الإخوان ومفهوم الوطنية الشامل
مقدمة
من لا تاريخ له لا حاضر له، فللتاريخ دور كبير في التوعية القومية، كما أنه دوماً الحافز الدافع للإنسان أن يتقدم ويحرز شيئاً.
وبلا شكّ أن علم التاريخ كباقي العلوم يستند على حقائق علمية ثابتة من خلال الأدلة المروية عن المكان والإنسان، ومن خلال الأدلة المشاهدة الماثلة للعيان والتي أخرجها للضوء علم الآثار بتنقيباته وحفرياته، كما أنه يقوم بتأصيل الأحداث والوقائع الهامة التي مرت على الأرض سواء قبل الحياة البشرية، وكذلك الأحداث التي جرت بسبب الإنسان وهو ما يعرف بالتاريخ البشري أو التاريخ الإنساني.
وعلم التاريخ يعطي تصوراً دقيقاً وواضحاً عن التجارب التي مر بها الإنسان، وبالتالي تكون هذهِ الدراسة باباً من تجