنة 1935 يوم أن أرغموا الأحزاب السياسية الرئيسية وهي الوفد وحزب الأحرار الدستوريين على تكوين جبهة مهمتها إعادة دستور سنة 1923 الذي كان قد ألغاه صدقي سنة 1930 وأن تتخذ موقفا موحدا في وجه بريطانيا .. ثم موقفهم المشهود سنة 1945 واستشهاد بعضهم على كوبري عباس، أعطاهم الحق في زعامة الأمة الحقيقية ...

كان اسم عبد الحكيم الجراحي إذا ذكر في حرم الجامعة خفضت له الأمة رأسها إجلالا وإكبارا ... كان اسم الجامعة يقترن بالثورة والتمرد على الفساد ... إذا قالت الجامعة كلمة ردد صداها الشعب كله، وكانت الحكومة تعمل للجامعة ألف حساب وحساب في كل خطوة تخطوها ... وكان القصر والإنجليز يرهبون جانبها ... إذا خرجت الجامعة في مظاهرة فمعنى هذا إعلان حالة الطوارئ في الجيش الإنجليزي وفي البوليس المصري، وأحكام إقفال قصر عابدين.

أذكر هنا على سبيل المثال موقف الإنجليز والبوليس يوم حادث كوبري عباس سنة 1945 في ذلك اليوم رسمت خطة جهنمية للحيلولة بين طلبة الجامعة وبين الدخول إلى قلب العاصمة حيث يقوم قصر عابدين ... وكان يشرف على هذه الخطة "السير سبل" مدير الأمن والمساعدة "فيتز باتريك" كانت خطة سبل استدراج الطلبة إلى وسط كوبري عباس ثم فتح أبواب الكوبري من الجانبين وبذلك يقع الطلبة في المصيدة ...

وتمت الخطة التي دبرها الإنجليز وحكومة النقراشي ... ولكن تمكن الطلبة من إقفال الكوبري وإنقاذ الآلاف من إخوانهم، ووقع بعد ذلك صدام عنيف بين الطلبة والهجانة ورجال الشرطة .. وكدنا نفتك يومها بفيتز باتريك لولا حماية البوليس له .. على أثر هذه الحادثة سقطت الحكومة ... ولم يكن في مقدورها إلا أن تسقط ... لقد كانت الحكومات تتساقط كأوراق الشجر اليابسة إذا عزمت الجامعة على موقف ...

أسقطت الجامعة حكومات للنحاس وصدقي والنقراشي ... وأسقطت دستور سنة 1930 الذي أعطى سلطات كبيرة للملك .. وأسقطت الجامعة مهابة العرش يوم أن داست صورة الملك في سنة 1946 في حرم الجامعة وهتفت بسقوطه.

هذه هي صورة الجامعة في عين الشعب والإنجليز والحكومات والقصر ... كانت قوة هائلة ذات حركة فعالة في جميع المواقف الوطنية، بل إنها تجاوزت حد الإقليمية إلى المحيط العربي، فكثيرا ما انتصرت لقضية فلسطين وإن كان دورها لم يتجاوز إبداء السخط في بعض المناسبات كذكرى وعد بلفور ...

وإنصافا للإخوان المسلمين فإنهم استطاعوا أن يوجهوا الجامعة إلى الاهتمام بقضايا عربية وإسلامية، فمثلا ناصرت الجامعة سوريا في ثورتها سنة 1945، وانتصرت لتونس في ثوراتها التي امتدت من سنة 1921 إلى سنة 1954، وكان الطلبة يرسلون صرخات التأييد لثورة المليون شهيد في الجزائر ، كما انتصروا للمغرب وليبيا والسودان وهو البلد الذي كان يستحوذ على مشاعر وعواطف المصريين في لهفة إلى تحقيق وحدة وادي النيل ...

ولأول مرة كانت تسمع هتافات في حرم الجامعة تأييدا لإندونيسيا، وباكستان، وبعض الدول الإفريقية التي كانت قد بدأت خطواتها الأولى نحو التحرير .. كان الإخوان في الواقع ينفردون بهذه المواقف، تلبية لمبادئهم التي تدعو إلى وحدة العالم الإسلامي.

إلى هنا نستطيع أن نقول إن الجامعة كان مفروضا عليها أن تتبوأ مركز الصدارة من قيادة الحركة الوطنية، وقد قامت بدورها على أحسن وجه من يوم نشأتها إلى أن توجت رسالتها بتبني القضية عسكريا بعد أن كانت تكتفي بالتعبئة الفكرية والسياسية، وتأخذ بأسلوب الكتابة والخطابة والتظاهر - ... لكن الذي لا أستطيع أن أخفيه ومن واجبي إذ أظهره وأنا أضع حقائق التاريخ بين يدي أبناء الأمة ليأخذوا من ماضيهم لحاضرهم ومستقبلهم، إن الجامعة كانت قد أصيبت بالملل وأخاف أن أقول إنها كادت أن تصاب باليأس، لأن كل الأساليب التي استعملتها لم تستطع أن تطرد العدو من أرض الوطن ... هتاف "الجلاء بالدماء" ، "وذكرى الشهداء"

لم تستطع أن تخلع قدم جندي واحد من الستين ألفا الذين يعسكرون ما بين الإسماعيلية إلى السويس ... ثم إن لعبة إسقاط الحكومات كان الملك قد ألفها، وأحبها كحبه للعب الشطرنج، فإذا أضفنا لهذا أن الجامعة كانت تشهد صراعا فكريا ما بين حركة الإخوان والعناصر الشيوعية التي بدأت تظهر على مسرح السياسة، لدرجة التضارب بالعصي والكرابيج وصراعات أخرى ما بين الأحزاب السياسية تتمثل في الشباب الموالي للحكومة والمعارض لها ...

فمثلا هتاف يسقط إيدن أو بيفن يعني معركة قد تستغرق أسبوعا وتغلق فيها أبواب الجامعة ... فبيفن كان يفاوض النقراشي والهتاف بسقوطه يعني الهتاف بسقوط السعيديين ويعني التالي العودة لحكم الوفد.

نعود لحديثنا عن أثر هذه الصراعات في الجامعة فنقول إن الجامعة وهي من الأمة بمكان القيادة كانت قد أصابتها موجة من اليأس ... اليأس من المظاهرات والهتافات، والخطب والأحزاب .. وكانت في حاجة لعمل جديد وموقف جاد يخرج بها عن هذه الهتافات ..

وهنا ظهرت فكرة تحويل الجامعة إلى معسكر للتدريب العسكري، ومخافة أن يمل القارئ حديث التدريب وأشكاله ومشاكله، فإنني سوف أمر عليه سريعا، وأكتفي منه بالقدر الذي يكشف لأبناء هذا الجيل مدى الجهد الذي بذله إخوانهم وهم يواجهون قوى البغي والعدوان ... وسلاحهم الكبير الذي صنعوا به كل شيء إيمانهم برسالتهم ومثلهم ...  

المدفع والقلم مسدس واحد في مواجهة ستين ألف جندي

موقع ياسر عرفات من المعركة

القنابل في الجامعة

ظهرت الفكرة في دار الإخوان المسلمين "المؤقتة" التي كانت قد اتخذوها مقرا لهم في العباسية حتى تتم عملية تسليمهم الدار القديمة في الحلمية، التي سبق أن صادرتها حكومة النقراشي عقب حل الإخوان سنة 1948.

كانت الفكرة متنفسا كبيرا للإخوان الذين عانوا أعواما طويلة من الدعاية المركزة ضدهم، وكان شباب الإخوان يريد أن يثبت قدرته على الحركة والعمل بعد نكسة فلسطين واهتبل الشباب فرصة إلغاء المعاهدة، وبرزت فكرة استعمال السلاح لتحقيق الجلاء المنشود، بعد أن صار وجود القوات البريطانية في القناة لا يستند إلى قانون ...

صحيح أن الشباب لم يكن يفكر بعقلية المفاوضين والمفاوضات والمعاهدات ولكنه استغله فرصة، وحرص على تحويل العمل السياسي إلى عمل حربي مسلح.

قد يقال وكيف فكرتم في الحرب ... نقول إننا لم نفكر فيها إلا بعقيدة، والعقيدة قادرة على تحقيق المعجزات ... كنا نرفض فكرة القوة المتكافئة والأسلحة المتعادلة والتدريب النموذجي ...

كنا نقول إننا سنقاتل بالقدرات الموجودة معنا ... وسوف ننتصر ... والدين يعطي طاقات كبيرة للمقاتل تعوضه عن جوانب النقص المادية ...

وقررنا البدء بأول مراحل المعركة وهي التدريب ... لكن أين السلاح والذخيرة وأين المال؟! كل هذه الأسئلة كان جوابها في إيماننا برسالتنا، وصدقنا في تنفيذها "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد".

بهذا الإيمان استطعنا أن نحصل على السلاح والمال ونخوض معارك رائعة ضد "بريطانيا العظمى" ! ونحطم سلطان الحكومات، ونرفع سمعة أمتنا إلى عنان السماء، استطعنا أن نحقق هذا كله في فترة ثمانية أشهر بدأت في أكتوبر سنة 1951 وانتهت في يونيه سنة 1952 ....

قد لا أكون مبالغا إذا قلت إن هذه الفترة حققت للأمة مكاسب لا حدود لها ويكفي أن أضع هذه الحقيقة وهي أن الشعب استطاع أن يواجه أكبر تجمع عسكري لبريطانيا في الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت كان يتحدى تآمر الحكومات والأحزاب والقصر الذين كانوا يدافعون بضراوة عن مكاسبهم.

استطاع الشعب أن يحمل السلاح، وكانت أول رصاصة وجهها إلى صدر قانون تحريم حمل السلاح، والثانية إلى صدر الإنجليز والثالثة إلى سدنة الاستعمار وأحلافه ... وانتصر الشعب المؤمن في معركته وسجل أروع وأنصع صفحة من صفحات تاريخه ...

قال أحد الأمراء للدكتور عبد الوهاب مورو مدير الجامعة الذي كان يعتبر المدافع الأول، والظل الوارف لطلبة الجامعة في المعركة ... هل تعتقد أن طلبة الجامعة حققوا كسبا من وراء معركتهم في القناة.

قال مورو: هل تتفق معي أنهم حققوا "نصف في المائة" قال قد يكون أكثر من هذا ... قال الدكتور مورو:

أنا أفترض أنهم حققوا نصف في المائة فقط، وعلينا أن نواصل العمل لتحقيق الباقي ... المهم عندي أن نؤمن أنهم حققوا شيئا ما ... وظني أنهم حققوا الكثير ...

نعود فنقول إن التفكير في المعركة بمنطق الجيوش والأسلحة والتدريبات المتكافئة لم يكن موجودا، والسلاح الوحيد الذي كنا نحمله هو الإيمان ... الإيمان بالله والثقة في أنفسنا .. ثم بذل أقصى طاقتنا في العمل ...

وكانت أول خطوة أن نعقد مؤتمرا كبيرا في حرم الجامعة ونعلن فيه افتتاح معسكر للتدريب تمهيدا للحرب ... ولكن خشينا أن يعرض عنا الشباب الذي كان قد يئس من الخطب والمظاهرات والهتافات، فقررنا البدء في العمل من أول يوم بل من أول لحظة ...

واتفقنا على أن أقوم بإلقاء خطاب في حرم الجامعة أعلن فيه افتتاح معسكر حربي، وفي أثناء الخطاب تتقدم كلية الهندسة حاملة معها الخيام وتمضي إلى ساحة واسعة، وتقوم بتثبيتها ونجحت الفكرة، وفرح الطلبة بها وصفقوا لها بشدة ...

وأعلنت في ذلك اليوم أنني خلعت ثيابي الحزبية خارج الجامعة وتجردت للحركة الوطنية، وأعني بهذا أثني لا أمثل حركة الإخوان داخل الجامعة طوال المعركة ..

وأظنني صدقت فيما قلته وإن كنت قد لقيت الكثير من متاعب الإخوان والخصوم على سواء ... فالإخوان كانوا حريصين على فرض أسلوبهم وشعارهم على المعركة لأنهم قاموا بأكبر دور فيها، والخصوم كانوا ينظرون بريبة إلى صدق موقفي ... ولكن الأيام استطاعت أن تؤكد إخلاصنا للنهج الذي أعلناه ...

ولعل هذا الموقف من الشباب يعطينا فكرة واضحة عن طبيعة تلك المرحلة ... فقد كانت غالبية الشباب تميل إلى عدم الانتماء الحزبي ولكنها تقبل الانتماء الوطني وتفضله على كل ألوان الاتجاهات الحزبية حتى وإن كانت سليمة في وجهتها .. ويرجع السبب في هذا إلى النكسات العنيفة التي أصيبت بها الشباب في زعمائهم ...

فالوفد وقد كان رمزا للحركة الوطنية في عهد سعد زغلول تحطم في سنة 1942 بقبوله الحكم تحت ضغط الدبابات الإنجليزية على القصر، أما أبناء الوفد من سعديين ودستوريين فقد كانوا أداة طيعة في يد القصر يضرب بها الحركات الوطنية ... أما مصر الفتاة فقد انطفأت شموعها بعد أن ملأت نفوس الشباب بالأمل في هتلر جديد ... وأما الإخوان فلولا رباط العقيدة وشباب الحركة وعدم تلوثها بالحكم لما استطاعت أن تبقى على ثقة الشباب بها ...

والشيوعيون كان همهم الحركة العمالية وإعداد الخلايا السرية ليوم الزحف الأحمر، ولم يكن لهم ثقل سياسي خاصة بعد أن فضح أمرهم باكتشاف قيادتهم التي كانت منوطة بشاب إسرائيلي من المليونيرات وهو "هنري كورييل" ... خلاصة القول أن الشباب ما كان ليقبل قيادة الإخوان إلا بعد إعلانها التجرد الكامل للحركة الوطنية .. وقد نجحت منهجية الإخوان ورضى الشباب عن قيادتها ...

نعود إلى الخيام التي نصبها الطلبة في إحدى ساحات الجامعة حيث يكون التدريب .. وانطلقت أول رصاصة من مسدس شاب يدعى علي محمد مهنا ... الذي استفتح التدريب ولم يكن هذا الشاب ينتمي لأي حزب ... ثم بدأ نطاق التدريب يتسع يوما بعد يوم ... كان التدريب مقسما إلى عدة مراحل ... تكتيك عنيف، ضرب نار، تفجير قنابل ... ودراسة حرب العصابات ...

ياسر عرفات

آليت على نفسي في مطلع هذا الكتاب أن أسجل الحقائق ملتزما الصدق، آخذا بالحيطة في كثير من الأمور لشدة حساسيتها ...

لكني لم أستطع أن أغالب نفسي ومشاعري وأنا أتذكر شابا في الثامنة عشرة، يفيض حماسة وثورة، كان يملأ المعسكر بنشاطه الغامر، كان تلميذا رائعا وأستاذا رائعا كذلك فقد استطاع أن يلم بالتدريبات في أقصر وقت ممكن وانتقل من دور التلميذ إلى دور الأستاذ فكان يشرف على عمليات التكتيك العنيف ...

وعلى الرغم من ضآلة جسمه وصغر سنه فإنه كان قادرا على فرض نفسه على المئات من الشباب .. هذا الشاب هو ياسر عرفات "أبو عمار" زعيم حركة فتح.

كان ياسر طالبا بالسنة الأولى بكلية الهندسة، وعلى الرغم من ظروف الدراسة في الكلية إلا أنه تجرد لمعركة القناة في مصر سنة 1851 ... كان ياسر يمثل في عيني وحدة كفاح الشعب العربي ...

كان الممثل الأمين لأبناء فلسطين في المعركة ... لم يكن ياسر ينتمي لجماعة ولا لحزب .. ولكنه كان من أقرب الناس إلى قلوبنا جميعا، فقد كنا نحس به أنه معنا ... ومعنا في كل خطوة من خطواتنا، إلا أنه كان يدور في فلكه الخاص يملؤه الأمل بالنصر، ولكنه يؤمن بالعمل لتحقيق هذا النصر ...

كان يفر من الجدل واللجاج إلى القفز فوق الحواجز وإطلاق الرصاص وتفجير القنابل ... كان يثب إلى الأمام وثبات عالية وكأنه يحاول أن يطوي الزمن وتحقق بياسر ميلاد أكبر عمل فدائي في المعركة المصيرية، وشاءت الظروف أن ألتقي بياسر، وحاولت جهدي أن أقول له كلمة قصيرة ... لكن لقاءنا لم يتسع ... وكلمتي له ولكل قائد وجندي أن العلم الوحيد الذي سيظل خفاقا هو علم صلاح الدين، أما بقية الأعلام فسوف تحترق وتسقط.

وذكر ياسر يفتح الطريق أمامي لأسجل موقفا لشاب فلسطيني آخر هو حامد التميمي، وحامد كان من زملائي في حرب فلسطين، فلما انتهت الحرب لم يطق الركون إلى الراحة والاكتفاء بأنه صار من المحاربين القدماء كما كان يحلو للبعض ...

ولكنه أصر على مشاركتنا في معركة القناة ... وقد فوجئت به يوما وهو يتقدم إلي على رأس قوة من أبناء فلسطين ويطلب في إلحاح المشاركة في المعركة.

ولعلي لا أكون مبالغا إذا قلت إن المعركة كانت ستأخذ طابعا عربيا شاملا إذا امتد بها الزمن، فقد تزاحم علينا الشباب السوري والأردني يطلبون إعدادهم للحرب، وجاءتني رسالة من زعيم الشباب السوري يلح في المشاركة في المعركة ... كما وصلتني رسائل من باكستان كلها حماسة وتوثب ... وتقدم لنا الكثير من الشباب العربي الذين كانوا يدرسون في الجامعة للمشاركة في معركتنا.  

الجامعة معسكر حربي

ونعود إلى ميدان التدريب فنقول إن التدريب بدأ في الجامعة بمسدس واحد ... واستطعنا بعد ذلك الحصول على بعض القنابل شديدة الانفجار والقنابل الحارقة ... ولكن تبين لنا أن هذه الأسلحة غير كافية، وأننا في حاجة إلى أسلحة وذخائر وأموال ... فعقدنا مؤتمرا في الجامعة وأعلنا استعدادنا لقبول جميع الهدايا العينية وهدايا السلاح ...

وقصدت بالهدايا العينية الأغطية، وملابس التدريب، كما أعلنا عن عدم قبول أي مبالغ نقدية، وكنت في الواقع مقتنعا لأبعد حد، بأن تجنبنا جمع الأموال سوف يحمينا من التهم التقليدية، والتي تلاحق أي عمل وطني، وهي تلويثه بأنه عمل تكسبي، وكانت مأساة سرقة العشرة آلاف جنيه من التبرعات التي جمعت لأبناء فلسطين تعطينا تحذيرا للمستقبل ...

ونجحت الفكرة ... وبدأت التبرعات العينية تقدم إلينا من مواطنين لا نعرفهم ... وكانت أول هدية تلقيناها بندقية قدمها لنا قاض هو الأستاذ محمود عبد اللطيف ... كما قدم لنا بعض الضباط العاملين بالجيش هدايا من الألغام والمواد الناسفة ... ودوت القنابل في أرجاء الجامعة ... كان منظرا رائعا ... ثكنة عسكرية في حضانة أكبر معهد علمي، وكنت قد قطعت على نفسي، وعاهدت مدير الجامعة أن أحافظ على انتظام الدراسة ...

وأذكر أنني قلت له "لا أحب أن تعلو طلقات الرصاص على صرير الأقلام" ونجحت الفكرة .. وانتظم التدريب وانتظمت الدراسة، كان عدد الذين يتدربون لا يقل عن عشرة آلاف طالب عدا الأساتذة الذين أذكر منهم ... الدكتور عبد المنعم بدر عميد الحقوق، والدكتور أمين الخولي الأستاذ بكلية الآداب، والدكتور حسن فهمي الأستاذ بكلية الهندسة، ومن الذين شاركوا بجهد مشكور الدكتور حسني عباس ... وهنا يقفز إلى القمة رجل وهب نفسه وماله وجهده لقضية وطنه وهو الدكتور سعيد النجار المدرس بكلية الطب.

وإنني أرجو أن يلتمس لي إخواني وأساتذتي العذر إذ أغفلت ذكر بعضهم وعذري أنني أنتزع من ذاكرتي أحداثا مضى عليها ما يقرب من عشرين سنة ... وكل سنة منها كفيلة بأن تجتث الذاكرة كلها، وتفرض النسيان علي فرضا.

ولنعد إلى معسكرنا الحربي الذي نشط فيه التدريب بانتظام ودقة أذهلت الكثير من العسكريين الذين كانوا يكثرون من التردد علينا ... فقد أقمنا تبة ضرب نار وأسند الإشراف عليها لأحد زملائنا ... وأما القنابل فكان يتولى التدريب عليها أحد زملائنا المتخصصين والتكتيك العنيف كان منوطا بالشهيد عمر شاهين وآخرين ... أما الألغام وسلال المولوتوف فقد كان يتولى الإشراف عليها صلاح هدايت (وزير البحث العلمي) يساعده زملاء من طلبة كلية العلوم.

ونعود للسلاح ... والسلاح كان من أكبر العقبات في طريقنا ... فحمل قطعة سلاح في مصر كانت عقوبتها تصل إلى ثمانية أعوام من السجن ... فإذا عثرنا على السلاح وتجاوزنا القانون وقفت في طريقنا عقبة المال، الذي كان شحيحا في أيدينا لأننا أعلنا عن عدم استعدادنا لقبول تبرعات مالية ... وأخيرا اهتدينا لفكرة طرحها علينا الطالب الكردي ...

وأبدى استعداده لتنفيذها ... وتتلخص الفكرة في البحث عن السلاح في الصحراء الغربية ... والمعروف أن الصحراء الغربية كانت مسرحا للمعارك التي خاضت رومل "ثعلب الصحراء" في محاولة لاحتلال مصر ... وكان الإعراب يحتفظون بكميات وفيرة منه ... وللأسف الشديد تسربت كميات كبيرة من هذه الأسلحة قبل سنة 1948 عبر الدلتا وسيناء إلى المستعمرات الإسرائيلية في فلسطين وقتلنا بها في النقب.

كانت في الواقع مغامرة كبيرة لكن كانت إرادة الشباب أكبر منها ... وقد اضطررت للموافقة على فكرة طلبة على الرغم مني لأنني كنت أشفق عليهم من غدر الإعراب ومتاهات الصحراء ...

وقد وقع ما كنت أخاف منه فلقد ضلت القافلة الطريق، وأصيبت سيارتهم في حادثة وتهشمت على جزع شجرة ... وشاء الله أن تعثر عليهم قافلة من الجمال حملتهم إلينا وفيهم بقية من حياة ...

لم تيئسنا هذه الحادثة من مواصلة البحث عن السلاح في كل مكان ... لأننا بدأنا نفكر في إرسال أول قوة إلى الميدان ... وكان دافعنا للإسراع عوامل كثيرة أهمها تعجل الشباب وثورتهم بعد أن استكملوا قدرا من التدريب يكفيهم على حد قولهم لخوض المعركة، وكان الشك قد بدأ يخالط بعضهم في جدية ما نقول ...

أما الأمر الثاني فقد كنت أخاف من انشغال الطلبة بالدراسة عن التدريب بعد أن كان خوفي من انشغالهم بالتدريب عن الدراسة.

إنني أخاف من سرعة جريان القلم لأنه يحاول أن يطارد ذاكرتي حتى لا تهرب الأحداث منها ... وأخاف في نفس الوقت أن يتبدد الموضوع الذي أكتب عنه، ولا أستطيع أن ألم بأطرافه.

وبناء عليه لأعد على عجل إلى موضوع السلاح الذي كنا نجد في البحث عنه للتدريب ... وهنا أذكر بالفضل جهود الإخوان في هذا الأمر، فقد أمدونا بكميات تصلح لمواصلة التدريب، ووعدونا بكميات أخرى قبل بدء المعركة وبدأ النشاط والأمل يدبان فينا وازدادت حماستنا للتدريب ... وأشرق الأمل في صدورنا، وفكرنا جديا في إرسال أول دفعة من الطلبة إلى الميدان ...

والذي لا ينبغي أن نغفله هنا أن كثيرا من الطلبة خاصة الذين لهم سابقة في الحرب كانوا قد سبقونا إلى الميدان بقيادة إخوانية مستقلة هذا عدا الكثير من الشباب الذين اندفعوا تلقائيا للمعركة وانتشروا في الإسماعيلية وبور سعيد والسويس وبدأوا يمارسون مهامهم ..

فقد سبقنا عبد الرحمن يوسف الذي كان يلازم حملة إغلاق القناة التي كان يتولاها صلاح شادي وصلاح هدايت أي أنها كانت ستتم باتفاق بين الإخوان والضباط الأحرار ...

في هذه الأثناء وقعت حادثة نسف قرية كفر عبده ... وقد بدأت الحادثة بنسف وابور المياه الذي يمد معسكرات السويس بالماء ... فثارت ثائرة الإنجليز وغضبوا واتهموا أهل كفر عبده بأنهم يحمون رجال "العصابات والإرهابيين" وتهددوا القرية بالتدمير ...

فثار الشعب السويسي، وتحمس رجال البوليس خاصة بعد أن أصدر إليهم فؤاد سراج الدين وزير الداخلية أوامره بالتصدي للقوات البريطانية على الرغم من أنهم لم يكونوا يملكون إلا بنادق قديمة ومع هذا فقد احتشدوا في وجه القوات المغيرة، يدافعون عن قريتهم بكل ما أوتوا من قوة إلا أنهم لم يتمكنوا من الدفاع وتمكن الإنجليز من تخريبها.  

بدء الزحف

لم تكن المعركة تحتمل تأخيرا فقد كانت كل الظروف تلح علينا للتعجيل بالزحف ... وإلا فقدنا عنصر المبادأة .. كما أننا كنا نخشى من تردد الحكومة، أو تدخل الملك وضربها، وكانت سياستنا تتلخص في المحافظة على الحكومة التي ألغت المعاهدة ... بدأنا نستعد للسفر لميدان العمليات الحربية في القناة، ولم يكن معنا إلا القليل من النقود فأخبرت مدير الجامعة بذلك فقدم لنا الرجل مئتي جنيه من جيبه الخاص واستكتمني الخبر فوعدته بذلك.

وفي صبيحة اليوم التاسع من نوفمبر سنة 1951 وبعد أن صلينا الفجر في كلية العلوم ... اتخذ ثلاثون شابا مكانهم في عربة كبيرة ... وانطلقت العربة بهم إلى قرية تقع إلى جوار فاقوس مملوكة للأخ المرحوم الحاج إبراهيم نجم رئيس الإخوان في فاقوس ..

حيث اتصل التدريب لمدة أسبوعين .. وكان عبد العزيز ويوسف وآخرون يتولون تدريب الفوج الأول وإعدادهم للمعركة مباشرة.

وبعد استكمال التدريب قمنا بتوزيع قواتنا في عدة مواقع ... أهمها القورين وأبو حماد والتل الكبير ... حيث أعدت لنا منازل ريفية في داخل القرى ... وبدأنا استكشاف المعسكرات استعدادا لضربها ... كان منظر طلبة.

نعود لحديثنا عن أثر هذه الصراعات في الجامعة فنقول إن الجامعة وهي من الأمة بمكان القيادة كانت قد أصابتها موجة من اليأس .. اليأس من المظاهرات والهتافات، والخطب والأحزاب ... وكانت في حاجة لعمل جديد وموقف جاد يخرج بها عن هذه المتاهات ... وهنا ظهرت فكرة تحويل الجامعة إلى معسكر للتدريب العسكري، ومخافة أن يمل القارئ حديث التدريب وأشكاله ومشاكله، فإنني سوف أمر عليه سريعا، وأكتفي منه بالقدر الذي يكشف لأبناء هذا الجيل مدى الجهد الذي بذله إخوانهم وهم يواجهون قوى البغي والعدوان ... وسلاحهم الكبير الذي صنعوا به كل شيء إيمانهم برسالتهم ومثلهم ...  

معركة التل الكبير

"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"   هددونا بها عند التحقيق ... وكانت القوة التي أنيط بها حراستنا كفيلة بإدخال الرعب في صدورنا فنحن الخمسة كنا نتحرك في موكب مسلح قوامه أربعون عربة مصفحة، معززة بكل الأسلحة.

وصلنا إلى معسكرات الإسماعيلية الجبارة حيث كان في استقبالنا زبانية التعذيب الذين أمرونا بخلع كل ملابسنا، ثم زجوا بنا في مكان بارد كالثلاجة، وفتحوا على رؤوسنا "دشا" من الماء المتجمد ...

وكان الجو بطبيعته قارص البرودة فقد أسرنا في شهر يناير، ثم انهالوا على أجسادنا العارية بالكرابيج والعصي ... وأخرجونا بعد ذلك ليلقوا علينا أعجب أمر ... قالوا لنا إن الجنرال أرسكين يأمركم بكتابة رسائل إلى ذويكم تطمئنوهم فيها على أنفسكم، ويخبروهم أنكم تعاملون أحسن معاملة .. وختم القائد أوامره بقوله إن الخطابات سوف تراجع من القيادة ...

وكتبنا الرسائل كما أمرونا .. وأرسلنا كتابا مماثلا لمدير الجامعة ... تكرر العذاب على هذا الوجه، لفترات طويلة، وبعد ثلاثة أيام من العذاب والآلام سمح لنا بكسرة خبز وقطعة سردين وقليل من الماء ...

وبدأت المرحلة الثالثة من التحقيق ... وكان جل همهم معرفة انتمائنا الفكري ... وطبيعة تنظيمنا ... وكنا قد اتفقنا على أن نستمسك بانتمائنا للجامعة ليس إلا ... إلا أنهم لم يصدقونا ... وبدأوا يسألوننا عن حسن الهضيبي وحسن دوح وعمر شاهين ...

فكنا نكرر أننا نعرف اسم الأول ولكن لا نتبعه سياسيا ... أما الثاني والثالث فأكدنا لهم أنهم زملاء لنا في الجامعة .. ثم أجروا علينا تجربة نفسية لدراسة جوهرنا ... فجاءوا بقطعة قماش كبيرة ملفوفة كالعلم، وعرضوها أمامنا ببطء في محاولة لمعرفة انعكاسها على وجوهنا وفي ملامحنا .. كانت اليافطة تحمل اسم "شعبة الإخوان المسلمين بالتل الكبير" ... وقد انتزعت بعد المعركة من الشعبة كغنيمة ... المهم فشلت التجربة الخبيثة وأصررنا على موقفنا ...

وأخيرا جاءت النجدة ... بصورة لم نكن نتوقعها، فقد دخل علينا المحقق وبيده صحيفة "أخبار اليوم" .. وقال لنا وهو يدفع إلينا بالصحيفة.

هل تعرفون إدوارد هذا؟

فقلنا بصوت واحد أنه زميلنا في المعركة ...

وإدوارد هذا شاب مسيحي متحمس كان معنا في معركة التل الكبير، وعلمنا أن سبب ذكر اسمه في الصحيفة كان بمثابة دفاع من حسن دوح أمام الرأي العام عن طبيعة المعركة في القناة وأنها ليست قاصرة على الإخوان بل إنها مفتوحة أمام الجميع ... واستدل باسم إدوارد لتعزيز موقفه ...

بعد أن عرف الإنجليز هذه الحقيقة وهي أننا لا ننتمي للإخوان المسلمين كفوا إيذاءهم عنا، وبدأت المعاملة تتحسن تدريجيا.

الإفراج

استمر الحال كذلك شهرا ونصف الشهر ... وعلى غير توقع منا دخل علينا أحد الضباط وحيانا بأدب وقال لنا لقد أصدر الجنرال أرسكين قائد عام القوات البريطانية في القناة قرارا بالإفراج عنكم ... ثم أوصانا بعدم ذكر أي شيء عما لقيناه داخل المعسكرات ...

فرحنا حقا بالإفراج ... وكان فرحنا أشد عندما التقينا بإخواننا في الجامعة ... وتمت عملية تسليمنا للحكومة عن طريق ضابط الاتصال العميد شريف العبد الذي رحب بنا وهنأنا ..

أما الضابط الإنجليزي الذي قام بتسليمنا فسألنا وهو يشد على أيدينا عما إذا كان قد وقع تعذيب علينا أم لا ... فلم نجبه إلا بابتسامة ساخرة .. ثم قال لنا: إنني آمل أن ألتقي بكم في القاهرة لأتناول معكم العشاء واستدار نحوي ووجه إلي سؤالا غريبا قال لي:

ما هي الوظيفة التي تنتظرك بعد التخرج من الجامعة؟ قلت له: إنني سوف ألتحق بالجيش بعد تخرجي من كلية الهندسة.

خرجنا من معسكرات التعذيب، وطفنا بشوارع الإسماعيلية ورأينا آثار التخريب في المحافظة بعد أن دكها العدو بمدفعيته ... ثم مضت بنا السيارة إلى وزارة الداخلية بمصر ... ووجدنا مجموعة من زملائنا في انتظارنا، وكانت فرحة العمر ونحن ندخل حرم الجامعة قلعة العلم والحرية حيث استقبلنا استقبال الفاتحين، آلاف من الأيدي تصفق وآلاف من الحناجر تهتف، ولم تستطع فرحتنا أن تمنع دموع الحزن على عمر شاهين وأحمد المنيسي ...".

موقف مؤسف

لنعد لمعركة التل الكبير ... فقد سبق أن قلت إنني دخلت القرية قبل بدء المعركة، وبعد أن اطمأننت على سير العمل والتنظيم عدت إلى القورين، وهناك فوجئت برسالة عاجلة تدعوني للعودة للتل ... وتتابعت أنباء الإذاعات المحلية والأجنبية عن وقوع معركة بين الفدائيين والعدو بالقرب من التل ...

أسرعت بالعودة من حيث أتيت، ولكن تبين لي أن الطريق الرئيسي قد أقفل وأن القرية العتيدة محاصرة من كل جانب ...

كان كل همي إنقاذ كتيبة الجامعة حتى لا تهلك عن آخرها ... ولكن ما الوسيلة؟ قلت لنفسي ولم لا أستعين برجال الحكومة في الشرقية ... وطلبت القائمقام أبو شهبة حكيمدار المديرية وألححت عليه في إمدادنا بقوة من رجال البوليس، فقال إن الجنود لا يملكون أكثر من بنادق ومع كل واحد خمسة عشر طلقة نارية ... وهم غير مستعدين للدخول في معركة كبيرة .. فطلبت منه إعطائي ذخيرة ولكنه اعتذر بأن تنبيهات الحكومة لا تسمح.

المزارع الملكية في خطر

وأخيرا اتصلت بمدير الشرقية صادق الملا وطلبت منه مساعدتنا فقال لي إنكم عرضتم المزارع الملكية للخطر ... فدهشت من منطق الرجل ... وآثرت عدم الاحتكاك به ... وفهمت من أبناء الشرقية أن الملك يملك أكبر مزرعة للبرتقال في منطقة التل الكبير ...

ويبدو أن المدير شعر بخطئه وسوء تصرفه، وأسرع بالحضور إلى أبي حماد على رأس موكب كبير ... فاستقبلته باحترام وشرحت له الوضع ... وأبدى اقتناعه بالدخول للتل عن الطريق الزراعي، فاستبشرت خيرا ... ولكنه خيب ظني فبعد خطوات قرر العودة من حيث أتى فلم أكلمه فقد شعرت بمدى خوف الرجل على حياته ووظيفته.

لم أيأس من رجال الحكومة، وحاولت الاتصال بوزير الداخلية ثم مصطفى النحاس ولكني لم أتمكن من مكالمتهم .. وأخيرا وفقت في الاتصال بمدير الجامعة الذي قام باتصالات واسعة مع رئيس الحكومة ووزير الداخلية ...

لم يكن أمامنا إلا القيام بمغامرة لإنقاذ إخواننا، فجمعت زملائي الذين كانوا يرابطون في أبي حماد وعرضت عليهم فكرة دخول التل الكبير عن الطريق الزراعي المظلم فوافقوا ووصلنا لمشارف القرية بعد جهد كبير، وبدأنا على الفور في البحث عن رجالنا وتقصي أخبارهم من أبناء القرية، الذين أغرقونا بروايات مزعجة ومخيفة ...

وبعد جهد توصلنا لمعرفة مخابئ شبابنا، ووجدتهم في حالة من الإعياء الشديد والحزن على زملائهم الثمانية الذين فقدوا في المعركة ...

تم تدبير انسحاب قواتنا إلى مواقعنا الخلفية في "أبي حماد" وتبقت أشق مهمة على نفسي وهي البحث والتقصي عن قتلانا وأسرانا .. فقد كنت أتوقع أنباء مزعجة عن مصيرهم ...

اتصلت بكل مستشفيات الشرقية أسأل عن أخبار الجرحى ولكني لم أصل إلى نتيجة ... وفي اليوم التالي اتصل بي مندوب الحكومة وأخبرني أن الإنجليز وافقوا على تسليم جثث الشهداء ... ففرحت للنبأ لأنه كانت قد ترامت إلينا أنباء عن إعلاف الجثث انتقاما من أصحابها ...

وكان اللقاء بيني وبين الشهداء الثمانية أكبر من أن أجد له تعبيرا بلساني أو بقلمي ... قضيت ساعة في المشرحة أقلب الوجوه الساكنة الراضية، وأحاول أن أسمع خلجات نفوسهم، ونبضات قلوبهم، ولكني وجدت نفسي قاصرا عن إدراك عالمهم المتألق الرفيع، كانت قدماي مشدودة إلى تراب الأرض، أما هم فكانوا يطيرون في أجواء السماء تحملهم أطيار الجنة وتشدو بلحن الخلود ..

شعرت أنني أنا الميت الوحيد بينهم، أما هم فقد أمدهم الله بروح البقاء وأبى إلا استضافتهم في رحابه ... "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون".

على الرغم مني تم الفراق بيني وبين الشهداء ... فتركتهم وأنا أحاول أن أذرف ولو دمعة واحدة ولكن استعصى علي الدمع ...

حملنا جثة عمر شاهين في عربة إسعاف .. وكان معي زميلاي محمود الفوال وأحمد الخطيب، وتركنا لأبناء الشرقية مهمة تشييع جنازة الشهيد أحمد المنيسي، وقتلى أبناء التل الكبير الستة الآخرين.

وكان يوما خالدا في تاريخ مصر .. وهي تودع شهيدها الشاب عمر شاهين .. كانت جنازة عمر شاهين تمتد حوالي ثلاث كيلو مترات، وتضم ربع مليون مواطن تقريبا.. وكان يسير في مقدمة الجنازة كبار رجال الدولة وأساتذة الجامعة بأروابهم التقليدية وجميع الطالبات والطلبة، وكان التنافس بين الأساتذة على حمل نعش عمر شاهين يثير الإعجاب .. وتقدم حسن الهضيبي والدكتور مورو لحمل النعش على فترات طويلة ...

وفي ميدان الأوبرا بكت القاهرة .. بل وبكت الأمة وهي تودع ابنها .. وأنا الآن لا أذكر ما قلته لكني أذكر أثر ما قلته في نفسي إلى يومي هذا – كنت نبضات قلب تخفق لا أملكها ولكنها تملكني، كنت لسان عمر شاهين وهو يخاطب أهل الأرض وهو في عليائه وسموه، وبعد أن تكلمت بكيت ساعة ولم يخفف عني إلا شقيق عمر الدكتور وائل شاهين ... كان يوما وكانت أمة! قيادتها في يد شهدائها .. رحمنا الله ورحم أمتنا!

أما أثر هذا اليوم فقد كان بعيدا وعميقا في نفوس الناس فقد اهتزت كل الصور القديمة واهتزت كراسي الحكم والأحزاب واهتز العرش الملكي ويكفي أن نقول إن هذه الأنظمة كلها كان يمكن أن تسقط في هذا اليوم .. لقد قلت بصراحة "لينزل النحاس ومن هو أعلاه ومن هو دونه إلى المعركة أو لينزلوا".

وقلت وأنا أشير لعمر "اشك الظلم لله يا عمر" وكررتها مرارا وأنا أشير إلى قصر عابدين، واندفعت المظاهرات بعد الخطاب وكادت الثورة الكبرى أن تندلع لولا قدر ما كنا نعرف خباياه ... أما أثر هذا اليوم في الإنجليز والحكومة والقصر والشباب فقد كان بعيدا وعميقا ... الإنجليز عبر عنهم "تشرشل" بقوله "لقد نزل الآن إلى الميدان عنصر جديد" وكان في كندا فقطع إجازته وعاد إلى لندن .. أما رجالهم في القناة فضاعفوا من استعدادهم وحراستهم، وامتنعوا عن الخروج من المعسكرات بعد الخامسة مساء.

أما الحكومة فبدأ الخوف يدب في أوصالها وشعرت بحرج مركزها، بعد أن طرح الشعب عن نفسه كل القوانين والنظم المقيدة لحريته ... ويكفي أن الشعب ودع جنازة عمر شاهين بطلقات النار المتحدية على طول الطريق ... وبدأت تتخذ إجراءات وقائية منها تحصين أبنيتها ... ثم حاولت تطويق العمل الفدائي والحد من قدراته ولكن بأسلوب سهل لين.

إلا أننا لم ننتظر من الحكومة أن تقف منا موقفا ولو سلبيا، ففاجأناها بطلب السلاح والمال للإنفاق على المعركة ... وتيسيرا لمهمتها طلبنا منها السماح لنا بالاستفادة من رسوم اتحاد الجامعات فلما رفضت قررنا إعلان رفضها على الطلبة فاضطرت للاستجابة ...

وحتى لا تتراجع عن موقفها عقدنا مؤتمرا في الجامعة وقلت يومها "إن النحاس إما أن يصدق الأمة فيكون مصدقا وإما أن يكذبها فيكون رازمارا آخر ..." وأعني بهذا مصدق الزعيم الإيراني الذي أمم البترول ... إما رازمارا فقد قتل لاتهامه بالخيانة، فاضطرت الحكومة لمجاراتنا بل ومساعدتنا ...

ثم أرسلت عدة رسائل لقائد عام الجيش ومدير الأمن لإمدادنا بالسلاح ولكن لم يصلني رد ...

أما أثر هذا اليوم في الملك فقد كان في تدبيره لإحراق القاهرة بعد أسبوعين من جنازة الشهيد عمر ...

أما أثره في الشعب والطلبة فإني سأتحدث عنه فيما بعد ولكن يكفيني أن أقول إن أول من نزل إلى ميدان المعركة كان وائل شاهين وعلي غانم وهما من أشقاء الشهداء، وقد أصيب وائل شاهين بقنبلة حارقة لا تزال آثارها مرتسمة على وجهه ...

وبعد أن كنا نبحث عن المال والسلاح ولا نجده تزاحم الناس علينا رجالا ونساء يمدوننا بكل ما نطلبه ...

حتى أوبرج الأهرام قدم لنا ألف جنيه ولكننا رفضنا الاستفادة من المال الحرام لمعركة في طهر معركتنا ...

وقال لي الدكتور مورو عبارة لا أنساها "وهل نقبل عرق أفخاذ الراقصات في معركتنا هذه!!".

مغامرة ما بعد منتصف الليل

"يجب أن نؤمن أن أرضنا"

"قطعة واحدة .. تتساوى فيها"

"أرض السويس وأرض الخليج".   كان الليل ساكنا والبرد القارس يضغط على الحركة فتنكمش في مكانها، حتى عساكر الإنجليز الذين نشأوا في دنيا الثلوج، قد ألفوا دفء الشرق حتى تمنى بعضهم تصدير شمس الشرق إلى الغرب في زجاجات ...

حتى هؤلاء انكمشوا داخل دشم الحراسة عند مخازن أبي سلطان، لكن البرد القارس، وسواد الليل الرهيب، ولقاء العدو العتيد لم يوهن من عزم نخبة من الشباب، كانوا قد تطوعوا بنسف مخازن "أبو سلطان" كان أمامهم أمل كبير هو أن يعطوا من خوفهم أمنا لشعبهم، ومن جهدهم راحة لأمة عانت القرون تحت نير الاستعمار ... ويعطوا من دمهم شحنة لقلب أمتهم الجريح ...

ولم تكن أنانيتهم تتحرك إلا في اتجاه واحد أن يعيشوا تحت ظلال العرش مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا ...

ولنبدأ القصة من أولها ... فبعد أحداث التل الكبير والجرائم التي اقترفها الإنجليز في حق النساء والأطفال والشيوخ العزل ...

لم يكن أمامنا إلا أن نضرب ضربة نفزع بها عدونا، ونحطم كبرياءه ... صحيح أن عمليات كثيرة كانت تجري كل يوم على طول الجبهة من بور سعيد إلى الإسماعيلية إلى السويس، كان يتولاها شباب الإخوان وغيرهم من الطلبة والفلاحين الذين انتشروا على طول الطريق في قواعد خفية ...

كان فوزي ومحسن، وعبد الرحمن وبعض الأعراب يقومون بأروع أعمال الفداء والبطولة في منطقة القنطرة غرب وكان صديق ويوسف وآخرون يقطعون طريق بور سعيد الإسماعيلية ويهيمنون على طرق مواصلات العدو ويتعقبون القطارات، وعربات التموين والدبابات يقفزون فوق أبراجها كأنهم شياطين ليل ..

وكان صلاح شادي ويوسف وغنيم وصلاح هدايت يرابطون عند كوبري الفردان لاصطياد إحدى السفن البريطانية لإقفال القناة ... وكانت ميناء السويس تشهد كل يوم انفجارا في مركز من مراكز العدو وهذا عدا الاغتيالات الفردية وأهمها محاولة اغتيال البريجادير اكسهام ..

كل هذه الأعمال التي كانت تجري يوميا على طول القناة كانت في حاجة إلى عمل كبير يضاعف من أثر ضربة التل الكبير التي هزت أعصاب بريطانيا ...

ولقد قمنا بدراسة عدة أفكار كان بعضها يتسم بالخيال ... فكرنا مثلا في مغامرة كبيرة وهي نسف قيادة القوات البريطانية في الشرق الأوسط ... ومركز القيادة هذا يضم حوالي 250 ضابطا، كانت الفكرة تثير شهوة المقاتل فهي وجبة دسمة بالنسبة له، ومغامرة سوف تدخل التاريخ من أوسع أبوابه كما يقولون ... لكن نجاحها كان أمرا مستبعدا كما كان ثمنه غاليا ..

كانت العملية تحتاج لستين شابا تقريبا ... وعلى الرغم من وفرة الشباب واستعدادهم الكبير للبذل إلا أننا كنا نشفق كثيرا من المغامرة بشبابنا، كنا نقول إن المعركة تحتاج "لبخل في الدم وسخاء في الإعلان " لأن الشباب الذي يتولى المعركة كان على مستوى عال من الخلق والدين والعلم، وكان هذا النوع عزيزا في أمتنا وليس من السهل تعويضه ...

قد يقول القارئ إن هذا منطق حزبي، ولكني مستعد في غير هذا الكتاب أن أجادل عن هذه النظرية ... ويكفيني هنا أن أقول إن المعارك مع الأعداء كثيرة وعمرها طويلة ...

والذي يتصور أن معركتنا مع الإنجليز والفرنسيين، كانت ستنتهي بجلائهم عن أرضنا هذا إنسان قصير النظر، وعلينا أن نكشف له الطريق، فالاستعماريون مصرون على الإقامة في أرضنا إلا ما لا نهاية، وتاريخهم ينبئ عن هذا، وحيلهم لا حدود لها فهم مثلا خرجوا من القاهرة عقب الضغط الشعبي، والمظاهرات والقنابل، ليعسكروا في القناة ... فلما اشتد عليهم الضغط في القناة فكروا في غزة ...

والآن وبعد أن جلوا عن السويس والحبانية والأردن وسوريا يفكرون في منطقة الخليج لتكون قاعدة لهم ... وحتى إذا تمكنا من إجلائهم عن أرضنا فإنهم سيحرصون على استخلاف عملاء من ورائهم، وجميعنا يعلم أن تأييدهم المسلح لإسرائيل لا يقصدون من ورائه إلا إقامة قاعدة وثكنة عسكرية مهمتها تفتيت قوانا وضرب تجمعاتنا بصفة دائمة ...

هذا موجز بسيط وبصيص نور لمن أعمتهم نداءات الحرية الكاذبة .. إننا لم نستقل إلى الآن .. لم تستقل أية دولة من المغرب إلى الخليج كل دولنا مستعمرات حكامها الإنجليز والفرنسيون والأمريكيون والروس وكل الذين وافقوا على ميلاد إسرائيل سنة 1947 وكل الذين فرضوا علينا قرار مجلس الأمن وكل الذين ينادون بالسلام مع إسرائيل كل هؤلاء حرب علينا وجيوش استعمار تعسكر في أرضنا ... مهما كانت صورهم المعلقة أمامنا ...

إن الاستعمار يجب أن ينتزع أولا وقبل كل شيء من رؤوسنا وأفكارنا ... وعندئذ سيكون سهلا أن نقتلعه من جذوره ... يجب أن يكون إيماننا بأن أرضنا قطعة واحدة لا تتجزأ، وأن تواجد قدم غريب عليها معناه أن أعناقنا جميعا توطأ بهذا القدم ...

يستوي الاستعمار المسلح بالمدافع والاستعمار المسلح بالفكر والاستعمار المسلح بما يزعم أنه دين، والاستعمار المسلح بالمال .. يستوي كل هذا في أعيننا ... وتستوي شواطئ الخليج مع شواطئ السويس مع دجلة والفرات وبردى والقدس ويافا وحيفا، وجبال أورواس وشواطئ المحيط عند ثغر البحر الأبيض وعلى مشارف إسبانيا ... من خلال هذه النظرة الشاملة كنا نفكر في معركة سنة 1951 ... وبعد عشرين سنة أعتقد أن نظرتنا لم تكن خاطئة.

نعود القهقرى إلى أحداث نسف معسكرات "أبو سلطان" معتذرين عن استطراد أعتبره ضرورة في كتاب لم أقصد منه فقط سرد حوادث وتسجيل مواقف ... ولكني أرجو أن أوفق لتسجيل ما في نفسي وخاطري وعصارة تجربتي من خلال سطور هذا الكتاب ...

أما عن معركة "أبو سلطان" فلن أطيل الحديث عنها وكنت سأكتفي بما كتبه زميلي القديم كامل الشريف في كتابه "المقاومة السرية" ولكن وفي عجالة أقص عليك بعض ما جرى هناك ...

قد تعجب إذا علمت أن القوة التي أسندت إليها عملية نسف معسكرات "أبو سلطان" لا تتجاوز ثلاثة رجال ..

ثلاثة رجال فقط .. تساندهم قوة احتياطية لحماية انسحابهم، هؤلاء الثلاثة كانوا من التنظيم الذي كان يشرف عليه الشيخ محمد فرغلي والشيخ يوسف طلعت واللذان يتوليان قيادة معركة فلسطين سنة 1948 ... وقد قامت هذه القوة باستكشاف المنطقة لمدة عشرين يوما .. وانتهت باختيار موقع لاقتحام المعسكر ...

كانت المغامرة تحف بها مغامرات جانبية تحمل الكثير من الطرافة ... ولنترك لأحد الإخوة ينقل إلينا صورة حية من المغامرة ... يقول: "بعد أن قطعنا السلك الشائك وبدأنا نتسلل داخل المعسكر ظهرت عربة جيب كانت تحمل ستة من الجنود الإنجليز فأسرعنا بالاختفاء، وتركنا خلفنا بندقية في مكان القطع بقصد خداع العدو ...

اقتربت العربة من الموقع وسلطت الضوء على القطع، وبدأ الجنود الستة يتناقشون بصوت مرتفع .. وكنا بحيث نستطيع أن نسمعهم وبالتالي نستطيع الإجهاز عليهم، ولكن لم يكن هذا هدفنا ... والعجيب في الأمر أن الجنود انفجروا ضاحكين وكأنهم يشاهدون مسرحية لا تخصهم وانطلقوا بعربتهم تمزق سكون الليل، فحمدنا الله ...

وكان تفسيرنا الوحيد لهذه الظاهرة قول الله تعالى "إن الله يدافع عن الذين آمنوا" أما التعليلات فكانت تقول إن الجنود كانوا سكارى .. المهم أن الله صرفهم عنا حتى نتمكن من تأدية رسالتنا ... وبدأنا جولتنا في المعسكر، نتحسس الخطو، ونتخفى وراء صناديق الأغذية، وأخيرا تمكنا من دخول مخزن كبير به صناديق ترتفع إلى السقف، فقال صاحبي هامسا إنني أخاف أن تكون هذه الصناديق مملوءة بمواد غذائية ...

وصدق زميلي في حدسه فقد كانت مملوءة بعلب مربى وفواكه محفوظة ... فخرجنا من العنبر نبحث عن ضالتنا:

صناديق الذخيرة ... وفي العنبر الثاني وجدنا نفس الصناديق، فأدركنا أننا أخطأنا التقدير والدراسة ...

قال قائد القوة وهو يبتسم! إذا كنا قد فشلنا في هدفنا فلا بأس من أخذ عينات من المربى لإخواننا وليكن عشاؤنا "مربى إنجليزي" ثم شد إليه صندوقا وفتحه برفق، وإذا بنا نفاجأ بأن الصناديق مملوءة عن آخرها بدانات من مدافع الهاون ...

فأسرعنا إلى العبوات التي كنا نحملها وثبتناها في أركان العنبر .. وأشعلنا الفتيل ثم خرجنا مهرولين من العنبر ... وما كدنا نغادر المعسكر حتى بدأت الانفجارات تمزق سكون الليل، وتطايرت قنابل الهاون تضرب في المستعمرات الكبيرة وكأن عدوا يلقيها من بعيد ... وبدأت النيران تشتعل في كل مكان .. وتحول الليل إلى نهار ... كان المنظر ممتعا حقا .. الانتصار دائما جميل ومفرح والهزيمة ما أقبحها وما ألعنها ...

ظلت الحرائق تأكل في المعسكر حوالي عشر ساعات، والعدو يحاول أن يطفئها، ولكنها لم تسكت إلا بعد أن شبعت ولم تجد ما تأكله وتركت خلفها رمادا هائلا وغلا وحقدا لم يجد له متنفسا إلا في الإسماعيلية بعد أيام حيث وقعت المأساة الكبرى، بإحراق المحافظة.  

فصل لا بد منه

"إنني أضع نفسي كتجربة خضعت للخطأ والصواب"

"إن الرجل يشقى إذا كبر اسمه عن نفسه"   كانت معركة التل الكبير قد أثرت في كثيرا، وشعرت بضخامة المسئولية، واشتد حسابي لنفسي .. كنت ولا زلت أقول هل كنت أهلا لقيادة هذا الشباب والتخطيط له؟ وهل كنت على مستوى المسئولية الضخمة التي حملتها؟ وبدأت أشعر بالخوف من لساني ...

فقد أوتيت قدرة على الكلام والتأثير في الجماهير بل وفي نفسي حتى أنني كنت أبكي متأثرا من كلامي ... كنت انفعالا ضخما يتحرك ويتكلم، وكانت الجماهير تستجيب لي بانفعال صادق، إنني في الواقع آسف للحديث عن نفسي لكن آليت على قلمي أن يكون صادقا مخلصا في أداء رسالة ولذلك سوف أخرج من دائرة الذاتية والأنا لأضع نفسي تحت الفحص الدقيق ..

أضع نفسي كتجربة خضعت للخطأ والصواب، وأريد أن يستفيد منها الشباب .. فأنا شاب أوتيت قدرة على الكلام في حين كان لساني في صغري متعثرا .. ثم واتتني فرصة التدريب العسكري .. وكانت تدعمني أكبر وأقوى جماعة في عصرها ...

كل هذه الظروف دفعت بي إلى قمة ما أظنني كنت أهلا لها .. ولعل بسمارك كان صادقا في تشخيص نفسه وزعامته حين قال إن الناس يغالون كثيرا في تأثيري على الحوادث، ولكني استطعت فقط أن أستغل الظروف التاريخية المتاحة لأبعد حد، وليس معنى هذا القول هو تشبيه نفسي بهذا أو ذاك، وأن أرى أنه ليس من الفخر أن أثبت على إقدامي وأقول أنا بسمارك أو هتلر أو نابليون مثلا ...

إن هذا التشبيه في حد ذاته خطأ لأن هؤلاء الزعماء كانت دوافعهم إلى مغامراتهم مجدهم الشخصي وجنون العظمة وكانت نتيجة هذا دمار أممهم وشقاء زمانهم بهم .. إن هذه النوعية من العظمة المزعومة كاذبة ومضللة وكل بناء يقوم على نسقها سوف ينقض على صاحبه وعلى قومه معه، كنت ولا زلت أقول "إن الرجل يشقى إذا كبر اسمه عن نفسه" فصار عملاقا في نظر الناس وهو قزم في حقيقته وصدق الصوفي الذي قال "من ملك نفسه فقد ملك الدنيا جميعا ...".

أعود فأقول إنني وجدت في ظروف ووجدت في ظروف، جعلتني أقفز إلى قمة عمل كبير لم أكن أهلا له، وقد أدركت هذه الحقيقة وأنا في المعركة وفكرت كثيرا في التراجع ولكن الأحداث كانت تدفعني بشدة .. كنت أعلم يقينا أن كلماتي قد يدفع ثمنها الشباب من حياتهم وأرواحهم ويدفع ثمنها الناس جميعا من أموالهم وجهودهم، وقد تدفع الأمة ثمنها من تاريخها ومستقبلها ...

فكنت ولا زلت أخشى لساني .. ولعل القارئ الذي سمعني لا يستطيع الآن إلا أن يسترجع كلماتي كعبارات جامدة فقدت نبراتها الرنانة خاصة بعد أن سقط حجاب الزمن وانسدل ستار من النسيان وألقى بعشرين سنة بين أحداث الأمس واليوم ... وثار دخان كثيف حجب الرؤيا الصادقة ... كنت أختم كل خطبي بقصيدة صغيرة ألفتها في السنة الثالثة الثانوية وكان لها أثرها الكبير في نفسي وفي المستمعين، كانت القصيدة على بساطتها تندفع بكل طاقاتي إلى صدور الشباب فتلهب حماسهم وثورتهم ودموعهم .. القصيدة تقول:

بروحي مصر لم أعشق سواك

على كر السنين وإن دهاك

فأنت ضياؤنا وبك اهتدينا

إلى الآمال لا نخشى عداك

فسودي ما حيينا وإن هلكنا

ففي أبنائنا طب لداك

بربك فاعذرينا إن ونينا

ونحن الأسد إن خطب عراك

فكل يشتهيك له عروسا

ولكنا هيام في هواك

قيام للصلاة لنا دعاء

وفي الساحات مبدؤنا علاك

عهودا قد قطعناها علينا

وليس بخائن عهدا فتاك

حاولت جهدي أن أفصل بين الخطابة والزعامة فلم أستطع .. مثلا أسندت قيادة المعسكر داخليا لزميلي وحبيب عمري نفيس، ولكن كان كل شيء يتجه إلي، ووجدت نفسي في شهور قليلة أتنقل ما بين مديري الجامعات وأساتذتها والجميع يرحبون بي، ثم وجدتني أحتل مانشتات الصحف ويلاحقني إخواني الصحفيون، ويحاولون أخذ تصريحات مني، بل تجاوز الأمر الإقليمية إلى الدولية فجاءت صحيفة ألمانية وسعت عن طريق زميلي سميح خالد للقاء بي، وأدليت لها بتصريح عن المعركة، ..

ووجدت حفاوة من الجمعيات والهيئات حتى النسائية منها .. ودعوات من الأقاليم والمدارس، ثم وجدتني أدخل الدائرة السياسية من بابها الواسع، فقد ألح بعض الوزراء في مقابلتي ولكنني كنت دائما أرفض مخافة أن تلوث سمعتي بالانتساب إلى بعضهم، وبعد أن تولى علي ماهر الوزارة طلب من مدير الجامعة أن يجتمع بي، فاعتذرت مرارا فحضر علي ماهر بنفسه إلى المعسكر والتقى بي، ولم أستطع الامتناع عن مقابلته بعد ذلك وكان أشق امتحان لي يوم أن دعيت بإلحاح لمقابلة شخصية كبيرة كانت ساعد الملك الأيمن، فاعتذرت بلباقة وأفلت من المصيدة.

إن هذا الذي ذكرته قليل من كثير، فقد كنت لا أكاد أرى طريقي من عنف الأضواء المسلطة علي .. كانت الصحافة المحلية والأجنبية تكتب عني .. وكانت الإذاعة تردد خطبي التي كنت أذيعها من القرين والزقازيق .. ويلتف الآلاف حول أجهزة الراديو لسماع كلماتي .. كان الناس يصفقون بشدة وكنت أبكي بشدة .. قد يقال إن هذا ضعف لكني أقول أنني لا أدري ...

لكن هذه هي الحقيقة ... وقد يقال إن هذا الكاتب يريد أن يجعل من نفسه تولستوي آخر وهو يلقي باعترافاته ويفشي أسرار نفسه بين يدي قرائه فيزيد من إعجابهم به .. إن هذا ليس صحيحا .. ولكن الصحيح هو أنني عازم على إعطاء الشباب المتوثب الطموح صورة ناطقة متحركة عن زميل لهم ابتلي بالشهرة .. وكان يمكن أن تدفع به هذه الشهرة إلى كراسي حكم، وقد دفعت بغيره إلى مراكز القيادة في أممهم وقليل من صلح وكثير من هوى من عليائه على ركام أمته ..

إن وليم بت وصل عن طريق لسانه وخطبه المؤثرة إلى كرسي الحكم وهو في سن الخامسة والعشرين ... واستطاع أن يخدم أمته ولكن بسمارك وهتلر وموسوليني نفخوا النار في أممهم حتى اشتعلت فأحرقتها وخلفتها رمادا ... ومصر ... سجل مصطفى كامل وسعد زغلول انتصارات رائعة ببيانهم وخطبهم وعاشوا في ضمير أمتهم أبطالا .. ولكن آخرين خانتهم أنفسهم فأتلفوا آثار سعد ومصطفى كامل وأورثوا الأمة تاريخا أسود.

وأعود فأقول هذا ما خفت من بعضه في شبابي ففكرت في الهروب من الضوء إلى الظل لأتوارى عن الناس ... ولكن هذا لم يتحقق، فليس كل ما يتمنى المرء يدركه، كل هذا جعلني أشعر أنه قد صار أمانة في عنقي أن أعطيه تجربة للآخرين ..

للشباب في أمتنا الذين قد يشرق عليهم صباح الغد فإذا بهم زعماء وقادة، تتحرك في مواكبهم الشعوب وتعطيهم أمانة القيادة والحكم ... ويجدون أنفسهم بين أمرين إما أن يعبدوا ذواتهم ويعبدوا شعوبهم لهم، وإما أن ينتصروا على أنفسهم، وينتصروا لأممهم ..

ولن يجدوا وسيلة أجدى ولا أنفع من استثمارهم بأن الله استرعاهم وائتمنهم وأن ساعة عدل خير من عبادة أرعين سنة ويذكرون ما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" بين الرغبة في رحمة الله والرهبة من غضب الله يمكن أن يسلك الحاكم أحسن وأكرم طريق.  

الحقائق اليومية تكتب عن معركة التل الكبيرة

في اليوم الخامس عشر من يناير أي بعد المعركة الكبيرة في التل الكبير أصدرت القيادة البريطانية في القناة بيانا رسميا نشر في "الحقائق اليومية" العدد 81 في 15 يناير 1952 – 17 ربيع الثاني سنة 1371 هـ جاء فيه:

شعارها ...قل الصدق ولو على نفسك

الحقائق اليومية ...أنباء منطقة القنال

العدد 81 الثلاثاء 17 ربيع الثاني 1371 ... 15 يناير 1952


كذب الأهرام والمصري المشين

تفاقم عدد ضحايا الفدائيين في التل الكبير

افتراء الصحف المصرية على الجنود البريطانيين واتهامها بسوء معاملة الأهلين

- وقع نشاط إضافي من الإرهابيين (الاثنين) كما تخذت السلطات البريطانية الإجراءات المضادة لذلك في منطقة التل الكبير جنوبي ترعة المياه العذبة.

- واصل القناصة أعمالهم بصورة متقطعة لبضع ساعات أثناء ليلة 13 – 14 الجاري في الإسماعيلية.

- وجه لفيف من المسلحين المصريين اهتماما ملحوظا إلى أطراف قيادة السلاح الجوي للشرق الأوسط وإلى حامية المعسكر التي يمكن توجيه النيران إليها من الضفة الشرقية لشرعة المياه الحلوة وقد أجابت القوات البريطانية على النار بالمثل من الأسلحة الخفيفة والثقيلة ولم تقع أية إصابات بين البريطانيين.

- في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخامسة والأربعين من بعد ظهر 13 يناير الحالي وصلت جماعة مؤلفة من عشرين رجلا من رجال البوليس المصري يرافقهم أربعة من المدنيين المسلحين إلى نقطة التفتيش بالقرب من التل الكبير جنوبي ترعة المياه العذبة ولما طلب إليهم العودة إلى المكان الذي قدموا منه انسحبوا وهم يطلقون النار على مركز التفتيش وقد أجاب البريطانيون على إطلاق النار بالمثل وتبعهم دورية بريطانية وأرغمتهم على الانسحاب التام ولم تقع إصابات بين البريطانيين.

- وفي الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة عشرة من صباح أمس (الاثنين) أطلقت النار من عدة جهات على دورية استكشاف بريطانية مؤلفة من ضابط وسبعة جنود، وفي الساعة ذاتها من اليوم المذكور أطلقت النار على رأس حامل مدفع البرن في منطقة مكشوفة تبعد ميلا واحدا عن مركز تفتيش التل الكبير جنوبي ترعة المياه الحلوة فقتل في الحال.

ولما تناول أحد الضباط من فرقة (الهايلندر كامرون) مدفع البرن من المغدور أصابته رصاصة هو الآخر في رأسه فقتل في الحال وبعد انقضاء خمس دقائق تقريبا أجابت الدورية البريطانية على إطلاق النار بالمثل وعلى الأثر سارعت السيارات من حاملات مدافع البرن والمصفحات إلى مكان الحادث فعبرت الترعة لمساعدة الدورية البريطانية وقد واصل البريطانيون إطلاق النار من الأسلحة الخفيفة والثقيلة.

بينما كانت هذه الحادثة مستمرة قفز رجل مدني من باص وأطلق أربعة عيارات نارية على حارس بريطاني فأرداه قتيلا وفي البقية الباقية من اليوم كانت القوات البريطانية منهمكة في تهدئة الحالة في التل الكبير ومن المرجح أن عدد الإصابات لا يقل عن أربعة قتلى ...

- وفي صباح أربعة عشرة الجاري طوقت القوات البريطانية قرية ابن مطرود وفتشتها، وتقع هذه القرية شمالي الترعة على طريق الإسماعيلية – التل الكبير، وخلال ذلك أطلقت عدة عيارات نارية على القوات البريطانية وقد أسفر التفتيش عن العثور على بندقية وكمية من الطلقات و (2000) أقة من الحشيش واعتقل اثنان من المشبوهين".

طبعا لم يكن بيان الحقائق إلا أكاذيب .. وأضاليل فقد كان رجالنا يلقون في المعسكرات أشد ألوان العذاب ولعل الذي ذكره الأسير بعض من كل، وخير شاهد على ما أقول أن أضع هذه الوثيقة بين يدي القراء وهي عبارة عن خطاب كان قد أرسله طلبة الجامعة الأسرى في معركة القناة وذكروا فيه أنهم على خير حال .. وبالمقارنة بين ما في الكتاب وما ورد في الحقائق وبين الواقع الذي شهده الطلبة والعمال في المعسكرات يعطينا صورة عن مدى التضليل الذي كان يقوم به أرسكين وأعوانه.

ومن طريف ما سمعت من أحد الأسرى الذين اضطرهم الجنود لتوقيع الخطاب أنه قال إننا كتبنا في الرسالة أن الطبيب كان يزورنا كل يوم وكنا نشير بهذا إلى مدى التعذيب الذي كنا نلاقيه لدرجة أن الطبيب كان يأتي ليضمد الجروح من أثر التعذيب ...

وإنني أسجل هنا الرسالة بأكملها تاركا للقارئ المقارنة بين ما كان يقع للأسرى في المعسكرات وبين افتراءات الإنجليز وأكاذيبهم ...  

الحقائق اليومية

(أنباء منطقة القنال)


شعارها ...(قل الصدق ولو على نفسك)

1 جمادى الأولى 1371 ... الثلاثاء 29 يناير 1952 ...العدد (95)

حضرة صاحب السعادة مدير جامعة فؤاد الأول

بعد تقديم أسمى واجبات الاحترام نحييكم أطيب تحية ونرجو من الله أن يحفظكم نخرا لأبنائكم طلبة الجامعة.

سيدي المدير نحن طلبة جامعة فؤاد الأول الذين أسرنا في معركة التل الكبير يوم السبت 12 يناير سنة 1952 نحيطكم علما بأننا منذ أن وقعنا في يد القوات الإنجليزية ونحن نعامل معاملة طيبة جدا أذهلتنا لأن الصحف المصرية ما فتئت تكتب كثيرا من الأكاذيب عما يلاقيه الأسرى من معاملة سيئة فنحن لم نلق أي إهانة أو أذى إلى الآن ويجب أن تعرف أن هناك طبيبا يمر علينا يوميا للسؤال عن صحتنا التي تحسنت كثيرا ونحن نحمد الله كثيرا على ذلك ونرجو منك أن تطمئن إخواننا الطلبة وأهلنا.

سيدي المدير بعد تفكير منا وجدنا أننا لم نكن محقين في حضورنا إذ أننا طلبة درسنا طويلا حتى وصلنا إلى هذه المرحلة الجامعية فميداننا هو ميدان العلم لا ميدان القتال فأرجو أن تقرأ كلامي هذا على باقي الطلبة حتى يعرفوا رأي زملائهم الذين ذهبوا إلى الميدان.

وختاما فإنا نرسل لكم أطيب تحياتنا وأحسن تمنياتنا والسلام.

محمد وحيد محمود مصطفى كلية الهندسة جامعة فؤاد الأول

عبد الوهاب عبد المقصود حبيب كلية العلوم جامعة فؤاد الأول

إسماعيل ممدوح أحمد عبد الله كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول

علي إبراهيم محمد كلية العلوم جامعة فؤاد الأول

أحمد فايز شعبان بكالوريوس ميكانيكا كلية الهندسة

وليسمح لي القارئ أن أقدم له رأي البريطانيين في الشباب المصري الذي خرج ليقاتل من أجل حرية أمته من خلال إحدى نشراتهم الدورية ... وهذه النشرة كتب على ظهرها خطاب الطلبة لمدير الجامعة.

الحقائق اليومية... (أنباء منطقة القنال)

شعارها ... (قل الصدق ولو على نفسك)

1 جمادى الأولى 1371...الثلاثاء 29 يناير 1952...العدد (95)

طلاب جامعيون ...خير عبرة وعظة للشباب المصري الكريم

نشرنا في مكان آخر من هذا العدد، صورة طبق الأصل، عن الكتاب الموجه إلى عميد جامعة فؤاد الأول بالقاهرة، من خمسة من الطلاب، الذين توجهوا إلى منطقة القنال لمقاتلة الجيش البريطاني، ولكنهم وقعوا في أيدي القوات البريطانية.

إن هؤلاء الشبان ليسوا بالعصابات الإجرامية، التي نشرت الإرهاب بين سكان منطقة القنال، بل إنهم تطوعوا لأنهم صدقوا ما قرأوه في الصحف المصرية، عن تصرفات الجيش البريطاني في منطقة القنال، كما شجعوا، وأدخل في روعهم، وحملوا على الاعتقاد .. بأن القوات البريطانية، ستخرج حتما من مصر .. نتيجة جهودهم وأعمالهم .. وقد كانت نتيجة هذا الاعتقاد، أن خسر بعض زملائهم أرواحهم هباء ...

والآن فقط .. بدأ هؤلاء الشباب يميزون الكذب والمفتريات الشائنة عن المعاملة التي سيلقونها على أيدي البريطانيين ... كما بدأوا يتبينون أيضا، كيف انقادوا إلى الضلال في معتقداتهم الأخرى الخاطئة.

ونحن نناشد عميد الجامعة، والآباء والأمهات المصريين والمصريات، والشباب المصري، وكل مواطن عاقل، دراسة هذا الكتاب وتمحيصه باهتمام، فمنذ مدة ليست بالطويلة، عمل المعلمون البريطانيون، بإخلاص ووفاء إلى جانب زملائهم المصريين في تثقيف الشباب المصري في الجامعات، ولكن هذه الحالة تغيرت كليا خلال شهور قليلة قصيرة، إذ أقصى المعلمون البريطانيون عن وظائفهم .. الذين أتوا إلى مصر دون أية مقاصد عدوانية.

إنهم هنا لا لأجل خدمة بلادهم فقط، وإنما لخدمة مصر أيضا، وخدمة العالم الحر أجمع معها، والواجب المحتم عليهم هو قمع كل نشاط عدائي موجه ضدهم، ولكن، أليس من العبث والسخف والمرارة .. خلق مثل هذه الحالة؟  

روح الشعب

على أثر معركة التل الكبير نشطت فكرة المعسكرات في الجامعات والمدارس، وامتلأت بحشود الطلبة والأهالي، وتدفقت علينا الأسلحة ... وكانت جامعة إبراهيم (عين شمس) وعلى رأسها الدكتور كامل حسين لا تقل نشاطا عن جامعة القاهرة ...

كان يتولى الإشراف على التدريب فيها محمد عاكف ووائل وعدد كبير من الشباب الذين سبق لهم التدريب في فلسطين أو في أجهزة الإخوان، ويوم افتتاح معسكر الجامعة وقف مديرها ليقول لطلبته "إننا أبناء ثورة سنة 1919 لنصغر أمام أبناء ثورة سنة 1952" وكان من أنشط أساتذة جامعة عين شمس الذين شاركوا في معسكر الجامعة الدكتور حسن مرعي (الذي صار وزيرا فيما بعد) والدكتور سعيد النجار.

وخلعت الجامعة الأزهرية الجبة ولبست ثياب الحرب وتصدر لقيادتها شباب أفذاذ لهم قدرة فائقة في التوجيه والخطابة .. وكانوا على قدر كبير من التأثير في جماهيرهم ..

بل كنا نستعين بهم في إثارة حماس شباب الجامعة لأن المخطط الاستعماري كان حريصا على إقامة عازل دائم ما بين طلبة الجامعة الأزهرية وطلبة الجامعات الأخرى ..

ولعلي لا أنسى موقف شباب الأزهر يوم أن افتتح معسكره التدريبي فقد تقدم وكيل الجامعة الشيخ عبد الرحمن حسن وأطلق أول رصاصة إيذانا ببدء التدريب.

وانتفضت الإسكندرية واهتز الثغر المكلوم وتقدم طلبة الجامعة بأول خطوة وافتتحوا معسكرهم يوم 25 يناير، وقد دعاني مدير الجامعة لافتتاح المعسكر فشاهدت روعة النظام، ودقة الحركة في حرم الجامعة .. فقد بدأت الجامعة عملها بتشكيل لجنة للإشراف على التدريب كان من أعضائها الدكتور علي فتحي عميد كلية الهندسة والدكتور رشوان محفوظ أستاذ العيون، والدكتور محيي الخرادلي أستاذ بكلية الطب، واشترك معهم مجموعة من الطلبة ...

ويروي لي أصدقاؤهم أن عدد الطلبة الذين كانوا يتدربون على السلاح داخل الجامعة لا يقل عن ألفين عدا المترددين من المعاهد العليا .. ونجحت كلية العلوم بالجامعة في اختراع أنواع من المتفجرات والقنابل استعملت في تدريب الطلبة ...

وقد بعثت الجامعة بأول كتيبة لها إلى أبي حماد قوامها اثني عشر طالبا وشاركت بجهد مشكور في العمليات الحربية ...

كانت الثورة الشعبية المسلحة تتقدم بخطوات سريعة وتتصاعد بقوة لدرجة أن الحكومة كانت أضعف من تقدير أبعادها حتى نحن كنا أضعف من إدراك أبعادها ومستقبلها وكنا إذا سئلنا عن مدى قدرتنا على مواجهة الإنجليز بأسلحتنا ورجالنا وقوانا المحدودة نقول إننا لسنا جيشا ولكننا إرادة حرة ... والإرادة القوية الحرة لا يمكن أن تنهزم مهما كان أعداؤها.

كان هذا هو منطقنا ... أما وسائلنا فكانت الاستعداد الدائم واستغلال غفلة العدو، والاستفادة من كل موقف والضرب المتواصل ...

والدعاية القوية ولا أكون مبالغا إذا قلت إننا حققنا نجاحا كبيرا في مواجهة عدونا، أذكر أنني التقيت بالدكتور محمد صلاح الدين وزير الخارجية في حكومة الوفد بعد حريق القاهرة .. قال لي الرجل إنك لا يمكن أن تتصور مدى الكسب الذي أحرزناه في أوروبا وأمريكا بعد معارك القناة والتل الكبير بالذات، ولكن خسرنا الكثير بعد حريق 26 يناير الذي شوه بدخانه سمعتنا في الخارج.

وقال لي الدكتور صلاح الدين في لقاء آخر وهو يشير بإصبعه إلى القارة الأمريكية إن الولايات المتحدة هي المتهم الأول في إحراق القاهرة ...

فقلت له إن الأمر يحتاج إلى إيضاح أكثر .. قال:

إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت المحرك الأول للأحداث التي جرت قبل وبعد حريق القاهرة .. ويرجع السبب في هذا إلى عدة أمور منها:

1 - إن أمريكا أرادت أن تصفي النظم الديمقراطية في مصر حتى يتسنى لها ضرب الحركات الوطنية.

2 – امتناع مصر عن التصويت في مجلس الأمن إلى جانب الولايات المتحدة في مشكلة كوريا ... وكانت توجيهات مصر لمندوبها في الهيئة الدولية أن هذه المشكلة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولا نحب أن نزج أنفسنا في نزاعات دولية ... ويكفينا الاهتمام بمشكلتنا ...

3 - حرص أمريكا على تصفية ما أسمته بالحرة الشيوعية في مصر ولذلك بادرت باتهام الشيوعيين بأنهم هم الذين أحرقوا القاهرة.

وأذكر رسالة جاءتني من شباب سويسري نقلوا لي فيها ما يلاقيه شبابنا الأسرى في المعسكرات البريطانية، وكانت الرسالة تفيض رحمة وتعاطفا على حركتنا الثورية .. ومئات من الرسائل وصلتنا من جميع بلاد العالم تزكي كفاحنا وتبارك خطواتنا ...

قلت إن الثورة الشعبية المسلحة كانت أقوى من الحكومة وأقوى منا ... فقد تسللت إلى القرى والكفور وأعماق الريف .. واستيقظت كل مصر عليها ..

وكأن ثورة سنة 1919 قد تجددت ولكن بأسلوب آخر ومنهج جديد، فالشعب في سنة 1919 كان يقوده سعد زغلول بتاريخه العريض وحزبه الكبير وقدرته على التأثير في الجماهير، لكن ثورتنا كانت على الرغم من حرمانها من أمثال سعد إلا أنها كانت ذات أبعاد كبيرة وآمال عريضة ...

كانت قد عزمت على إنهاء فصول مأساة الاحتلال البريطاني بعد أن تجاوز الثمانين عاما من الظلم والجور .. وكانت قد عزمت على إنهاء احتلال قرن ونصف من حكم أبناء "قوله" الذين فرضوا أنفسهم علينا، والإجهاز على مخلفات الحزبية التي فتتت كيان الأمة، وتاجرت بكرامتها وشرفها.

كانت ثورة شعبية قائدها الشعب وغايتها الشعب وحريته ولذلك انتصرت وسجلت نفسها في سجل الخالدين ... أذكر أن ثلاثة من الطلبة الصغار دخلوا إلى خيمتي وقالوا لي بصوت واحد نحن نريد أن نقاتل الإنجليز .. قلت لهم لكنكم لا تستطيعون فأكبركم لا يتجاوز العاشرة، قالوا نحن سنقوم بقتل أبناء الإنجليز قلت لهم وما ذنبهم، قالوا وما ذنب الأطفال الذين قتلوا في كفر عبده والتل الكبير .. وما ذنب أبناء الشهداء ما ذنبهم!!

وأحب أن أضع رسالتين موجزتين كتبهما لي إخوة الشهداء عمر شاهين وعادل غانم وهما كفيلتان بكشف معدن الأمة رجالا ونساء في هذه الفترة من تاريخ أمتنا.

يقول الدكتور وائل شاهين شقيق الشهيد عمر في رسالته .. "سألت والدتي يوما وأنا صغير بعد أن ختمت صلاتها هل تدعين لنا يا أماه؟ فلما أومأت بالإيجاب قلت لها وماذا تقولين ..

قالت اللهم اجعلهم نافعين لدينهم ووطنهم، وبوركت الدعوة ولم تمض سنوات حتى هدانا الله لدعوة الإسلام وانخرطنا في جماعة الإخوان المسلمين ...

ولا أنسى يوم استشهاد ابنها عمر فقد كانت صابرة محتسبة لدرجة أنها كانت تهدئ من روع خالتي وتواسيها مذكرة إياها أن هذه الميتة في سبيل الله".

ويقول شقيق عادل في رسالته لي ... إن أخي عادل كان ينتظر ملك الموت كل يوم، وذات ليلة أيقظني من نومي وقال لي إنه يشعر باقتراب أجله فسخرت منه وقلت إنها أوهام وأحلام .. ولكن يبدو أنه كان ينظر بنور الرجل المؤمن ... فبعد أيام دخل علي وهو أشد ما يكون انفعالا وقال لي لم لا تفكر في التدريب في الجامعة فقلت له إن الدراسة جهاد كالعلم تماما .. ولكنه استطاع أن يقنعني برأيه وبدأنا التدريب سويا.

ثم يقول "الحمد لله الذي اتخذ من أسرتنا شهيدا". "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" وأقف خاشع الطرف وأنا أذكر ابن حوض نجيح ومعلمها وأستاذها السيد شراقي ..

هذا الرجل كنت أشعر وأنا أنظر في عينيه أنه ليس من أهل أرضنا وليس من سكانها .. إنه ملاك يمشي بأقدام بشر .. سيد شراقي هذا لازم حملة فلسطين من أول يوم إلى أن خرج منها معتقلا معنا في رفح .. وكانت أمنيته أن يلقى الله شهيدا في فلسطين ..

فلما أخرج من فلسطين لم يكف عن العمل والجهاد حتى إذا تحركت أحداث القناة كان هو وأبناء حوض نجيح من السباقين إليها .. وكان لقاؤه مع ربه في أرضها .. رحمه الله ...

هذه لقطات سريعة وصور عابرة استطاعت الذاكرة المثقلة أن تحتفظ بها عبر عشرين سنة، وما قصدت من ذكرها إلا أن أثبت أن الشعب كان يعيش معركته متفاعلا بها مضحيا في سبيلها بكل شيء .. ومن حق أحد زملائنا في المعركة وهو شاب مسيحي اسمه إدوارد أن نذكره بالخير، فقد كان من أوائل الذين خاضوا معركة القناة وكان في كتيبة الشهيد عمر شاهين ...

تآمر من الملك وصمود من أساتذة الجامعة

كانت معركة القناة سنة 1951 وسنة 1952 أكبر بكثير من الحجم الذي أعطاه لها التاريخ المعاصر ... ويرجع السبب في هذا إلى حركة الأحداث التي بدأت في 22 يوليو 1952 والتي استطاعت أن تطغى على المد الثوري الكبير الذي كانت قد بدأته قوى الشعب المتلاحمة بعد إلغاء المعاهدة .. أقول هذا الكلام وأنا بسبيل حديث قصير عن الدور الذي لعبه أساتذة الجامعات في القضية الوطنية ...

وهذا الحديث يقتصر على الدور السياسي .. لأن الجوانب العسكرية تكلمت عنها في مواقف أخرى ... فلقد تشكلت هيئة من كبار أساتذة الجامعات الثلاثة جامعة الإسكندرية وجامعة القاهرة وجامعة عين شمس، بقصد دعم الحركة الوطنية، وبلورة فكرها ..

وكان أول لقاء لها في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وكانت هيئة التدريب تجمع بين شباب المدرسين وشيوخ الأساتذة ..

ومن ألمع الأسماء التي أذكرها الدكتور حسن مرعي (الوزير السابق والأستاذ بجامعة عين شمس) والدكتور علي فتحي عميد كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، والدكتور عثمان خليل عميد كلية الحقوق والخبير الدستوري بالكويت، والدكتور رشوان محفوظ نقيب الأطباء وأستاذ العيون بجامعة الإسكندرية، والدكتور غراب أستاذ العيون بالإسكندرية، أما الدكتور سعيد النجار المدرس بكلية الطب بجامعة عين شمس فقد كان قاسما مشتركا بين الأساتذة والطلبة .. وكان الحركة الدائبة النشيطة .. وقد شرفني الأساتذة بالانضمام إليهم والمشاركة الجدية في أعمالهم ...

كان إجماع الأساتذة على دعم العمل الفدائي، ومساندة الطلبة في موقفهم .. ولكنهم كانوا لا يميلون إلى أسلوب العنف مع الحكومات .. ولذلك كان كل أملنا فيهم أن يصدروا بيانات لتأييدنا في مواقفنا .. كما أننا كنا نضفي بهم ثوب الحكمة والتعقل والقانونية على تصرفاتنا ..

وقد وفقنا كثيرا في مخططنا هذا واستطاع أساتذة الجامعة أن يرتفعوا بمستوى المعركة إلى درجة أثارت اهتمام الرأي العام كله، وفي الوقت نفسه أزعجت القصر والإنجليز .. حتى أن القصر لجأ لبعض أعوانه التقليديين وحاولوا تشكيل هيئة تدريب مقاومة لهيئتنا ولكنها لم تستطع الصمود طويلا ..

وبالمناسبة أذكر أن الحكومة كانت قد لجأت للأسلوب نفسه في محاولة لتفتيت جهود الطلبة ونشاطهم الحربي فقد أقامت لها معسكرا تدريبيا في المدينة الجامعية لصرف الطلبة عن معسكرهم الذي صنعوه بأيديهم .. ولكننا استطعنا إحباط محاولتهم وذلك بالتعاون مع المعسكر والاستفادة نه في التدريب والذخيرة .. وتمكنت العلاقات الشخصية بالضباط المشرفين عليه من إحباط مخطط الحكومة ..

وقبل أن أنهي حديثي عن أساتذة الجامعة لا يسعني إلا أن أسجل موقفا أو حادثة بطلها قائم بيننا وهو الدكتور سعيد النجار .. وهي إلى جوار أنها تكشف عن معدن الرجل الكريم فإنها تصور مدى الصراع الذي كان يعانيه الملك وأعوانه في محاولة للإبقاء على العرش، بدأت القصة بلقاء عابر اصطنعه أحد مدرسي الجامعة مع الدكتور سعيد الذي كان يعمل مدرسا بجامعة عين شمس ...

قال المدرس للدكتور سعيد إنكم لم تفكروا في ضم هذا التركي (يعني الملك فاروق) إلى صفوفكم في مواجهة الإنجليز !! وعلى الرغم من المفاجأة الذي أخذ بها الدكتور سعيد إلا أنه أبدى استعداده لتفهم الموقف أكثر من ذلك ..

وبعد أن رجع الدكتور سعيد لزملائه الأساتذة كتب مذكرة شخصية مفصلة للملك طالبه فيها بعدة مطالب .. أهمها تأييد العمل الفدائي صراحة والتنازل عن نصف ممتلكاته على الأقل لصالح الشعب كما طالبه بإقصاء شركاء السوء المحيطين به أمثال بولي وكريم ثابت.

وبدأت اتصالات موسعة بالدكتور سعيد في محاولة من الملك لإظهار استعداده للتجاوب مع الشعب ... ولكن الدكتور بدأ كما يقول يشم رائحة التآمر من وراء هذه الاتصالات، إلا أنه أحس بمدى ضعف القصر تحت الضغط الشعبي الكبير ... وانكشف الأمر أكثر وأكثر أمام الدكتور سعيد عندما جاءه زميله رسول الملك وقال له إنك سوف تسمع غدا ردا عليك بشأن مطالبك.

ويقول الدكتور سعيد مبتسما .. أما ما سمعته في الغد فكان أذانا بنهاية الملكية في مصر .. فقد أعلن المذياع أن الملك فاروق ينتمي حسبا ونسبا إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

إن حديثنا عن دور الأساتذة والعمداء قد يطول بنا ... ولكن يكفينا أن نقول إن الأساتذة شاركوا بجهدهم وعلمهم وما لهم في سبيل إنجاح قضية الأمة .. إن اسم الدكتور مورو سيظل خالدا في ضمير الوطن حين نفكر في كتابه تاريخ الوطن تفصيليا .. وتاريخ الدكتور عبد الله الكاتب وعمداء الكليات وأساتذتها جدير بأن يأخذ مكانه الكبير في سجل شرف هذه الأمة.  

حريق القاهرة

"وكنا قد أعددنا خطة لتدخل قواتنا القاهرة والإسكندرية"

"... ولكن ظهرت شكوك خطيرة عما إذا كانت القوات"

"المتوفرة في منطقة القناة قادرة على أداء مهمتها أم لا"

إيدن   عدد القوات البريطانية ستون ألفا

مأساة 26 يناير

بدأت مأساة 26 يناير أو يوم حريق القاهرة بحادث وقع في الإسماعيلية يوم 25 يناير .. والحادث لم يكن أمرا بسيطا بل كان مأساة هزت مشاعر الشعب الثائر المتوثب ..

ففي الإسماعيلية حيث يقع مركز قيادة القوات البريطانية، كان الإنجليز يشعرون بالتخوف من تسلل الفدائيين إليهم خاصة بعد معركة التل الكبير .. ثم وقعت بعض الحوادث وسواء كانت مفتعلة أو جاءت نتيجة لظروف الحرب، إلا أنه كان لها ما بعدها فمثلا وجدت إحدى الراهبات مقتولة واختفى جندي بريطاني وإن كان قد أشيع بعد ذلك أنه هرب من المعسكرات ...

وكان يمكن علاج الأمر ببساطة ولكن الإنجليز أمروا عساكر بلوكات النظام بترك المحافظة لأنها تقع على طريق رئيسي بالنسبة للقوات البريطانية واتصل قائد القوة بوزير الداخلية الذي لم يستفد من مأساة كفر عبده، وأصدر أوامره لرجال البوليس برفض طلب الإنجليز والتصدي لهم، ولم يكن مع الجنود إلا بنادق "لي أنفيلد" قديمة .. لم ينتظر الإنجليز كثيرا .. وسددوا مدافعهم الثقيلة إلى مبنى المحافظة، وفي ساعات دكوها عن آخرها، وتركوها تطوى تحت أحجارها جثة ثمانين شهيدا.

هذا ما حدث في الإسماعيلية في إيجاز مطلق أما صداه فقد كان كبيرا وعنيفا وفجر كل طاقات السخط في النفوس .. ففي يوم 26 يناير خرج عساكر بلوكات النظام في مظاهرة كانت الجامعة قبلتهم الأولى .. وكنت يومها ألقي خطابا في الطلبة ...

حذرناهم فيه من المؤامرات التي بدأ القصر يديرها ... وكانت أولاها أحداث انقلاب داخلي يتولى على أثره اللواء حيدر باشا قائد الجيش وصاحب التاريخ الأسود مقاليد الحكم.

وحيدر يعرفه الطلبة ويحفظون تاريخه الأسود يوم أن كان يربط أسلافهم من الطلبة في ذيل حصانه ويجرهم على وجوههم، فهتفت الجامعة بسقوطه مقدما وكنا قد سمعنا همسا بأن إبراهيم عبد الهادي المجرم الكبير يتهيأ لمنصب الوزارة.

وأذكر أنني قلت عنه "إن كلبا يهز ذيله ينتظر نصيبه من العظم" ... المهم أن الطلبة أعلنوا تضامنهم مع البوليس بادئ الأمر إلا أننا توجسنا خوفا بعد ذلك من هذه الظاهرة الفريدة من نوعها، فلأول مرة يتظاهر رجال البوليس في الطرقات، وقبل أن ينتهي احتفال الجامعة خرجت مظاهرة رجال البوليس من الجامعة إلى مجلس الوزراء فلقيهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الاجتماعية وخطب فيهم .. قائلا: "إن الوزراء مستعدون لتعريض صدورهم لرصاص الإنجليز" ..

ومن مجلس الوزراء انقلوا إلى القصر حيث كان الملك فاروق يدبر مؤامرة إقالة الوزارة وإعلان الأحكام العرفية ... ونحن الآن لا نستطيع أن نقطع أن كان الملك على علم مسبق بالأحداث أم لا ولكن مجريات الأمور تشير إليه بالاتهام، والمهم في الأمر أنه استغل هذه الأحداث لصالحه حتى يتمكن من الهيمنة على الموقف وإسقاط وزارة النحاس وإعلان الأحكام العرفية ...

والعجيب في الأمر أن الملك كان قد دعا ضباط الجيش إلى قصره للاحتفال بعيد ميلاد ابنه أحمد في نفس اليوم الذي كانت تحترق فيه القاهرة ...

يقول الدكتور محمد حسين هيكل في مذكراته "إنه بعد أن بدأ الحريق ودبت الفوضى في البلد شعر سراج الدين أن رجال البوليس غير قادرين على حماية الأمن فأسرع إلى القصر وهناك وجد ضباط الجيش مجتمعين مع الملك فطلب من الملك إنزال الجيش لحماية البلد فوافق الملك ...".

وعلامات الاستفهام التي لا تزال تدور في رءوسنا .. من الذي استطاع أن يدبر الحريق بهذه الدقة! يبدأ الحريق في وقت واحد .. يحرق كازينو الأوبرا .. وشيكوريل وشملا ويمتد عبر شارع فؤاد .. وتصير القاهرة في ساعات وكأنها قطعة من الفحم!!

وإنني هنا أقف أمام حادثة عجيبة تكاد تشير بالاتهام إلى القصر ... ففي يوم الحريق دخلت عربة إلى ساحة الجامعة وبها ستة رجال، ووقفت العربة أمام باب المعسكر، وقام الرجال الستة بحمل خزانة حديدية كبيرة محكمة الإقفال .. وقال أحد الرجال للمسئول عن المعسكر – فقد كنت يومها في الإسكندرية – قال هذه هدية منا لمعسكركم حتى تستطيعوا مواصلة القتال في القناة ..

وبسرعة عجيبة وقبل أن يفكر زملائي في الأمر أسرع الرجال الستة بركوب العربة والخروج من الجامعة ... ووقف زملائي في حيرة من أمر الخزانة وأمر هؤلاء الرجال الستة .. ولم يكونوا على علم بمحتويات الخزانة لأنها كانت مغلقة بإحكام .. وكان تصرفهم يومها حكيما فقد اتصلوا بمدير الجامعة كما اتصلوا بقائد الحرس بالتحفظ على الخزانة لحين معرفة خفاياها ..

هذه قصة الخزانة التي علمنا فيما بعد أنه لم يكن بها أكثر من ستمائة جنيه .. لكن ما حدث بعد ذلك هو الذي أثار علامات استفهام كبيرة ... فقد اتصل القصر الملكي بمدير الجامعة وقال له إن طلبة الجامعة الذين تحتضنهم قد أحرقوا البلد وسرقوها وعندهم خزانة كبيرة .. فقال مدير الجامعة إن الخزانة سلمها لي الطلبة وهي موجودة عند رئيس حرس الجامعة ...

هذه الواقعة تشير بالاتهام إلى نفس الملك، فإذا أضفنا إليها وجود الضباط في القصر ساعة نشوب الحرائق ثم ما وقع بعد ذلك من إعلان الأحكام العرفية وإقالة وزارة النحاس .. إذا أضفنا إلى هذا كله رصيد الملك السابق من التآمر ضد الشعب، لما استغربنا أن يكون الملك هو المخطط والمنفذ لمؤامرة حريق القاهرة ... ويؤكد هذا كله التساهل في التحقيق ومحاولة إسناد تهمة الحريق والنهب إلى بعض اللصوص وتجنب تتبع القضية ومعرفة المحرضين الأصليين.

هذه هي قصة الحريق لكن ما موقفنا نحن منها .. الواقع أ، مؤامرة الحريق لم تكن مستبعدة عن أذهاننا فقد كنا نتوقع من أمثالها الشيء الكثير ... كنا نتوقع مؤامرات واغتيالات وحرائق حتى ننصرف عن معركة القناة إلى معارك داخلية وتتحقق فينا نظرية الإنجليز فرق تسد .. كنا نتوقع كل هذا ولذلك كان مخططنا من أول يوم الاستمساك بوزارة النحاس وفي نفس الوقت الضغط الدائم عليها حتى لا تهرب من المعركة .. وأذكر أنني قلت لأول كتيبة سافرت إلى القناة إنكم قد تتعرضون للاعتقال فعجب إخواني من قولي ولكن سكتوا لما قصصت عليهم ما جرى لنا في فلسطين فقد تم اعتقالنا بعد أن أدينا واجبنا على أحسن وجه في المعركة، كما لم تكن فكرة اغتيالنا بعيدة عن أذهان أعداء ثورتنا .. بل إننا كنا ننتظرها كل لحظة ... ولم يكن لنا من دفاع إلا تكتيل الجماهير حولنا، والدفاع الذاتي عن أنفسنا .. وأذكر أن الإنجليز دبروا عمليات اغتيال لنا بأيد مصرية ... وقد عثرت من ضمن أوراقي على رسالة كانت قد أرسلتها لي زميلة جامعية .. أسجلها هنا بنصها.

أخي حسن

السلام عليكم ورحمة الله ..

وبعد


أرجوك بحق الأخوة أن تأخذ حذرك من شخص يدعى حسين علي، المخبر السري بالسفارة الإنجليزية، والمحرر بالسفارة الأمريكية لأنه سوف يقتفي أثرك أينما كنت وأعلم أنه يعمل لحساب الإنجليز والأمريكان فاحترس.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محاولة اعتقالنا

ومن الصدف العجيبة أنني كنت قد اعتزمت السفر للإسكندرية تلبية لدعوة من الجامعة لافتتاح معسكرها ... وكان ذلك يوم 25 يناير أي بعد انعقاد مؤتمر القاهرة الذي حضره بلوكات النظام وحذرنا فيه من وقوع انقلاب حكومي ..

سافرت للإسكندرية بعربة خاصة ووصلت هناك وحضرت افتتاح المؤتمر، وتكلم مدير الجامعة الدكتور مصطفى عامر ثم تكلمت بعده وكان آخر من تكلم مرتضى المراغي الذي كان يتولى منصب محافظ المدينة ... ومن مصادفات القدر أن مرتضى المراغي اختير وزيرا للداخلية في نفس اليوم بعد أن تم حريق القاهرة، وكان من برنامجه إيقاف العمل الفدائي واعتقالنا ..

وأذكر حوارا لطيفا جرى بين الدكتور مورو مدير الجامعة ومرتضى المراغي .. قال المراغي إنه مضطر لاعتقال قائد الفدائيين فقال له الدكتور مورو إنني سمعت أنك أعلنت في خطابك في الإسكندرية ليلة تعيينك وزيرا للداخلية أنك تعتبر نفسك جنديا في جيش الفدائيين .. فهل كلام مرتضى المحافظ ينسخه كلام مرتضى الوزير.

ولنعد لمجريات الأحداث حتى لا تهرب الذكريات .. فبعد أن انتهيت من مؤتمر الإسكندرية قررت العودة في نفس اليوم للقاهرة لأنني كنت أشم رائحة الخطر .. ولم أكن أعلم شيئا عن أحداث القاهرة .. وركبت آخر قطار من الإسكندرية وعلمت وأنا بالقرب من القاهرة ما وقع من أحداث في العاصمة .. إن المؤامرة قد تمت وأن أحداثا خطيرة تنتظرنا ...

وفي محطة القاهرة وقفت حائرا وأنا أنظر إلى المدينة الكبيرة وقد لفها الظلام والسواد وغللها الدخان بغلالات سوداء .. وكان الناس يتحلقون حول أجهزة الراديو يتتبعون الأخبار بهلع وجزع شديد .. ووقفت جامدا في مكاني لا أكاد أشعر بلسع البرد في منتصف الليل ..

لم أستطع تجميع شتات ذهني، ولم تكن لي وجهة أوليها .. كان يشغلني شيء واحد وهو الاطمئنان على الجامعة وعلى الطلبة ... فقد كنت واثقا أن الأعداء لن يتركوها قائمة بعد أن صارت معسكرا حربيا .. والذين أحرقوا القاهرة لن يتورعوا عن إحراق جامعتها .. وكنت أعتبر إحراقها نهاية لنا فالجامعة قطعة من حياة الأمة كلها.

وكانت الجامعة إلى جانب هذا مأواي ومسكني فقد قررت الإقامة بها حتى نهاية المعركة ..

وكانت الجامعة ملتقى الشباب ومركز تجمعهم فكيف نستطيع تجميعهم .. وأنا في حيرتي واضطرابي اقترب مني شاب وربت على كتفي وناداني باسمي فكان كأنه رسول رحمة جاءني من السماء ليأخذ بيدي .. ثم أصر على اصطحابي لبيته فاستجبت له ..

وتمت ليلة ما أثقلها على نفسي فالأحداث كانت تجري بعنف وشدة ولم يكن في مقدوري متابعتها .. وفي الصباح استأذنت في الخروج فأذن لي بعد جهد ... وقررت دخول الجامعة مهما تكن النتائج، فلم أكن وقتها أفكر في الموت أو الاعتقال كنت أفكر فقط في مستقبل هذا العمل الجبار الذي نقوم به ..

ظهرت الصحف الصباحية وهي تحمل مانشتات عريضة بإقالة الوزارة وإعلان الأحكام العرفية وكان الشعب يقلب الصحف وهو في ذهول بما يجري .. وقد تعطلت المواصلات في المدينة المنكوبة وشل كل نشاط فيها اللهم إلا رجال البوليس والجيش الذين ملأوا الشوارع.

دخلت الجامعة بعد جهد كبير، ووصلت إلى المعسكر وحمدت الله فقد وجدت الجامعة بخير والمعسكر لا يزال قائما ...  

ماذا قال إيدن عن حريق القاهرة

أحب هنا أن أنقل طرفا من مذكرات إيدن الذي كان يتولى منصب وزير الخارجية سنة 1952 وأترك للقارئ استنباط تفكير الإنجليز وقتها .. يقول إيدن في مذكراته ..

لقد وقع اشتباك دام في 25 من كانون الثاني في منطقة القناة .. بين قواتنا وبين مركزين للشرطة المصرية ولحقت بالمصريين خسائر فادحة في الأرواح ..

وقامت في اليوم التالي مظاهرات عنيفة في القاهرة، واغتنمت الفرصة عصابات صغيرة من الرجال فانتشرت في قلب المدينة وبدأت تشعل النار ببعض الأبنية بصورة منظمة، وقد أجمع شهود العيان أن العصابات كانت منظمة تمام التنظيم .. وكان الهدف البريطان .. وقد قتل المستشار التجاري الكندي.

ويقول إيدن ومن المحتمل أن يكون وزير الداخلية على علم بما بيتت النية عليه فقد كان يقوم على حراسة نادي الترف عادة أربعون شرطيا نظرا للتهديدات المتكررة فهبط العدد في ذلك اليوم إلى أربعة فقط، وقد قدرت الخسائر التي لحقت الممتلكات البريطانية في القاهرة بما يتراوح بين ثلاثة أو أربعة ملايين جنيه.

ويتهم إيدن في مذكراته ثلاثة عناصر بإحراق القاهرة: أنصار السلام، والحزب الاشتراكي، والإخوان المسلمين، وأهم وأخطر ما ذكره إيدن في مذكراته ما قاله عن تحفز القوات البريطانية لاحتلال القاهرة والإسكندرية.

قال "وبينما كانت القاهرة تحترق، بدأت الرسائل تصل إلى وزارة الخارجية من سفارتنا هناك، وإلى وزارة الحربية من القيادة العسكرية في القناة ..

وكنا قد أعددنا خطة لتتدخل قواتنا بموجبها في القاهرة والإسكندرية لحماية الرعايا البريطان بما في ضمنهم المالطيون ..

"وكأن قصة المالطي ستتكرر من جديد" .. ومع ذلك فقد وصلتنا يوم السبت نفسه رسالة من القيادة البريطانية في مصر، تعرب عن القلق من المقاومة التي بدأت في القتال الأخير الذي نشب في مركز الشرطة، وظهرت شكوك خطيرة عما إذا كانت القوات المتوفرة في منطقة القناة قادرة على أداء مهمتها أم لا ...

ثم قال إيدن "وقد ترك الخوف من أن قواتنا ستأتي للقاهرة "وقد ترك الخوف من أن قواتنا ستأتي للقاهرة، أثرا في اليوم التالي عندما عندما أقال الملك النحاس باشا في ذلك اليوم ...ونظرة الأمريكان ...

ولا بأس هنا من ذكر ما جاء في مذكرات إيدن بشأن موقف الولايات المتحدة الأمريكية .. قال إيدن "وأخذت الولايات المتحدة في نهاية آذار تلحف علينا بضرورة الإسراع في محادثاتنا مع المصريين ... وذكر الأمريكان أن معلوماتهم تقودهم إلى الاعتقاد بأن كل يوم يمضي دون تقدم ملموس نحو حل للقضية المعلقة ...

يعرض حتما بقاء الحكومة الحالية للتهلكة .. وألح الأمريكان علينا في ضرورة سحب قواتنا من مصر، وكان سفير الولايات المتحدة في لندن متفهما كعادته وأعترف أن من المحتمل أن تكون الدراسة التي قدمها بالنيابة عن حكومته تتضمن شيئا من "التشديد والحصر".

وقال إيدن "وأقلقني ما يحمله الاقتراح الأمريكي من مغزى ومعنى، إذ يتضمن اعتراف بريطانيا بلقب "ملك السودان" لملك مصر .. وقد شرحت عدة مرات أن مثل هذا الاعتراف – إلا إذا تم بمعرفة أبناء السودان – وهو أمر لا يحتمل وقوعه، سيعتبره السودانيون خيانة منا لهم ...

وقال ... وأوضحت في ردي الكتابي على هذه الوثيقة الأمريكية أيضا مشكلة إعادة توزيع قواتنا في الشرق الأوسط .. فقد درسنا احتمال اختيار غزة كمركز بديل لقناة السويس ولكن هذا الرأي رفض لعدم صلاحية المنطقة، كما أن للمناطق الأخرى قيودها وعيوبها ...

وكل هذا لا يسهل علينا أمر الموافقة على سحب فوري وواسع النطاق لقواتنا منطقة القناة في الوقت الذي نواصل اتخاذ الإعدادات للدفاع عن الشرق الأوسط ضد العدوان الخارجي، وقال إيدن "وواصلت أمريكا طيلة شهري أيار وحزيران سواء عن طريق الاجتماعات أو الرسائل الضغط علينا بشدة لنضغط بدورنا على السودانيين، واضطررت في إحدى الجلسات أن أقول بخشونة، "أن ليس باستطاعتنا الإبقاء على حياة المصريين بإطعامهم لحرم السودانيين".

ونكتفي بهذا القدر من مذكرات المجرم إيدن، وليس لنا من تعليق عليها إلا ما نعرفه جميعا عن موقف إيدن من العدوان الثلاثي على مصر، فلقد كان معسورا في إجرامه، وكان شرها في تعطشه لدمائنا، وكان قيصريا في نزعته الاستعمارية ...

كان إيدن يؤمن بأن مصر قطعة من إنجلترا وأنها ستظل أغلى درة في تاج بريطانيا وأجمل فص في خاتم الملكة ..

كان يؤمن بأن سيادة بريطانيا وملكيتها لأرضنا لا وجه للاعتراض عليها ... مثلا يقول إنه فكر في الخروج من مصر لكن إلى أين إلى غزة !!! وكان يغضب لأن المصريين سيأكلون لحم السودانيين .. هذه نظرته لنداء الوحدة الذي كانت تطلقه مصر والسودان ...

وأيا كان شعار الوحدة لكنها لم تكن وحدة بين الوحش الكاسر والغزال الشارد .. ولعل من محاسن الصدف أن أجد بين يدي كتيبا كان قد أهداه لي الدكتور علي ماهر رئيس الوزراء فوجدت في كتابه أو مشروعه "مشروع برنامج لرسم سياسة قومية" والذي أعلنه في سنة 1945 قال فيه عن علاقة مصر بالسودان:

"تحقيق وحدة مصر والسودان باعتبار وادي النيل وطنا مشتركا على أساس المساواة في الحقوق والواجبات العامة لجميع السكان وعلى أن يكون للسودان الحكم الذاتي طبقا لمشيئة أهله، فتتم بذلك الوحدة الوطنية الديمقراطية !!

هذه هي نظرة مصر للسودان ... كما صورها المشروع وليست كما صورها إيدن، وما أظن أن إيدن لم يقرأ ما كتبه رئيسه تشرشل في كتابه "حرب النهر" قال:

إذا نظر القارئ في خريطة لحوض النيل لم يسعه إلا أن يندهش لما بينها وبين النخلة من شبه عجيب ففي أعلى الخريطة تنتشر منطقة الدلتا الخضراء الخصيبة كأنها الغصون والأوراق أما الجذع فيتلوى قليلا لأن النيل ينحني انحناءة كبيرة في مجراه عبر الصحراء.

ولكن الشبه يعود كاملا جنوبي الخرطوم وتبدأ جذور النخلة في الامتداد بعيدا في أعماق السودان، وإني لا أستطيع أن أتخيل من هذا تصويرا لعلاقة التعاطف الدينية بين مصر ومديرياتها الجنونية، ومزايا هذه العلاقة متبادلة، إذ أن السودان إذا سلم الوصف من الناحيتين الطبيعية والجغرافية جزء لا يتجزأ من مصر فإن مصر لا تقل أهمية نحو السودان".

وتعليقنا على تشرشل .. أين فكركم من تصرفكم، وأين موقع فلسفتكم من حياتكم العملية ... ونعود لايدن ونقرأ في سياسته لهفة أمريكا على إخراج الإنجليز من المنطقة ودفعهم خارجها ... ولم تكن أمريكا تعمل على تحرير مصر من الاستعمار البريطاني، ولكنها كانت تريد أن تدفع الفارس من فوق الجواد لتمتطيه هي ... وكانت في نفس الوقت تريد أن تثأر من موقف بريطانيا منها في كوريا وخذلانها إياها ..

كما كانت تؤمن أن مصر توشك أن تدخل في عهد جديد بعد أن ثبت لها أن كرسي الملك لم يعد يستطيع أن يحمله ... وقد أثبتت الأيام هذا كله، فلم يجد الملك أذانا صاغية من كافري بعد أن حاصر الجيش قصره في 22 يوليو سنة 1952 وكل ما فعله كافري للملك أن ضمن له رأسه ويخته وصناديق الجواهر التي حملها معه إلى إيطاليا ووداعا مهذبا في ميناء الإسكندرية ...  

رجال ومغامرات

"طريق الجنة شاق وزاده الصبر والجهاد ..."

نسف قطار حربي

على الرغم مني لن أذكر اسمه لأنه حذرني مرارا من نشر اسمه بالكامل في هذا الكتاب أو غيره ... أنه يحب أن يتوارى عن الأضواء يحب أن يعمل في صمت ويكره الضوضاء والإعلان .. من يوم أن عرفته في فلسطين – وكان في السادسة عشرة من عمره – مثلا رائعا في الخلق والشجاعة والإيثار والفداء ...

وعلى نفس الدرب سار هذا الشاب في حرب القناة وعلى نفس الدرب نسأل الله أن يسير هو ومن أحب طريق الجهاد، وهو لمن جربه أحب وأشق طريق فهو صعب لأنه طريق الجنة وهو شاق لأن القتال يحتاج إلى صبر ومعاناة وتحمل وجهاد للنفس.

وليحدثنا عبد الرحمن عن أخطر مغامرة قام بها أحد شبابنا في القناة ... وللإنصاف أن عبد الرحمن كان يعمل من خلال الإخوان وليس من جهاز الجامعة ...

يقول عبد الرحمن ... لن أتكلم كثيرا عن المرات التي لم تتم فيها عملية النسف مع توفر الناحية الفنية في العملية، ولكني سوف أتحدث فقط عن إحداها فقد قمنا بوضع العبوات الناسفة في أماكنها، ومد الأسلاك الكهربائية الموصلة إليها وتمويه مكانها ..

لم يكن هذا العمل سهلا بل كانت تحفه المخاطر من جميع الجوانب ... فقد كان علينا أن ننجز العملية في خمس ساعات فقط، وفي عرض طريق لا تكف السيارات المصفحة إليها وتمويه مكانها ... لم يكن هذا العمل سهلا بل كانت تحفه المخاطر من جميع الجوانب ...

فقد كان علينا أن ننجز العملية في خمس ساعات فقط، وفي عرض طريق لا تكف السيارات المصفحة عن المرور فيه ... كانت المصفحات تقترب منا حتى لا يكون بينها وبيننا أكثر من خمسين مترا ... ومع هذا كله فشلت العملية في مرحلتها وذلك لسبب طريف فقد كان بعض الشباب المصري يرقبنا في الظلام ونحن نقوم بمهمتنا فخيل إليهم أننا من جنود العدو، وأن مهمتنا هي نسف القطار المصري ...

ووجدوا من واجبهم إحباط مهمتنا وتقطيع الأسلاك ... وتكررت هذه اللعبة اللطيفة التي لم نكتشفها إلا فيما بعد ... وكان قرار قائد المجموعة التحول إلى منطقة أخرى ... فاستجبنا لأوامره ورابطنا في موقع يبعد مسافة كيلو متر ونصف عن القنطرة ...

وكان عيب هذا المكان الوحيد عدم وجود طريق يغطي انسحابنا ومع هذا وضعنا العبوات، وشددناها بأسلاك كهربائية انتهت إلى نخلة اتخذناها ساترا لنا استمرت هذه العملية طوال الليل .. وكنا مهددين من البر والماء ... فالطريق البري لم يكن يخلو من العربات والمصفحات الإنجليزية ودوريات الاستطلاع .. أما القناة فكانت أضواء السفن الكشافة تكاد تشير إلى مواقعنا .. ومع هذا كله تمكنا من وضع العبوات ومد الأسلاك.

ويقول عبد الرحمن ونحن منهمكون في مهمتنا روعنا حريق القاهرة والأحداث التي صاحبته .. كما سمعنا بأخبار اعتقال الفدائيين ولكن هذا لم يكن ليصرفنا عن أداء رسالتنا.

ويستطرد في وصف المغامرة الرهيبة يقول ... وفي اليوم التالي وصل الصيد الثمين، وهو القطار الإنجليزي الذي يمر بالإسماعيلية في طريقه إلى بور سعيد وكان يجر خلفه أربعين عربة فارغة ... ووقفت قليلا في محطة القنطرة ليتزود بالماء ..

ولاحظنا كثرة المدافع المطلة من النوافذ استعدادا لإطلاق النار علينا ... فلما تبين لنا أن القطار لا يحمل أسلحة ولا معدات تركناه حتى يعود محملا من بور سعيد ... وقد لاحظنا أن الإنجليز كانوا يتعمدون السير خلف القطارات المصرية، للتمويه علينا ...

وزيادة في الاحتياط كانوا يضعون عربتين فارغتين في مقدمة القاطرة حتى إذا وقع انفجار ظلت القاطرة في أمان ... كل هذا عرفناه ورتبنا أمورنا على ضوئه ...

ويقول عبد الرحمن ... وصليت الظهر والعصر جمع تقديم، وودعني إخواني وداعا حارا وتوجهت إلى موقعي وكان ذلك في منتصف النهار والطريق مكشوف عن آخره ... لم يكن معي إلا رفيق طيب من الأعراب المقيمين بالصحراء اصطحبني إلى حيث موقعي، ثم انصرف ولبثت بمفردي بين الأشواك والحشائش .. ومرت الدقائق ثقيلة للغاية .. فقد كنت متلهفا على الصيد الثمين ...

وكان الأخ المسئول قد حذرني من أن أتعرض للقطار المصري، كنت أعيش دقائق الموقف وأنا أعبر بمشاعري الطريق من الدنيا إلى الآخرة ... من الحياة إلى الموت ... فاستغفرت الله كثيرا وراجعت نفسي وأخطائي وصفيت حسابي مع دنياي واتجهت بكل قلبي ومشاعري للقاء ربي ..

إنها لحظات ليست من اليسير أن يسعد بمثلها الإنسان في حياته لأنها لحظات فاصلة ما بين حياة وحياة .. ما بين دنيا ومتاعها إلى أمل في جنة وسعادة اللقاء مع الله، وعشت في نجواي مع ربي ولم يكن يقطعها علي إلا صوت المصفحات الإنجليزية وهي تهدر كالموج على الطريق ... ومضت ساعة وساعة ولكن الصيد لم يصل ... ولا أدري ما الذي دعاني لأن أرسم شارة الإخوان المسلمين على الأرض.

سمعت صوت القطار يقترب مني رويدا رويدا، فتأهبت للقاء عدوي ولكني تذكرت وصية المسئول ألا أمس القطار المصري ... واضطررت للوثوب على أقدامي حتى أتأكد من نوعية القطار ... ولشد ما فرحت عندما تبين لي أنه القطار الإنجليزي ... فأسرعت بإعداد البطارية ...

ومضت الدقائق بل الثواني تتبادل النبض مع دقات قلبي ... وشعرت باطمئنان غشيني وسكينة شملتني وتذكرت وقتها آية من كتاب الله فجرى بها قلبي ولساني "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى" مرت العربة الأولى فالثانية ثم القاطرة حتى إذا كانت عربة الحراسة، ضغطت على السلك وهنا سمعت انفجارا مزق سكون الفضاء، ودخانا غطى المنطقة كلها بسحاب كثيف ...

وتطايرت قطع حديد من القطار حتى ظننت أنها سقطت على رأسي وتحسست جسدي فوجدني بخير فحمدت الله ... فقررت الانسحاب بسرعة ولم أشأ أن أترك بطاريتي فحملتها معي ...

واستطعت أن أختفي بسرعة من عيون الأعداء الذين بدأوا يطلقون النار بجنون في كل اتجاه .. أما كيف نجوت فهذا أمر لا يمكنني تصوره، فالحادث وقع في منتصف الليل تقريبا والطريق كان عاريا .. لكن "لكل أجل كتاب".

ويقول عبد الرحمن "إنني بهذه المناسبة أقول صادقا إن هذه العملية التي قد يظهر من روايتها أن الذي قام بها فرد واحد – هي في الواقع ثمرة جهود جنود مجهولين تحملوا أكبر عبء فيها وكان جهدي أقلهم ... فقد تولى إخواني عملية الحفر وتركيب الألغام في جوف الليل، تحفهم مخاطر الطريق من كل جانب ... جزاهم الله خيرا ووفقنا للعمل للإسلام العظيم ورقنا الشهادة الخالصة في سبيله.

هذا ما كتبه عبد الرحمن .. كتبه على الرغم منه وتحت ضغط شديد مني ... والذي أضيفه فقط لما ذكره هو أنه سبق أن اشترك في حرب فلسطين ولم يكن قد تجاوز السادسة عشرة من عمره .. وأثبت قدرة ورجولة يضرب بهما الأمثال.

أن من حق التاريخ علي، وحق أمانة الكلمة، أن أسجل أسماء بعض الإخوة الذين قاموا بدور فعال في هذه العملية ... ولكن إلحاحهم في التخفي ابتغاء مرضاة الله يحملني على السكوت، كما أسجل بالإعجاب والتقدير دور رجال خفر السواحل.

نسف كوبري حربي

كنت أحب أن يتيسر لي الاتصال ببعض شبابنا الذين قاموا بأدوار بطولية في المعركة ليسجلوا بأقلامهم أحداثا عاشوها بأنفسهم .. ولكن لم تمكني الظروف، وقد التقيت على عجل بالأخوين محسن وعلي صديق ... واستطعت أن أخطف منهم كلمات أعتقد أنها تصلح عناوين موضوعات وليس أكثر من ذلك ...

ولكني لم أشأ أن أحرم القارئ من أقلام رجال رفضوا ويرفضون بإصرار أن يستعرضوا خطى شبابهم على طريق الكفاح ... ويقولون في تواضع لقد أفلتت منا شهادة الشباب ونخاف أن تفلت منا شهادة الشيوخ.

أضع يدي القارئ كلمات لمحسن يصف فيها معركة كوبري أبو خليفة ...

ولكني أعتذر للقارئ ولمحسن عن تكرار قصة نسف قطار السكة الحديد الذي ذكرته آنفا على لسان عبد الرحمن ...يقول محسن .. الذي لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة ..

لقد قام جيش الاحتلال بتركيب كوبري عسكري حربي على ترعة الإسماعيلية، في المنطقة الممتدة ما بين الإسماعيلية والقنطرة غرب ... والتي كانت تفصل معسكرات جيش الاحتلال وصحراء الصالحية وهي المنفذ الوحيد لنقل الأسلحة لحركة المقاومة ما بين منطقة القناة وقواعد المقاومة في محافظة الشرقية ...

ولما كانت المنطقة حساسة بالنسبة للعدو فقد حشدنا لها مجموعة كبيرة من أكفأ الإخوان الذين كانت لهم خبرة سابقة في حرب فلسطين ... أذكر منهم محمود شقيق صلاح حسن الذي استشهد في العام الماضي في فلسطين ... وعبد المنعم والشيخ سليم وسعيد وكنت من بينهم ... وبعد أن قمنا بدوريات استطلاع لاكتشاف المنطقة، وتحسس نقط الضعف في العدو قررنا نسف الكوبري ...

وعلى الرغم من انتشار كشافات العدو على طول الطريق إلا أننا تمكنا من الوصول إلى الموقع الذي ثبتنا العبوة الناسفة فيه وتمكنا بفضل الله من تثبيت الألغام تحت الكوبري ثم انسحبنا إلى مسافة بعيدة، وانفجرت الألغام وتطاير معها الكوبري في كل اتجاه ...

وقبل أن ينتبه العدو لنا كنا في طريقنا إلى مواقعنا في القنطرة غرب ولم يصب أحد منا بسوء ... وحمدنا الله على نجاحنا في مهمتنا ... وبدأنا نعد لمغامرة جديدة ...

وقطار آخر

علي صديق يمثل قطعة من تاريخ الكفاح في هذه الأمة ... تبدأ حياته السياسية بمظاهرات عنيفة في الشرقية ... تطالب بخروج الإنجليز ... أو تطالب الحكومات بالعدالة الاجتماعية ..

ويذكر له معاصروه المظاهرة التي خرج فيها أبناء الشرقية وهو على رأسهم يهتف الكساء للشعب وكان يرتدي جلبابا قديما ... ثم يمضي علي صديق في جرأة إلى ميدان فلسطين ويقطع رحلة القناة إلى آخرها ..

حدثني علي صديق في بساطة وتواضع قال: التقيت مع مجموعة من طلبة كتيبة الجامعة في بور سعيد، واتفقنا على أن نمارس عملياتنا خارج المدينة تجنبا للصدام مع الحكومة وحرصا منه على سلامة أبناء البلدة.

وقع اختيارنا على قرية الكاب لتكون منطلقا لعملياتنا الحربية ... ولكن الإنجليز كانوا يرابطون بالطريق ويمنعون الأهالي من الاقتراب من البلدة ... ولم نجد وسيلة للتخفي إلا بادعائنا أننا عمال السكة الحديد، فارتدينا ملابسهم وركبت أنا وزملائي يوسف، وإسماعيل وفتحي، قطار بضاعة يمر بالقرية ... ونجحت الخدعة، واستطعنا الوصول إلى الكاب حيث كان ينتظرنا الشيخ حسين أمام مسجد القرية الذي آوانا في بيته ...

بدأنا بإعداد العبوات الناسفة التي تكفي لإنجاز مهمتنا وهي نسف قطار إنجليزي وبعد دراسة دقيقة للموقع قمنا بوضع عبوات لمسافة مائتي متر تقريبا ... ولكن العملية لم تكن سهلة فالمنطقة محاصرة بالمعسكرات من كل جانب ...

علاوة على حراس القناة الذين كانوا منتشرين على طول الطريق ... وبعد صبر طويل تمكنا من الوصول لمواقعنا وثبتنا العبوات الناسفة، وشددناها إلى أسلاك كهربائية تمتد إلى طريق المعاهدة حيث كنا نرابط ..

وكان اختيارنا لهذا الموقع بالذات حتى نتمكن من تأمين انسحابنا عبر بحيرة المنزلة ولقد كانت هذه العملية من أعقد العمليات التي شهدتها في معركة القناة .. فالطريق لا يكاد يخلو من قوات العدو ... وكشافات السيارات تحيل الليل إلى نهار .. ولكن الله سلم فقد تمكنا من إخفاء الأسلاك الكهربائية عن أعين العدو ... انتظرنا ليلة بأكملها ولكن لم يصل القطار فكررنا العملية في اليوم التالي ...

وكان تنظيم العملية يقتضي أن يرابط يوسف وأحد أبناء المنطقة في قارب صيد في بحيرة المنزلة ... على مسافة نصف كيلو متر تقريبا، من موقع العملية ... وأخيرا سقط الصيد في المحاولة الثانية وتم نسف القطار بأكمله وقتل عدد كبير من جنود العدو ..

وكان مشهدا سينمائيا رائعا فقد تصاعد الدخان والأتربة حتى غطت المنطقة بأكملها .. واهتزت له جميع المعسكرات المجاورة، وجن جنون العدو فحاول عبثا اللحاق بنا، ولكن الله سلمنا، أما الشيخ حسين فلم يفلت منهم فقد توصلوا إلى معرفة دوره في المعركة فاعتقلوه عدة أيام ولكنهم فشلوا في استخلاص حقيقة علاقته بنا فأفرجوا عنه.  

قصة إغلاق القناة

إنه يخطو في ثبات نحو الخمسين، ولكن روحه الشابة، وبراءة قسمات وجهه ترفض إلا أن تجعله في مصاف تلامذته ... حاولت مع زميلي ورفيق صباي وشبابي يوسف أن يكتب لي عن قصة إقفال قناة السويس "ولكنه أعلن عن عجزه وهو على ما نعرفه من قدرة كبيرة على الكتابة والخطابة ... ووجدت الرجل القوي يضعف تحت ضغط عاطفته القوية العارمة ...

ولكني لم أيأس من الحوار الذي فرضته علي مهنة المحاماة ... وخرجت أحمل معي هيكل قصة تحتاج لحشوها بدم ولحم غزير ولكني في عجالة أقدم طيفا لقصة إغلاق القناة سنة 1951.

من خلال معسكر الجامعة، ودار الإخوان، ومعسكرات الجيش نشأت فكرة سد الشريان الحيوي الذي كان يغذي أوروبا عامة وإنجلترا خاصة من لحم ودم الشعوب الشرقية المغلوب على أمرها ... الفكرة نبتت في رأس صلاح شادي، ويوسف، وصلاح هدايت، وحسن تهامي ... وآخرين.

وكانت تستهدف إغلاق القناة وتعطيل الملاحة فيها حتى تتصاعد المشكلة إلى المستوى الدولي، ... أما الإعداد للعملية فقد وزع فيما بينهم ... فتولى صلاح هدايت إعداد اللغم في قسم الأبحاث الفنية في الجيش، وكان على شكل "شمندورة" أي العوامة التي تحدد مسار السفن في القناة ..

أما نقل اللغم فقد تولاه حسن التهامي وذلك بإخفائه ضمن معدات للجيش المصري ... واستعمل في ذلك سيارة جيب عسكرية، وقد تم تركيب اللغم في الجانب الشرقي من القناة ووصل إلى الشاطئ بأسلاك كهربائية ثم ببطارية تفجير ...

وكانت المهمة شاقة ومرهقة للغاية خاصة في فصل الشتاء فقد كان لزاما على المرابطين أن يعيشوا في الماء أكبر فترة ممكنة، وكانت مهمة يوسف استطلاع السفن وتحديد نوعيتها حتى لا تتعرض سفينة دولة أخرى للضرب وتدخل الأمة في مشكلة معقدة ويتعرض العمل الفدائي للتشويه ...

وقد حدث خلاف كبير بين أفراد العملية حول هذه النقطة بالذات فقد كان بعضهم لا يهتم بنوعية السفينة لأن غايته كانت محددة في إغلاق القناة بأي شكل من الأشكال ... أما الآخرون فكانوا يحرصون على سلامة الوسيلة حرصهم على سلامة الغاية ...

قلنا إن يوسف طلعت كان يراقب السفن على طول القناة وكانت وسيلته الاختفاء في جوف قوارب الصيد الصغيرة .. كان عليه أن يحشر نفسه في قاع السفينة الخانق مع بقايا الأسماك المتعفنة ويتحمل الساعات وهو على هذه الحال حتى يتجنب عيون العدو المتربصة على شاطئ القناة.

استمرت هذه العملية فترة طويلة ولكن لم يتحقق شيء، ثم وقعت أحداث 26 يناير المروعة .. وتبدل الموقف تماما وتغيرت صورته .. وكان للرجال المشرفين على العملية دورهم الفعال في مجريات الأحداث ورأيهم الذي يعتد به فصدرت إليهم الأوامر بالعودة للقاهرة وتجميد العملية إلى وقت آخر ...ومضت الأحداث وأقفلت قناة السويس مرارا ...

عودة الأسرى

وصلتني رسائل كثيرة من سويسرا وغيرها تحدثني عما يلاقيه أسرانا في معسكرات التعذيب في القناة ... وزادني تأكيدا كثرة اتصال السفارة البريطانية بمدير الجامعة ومحاولة تأكيدها أن الطلبة الأسرى ينعمون بأطيب العيش في المعسكرات ..

وحتى يثق مدير الجامعة في كلمة الإنجليز قامت السفارة بتبليغنا رسالة خطية من الأسرى .. وكان رد مدير الجامعة على هذه الرسائل الشفوية والكتابية أن من الأفضل أن يحضر الأسرى للجامعة ويحدثوا إخوانهم عن النعيم المقيم الذي كانوا يهنأون به في المعسكرات ... ولكن السفارة لم ترد على المدير ...

وهدانا الله لفكرة لعلها كانت من الأسباب الرئيسية في الإفراج عن الأسرى ... فقد دعونا لمؤتمر كبير في الجامعة حضرته الصحافة المحلية والأجنبية ... وفي نهاية المؤتمر أذعنا قرارا خطيرا قلنا فيه إننا سوف نعتقل جميع الرعايا البريطانيين المقيمين في القاهرة كرهائن حتى يفرج عن إخواننا الأسرى ...

ولم تمض ساعات على إعلان القرار حتى بدأ بعض الطلبة تلقائيا في تنفيذه واعتقلوا بعض المدرسين الإنجليز في معاهدهم .. ومهما تكن نظرتنا لتصرف الطلبة وقتها فإن هذا الشيء طبيعي في مثل ظروفنا...

لم يمض أكثر من أسبوع على إعلان قرار الجامعة ... إلا وتزف إلي بشرى الإفراج عن الأسرى من الشاب المتحمس علي عبد الرازق (وكيل وزارة التعليم العالي) والذي كان يشغل منصب مكتب عبد الوهاب مورو آنذاك، وأظنه تلقى الخبر من مدير الأمن العام صلاح مرتجى.

ذهبت لوزارة الداخلية لأقابل صلاح مرتجى، الذي رجاني بإلحاح ألا أصطحب معي أحدا لاستقبال الطلبة أمام الوزارة .. فاستجبت لرغبته فقد كنت حريصا على عدم الدخول في معارك داخلية، وخشيت أن يفلت زمام الأمر منا وتتكرر حوادث الحريق مرة أخرى ..

وكل ما فعلته أنني علقت إعلانا في الجامعة عن موعد وصول الطلبة الأسرى إلى جامعتهم .. وكان يوما لا أنساه ... فعلى الرغم من المطر الشديد الذي غمر القاهرة في ذلك اليوم إلا أن قاعة احتفالات الجامعة فاضت بالطلبة والطالبات وامتلأ الفناء الخارجي ...

واستقبل الأسرى استقبال الفاتحين ... استقبالا لم أر مثله في الحماسة والثورة ... وكان الأسرى يرسلون لحاهم الخفيفة ويلبسون ملابس رثة غليظة، إلا أن مشيتهم كان فيها عزم وتصميم ... وتكلم الأسرى الخمسة علي إبراهيم وفايز شعبان ومحمد وحيد وإسماعيل ممدوح، ومحمد عبد الوهاب أما السادس وهو سمير الشيخ فقد كان مع أسرى العمال من أول يوم ولم يفطن الإنجليز لحقيقته إلا يوم الإفراج عنه .. كان حديث الطلبة مثيرا ومؤثرا .. وكان منظرهم أشد تأثيرا من كلامهم ..

ثم تكلمت ولم أكن في وعيي كنت في قمة النشوة وفي قمة الغضب وفي قمة الثورة .. ولو قلت لي اليوم ماذا قلت لما تذكرت شيئا ... ولو سألتني نفس هذا السؤال عقب المؤتمر مباشرة لقلت لك نفس الجواب .. ولو تذكرت الآن وبعد عشرين سنة ما قلته لما وجدت غير نصوص وعبارات تعجز عن وصف المشاعر والأحاسيس التي كنت أعيش فيها ... كانت الثورة ...

انتهى المؤتمر وترك في صدورنا ثورة وعزما على مواصلة الجهاد .. وعلى الرغم من أننا كنا قد تجاوزنا منتصف العام الدراسي بكثير إلا أن الثوري كان أقوى من كل شيء .. كنا جميعا على استعداد للتضحية بالنفس والمال والعام الدراسي ... وكان هذا شعور أساتذة الجامعة .. الذين كانوا يمنحوننا من التأييد والثقة ما يدفع بنا دائما إلى الأمام ...

وفي اليوم التالي اتصل التدريب في المعسكرات كلها لإعداد دفعات جديدة للميدان ... وكان ميدان المعركة قد انتقل بعد معركة التل الكبير ونسف مخازن "أبو سليمان" وحادث الإسماعيلية إلى صورة أخرى أكثر جدية وأكثر فاعلية ... وكان محمود عبده قد تولى قيادة المعركة من جانب الإخوان وهو يعتبر من أكفأ الضباط وأقدرهم على إدارة المعارك الحربية ..

وقد لمست فيه هذا في معركة فلسطين ... ومن الأمور التي كانت تشغلنا في ذلك الوقت محاولة الرد على تصرفات الملك الذي بدأ يعيد سيرته الأولى في عملية تغيير الحكومات واستغلال الأحزاب السياسية، وشغل الرأي العام بالمشاكل الداخلية ... وبعد تفكير وترو في الأمر وجدنا أن أهم رد في نظرنا هو الضرب بعنف في القناة .. فإذا سجلنا انتصارا على الإنجليز فإن الملك سوف يسقط تلقائيا هو والأحزاب، فهو ليس إلا دمية في يد الاستعمار.

المهم أن العمليات الحربية اتصلت في القناة، واستطاع يوسف علي يوسف الذي كان يتولى أكبر جهد في التدريب، أن يقوم بعملية كبيرة في القناة زعزعت ثقة الإنجليز في أنفسهم وقدرتهم على حماية طرق مواصلاتهم ... فقد تمكن يوسف من إسقاط قطار سكة حديد في المنطقة الواقعة ما بين بور سعيد والقنطرة وتمكن بعد نجاح العملية من الفرار ولم يستطع العدو اللحاق به ...

ومما لا شك فيه أن العمليات الحربية خفت كثيرا بعد حريق القاهرة .. والسبب في هذا تضييق الحكومات علينا وكثرة جواسيس الإنجليز .. فقد صار من العسير علينا إرسال قوات كبيرة من القاهرة لمواقع العمل ... كما كنا نعاني من صعوبة وصول الأسلحة والذخائر للمقاتلين ...

ولذلك اكتفينا بما يقوم به إخواننا الذين كانوا يعسكرون في المدن القائمة على القناة... وأفرغنا كل اهتمامنا بمنطقة القنطرة والإسماعيلية لأنهما تمثلان حزام القناة.

ومن الذين لا ينسى فضلهم في إمدادنا بالسلاح ضابط بوليس كان بحكم عمله مقيما في المنطقة، وبعض ضباط الجيش الذين كانوا يعسكرون، في العريش وغزة .. وكان لاتصال كامل شريف أثر كبير في تيسير مهمة نقل السلاح من مخازن الجيش إلى عملياتنا في القناة ...

ونذكر منهم الآن محمود رياض (وزير الخارجية السابق وأمين عام الجامعة العربية حاليا) وصلاح سالم وآخرين، أما منطقة السويس فكان عبد المنعم عبد الرؤوف يقوم فيها بجهد كبير لتعزيز مركز رجالنا ... وبكل أمانة أقول إن الجهد الكبير الذي بذل في القناة بعد حريق القاهرة كان يتحمله شباب الإخوان فقد كانوا تنظيما وحرصا وتدريبا من غيرهم ...  

رفض وقف إطلاق النار

الإنجليز يوافقون على الجلاء ولكنهم يطلبون وقف إطلاق النار.

رفض نظرية الدفاع الإقليمي.  

علي ماهر في المعسكر

اتصل بي مدير الجامعة ذات يوم وقال لي إن رئيس الوزراء يطلب مقابلتك، فقلت للرجل الحكيم ... إنني طالب وليس لي علاقة بالحكومة ولا برئيسها، وشعرت بأن الرجل راض عن سياستي، فقد ألزمت نفسي من أول يوم بعدم الدخول في كواليس السياسة والسياسيين .. وأرجع هذا لسببين أولهما عدم قدرتي على اللولبية السياسية ..

ثانيا أنني كنت أخاف على نفسي من القيل والقال، وأتجنب الاتهامات التقليدية .. إن فلانا اشتراه هذا الحزب أو ذاك ... وكنت أخشى أن تنتكس الحركة الوطنية في شخصي فآثرت الابتعاد عن الأجواء السياسية.

لم تمض أيام على اعتذاري عن مقابلة علي ماهر إلا وأفاجأ برسالة سريعة من مدير الجامعة بالاستعداد لمقابلة رئيس الوزراء في المعسكر ..

وكان طبيعيا أن نستقبله بترحاب خاصة وأن علي ماهر يستمتع بسمعة طيبة في الأوساط المصرية، ولكن كان يعاب عليه أنه يمسك العصا من وسطها كما يقول السياسيون .. حضر رئيس الوزراء وبرفقته قائد عام الجيش وبعض الوزراء إلى الجامعة التي كانت قد أقفلت لفترة قصيرة ..

وأعجب الرجل بتنظيم المعسكر ووسائل التدريب فيه .. وقال إن معسكركم خير من معسكرنا – وهو بهذا يشير إلى المعسكرات التي كانت الحكومة السابقة قد افتتحتها في كثير من المناطق حتى تطمئن إلى هيمنتها على السلاح وتربط المتطوعين بها ... وكنا قد اتخذنا موقفا يتسم بالمجاملة لهذه المعسكرات حتى لا ندخل في مشاحنات داخلية عملا بسياستنا العامة ...

المهم أن علي ماهر أبدى إعجابه بمعسكرنا وبأسلوب تدريبيا .. ولكن الرجل أصابه شيء من الاضطراب عندما فجر أحد زملائنا قنبلة بالقرب منه، فلما سأل عن سبب تفجير القنبلة قال له مدير الجامعة ... إنها تحية لرفعتك ونفس التحية قدمت له بعد وداعنا له، فقد فجرنا قنبلة أخرى مماثلة، خرج الرجل من المعسكر تضطرب نفسه مشاعر كثيرة من إعجاب، وخوف، وحيرة فقد رأى في الشباب إصرارا وجرأة مع تنظيم ولباقة في التصرف ...

ولنعد للرحلة التي قطعناها مع علي ماهر الذي لم يعمر في الحكم إلا القليل.

بعد زيارة علي ماهر لمعسكر الجامعة جاءتني دعوة منه عن طريق مدير الجامعة ... وقال المدير معاتبا إنه ليس من اللياقة رفض الزيارة فأجبته لطلبه ولكن اشترطت أن يصحبنا بعض العمداء والأساتذة ووافق المدير وانتدب معنا وكيل الجامعة شفيق زاهر وعميد الطب الدكتور عبد الله الكاتب وكان من أشجع الأساتذة وأكثرهم بذلا في المعركة، وعميد كلية الهندسة والدكتور أمين بدوي كما ضم الوفد أحمد فراج ونفيس حمدي والأسرى الستة الذين أفرج عنهم الإنجليز قبلها بأيام ...

وكان اجتماعنا في مكتب رئيس الوزراء اجتماعا تاريخيا ... والآن لا أدري من أي جانب أتناول هذا الاجتماع لأنه في الواقع وتحت ظروفنا الراهنة يعكس كثيرا من أحداث الماضي على الحاضر، ويأخذ بيد التاريخ إلى عشرين سنة مضت حتى يستطيع أن يصحح نظرته للحاضر والمستقبل كذلك.

ولعل حديث أو حوار الثلاث ساعات ونصف التي قضيناها في مكتب رئيس الوزراء تستطيع لو سجلت بأمانة أن تعطينا صورة عن الموقف السياسي في مصر كلها، وتعطينا صورة عن مدى ما حققته أحداث القناة التي كانت قد قطعت خمسة أشهر على بدايتها وتعطينا كذلك تقييما سليما لقدرات الشباب ومدى ما حققته من نصر لأمتهم، كما تنقلنا إلى حقيقة موقف الأعداء، الذين بدأ ساستهم إيدن وتشرشل ...

إيدن الذي كان يترأس العدوان الثلاثي، وتشرشل صاحب التاريخ المشهور في الحرب العالمية الثانية، يؤمنون بأنهم لا قبل لهم بهذا اللون الجديد من الشباب.

قلت إن اجتماعنا مع رئيس الوزراء وأظنه كان في أوائل مارس سنة 1952 كشف الشيء الكثير من واقع العدو، ولو أردت أن أضع عنوانا أمينا لهذا اللقاء لما كتبت إلا "الإنجليز يسلمون بالجلاء عن مصر" أما لو كتبت عنوانا صحفيا لقلت: "هزيمة الإنجليز في مصر" ولقلت "وأخيرا هزم تشرشل" ... ولو كنت أستطيع النفاذ ببصيرتي إلى أربعة أعوام فقط لقلت "الهزيمة الأولى لإيدن".

واسمحوا لي أعفيكم من المقدمات وألتقي بكم على مائدة الاجتماع في رئاسة مجلس الوزراء.

سبق أن تكلمت عن وفد "المباحثات" الذي كان يمثل الشعب في شخص أساتذة الجامعة وطلابها، ويقابله وفد الحكومة وكان على رأسه علي ماهر رئيس الوزراء ومحمد رشدي وإبراهيم عبد الوهاب من الوزراء المقربين لعلي ماهر ...

كان رئيس الوزراء مجاملا لنا للغاية، كما كان مجاملا لنفسه كذلك، فقد سرد علينا بعضا من تاريخه الوطني ... ثم بدأ يطرح علينا القضية التي طلبنا من أجلها ...

قال إن الإنجليز وافقوا على الجلاء ولكنهم اشترطوا شرطا واحدا وهو موافقتنا على مشروع الدفاع الإقليمي ... وقال معقبا إن هذا يعتبر كسبا ... وكان جوابنا عليه صريحا قلت له إن الدفاع الإقليمي يعني أننا سنتولى الدفاع عن القواعد العسكرية البريطانية في الدول العربية وليس عن شعوبها .. وأضفت قائلا إن الدول العربية خاضعة للنفوذ العسكري والسياسي البريطاني ...

وبالتالي نستطيع أن نقول إن بريطانيا ستحملنا الدفاع لا عن مصر فقط في حالة وقوع الحرب ولكن عن قواعد الإنجليز في الأردن والعراق وليبيا.

لم يوافقنا علي ماهر على موقفنا .. ولكنه كان مهذبا للغاية حتى إنني في معارضتي له قلت عبارة حادة لا أذكرها الآن فقال لي مداعبا إنني سأشكوك للهضيبي قلت له إنني طالب جامعي فقط ولا أتكلم الآن باسم الإخوان.

وبعد أخذ رد عرض علينا رئيس الوزراء مشروعا بإيقاف القتال لمدة ثلاثة أشهر "إذا وفق فيها في مباحثاته مع الإنجليز فبها ونعمت، وإلا فإننا سنخوض معركة تحريرية كبيرة" ...

وكان جوابنا أننا نعرف الإنجليز ونعرف خداعهم فقد وعدوا الشعب بالجلاء أكثر من ستين مرة ثم نكثوا عهدهم ... وإننا نخاف العدو الهدنة وسيلة لضربنا من جديد وتفريق جمعنا ... ثم إنني كنت معقدا من هدنة فلسطين التي مكنت اليهود من السيطرة على العرب وأدت إلى هزيمتهم ...

وفاجأنا رئيس الوزراء بخبر لم نكن نعلمه، قال إن لجنة كفاح الشرقية وافقت على إيقاف القتال ... فقلنا له إن لنا سياستنا وقد وضحناها من قبل ولن نقبل إلا جلاء ناجزا وغير مشروط.

ولجنة كفاح الشرقية هذه كانت قد تكونت من مجموعة من كبار أبناء الشرقية، ومن ممثلي الأحزاب والهيئات أذكر منهم فكري أباظة، ووجيه أباظة، وعبد الله أباظة، وعبد الغني مرسي باشا، والدكتور زغلول ممثل مصر الفتاة ... والدكتور محمد فريد ممثل الإخوان وطلب من الأستاذ محمود عبده ومني الانضمام للجنة فقبلنا كمستمعين لأننا لسنا من أبناء من أبناء الشرقية.

وعاد الرجل يقول ويكرر طلبه لإيقاف القتال ... ويعد بالاستعداد لخوض المعركة إذا فشلت المفاوضات ... ولكن كان إصرارنا شديدا.

وقبل أن نغادر مكتب على ماهر أهدانا الرجل نسخا من برنامج الجبهة الذي كان قد أعده في سنة 1945 وشكرناه وانصرفنا على خير حال من المودة، وعلى خلاف تام في وجهة النظر.

خرجت من المقابلة وفي نفسي وفي نفسي أشياء كثيرة، وأحاسيس متناقضة ولما فكرت في حديث الرجل، شعرت بصدقه كما شعرت بحرصه على أن يحقق في حياته أمنية طالما تعلقت آمال الأمة بها ...

ولكني شعرت بقيود عنيفة تحد من حرية الرجل ... كما شعرت بقدرات الرجل المحدودة، وأنه لا يستطيع أن يقوم بدور الدكتور مصدق رئيس وزراء إيران الذي هز الدنيا بموقفه في عبدان ...

وكانت خطتنا ألا ندخل في مباحثات ومناقشات سياسية فنحن قد وهبنا أنفسنا للسلاح وكما يقول شوقي "الحرب فتك والسياسة فن" وقد آمنا بهذا الأسلوب لأنه لا يوجد عندنا بديل له، بعد أن جربنا كل الأساليب من قبل ... المظاهرات، والإضرابات، والاغتيالات، وإحراق الصحف الإنجليزية في الميادين ...

كلها بالفشل وانتهت ... وثبت أن الأسلوب الوحيد للتفاهم مع الأعداء هو القوة وليس غيرها ...

ولعل معترضا يقول اليوم ليتكم وافقتم على آراء علي ماهر ونقول له إن استعراضا سريعا لتاريخ المفاوضات المصرية الإنجليزية يؤكد لنا مدى خداع العدو فمن سنة 1920 جرت المفاوضات التالية:

سعد – ملنر، عدلي – كيرزن، سعد – مكدونلد، ثروت – تشمبرلن، محمود محمود – هندرسن، صدقي – تشمبرلن، النحاس – لامبسون، النقراشي – ستانسجت، صدقي – بيفن، خشبة – كامبل ... بل إن الإنجليز وافقوا على الجلاء سنة 1946 ولكنهم نكثوا عهدهم ...

المهم انتهت مباحثاتنا مع علي ماهر للا شيء، وكانت استقالة علي ماهر التي جاءت بعد أسبوع من لقائنا معه أكبر دليل على سلامة موقفنا ... فقد اختلف علي ماهر مع الملك لدرجة أن الملك رفض مقابلة رئيس الوزراء ...

وقبل أن أنتقل للأحداث التي تلت استقالة علي ماهر أحب أن أقف عند الحقائق التالية:

• أصيب القصر بفشل ذريع لأنه لم يستطع أن يحقق بعلي ماهر ضرب الفدائيين في القناة ... وكانت هذه أمنية الملك الأولى ...

• كان الملك يأمل في ضرب علي ماهر بالوفد وضرب الوفد بعلي ماهر ... ولكن يبدو أن الطرفين استطاعا الالتقاء في نقطة الوسط ... وتمكن علي ماهر من كسب ثقة حزب الوفد ...

• أصيب الإنجليز بنكسة لأن حريق القاهرة لم يأت بالنتائج المرجوة فالعمل الفدائي لم يتوقف ... والحكومة لم تستطع السيطرة على الشعب، ولذلك سلم الإنجليز بالجلاء وكان قصارى أملهم مواقفتنا على الدفاع الإقليمي.

• وأخيرا استطاع أن يثبت الشعب أنه أكبر من الأحداث وأنه عرف طريقه للمعركة ... وأن التقلبات الحكومية لم تثنه عن عزمه.  

لا نجابة نجيب ولا مهارة ماهر

لنحترق ولكن لن تحترق الجامعة

بعد استقالة علي ماهر تولى الوزارة نجيب الهلالي، وكان الرجل موتورا من الوفد ... ويبدو أن حقده الشخصي طغى على كل تفكيره وعلى المصلحة الوطنية ... وأول شيء فعله كان تعطيل الحياة البرلمانية ... وتهديده الوفد بالويل والثبور ... أما ردنا نحن ...

وعلى الرغم من رأينا في الوفد – هو رفض سياسة الهلالي الجديدة ... وقلت في مؤتمر كبيرة "لا مهارة ماهر ولا نجابة نجيب ستحل القضية الوطنية ولكن رصاصنا هو القادر على كتابه حريتنا ..." ولم يتخلف واحد من الشباب عن تأييدنا ..

إلا أننا ظللنا عند موقفنا الأول وهو عدم الاصطدام بالحكومات، فقد كانت هذه أمنية الإنجليز ... وفي نفس الوقت كنا حريصين على عدم تمكن الحكومة منا أو التسلل إلى صفوفنا.

ومن محاولات الحكومة الهلالية الصبيانية أنها حاولت أن تقتحم علينا المعسكر ... فأوهمنا أن المعسكر محاط بسياج قوي من الألغام شديدة الانفجار فآثرت السلامة، وعدلت عن خطتها.

وكانت المحاولة الثانية من وزير الداخلية الذي طلب منا تسليمه السلاح بإيصال ... وأنه سوف يرد لنا السلاح عندما نستأنف المعركة ... فقلنا للحكومة على لسان مدير الجامعات إن الأسلحة غير موجودة في المعسكر ... ثم بدأت موجة من الاعتقالات تعرض لها بعض زملائنا، ولكن مدير الجامعة أنذر الحكومة بالاستقالة إذا لم تتوقف عن اعتقال الطلبة.

ثم حاولت الحكومة الدخول إلينا من الباب الخلفي كما يقولون وهو طعن وحدتنا فطلب وزير الداخلية مقابلتي ولم أقل أكثر من كلمة لا ...

وأخيرا أعلنت الحكومة إقفال الجامعة لأجل غير مسمى، وكان ذلك على أثر مظاهرة قام بها الطلبة وهتفوا فيها بسقوط الملك ... إلا أن مدير الجامعة استطاع أن يفتح أبواب الدراسة من جديد، ولكن هذا لم يدم طويلا وعادت الحكومة لإقفال الجامعة فأعلن المدير أنه سوف يترك منصبه، وقدم استقالته بالفعل ...

وكان لها وقع شديد في نفوسنا، لأن مدير الجامعة كان من أكثر الناس تفهما لقضيتنا وكان درعنا الواقي ضد الحكومات فألححنا عليه البقاء ونجحنا في إقناعه بالعودة لمنصبه ولكن لم يلبث أن قدم استقالته حادة لرئيس الوزراء ردا على موقف غير لائق منه، فقد حاول الهلالي استغلال بيان أصدره مدير الجامعة ليثير به فتنة ما بين المدير وطلبته ...

اضطر الهلالي للتراجع أمام المدير ... وأذكر أن مدير الجامعة قال لي إنني لا أحب أن أكون مديرا لجامعة ليس بها طلبة فقلت له إننا نؤمن أنك الوحيد الذي تستطيع أن تحمي الجامعة ... ولو صرت مديرا للقبة ولحرم الجامعة لكان ذلك كافيا لأن غيرك لا يستطيع حماية الجامعة.

وهذا الحديث ينقلنا لقصة إحراق الجامعة ...

إحراق الجامعة

شعرت الحكومة والقصر أن الثورة لا يمكن ضربها أو حتى إيقاف مدها ... فركزا جهودهما للقيام بأعمال تخريبية خطيرة ... وتفتق ذهنهما عن فكرة إحراق الجامعة مركز الإشعاع الثوري والفكري في الأمة ... علمت بهذا النبأ من عدة مصادر ولكني استبعدت وقوعه ومع هذا اتخذنا بعض الاحتياطات ..

ثم تأكد لي النبأ بعد ذلك فقد دعاني الدكتور مورو على عجل، وقال لي إن عنده أنباء أكيدة عن إحراق الجامعة ... وزاده تأكيدا الصاغ مصطفى رجائي كومندان الجامعة.

الواقع أن الخبر أزعجنا جميعا ... فإحراق الجامعة معناه إحراق الأمة بتاريخها الماضي ومستقبلها ... ثم إنني خشيت أن تتأثر المعركة إذا تحقق هذا الحدث الكبير ... كما فت أن نتهم نحن بأننا تسببنا بطريق غير مباشر في إحراق الجامعة بإقامتنا معسكرات حربية بداخلها ...

لم ننتظر طويلا لمناقشة النبأ المحزن وأخذنا بالأحوط فجندنا أنفسنا ليلا ونهارا لحراسة الجامعة، وانضم إلينا حرس الجامعة الرسمي، كانت الدوريات المسلحة تطوف بحرم الجامعة ليلا ونهارا ...

وعززنا الحراسة بعربة جيب كانت تعمل في خدمة المعسكر، وظللنا على هذا الحال أياما، فلم يقع ما كنا نخافه فحمدنا الله ولكن فوجئنا بحادث لم يكن في الحسبان فقد وقع انفجار عنيف في كلية العلوم التي كنا نقيم المعسكر إلى جوارها ونتخذها مسكنا لنا في الليل ...

فذهبت بنا الظنون مذاهب شتى ولكن لم نهتد إلى سبب الانفجار ... وكان طبيعيا أن يوجه إلينا الاتهام لأننا كنا نحتفظ بكميات كبيرة من المتفجرات في مخازن الكلية ولكن شاء الله أن تبرأ ساحتنا من الحادث وتبين من التحقيق الذي أجرته النيابة أن الحادث وقع من خطأ في أجهزة الكلية فتسرب منها الجاز ووقع الانفجار ...

فترة انتقال

لم تتوقف عملياتنا الحربية في منطقة القناة على الرغم من انشغال الطلبة بالامتحانات ... وكنت في الواقع فرحا بأننا نجونا بالجامعة، ونجونا بالعام الدراسي، فقد تمكن الطلبة من تأدية امتحاناتهم حتى الأسرى لم تفتهم الفرصة.

وعلى الجانب الآخر لم تتوقف الأحداث السياسية بل جرت على سنتها القديمة وزارات تسقط ووزارات تقوم واستقالات وإقالات، لقد تناوب كرسي الحكم خلال ثلاثة أشهر من أبريل إلى يوليو سنة 1952 أربعة رؤساء وزارات ...

ولكن لم يستطع واحد منهم أن يفعل شيئا كما لم يتجرأ أحدهم على التصدي للعمل الفدائي صراحة ... بل إنهم كانوا حريصين على التقرب منا، ومحاولة استمالتنا إلى جانبهم، ولكن دون الوصول إلى نتيجة.

وعلى الرغم من الأحداث السياسية المتلاحقة، ونذر الدخان الكثيفة التي ظهرت في أفق مصر، وانشغال الجامعة بالامتحانات إلا أن العمل الفدائي لم يلق سلاحه ... فقد اتصلت العمليات الحربية في القناة بيد الإخوان ...

وبعض الشباب المخلصين ... إلا أننا لم نستطع أن نعطيها الدعاية الكافية ... فقد كان ضجيج السياسة عاليا ... وبدأت أصوات الإذاعات تختنق تدريجيا تحت قبضة الحكومات ... أما الصحافة فقد كممتها الأحكام العرفية ...

ووقف الشعب المبهوت ينتظر وقوع أحداث كبيرة يحس بها ولكن لا يتصور حقيقتها .. إلى أن تكشف كل شيء ليلة 22 يوليه سنة 1952 ... وبدأت الأمة تدخل مرحلة جديدة من حياتها ...

أما معارك القناة فقد اتصلت أسبابها ... ولم تكف يد الشعب عن الضرب ... وعلى الرغم من معاهدة الجلاء التي أبرمت مع بريطانيا بعد ذلك إلا أن أطماعها لم تكن لتنتهي ولذلك فكرت في العودة ثانيا ممسكة بيد فرنسا من جانب اليهود من جانب آخر ...

ثم اختفت عشرة أعوام من حياتنا لتظهر لنا كل قوى التحالف الغربي والشرقي ممسكة بيد اليهود لتضرب بها ظهر الأمة العربية بعد أن أنهكتها الحروب الداخلية، والصراعات المذهبية والشخصية.  

أمنية

"تمنيت لو أن أحد شهدائنا تمكن من كتابة تاريخنا"

"قد أصبح العالم الجديد حديقة تعذيب .."

"أزهارها المشانق والنيران والخوازيق ..."

(الراهب لاس كازاس)  

بين ماضينا وحاضرنا

التاريخ يكتبه الناس لنقل أحداث الماضي للحاضر والمستقبل ... والمؤرخون كثيرا ما تدفعهم لذة القصة إلى المبالغة والإغراق في الخيال ..

حتى إنهم صنعوا لنا من أشخاص عاديين أعلاما تتسابق الهمم للوصول إليها، وأغفلوا عمالقة أفذاذا، وألقوا بهم في غيابة الجب فلم يسمع لهم ذكر، ولم يتردد لهم اسم ... القادة وحدهم هم الذين يذكرون في التاريخ وتوضع على صدورهم أرفع النياشين، أما الجنود الأبطال فيعدون عدا كحبات الحصى ...

الحكام وحدهم ينسب إليهم العدل والكرم أما الذين يشيعون الحق والعدل فهم رعية تعكس عدل الحكومة ليس إلا ... والمجرمون يتغنى الناس بذكرهم ويحفظون تاريخهم أما الضحايا فقبور وذكريات ...

كل الناس يحفظون اسم نابليون بونابرت .. لكنهم لا يحفظون اسم أسير واحد من الستة آلاف الذين أعدمهم في العريش ... كل الناس يذكرون نيرون وهو يحرق روما وتاريخها لكنهم لا يذكرون اسم من أطفأ النيران ... كل الناس يذكرون أسماء هتلر وموسوليني وستالين ويحفظون تاريخهم لكن من يستذكر ضحاياهم.

كل الدول تعترف بأمريكا كدولة متحضرة وينسون أنها بطلة مأساة هيروشيما ونجازاكي، وأول من جرب القنابل الذرية في الإنسان.

الناس يتغنون بحضارة الإنجليز، ولكن ينسون أن من أسباب حضارتهم تجارة الرقيق التي دامت أكثر من قرنين، وأرباح الأفيون الذي كان يتصدر لأبناء الصين.

إن الملايين من الأبرياء قتلوا باسم العدل والحرية والمساواة والإنسانية ... وملايين يقتلون كل يوم ومع هذا فلا تزال ريشة التاريخ المذهبة تسجل آلاء القتلة والمجرمين ..

التاريخ يكتب من خلال مصلحة المؤرخين .. أو تحت ضغط خوفهم .. أو من خلال أهوائهم وشهواتهم ... وتكون النتيجة التزييف الكامل لكل الحقائق ...

وتضليل الشعوب وسوقهم إلى حتفهم افتداء للأساطير .. والمتألهين من البشر، من أجل الإمبراطوريات الرومانية، والفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية والأمريكية غرقت أوروبا في بحور من دماء أبنائها .. وعاشت وتعيش في شقاء إلى يومنا هذا ...

بل عاش العالم كله في شقاء من وراء صراعاتهم .. وكما قال حكيم "إن الانتصارات لا تمثل إلا ارتفاع تيجان الملوك، وكثرة النياشين على صدور القادة، أما الشعوب، فلها القبور"ونحن الآن نسجل تاريخا مضى ... ولا ندري ماذا سيقول عنه أبناء الجيل القادم ...

لأن أبناء الجيل الحاضر وضعت على عيونهم نظارات ملونة ترى كل شيء من خلال هذا اللون ترى الأبيض أسود لأن النظارة سوداء ... وجيلنا لا يسمع إلا أنغاما أحسن عازفوها وضعها وتلحينها، فصكت آذانهم سماع همسات الحق والخير .. وجيلنا عطلت أحاسيسه ومشاعره فلم يعد يميز بين البكاء والضحك ... دموع الفرح أو دموع الثكالى .. وجيلنا مريض وأطباؤه يحرصون على مد أجل مرضه لا مد أجل حياته ...

ومع هذا هل انتهى هذا الجيل ... وإذا كان قد انتهى فهل تلد النهاية بداية، وهل تخرج الحياة من العدم، الواقع يقول لا، ففي أركان المجتمع وفي خفاياه وفي زواياه تعيش كنوز ما أروعها وما أعظمها .. لكنها تعاني من غبار ران عليها حتى ذهب عنها بريقها فتوهم الناس أنه انطفأ ولكن لم ينطفئ ولن ينطفئ ....

أمنية

تمنيت وأنا أكتب هذا الكتاب أن يتحرك أحد إخواننا الذين دفنوا في أرض القناة من قبره، ويتناول ريشة ليسجل لناقصة حفر القناة، وتمنيت لو أن جنديا من رجال عرابي الذين قتلوا في التل الكبير تمكن من تسجيل أحداث أروع معركة شعبية شهدتها مصر ...

وتمنيت لو أن عمر شاهين وأحمد المنيسي وإخوانهم كان بإمكانهم إملاء قصة استشهادهم ... تمنيت لو أن هؤلاء تمكنوا من كتابة هذا التاريخ ... على لوحة كبيرة ثم قاموا بنصبها في المكان الذي بدأ منه دليسبس حفر القناة ...

إن مئة سنة من المعاناة والجهود والآلام قطعها الشعب المصري من يوم أن بدأ الحفر في القناة إلى يومنا هذا ... مائة سنة وهو لا يزال يعاني نفس المعاناة ... العدو الآن على القناة أيا كان هذا العدو وحوله أعداء كثيرون وله أعوان بيننا كثيرون ...

وكل هؤلاء يحاربون في ميدان واحد ضد الشعب الكادح المناضل ... منذ مائة سنة سيق الفلاح المصري بالسلاسل في طابور طويل انتظم أكثر من أربعين ألف رجل، وأمروا بالكرابيج ليحفروا القناة ... يحفروها بأي شيء ولو بأظفارهم، وفي كوم ملح منحوا أجرا شهريا قدره 62 اثنان وستون قرشا ! .. والعمل من الفجر إلى المغرب ... وبالليل على المشاعل ...

ويكفيني هنا أن أنقل عن صحيفة ستاندارد هذه الفقرة "لقد علمنا من مصدر موثوق به أن هؤلاء العمال التعسين، كانوا يسحبون سيرا على الأقدام إلى بور سعيد، وقد ربط بعضهم إلى بعض كالجمال، أو قطعان العبيد في أفريقيا، والتي يسوقها تجار الرقيق من الأقاليم الداخلة إلى الساحل حيث تكون السفن في انتظارهم لنقل هذه السلع الآدمية ...

وحتى نكون صرحاء مع أنفسنا يجب أن نقول إن ما حدث لم يكن من تدبير دلسيبس وحده ولا الشركة الفرنسية وحدها .. الواقع يقول إن مجرما كبيرا كان يجلس على عرش مصر هو الخديوي محمد سعيد ومن دلائل إجرامه هذا القانون الذي أصدره في 20 يوليو سنة 1856.

يقول القانون

1 – تقدم الحكومة المصرية العمال الذين سيعملون في أعمال الشركة تبعا لطلبات كبيرة المهندسين ...

2 – تقرر أجور العمال بمبلغ يتراوح بين قرشين ونصف وثلاثة قروش في اليوم .. والعمال الذين يقل عمرهم عن اثني عشر عاما تكون أجورهم قرشا صاغا واحدا للفرد (أطفال يعملون يا سعيد باشا).

أما القرار الذي أصدره سعيد باشا بعد ذلك فهو إرسال خمسة آلاف جندي من جيشه ليساعد في الحفر ... وحفرت القناة ودفع المصريون ثمن حفرها آلافا من القتلى والجرحى ..

ومآسي وآلاما حفرت في أعماق نفوس المصريين إلى يومنا هذا .. وفضائح الخديوي إسماعيل مع .. أوجيني .. وسبعة عشر مليونا من الجنيهات وديونا جلبت جيوشا لتحصيلها ...

ونمضي على الطريق لنلتقي بجيش إنجلترا وهو يمتطي القناة ويهز أقدامه عليها ثمانين عاما .. ويخرج الإنجليز ثم يعودون على عجل بعد تحالفهم الثلاثي ... وتمضي عشرة أعوام ويعودون ثالثة، بوجه جديد وبأسلوب جديد وتبدأ مأساة ما أمرها ..

ويقف الشعب حائرا يحاول أن يقرأ شيئا في صفحة التاريخ التي فتحت عن آخرها على ضفتي القناة ... ما هذا الذي يحدث ... ما معناه .. وتضطرب التعبيرات وتتناقض التفسيرات ...

ونحن من خلال مئات السنين في استرجاع سريع لماضينا، وبعين قد تصدها رؤياها .. يمكننا أن نقول كلمة من يدري لعلها تلقي بصيصا على الطريق المظلم وتكشفه لنا، ثم نمضي بعد ذلك على هدى وبصيرة ...  

بداية المعركة

"إن العروق والسلالات تختلف من حيث القوة والجمال"

والذكاء وأن العرق الأبيض هو مصدر المدنيات، وإن "

"العرقين الأسود والأصفر منحطان ..."

بعد مائة سنة من حرب صليبية عاتية، تمكنت الأمة العربية بقيادة إسلامية فذة من إنهاء الحروب الصليبية وهربت أوروبا من الشرق مثقلة بجراحها ...

وفرح العرب بانتصارهم ... وحزن الغرب لهزيمتهم وفي سرعة هائلة استطاعت أوروبا أن تلم شعثها ثانية وتمكنت من رفع صلبانها فوق المصانع والمعاهد والمزارع ...

واستطاعت أن تدفع بإنتاجها إلى قمة الجودة في كل شيء ... ثم بدأت بعد ذلك بعقل ذكي تدبر خطة لتطويق العرب ... بل اشتد بها الطمع إلى تطويق العالم كله، واحتضانه بيد من حديد وتم لها ما أرادت ... ولكن كيف كان هذا .. هل هو الطمع في ثرواتنا ... أم رغبة السيطرة والتسلط ... أم التبشير للمسيحية ...  

سيادة الجيش الأبيض

يطول الشرح ولكن نستطيع أن نقول إن مزيجا من الفكر والدين والمصلحة تمكن من عقول أبناء أوروبا، ودفع بهم إلى كل الذي فعلوه .. ولنرجع بالقصة إلى الوراء لنطالع عقل الجنس الأبيض وهو يضع مخططه الرهيب لهيمنته على الأجناس الأخرى ..

اسمع إلى الفيلسوف الفرنسي غوبيستر وهو يوصي أبناء السين قال لهم "إن الفروق والسلالات تختلف من حيث القوة والجمال والذكاء، وإن العرق الأبيض هو مصدر المدنيات، وإن العرقين الأصفر والأسود منحطان ...". وعلى هدى هذه الفلسفة ومن خلال ما سموه دينا، وقالوا على لسانه إن الرب أبيض اللون ولا يمكن خلقه سودا، وبالتالي تنتفي صفة الإنسان عن الأسود ...

على هدى الفلسفة والهوس الديني قامت شركات إنجليزية باختطاف وتصدير ما لا يقل عن مئة مليون زنجي خلال قرنين من الزمان إلى بلاد العالم، خصت أمريكا منهم بجزء كبير – وقد تأسست أول شركة حكومية "ساهمت فيها ملكة إنجلترا" في سنة 1667 ومهمتها كما حددها عقد الشركة خطف وابتياع الرقيق من أفريقيا ثم نقلهم إلى أمريكا ... وحتى لا ننسى نصيب ألمانيا بعد أن ذكرنا فلسفة فرنسا وهمجية إنجلترا فإن ألمانيا تأخذ بفلسفة مضحكة وهي أن الألمان بينو الرجولة أما غيرهم فأناثى ..

" يعني إحنا الرجال وبس" واتفقت ألمانيا وإنجلترا وفرنسا سنة 1763 في معاهدة "أترخت" على أسس تجارة الرقيق ... وحتى أمريكا التي لم تر بصيص النور إلا منذ قرنين ونصف اصطنعت لها فلسفة غريبة وهي "أن واضعي أسس المدنية في كل مجتمع يجب أن يتكلوا في أمر معيشتهم على الآخرين ممن هم دونهم".

هذه الفلسفة الأوروبية الأمريكية صيغت بأسلوب "علمي" وتوارثه الأبناء عن الآباء بل إنه كان يلقن للتلاميذ في مدارسهم ... وللجنود في ثكناتهم، وللقساوسة في أديرتهم .. ولكن هذا لم يمنع ظهور شخصيات من أبناء أوروبا أنكروا ما فعله أبناء جلدتهم الآخرون نذكر منهم على سبيل المثال أحد قساوستهم "القس لوكر".

يقول لوكر في كتابه

"إن فظائع المتمردين! لم تنته بعد .. منذ بضع سنوات هجم أوروبيون في البرازيل على بعض السكان من الحمر القاطنين في الأحراج، وأخذوا يصطادونهم للحصول على جماجمهم، وهذه الجماجم تباع في حوانيت نيويورك حيث يعتقد مشتروها أنها تطرد الشيطان وتجلب الحظ ...

وقال الرجل ويستوي في هذا الإسبانيون والبرتغاليون والهولنديون، والإنجليز والفرنسيون والألمان ... ولهذا يستخرج علماء الأجناس نتيجة مهمة في تاريخ البشر "وهي أن الهوة التي تفصل بين الرجل المتمدن وغيره الذي يسمى متوحشا بالهوة السحيقة" ...

ولنسمع لأحد القساوسة الذين "رافقوا كولمبس في رحلة لكشف أمريكا" ... يقول الراهب "لاس كازاس" "نقص سكان هيتي في 42 سنة من 3 مليون نسمة إلى 200 إنسان أما سكان لو كاي فمن نصف مليون نفس بشرية وصل تعدادهم إلى أحد عشر شخصا فقط ...

وقضى الإسبان في ظرف ست سنين على 15 مليونا من الهنود الحمر... " وقال حكمته المشهورة "وقد أصبح العالم الجديد حديقة تعذيب أزهارها المشانق والنيران والخوازيق" فإذا رفض الناس قبول المسيحية وجب ذبحهم هم ونساؤهم وأطفالهم وإتلاف مزارعهم".

لكن قد يقال إن أسلوب قديم، وأن عالم اليوم بدأ يستيقظ ضميره .. ولكن يبدو أن هذا تفكير خاطئ فلقد سمعنا صيحات من زعماء وفلاسفة معاصرين يرددون أقوال أسلافهم يقول "لابوج" وهو أستاذ فرنسي في علم الاجتماع" أنه يجب عودة نظام الرقيق، وجعل كل طبقة من الناس حيث يجب أن تكون إلى أن يتيسر أبسط حل لقضية السلالات وهو إيجاد سلالة واحدة عليا ... تقوم بقتل كل إنسان ضعيف ويرى إتلاف الأشخاص المنحطين والذين لا فائدة منهم، وذلك بوضعهم في مدن خاصة بهم حيث يعطون مالا فيسكرون، ويفسقون ويقامرون حتى ينقرضوا ...

ونضم إلى الأوروبيين أبناء روسيا فيقول الأديب الروسي وستوفسكي "إن شعب روسيا متفوق لأنه من السلالة الصقلية وأنهم عباقرة ... وهم شعب الفكرة السلمية العليا".

فلسفة الاستعمار

وانتقل على عجل من النظرة العنصرية والدينية الفاسدة التي تتلبس بعض أوروبا وخليفتها إلى الفلسفة الفكرية التي أمدت القادة والساسة بطاقة كبيرة في عملية الزحف على الشرق سواء في آسيا أو أفريقيا .. وفلسفة الاستعمار تقوم أصلا على القوة .. فمن يملك القوة يستطيع أن يفرض آراءه وأفكاره بل ودينه .. وكان الرومان أول من أطلقوا الحكمة المشهورة "ويل للمغلوب".

ثم تدافع الفلاسفة والكتاب بعد ذلك يرسمون إطارا للقوة .. وكان ابن فلورنسه "ميكيافيلي" وهو من أبناء القرن الخامس عشر من طلائع هذه الفلسفة يقول ميكيافيلي "إنه لا حلال ولا حرام في السياسة ولا خير ولا صدق .. وأن للحاكم أن يفعل ما يشاء" ثم اقتفى أثره فيلسوف إنجليزي "هوبس" الذي يرى أن القوة أساس الحق وأن الأمير يجب أن يكون مستبدا ..

وأن يغزو ويفتح البلدان ويتسلط عليها – ثم كان "هيجل" الفيلسوف الألماني الذي عاش في القرن السابع عشر وكانت فلسفته منطقا أخذ عنها بسمارك وهتلر .. يقول "هيجل" إن القوة صورة الحق ... وعلى الدولة القوية التسلط على الغير .. ونادى بعده بسمارك بعبارته المشهورة "القوة فوق الحق" وختم هتلر فلسفته في كتابه "كفاحي" الذي اعتبر الجرمانيين أعلى سلالات البشر ...

وإن كنا نذكر له بالخير ما أورده في كتابه بشأن اليهود إذ قال عنهم إنهم كالجراثيم والطفيليات لا تعيش إلا من دم الغير ...!

ومن أعجب وأغرب ما قرأت ما سجله الفيلسوف المعاصر "نيتشه" والذي مات في أوائل قرننا قوله "إنه يجب استعمال القوة، ورفض الإحسان، ومعاملة الضعيف بلا شفقة أو رحمة حتى يهلك .. لأن البشرية لم توجد إلا للمثقفين والأقوياء والسعداء فقط ..."

ويتألم نيتشه في كتابه لأن فلسفته هذه لم تكن مطبقة من قبل ويعزو هذا إلى أن الديانات جاءت بأخلاقيات وناصرت العبيد ... ولذلك يؤكد على السادة والحكام والأمراء تجنب الديانات، ويوصيهم بالتسلط والأثرة، والانغماس في الشهوات لأن الطهارة والعفة من خصال العبيد ...

ومن خلال الدين المزيف الذي تبرأ منه المسيحية الأصيلة، والفلسفة البلهاء، ولدت فكرة أن الاستعمار ضرورة لا بد منها!! وأن أوروبا لا تستطيع أن تستغني عن فرض نفوذها على الدول الأخرى وكما قال أحد ساستهم "البير سارد" أن الحاجة هي التي حملت الشعوب الأوروبية على الاستعمار وقال "هانوتو" الاستعمار شيء ضروري لكل جمعية بشرية ...".

وحتى لا نعيش في ظلال الفلاسفة وهوسهم، انتقل إلى التطبيق العملي والذي أخذت به دول أوروبا في تنفيذ سياسة الفلاسفة والمفكرين .. وأطرف ما في الأمر أن أمريكا على ضخامتها لم تكن أكثر من مستعمرة لدول أوروبا الكبرى – وكانت لمن سبق – وقد بدأت الهجرة إليها من سنة 1607 ...

وكانت الهجرة مقصورة على الرجال فقط فلما طالب المهاجرون بالنساء اشترط الإنجليز على الطالب أن يدفع 120 بوندا من التبغ الأمريكي في مقابل نقل الفتاة الواحدة ... وبناء على هذه الاتفاقية شحنت تسعون فتاة إلى أمريكا ...

وكانت الدفعة الثالثة من زنوج أفريقيا وقد بيعت أول صفقة كعينة وكان تعدادها عشرين رجلا .. وتمت المستعمرة الجديدة وانتقل إليها أبناء أوروبا بهوسهم الديني وفلسفتهم الاستعمارية، وغطرستهم الكاذبة .. بل إن المستعمرة الجديدة استطاعت أن تنمو وتزدهر وتحاول أن تمد يدها لسادتها الأول .. وأين أمريكا الآن وأين أسبانيا ...

ولنخرج من دائرة أمريكا ونستعرض في عجالة ما حققته الدول الاستعمارية من مكاسب ولعل الأرقام تغنينا عن التفصيل .. استطاعت إنجلترا أن تفرض سلطانها على 400 مليون إنسان في آسيا وإفريقيا من مجموع الدول المستعمرة البالغ عددها ستمائة مليون نسمة، ومساحة أرض المستعمرات 35 مليون ك م مربع، تليها فرنسا وكانت تبسط سلطانها على 60 مليون نسمة ومساحة من الأرض تقدر بعشرة ملايين ك م.مربع، ثم كانت هولندا التي لم يكن يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين إلا أنها كانت تملك من رقاب البشر حوالي 60 مليونا وطبعا هذه الإحصائية لم تتناول ألمانيا ولا إيطاليا ..

أما ما فعلته هذه الدول في المستعمرات فلن يستطيع إنسان أن يتصوره ... وسبق أن أوردت بعضا من فظائع هؤلاء المستعمرين ... ويكفي مثلا ألا نرى في دنيانا إلا عينات من شعوب كان يمكن أن تكون هي صاحبة الأمر والنهي في دول كبرى .. فأين الهنود الحمر ..

وأين أبناء استراليا وأين القبائل التي نقلت من غرب أفريقيا إلى أمريكا واندثرت آثارها وذكراها .. ولولا يقظة الشعوب لكانت الصين قد انتهت عن آخرها بفعل الأفيون الذي كانت إنجلترا تفرضه قسرا على أبنائها .. ولما وجدنا ستا وثلاثين دولة مستقلة في أفريقيا تضم 250 مليون إنسان، ولعمري وكم كان سيبلغ تعدادها لو تبقى المائة مليون نسمة الذين خطفوا منها خلال قرنين، وصدروا لأمريكا الشمالية والجنوبية ودول أخرى ويكفيني أخيرا أن أقدم هذه الإحصائية ...

ففي خلال عشرة أعوام نقلت سفن ليفربول 3037338 زنجيا من أفريقيا وكان صافي ثمنهم 15186850 جنيها وكان تعليق كاتب هذه الإحصائية في كتابه أن تجارة "خشب الأبنوس" كما كانوا يسمون تجارة الرقيق كانت من أسباب التقدم الصناعي في أوروبا.

نصيب أمتنا

وأمضى سريعا لاهثا حتى لا تبغي المقدمات الطويلة على النتائج وإن كنت في الواقع أعتبر هذه المقدمة جزءا من النتيجة ... والذي يهمنا أن نسجله هنا أن فلسفة الاستعمار وسياسته وجبروته كلها تنزلت علينا أسوة بإخواننا الأفريقيين والآسيويين ... فنحن جنس أسمر وندين بالإسلام وأرضنا فيها خيرات .. وخصومنا بيض ومتعصبون بلا منطق أو تفكير، ونحن مسالمون وهم مجرمون ... ونحن ورثة حضارة وهم أصل الهمجية.

لقد عانت المنطقة العربية من ضرب الاستعمار والتحكم الشيء الكثير ... بدأت بالحروب الصليبية، ثم غارات المغول والتتر والسلجوقيين والمماليك – والعثمانيين ... وأما العثمانيون فأحب أن أفرق بين الحكام الذين التزموا بالشريعة هؤلاء أعطاهم العرب الولاية من أنفسهم، أما الذين كانوا يفاخرون بطورانيتهم، وأنهم من سلالة الفاتحين أمثال هولاكو وجنكيز خان فهؤلاء كانوا من أسباب نهاية الحكم العثماني، وتمزق الدولة الكبيرة ... وكراهية العرب للأتراك ويكفي أن يذكر العرب مذابح جمال باشا في شمال لبنان والتي كان يسميها "إفناء سياسي سريع" والتي راح ضحيتها ثلث سكان المنطقة ...

ولنمض سريعا على الطريق لنلتقي بجبروت بونابرت وهو يطحن مصر والشام .. ثم غارات الإنجليز والإيطاليين على مخلفات الخلافة بعد عزل السلطان عبد الحميد سنة 1908 ... ويكفي أن نضع هذه التواريخ لنتصور أسلوب الغرب في تخطفنا ...

في سنة 1830 تحتل فرنسا الجزائر وتقتل فيها مليون رجل ثم بعد ذلك يأتي دور تونس سنة 1881 ومراكش سنة 1912.

وفي سنة 1882 تحتل إنجلترا مصر .. وفي سنة 1901 تستولي على الكويت بحجة حماية خط بغداد الحديدي الذي يصلهم بالهند ...

وبعد ذلك تبدأ عملية تقسيم منطقة الشام والعراق وفلسطين فيما بين فرنسا وإنجلترا .. فتأخذ فرنسا دمشق، وحمص، وحلب، ودير الزور، والجزيرة، والموصل، وكان نصيب إنجلترا ما تبقى، العقبة وشرق الأردن، وفلسطين، والعراق ... وباختصار يفرض الغرب سلطانه على ما يسمى الآن بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا ..

وتنتهي أفريقيا إلى عدة مستعمرات تتقاسمها بالتناوب إنجلترا وفرنسا والبرتغال وألمانيا وإيطاليا.

وأتوقف هنا قليلا لأقول إنه لم تجر عمليات خطف زنوج من الدول العربية كما لم تتم عمليات إفناء شعوب كما حدث في أمريكا واستراليا ..

ولكن وضعت أساليب "تقدمية" لجعل الأمة العربية تعاني من تمزق وخلافات وضياع وفقر ومرض ويهود وبالتالي تنتهي لنفس النتيجة وأقسى منها ... فكانت الأمة العربية تباع جملة في سوق النخاسة الدولية !! ويتفق مثلا اثنان من كبار النخاسة هما "سايكس" و "بيكو" على تقسيم العبيد فيما بين إنجلترا وفرنسا!

وحتى يستروا عملية الاسترقاق والنخاسة الدولية ألبسوها ثيابا قانونية ... سموها مثلا حماية أو وصاية أو دفاعا مشتركا ...

وأدخلوا الهيئات الدولية لتعترف بنظام السادة والعبيد ... ويكفيني أن أضع مثلا واحدا فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى جلس كبار النخاسة يتقاسمون الغنائم وشكلت لجنة من الأمريكان بناء على توصية عصبة الأمم، وكتبت تقريرا قالت في إحدى فقراته ... إن سكان سوريا الداخلية طالبوا بجعل سوريا دولة مستقلة ..

ولكن إذا كان لا بد من وصاية "رغما عنهم" فلتكن أمريكية وإلا فإنجليزية أما الدروز والأرثوذكس، والبروتستانت وكاثوليك الأردن فطالبوا بوصاية إنجليزية، أما الموارنة وسائر الكاثوليك فطالبوا بوصاية فرنسية ...

أما فلسطين فألزموها بأن تطالب بعد الاستقلال بوصاية أمريكا وإنجلترا وترفض فرنسا.

أما اليهود ولم يكونوا يمثلون أكثر من عشر السكان فقد طالبوا بجعل فلسطين دولة يهودية وارتضوا بوصاية الإنجليز ... ومع هذا كله رفض هذا التقرير واستبدل مكانه باتفاقية عقدت في سان ريمو سنة 1920 ما بين فرنسا وإنجلترا وتم بناء عليها تقسيم أرضنا فيما بينهم ...

أساليب مختلفة لبيع وشراء الدول والشعوب ... المهم نخلص من هذا أن الغرب أغار على منطقتنا وتقاسمها وتاجر فيها وبها، وقتل حريتها، وانتهك حرمتها وسلبها مالها وعقلها وثقافتها ... ومع هذه الستائر التي أخفى الأوروبيون وراءها وسائل النخاسة الدولية عن أعيننا لم يتمالك أحد الموتورين منهم أن كتب بعد أسبوع من هزيمة يونيو سنة 1967 مقالا في الصنداي تلغراف بإمضاء (برجرين ورستورن) طالب فيه بسحق الشعوب النامية ودول العالم الثالث، ووضعها تحت سلطة الدول المتقدمة، على اعتبار أنها حالة بشرية ميئوس منها، وأن تفوق الدول المتحضرة يعطيها حق السيطرة على مقدرات الشعوب النامية ...  

اليهود في المعركة

يجب إقامة حاجز بشري قوي وغريب لفصل الجزأين الأفريقي والآسيوي في المنطقة وهذا الحاجز يكون من اليهود في فلسطين ...

كامبل بترمان سنة 1907 بنو إسرائيل يغيرون علينا

وكانت أقسى الضربات التي وجهت إلينا أنهم فرضوا علينا طائفة يملؤها التعصب والحقد .. وكانت خطة جهنمية استهدفوا من ورائها تحقيق كل آمالهم ..

كانت الطائفة اليهودية تعاني الضياع والتشتت والتشرد حتى كتب كبير أبدائهم "ليوبينسكر" يقول "إن وطننا بلد أجنبي لا عيش لنا فيه ووحدتنا تشريد، وتضامننا عداء سافر، لكل ما هو يهودي وسلاحنا ذلة ومسكنة، ووسيلة الدفاع عن أنفسنا الفرار فيا له من دور وضيع يقوم به اليهود على مسرح الحياة ... وسجل بيرون أغنية مشهورة "أن للحمامة البيضاء عشا صغيرا، وللثعلب وكرا ولكل إنسان وطنه إلا اليهود فلهم القبور".

والواقع أن اليهود جلبوا على أنفسهم الشقاء من قديم الزمان بتصرفاتهم الناشزة وأساليبهم التآمرية ضد الشعوب ...

إنجلترا التي تحميهم اليوم، أقامت لهم مجزرة يوم تتويج ريتشارد قلب الأسد ... ولم تستطع فرنسا أن تتسع لهم لتعاملهم بالربا الفاحش، وتولى شارل ملك فرنسا طردهم منذ سبعة قرون وصادر ممتلكاتهم ... ولم تتحملهم أسبانيا وخرج نصف مليون يهودي هائمين على وجوههم وللأسف أفسحت لهم المغرب مكانا في أرضها ... وسلكت روسيا وألمانيا ورومانيا نفس المسلك وأخيرا كان هتلر على موعد معهم ...

بل إن بعض مفكري اليهود تمردوا على أساليب بني جنسهم وآثروا ترك دينهم والفرار من قوميتهم .. ومن الأسماء التي ترددت اسم إسحق دزرائيلي "والدزرائيلي" الذي أعلن أنه قرر الفرار من اليهودية إلى المسيحية .. ونحا نحوه بعض الكتاب اليهود مثل أرنولد وسكر، وبرنارد كومس، وهارولدينتر .. وإن كنت في الواقع أضع تحفظا بالنسبة لمثل هذه التصرفات ...

هذه الطائفة المشردة الحقود حاولت إيجاد وطن لها "لتعتزل العالم" كما يقولون ففكروا في قبرص وأستراليا والعريش وكندا والعراق ..

ثم جاء الداهية هرتزل ليضع أساس الدولة اليهودية في فلسطين ... وأعلن في "بال" بسويسرا سنة 1897 السعي لإقامة دولة يهودية في فلسطين وبدأت خطة التنفيذ بعد ذلك .. ومن أهم وسائلهم التسرب لفلسطين كمهاجرين ثم السعي الحثيث والخبيث لدى الحكومات لتساعدهم في مخططهم ...

وكان أول نصر حققوه ما أعلنه رئيس وزراء بريطانيا مستر "كامبل بترمان" الذي جمع كبار المثقفين وأساتذة الجامعات من فرنسا، وهولندا، وأسبانيا وبلجيكا، والبرتغال وإيطاليا في مؤتمر .. وجعله في شكل حلقات دراسية .. وانتهى المؤتمر الذي عقد في سنة 1907 إلى نتائج عجيبة ..

جاء في التقرير النهائي له "أن الخطر الذي يهدد الاستعمار الغربي يكمن في البحر الأبيض المتوسط، والذي يقيم على سواحله الشرقية والجنوبية شعب واحد، يتميز بكل مقومات الوحدة والترابط وبما في أرضه من كنوز وثروات تتيح لأهلها مجال التقدم والرقي في طريق الحضارة والثقافة ...

وقال التقرير إن هذه الأمة تؤمن بالإسلام وهو دين ذو حضارة قديمة، وأنه يؤمن بالتكاثر والتناسل وبعد جيل يمكن أن يصل تعدادهم إلى سبعين مليون نسمة، ثم انتهى التقرير بتوصية الدول الغربية لتجزئة هذه المنطقة والإبقاء على تفككها كما اقترح على أعضاء المؤتمر أن يعملوا على فصل الجزأين الأفريقي والآسيوي في المنطقة، ...

وإقامة حاجز بشري قوي وغريب في نطقة التقاء بالجزأين يمكن للاستعمار استخدامه لتنفيذ مخططه ... وهذا الحاجز البشري هو اليهود ...  

والدول الكبرى تتآمر علينا

إن الدول الكبرى أمريكا وإنجلترا وفرنسا كانوا من وراء خلق دولة العدوان في أرضنا ... ليحققوا بها موقعا استراتيجيا هاما بالنسبة لهم ... فهي أولا طريق الغزو البري لأفريقيا، ثم هي تقع شرق قناة السويس وتستطيع أن تهيمن على القناة في وقت الحرب .. كما أنها خط دفاعي خلفي، وراء إيران وتركيا .. هذا بالإضافة إلى أهمية موانئ إسرائيل البحرية خاصة ميناء إيلات وحيفا ..

أما روسيا فكانت تطمع في تحويل إسرائيل إلى قبلتها ولكن بعد أن نجح حزب "الماباي" في تولي الحكم تغير موقف الاتحاد السوفيتي من إسرائيل ... واعتبرتها دول معادية وقامت بمنع الهجرة عنها، ونفي بعض اليهود إلى سيبريا لأن ولاءهم لإسرائيل أكبر من ولائهم لروسيا ...

لكن معنى هذا لا يعني تبرئة روسيا من جريمة خلق إسرائيل وقيامها ... ولعل الظروف الغريبة صنعت وفاقا ما بين الغرب والشرق في نشأة فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين .. ففي نفس العام الذي أصدر فيه بلفور وعده اللعين ..

أصدرت الحكومة الروسية قرارا بتأييد اليهود في إقامة وطن قومي لهم فيفلسطين ... والأغرب من هذا أن الحكومة الروسية والحكومة الأمريكية تعتبر أن العداء لليهود والسامية جريمة قانونية.

ثم كان الاتفاق الكبير بين الدولتين الكبيرتين في الأمم المتحدة يوم أن تسابق وزراء خارجية روسيا وأمريكا في تأييد قيام إسرائيل ... وكان جروميكو الذي لا يزال يعمل وزيرا للخارجية من أشد الناس حماسة لليهود .. بل إنه تجاوز في تأييده للصهيونية نطاق اليهود المقيمين في فلسطين إلى جميع يهود العالم ومما قاله أمام الجمعية العمومية ..

"علينا أن نستذكر أن قضية فلسطين ليست إلا قضية وعود أعطيت لليهود، ولذلك فلا سبيل لبحث هذه القضية بغير مراعاة مصالح اليهود وقلتهم، فليس من العدل أن نتجاهل ذلك الصالح اليهودي، ليس فقط بالنسبة لليهود في فلسطين ولكن اليهود في كل مكان" ...

وقال في موضع آخر "إن قضية فلسطين هي قضية الشعب اليهودي ولا بد من توفير كل الفرص لممثلي اليهود بالحضور في الجمعية العمومية ...".

ولم يكتف جروميكو بتأييد اليهود ولكنه لمز العرب في عدة مواقف قال في إحدى جلسات الجمعية العمومية ... إن قضية فلسطين تهم اليهود ولا تهمهم فحسب بل تزعجهم، وتزعجنا نحن السوفييت وذلك كلما علت شوشرة العرب".

أما مندوب تشيكوسلوفاكيا فكان أكثر من غيره حماسة وتأثرا لليهود الذين "عذبهم النازي"، قال في هيئة الأمم إن هؤلاء اليهود يتطلعون إلينا لننصرهم فإذا خذلناهم فإننا سنطفئ النور أمامهم، وإذا خذلناهم فإننا سنقضي على شجاعتهم وإرادتهم ..".

واتخذ أغلب رؤساء الدول الشيوعية موقف التأييد والمناصرة والبكاء من أجل اليهودي المشرد ... وأجدني هنا في وضع غريب إذا حاولت أن أدلل على تأييد أمريكا لإسرائيل ... لأن طائرات الفانتوم لا تزال تصرخ فوق رؤوسنا، والنابالم لا يزال يأكل لحومنا ... لكن الشيء الذي يتبقى أن نعرفه أن أمريكا كانت وستظل مرتبطة بإسرائيل رباطا كنسيا لا يفصله كما يقولون إلا الموت ...

إن الولايات المتحدة عرت نفسها تماما أمام العالم في قضية فلسطين .. وأثبتت أنها دولة عدوان من الدرجة الأولى وأن مبادئ الحرية التي أعلنتها قد تبخرت تماما فوق أرض الشرق ...

إن رئيس الولايات المتحدة مستر "ويلسون" لم يستطع أن يكتم فرحه عن الشعب الأمريكي بعد أن بلغه تصريح بلفور في سنة 1917 فأعلن على الشعب كله بيانا مسهبا جاء فيه "أنا مقتنع أن أمم الحلفاء بالاتفاق التام مع حكوماتنا وشعبها قد اتفقت أنه في فلسطين سترسي أسس كومنولث يهودي ..

ثم تلاه الرئيس "هاردن" الذي أعلن تهويد فلسطين .. وصدق الكونجرس، وبصم بكل أصابعه على مشروع بلفور وعلى نفس الطريق سار روزفلت، بل إنه وظف نفسه وسيطا من اليهود للملك عبد العزيز آل سعود وطلب إليه السماح لهم بإقامة مستعمرات يهودية حول المدينة لقاء مبلغ كبير ولكن الملك رفض ...

أما "ترومان" فقد جاء الخير كله للحركة الصهيونية على يديه فهو الذي تبنى ميلادها في سنة 1947!! وأعجب ما صادفني في علاقات الولايات المتحدة باليهود وحرصها شعبا وحكومة على تأييدهم أن خمسة آلاف قسيس بروتستانتي تجمعوا في سنة 1945 وطلبوا من الحكومة الأمريكية إباحة هجرة اليهود لفلسطين، ولم تتردد الحكومة التي كان يرأسها ترومان وطالبت إنجلترا بإرسال مائة ألف يهودي كدفعة أولى.

وأخيرا أرجو ألا أكون قد أطلت السرد في قصة الإسرائيليين، فما قصدت من وراء ذلك إلا الربط بين قوى التحالف الغربي والشرقي الذي نعاني منه إلى يومنا هذا وخلاصة قصة إسرائيل أنها قاعدة استراتيجية، وقلعة حربية، وفتنة دينية ألقانا بها التحالف الصليبي الغربي لتؤدي دور القواعد العسكرية التي زلزلت أقدامها في المنطقة ...  

وأين كنا وأين نحن الآن

السؤال البسيط والذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا .. أين كنا يوم أن بدأ الزحف الأوروبي ثم الأمريكي ثم الروسي على أرضنا؟ ولم سكتنا طوال هذه القرون حتى وصل بنا الحال إلى تبعية وانقياد أعمى للسيد الأبيض؟ الحديث سيطول .. ولكن لا بد من تشخيص المرض الذي أصاب أمتنا .. فمكن منها أعداءها.

هذه الأمة تدين بالإسلام .. والإسلام دين سلام ومحبة خير ... ويكره العدوان .. "لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" والدين ينادي بالإخاء الإنساني، وأن الناس أمامه على سواء والمفاضلة لا تكون على أساس من سلطة أو لون أو قوة .. ولكن على أساس من التقوى والخير "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" والدين يرفض العبودية والإذلال سواء بالنسبة للفرد أو الجماعة أو الأمة ... يرفض امتلاك فرد لحرية آخر، فالناس سواسية كأسنان المشط، ويرفض تحكم طائفة في طائفة أخرى حتى وإن كانت مسلمة "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" ... ويرفض كذلك استبداد دولة بأخرى ...

قد يقال وما فتوحات المسلمين لفارس والروم؟ ... نقول إنها فتوحات دعوة وسلام وحب ... أبناء الجزيرة العربية تذوقوا حرية الإسلام الذي رفعهم من مرتبة عبادة الحجر إلى أن حلق بهم في ملكوت السماوات والأرض ... فأرادوا تعميم الخير للناس جميعا .. وكانت بداية الطريق رسائل إلى الملوك والزعماء تزف إليهم البشرى بالرسالة وتدعوهم إلى مأدبة الإسلام ..

ففتحت الأبواب عن آخرها للدين الجديد، بل إنه انتقل إلى مواقع جديدة صارت مع الزمن مراكز التوجيه الأولى ... أما فتوحاته فكانت مهمتها كسر الأبواب المغلقة حتى يدخل نور الدين الجديد فيكتسح ظلام الجهل والضلال ...

لكن ما معنى هذا الكلام الذي أذكره وأنا بسبيل كشف تآمر أوروبا وأمريكا وروسيا واليهود علينا ... إنني في الواقع أحب أن أخلص إلى نتيجة، وقد تكون مستغربة ولذلك صنعت لها هذه المقدمة المطولة ... النتيجة .. أن الغرب كان قد فقد قيم المسيحية، وقيم الإنسانية ..

واتخذ من دينه وسيلة للبغي والعدوان وإذلال الشعوب، واتخذ من مصلحته حافزا للإقدام على المغامرات الكبرى في أفريقيا وآسيا ... أما نحن فقيمنا تحبسنا عن البغي والعدوان واستعباد الشعوب ... وإن كنت لا أعفي بعض آل عثمان، وأمراء الأندلس الذين أبطرتهم حياتهم الدنيا عن فهم روح الالتزام بالإسلام منهجا وسلوكا ...

سيقال وهل يعتبر هذا مبررا لتسليمنا بهذا الزحف الكبير على أرضنا؟ والرد على هذا واضح: إن الأصل فينا عدم العدوان والبغي على الآخرين، ولكن لا يلغي هذا الأصل، العمل على إزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين ما يختارونه من منهج لحياتهم ...

فأعلن الإسلام الحرب على أئمة الكفر حتى ينفتح الطريق أمام الشعوب لتقدر مصلحتها، ثم حكم القاعدة العادلة "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

يقابل هذا الأصل المتمكن منا ومن أنفسنا، العداوة الضارية في صدور أعدائنا ...

وسيظل السؤال حائرا ... لكن لماذا نستسلم لبغيهم؟ ... وهل هذا الاستسلام يقره ديننا".

الجواب على هذا يحتاج لوقفة طويلة!! وكان يمكنني أن أقول لا من أول الطريق فهذا هو الجواب الطبيعي ولكن الأمر يحتاج لتفصيل أكبر.

إن أكبر خطأ ارتكبه المسلمون خاصة العرب منهم هو السكوت عن تبليغ رسالة الإسلام إلى الناس كافة ... وبسكوتنا عن أداء هذه الرسالة فرض علينا التقلص داخل حدود ضيقة من الأرض، وتركنا في حالة شيخوخة وشلل ... وإلا فما معنى أن تظل أوروبا وأمريكا بعيدتين كل البعد عن الإسلام وتعيشان على خرافات دينية ليست من المسيحية ولا اليهودية في شيء، ومع هذا تعنو لها الرؤوس، وإلى يومنا هذا يمثل الكبار والصغار بين يدي قدس البابا في روما.

إن هذا التقلص والضمور من جانبنا والحقد والبغض وحب التسلط الذي ملأ صدر أوروبا من يوم هزيمتها في الشرق على يد صلاح الدين – وأعطت اللنبي القائد الإنجليزي القدرة على أن يقول بفخر وهو يطأ أرض القدس سنة 1917 "الآن انتهت الحروب الصليبية" ويردد صداه من بعده الجنرال الفرنسي غورو فيقول سنة 1920 وهو يدوس بقدمه قبر صلاح الدين في دمشق "ها نحن عدنا ثانية يا صلاح الدين" ...

هذا التقلص جعل أوروبا تفزع في وجوهنا وتطمع في ديارنا وأموالنا ... ولعل أميل الغوري كان موفقا في تشخيص موقف الغرب منا في القرنين الأخيرين حين قال "فقد راع أهل الغرب عامة والإنجليز خاصة ما بلغته الإمبراطورية العثمانية من مكانة وشوكة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ووجدوا فيها عقبة كأداء تقف في طريق توسعهم واستعمارهم، وكذلك هال أهل الغرب قيام الخلافة الإسلامية في استامبول وبعث نفوذها العظيم في ديار المسلمين التي كانوا يطمعون في الاستيلاء عليها واستعمارها، فثارت في نفس الغربيين "العصبية الصليبية" والروح الاستعمارية وصار هدفهم تقويض تلك الإمبراطورية والقضاء على الخلافة الإسلامية".

ولأترك أميل الغوري وألتقط كلمات شاهد من أهلهم هو المؤرخ البريطاني مستر أرسكين تشايلدرز وهو يسجل هذه الحقيقة يقول وتكاد عبارته ترتجف "إن الزحف العربي على العالم المسيحي من القسطنطينية عام 717 وعلى فرنسا عام 732 يعد ظاهرة مرعبة ومخيفة تركت جذورها في ثقافتنا، وقد امتزجت هذه الظاهرة مع المولد الحقيقي للعصر المسيحي ومطلع النظام الأوروبي ...

ويقول: "لقد امتد الزحف الظافر أكثر من ألف ميل من صخرة جبل طارق حتى شواطئ اللوار، ولو تكرر هذا الزحف مسافة أخرى مماثلة لحمل العرب إلى حدود بولنده وجبال اسكوتلنده ولأوصل الأسطول العربي إلى مصب التيمز بحرا كما يشاء دون أن يشتبك في أية معركة حربية، ولربما كان من المحتمل أيضا أن يدرس القرآن الآن في مدارس أكسفورد".

وأعود فأكرر القول بأن السبب في نجاح أوروبا وتفوقها علينا هو الانكماش والانطواء والاستسلام من جانبنا وفي نفس الوقت كانت أوروبا تتمدد وتتوسع وتتسابق في السيطرة علينا.

وبعد

"إن فتح أبواب الشرق لاستقرار اليهود في فلسطين يتوقف بالدرجة الأولى على تدمير الخلافة العثمانية ..." هرتسل

الآن الغرب والشرق وإسرائيل والجنس الأصفر كلهم بدأوا الزحف علينا ... منهم من يلوح بالدولار والمدفع، ومنهم من يدفع في وجوهنا بالمطرقة والمنجل ... ومنهم من يدعي بأن أرضنا من ميراث أبيه منذ آلاف السنين ... وجميع هؤلاء تحركهم عقائد ومصالح ..

الغرب لا تزال بقايا المسيحية تعشش في صدره، والصهيونية تمسك بقايا التلمود ... وتعتصم بما جاء به ... والجميع في نغم واحد ينشدون تراتيل أبناء روما وهم في طريقهم إلى ليبيا: "يا أماه إني ذاهب إلى الشرق لأحارب المسلمين فإذا قتلت فقولي لقد ضحى ابني في سبيل المسيح".

أما أبناء المطرقة والمنجل ... فهم صرحاء في حربهم لديننا الذي أطلقوا عليه أفيون الشعوب ... وهم يقولون دائما إن أخطر دين صادفناه هو الإسلام لأنه قدم حلولا منطقية لمشاكل الناس ... ويقولون لقد هزمنا المسيحية يوم أن قدمنا أسوأ صورة لها في شخص راسبوتين فتعالى هتاف الشعب "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس" أما الإسلام فهو محصن في أرضه ..

وليس أمامنا من مدخل إلا اجتذاب الشباب لصفوفنا، ورهن خزائن الدول بديوننا .. والضرب على نغم الشرق الحزين الذي عانى من استعمار الغرب طويلا ... ويكفيني هنا ما ذكره المؤتمر الثاني عشر للحزب الشيوعي بروسيا فقد أقر المؤتمر بخصائص الإسلام باعتبار أنه نظام اجتماعي، وقال إن نفوذ الإسلام وتأثيره في روسيا كانا لأسباب عدة تاريخية، واقتصادية أقوى من تأثير الكنيسة الأرثوذكسية ...

ولذلك رأى المؤتمر الأخذ بطريقة الشرح الصبور وإلغاء الدين بالوسائل الإدارية، وكانت أول خطوة اتخذها هي إصدار بيانات ضد الرسول "لم يكن هناك محمد إطلاقا" ثم تصوير أبي جهل عدو الرسول بأنه صاحب نظرية ثورية اشتراكية .. وأنه كان يمثل الطبقة الكادحة في مكة ...

والعجيب أن هذا الموقف المعادي للديانات لم يطبق إلا على المسلمين، أما اليهود فقد عاشوا في حظيرة لينين وتروتسكي وستالين والقادة السوفييت جميعا .. ومما سجله لينين على نفسه تلك المحادثة التي دارت بينه وبين وايزمان في زيورخ قال لينين "يتوقف على نجاح الثورة الاشتراكية في روسيا تحرير اليهود من كابوس ملوك أوروبا وحكامها ..

ورفعهم إلى أعلى المناصب في الدولة ... وفرض احترامهم وشخصيتهم على العالم – وسوف تحقق الثورة للشعب اليهودي ما لم تحققه الثورة الفرنسية سنة 1789 ..."

وكان رد وايزمان "إن فتح أبواب الشرق لاستقرار اليهود في فلسطين، يتوقف بالدرجة الأولى على تدمير الإمبراطورية العثمانية" والعجيب في الأمر أن كل هذه القوى على اختلاف نظمها الاجتماعية ومصالحها تتفق في مواجهتنا، فكما ذكرنا أنه في سنة 1917 بعد إعلان بلفور لتصريحه المشئوم بادر رئيس الولايات المتحدة بالتأمين عليه، ووجه نداء للشعب الأمريكي يهنئه فيه بهذا النصر.

وفي نفس العام وعلى الطرف الشرقي من أوروبا أي في موسكو كان لينين يعد قراره الذي ذكرناه بتأييد قيام إسرائيل في أرض العرب ...

ثم يتأكد هذا التحالف بعد ذلك في هيئة الأمم بعد ثلاثين سنة بإقرارهم مشروع التقسيم ... وأخيرا وبعد عشرين سنة يتفق الجميع في مجلس الأمن على مشروع أمن وسلام دائم لإسرائيل واعتراف بحدودها وضمان هذه الحدود من الدول الكبرى التي أيدت تصريح بلفور وأيدت تقسيم فلسطين.

وأعود ثانية وأقول وماذا بعد ... بعد أن تأكد لنا عداء الشرق والغرب، وتأكد لنا تآمرهم الدائم، وحرصهم على فرض إسرائيل علينا لتمزق تجمعنا البشري ..

ماذا نفعل ..!

لقد تحدثت في هذا الكتاب عن معركة القناة ... وأكون ظالما للحقيقة إذا فصلت بين هذه المعركة التي وقعت سنة 1951 وبين الصليبية، وبينها وبين ما يجري الآن في القناة على ضفتها الشرقية، وما يجري في الأمة العربية كلها.

إن النظرة المتعمقة والتي تحاول أن تنفذ من أستار الزمن وتستكشف الماضي ثم تمضي به إلى أن تلتقي مع زماننا هذا، ثم تطل من الماضي والحاضر على المستقبل ... هذه النظرة نكاد نفقدها تماما ... وأنني هنا لست بسبيل العتب على أحد، لأنني أحد الذين شاركوا في هذه النتيجة ... كما أنني واحد من الملايين الذين كان ينبغي عليهم أن يعمقوا الدراسة والبحث ويخلصوا إلى نتائج حية ...

أقول إن عدد الدارسين في منطقتنا ضئيل لدرجة مرعبة، وعدد العقائديين يمثلون نسبة ضئيلة من المثقفين .. أما أصحاب العقيدة الحية السليمة فهم قلة من القلة ...

فإذا التمسنا العاملين منهم لبدأنا العد من المئات لا الآلاف ولا الملايين .. وأظنه لا يعنيني أن أنقل عن عدو لنا جميعا وهو موشي دايان الذي قال "إن العرب لا يقرأون" وكان حديثه هذا تعليقا على سؤال وجهه إليه أحد الصحفيين عن سبب إعلانه عن خطة هجوم عسكرية سيفاجئ بها العرب بعد فترة زمنية من حرب سنة 1956 ...

فنحن للأسف لا نقرأ ... وإذا قرأنا التمسنا أيسر القراءات، فإذا فكرنا في العمل لم نجد زادا فكريا أو خطة محكمة ... فتكون النتيجة الفشل والهزيمة والضياع ...

أعود فأقول إننا في حاجة لدراسة متعمقة وفاحصة، وفي حاجة إلى "دعوة إلى تفكير عام" ... وفي حاجة إلى تخطيط متكامل وخطة مدروسة ثم عمل دائب متصل ...

في حاجة إلى أن نضع تفسيرا لما يحدث في منطقتنا على ضوء الحروب الصليبية، وعلى ضوء النظرة العنصرية التي يتمسك بها أبناء الغرب ... وعلى ضوء الفلسفة الاستعمارية التي ذكرنا بعضها وعلى ضوء الزحف الأحمر والأصفر ... وعلى ضوء واقعنا من جميع جوانبه ...

يجب أن نصل إلى أعماق أبناء أوروبا وأمريكا وروسيا، ثم ندرس أنفسنا بوضوح وصراحة ... ثم نقول هذا هو عدونا ... وأعني به هنا عدونا في الداخل والخارج، أي عدونا الذي يخطط لنا في الخارج وعدونا الذي يخرب علينا من الداخل ...

وأقف هنا بصراحة لأقول إن أبناء أوروبا وأمريكا وروسيا والصين ليسوا جميعا يقفون منا في مواقع الأعداء ... كما أقول ليس كل أبناء مصر والشام والمغرب والباكستان يقفون معنا في خط الدفاع ... إنني أرفض هذه النظرة المستبدة والتي ستحولنا مع الزمن إلى عنصريين من عباد الأرض والحجر والآباء والأجداد ... إن عدوي الأول من ينكر الحرية والعدل ...

وعدوي من يؤمن بالبغي والظلم وعدوي من يتعصب على غير هدى أو فكر .. أما صديقي وأخي فهو من يؤمن بالله ويعبده على حق وهو من لا يمنعني حريتي، ومن يتفق معي في حرب البغي والظلم والاستبداد ...

وعلى ضوء هذا المقياس الإنساني الكبير ... يمكن أن أمد يدي يوما ما عبر البحار، وأصافح بحب وإخلاص شباب الصين والهند وأمريكا أوروبا وروسيا ... وبهذا المقياس يمكن أن أمد خنجري إلى صدر جاري وابن بلدي إذا تحدى مثلي وصادق عقيدتي.

سيقول البعض .. إن هذه أحلام وأفكار خيالية ... أقول إن من يكتب هذه السطور كان يمكن أن يولد في أمريكا أو روسيا ... وكان يمكن أن يكون مع الروس والأمريكان الذين يقاتلوننا في فلسطين ... لكن رحم الله رجالا دفع بهم عمر إلينا فعمروا الأرض بكلمة الله، وأشعلوا في كل قلب شمعة من إيمان .. وكنا بفضل الله من أصلابهم ..

فهم فكرنا في الانتشار في الأرض ندعو الناس لدين يعطي الناس السلام والأمن والطمأنينة "الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" ... سيقول ذلك عمر وأقول لقد كان من رؤوس الكفر فأصبح رأس الإيمان – إن عمر صنعه القرآن، والقرآن قائم وسنة الرسول وكلماته تسعى بيننا مؤذنة بميلاد عمر جديد... سيقولون ..

إننا لا قبل لنا بأمريكا وأوروبا .. وأقول لم يقل حفاة مكة لا قبل لنا بفارس والروم .. سيقولون إن كفر اليوم جبار عنيد ... وأقول هو كفر أبي جهل وأبي لهم تماما.

والسؤال الذي سيظل حائرا بيننا ... كيف نبدأ هذا العمل الكبير وهو دعوة العالم أجمع إلى الإسلام!! ونحن هنا نحاول أن نصد غارات صليبية استعمارية استغلالية وشيوعية حمراء وصفراء ... نقول إننا نملك يدين ليكن في واحدة مصحف ولتمسك الأخرى بمدفع ... ونقف على باب البحر الأبيض نمد يدا بيضاء بالمعرفة والعلم والخير، ونمد يدا أخرى تصد كل معتد أثيم ...

وهنا أقف أمام نفسي محاسبا إياها .. إنني بدأت كتابا عن معركة القناة وانتهيت إلى حديث عن عقيدة .. فما هي العلاقة بين هذه وتلك! وسؤال ثاني إنني لم أتحدث عن وسيلة تحرير القناة والقدس والجولان!

حسابي هذا بادرت بوضعه أمام القارئ حتى أكون أكثر وضوحا وحيوية والجواب يقول إن معركتنا عقائدية بحتة .. وهي ليست في مواجهة "دولة إسرائيل" لأننا لا نؤمن بوجودنا أصلا ...

ولعل دايان عبر عن هذا المعنى في حديث له مع إحدى الصحف قال "إن النزاع بيننا وبين العرب سيظل دون حل لأن الحرب قائمة لا تدور حول نهر أو تبة وإنما تدور حول صميم حقيقة وجود دولة يهودية في الشرق الأوسط ..".

ومن البخل على القارئ ألا أضع الكلمة الخالدة التي قالها السلطان عبد الحميد سنة 1901 يوم أن ساومه "هرتزل" على قضية فلسطين نظير مبلغ من المال وكانت الأزمة آخذة بخناق دولته قال السلطان:

انصحوا هرتسل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني بل ملك شعبي، لقد ناضل الشعب في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه فليحتفظ اليهود بملايينهم وإذا مزقت إمبراطوريتي يوما فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن ...

أما وأنا حي فإن عمل المبضع في يدي لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي لن يكون .. إني لا أستطيع الموافقة على تسريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.

وليست معركتنا مع أمريكا لأنها تساعد "إسرائيل" أو لا تساعدها وليست مع روسيا والصين لأنهما تنسلان إلى داخل أرضنا .. إن معركتنا تنتسب إلى عقيدة ترفض التبعية لهؤلاء جميعا "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" تؤمن بأن الولاية لا تنعقد إلا لمن كان على هدى وبينة ..

وتؤمن بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ... وكل الذي يحدث في الشرق عكس هذا تماما الولاية نعطيها "للدول الكبرى" و "هيئة الأمم" ودول عدم الانحياز و "نيكسون" و "بريجنيف" والأرض نعطيها لهم بخيرها وحصادها من الذهب الأسود ...

والفكر نخضعه لماركس أو ماوأو للخنافس الأمريكية ... وحتى نبدأ معركة صادقة يجب رفض الولاية والتبعية من صدورنا ثم التصدي بكل قوة لمن يحاول أن يفرضها علينا، وحينئذ فقط ستهرب الذئاب والكلاب والدببة من أرضنا يوم أن يقول كل رجل منا في كل صباح وبعد أن يؤدي صلاته أنا صاحب هذه الأرض كلها لا شريك لي فيها ..

ويمضي إلى مصنعه ومعهده، يقرأ كلمة ويصنع رصاصة .. يومها سيهرب كل أعدائنا من أرضنا .. وبغير هذا لن نكون ولن تكون لنا حرية .. ولن يخرج عدو إلا ليرثه آخر، ولن تملك أرضا أو بيتا أو عرضا ...

لتسقط نداءات "السلام والحدود الآمنة" ولتسقط نداءات "الدولة العلمانية" ولترتفع نداءات سجلها القرآن على صدورنا "الله أكبر".

بقي حديث قصير عن الوسيلة ... والوسيلة مفتوحة لاجتهادنا وتقديرنا وحكمتنا وسياستنا ... ما دامت كلها تصدر عن قلوب متفتحة مشرقة.

وبكل بساطة أقول إن إرادتنا مع حدود إمكانياتنا قادرة على تحقيق نصر ولو بعد مائة سنة .. ولكن حذار أن نغفل المصحف والمدفع حتى لا تتجدد حروب صليبية بعد ألف سنة جديدة ..

للكتاب بقية في صدري وفي صدرك في قلبي وفي قلبك، في عقلي وفي عقلك .. وهي لا تكتب إلا بالجهد والعرق والدم وإطارها الحب الكبير.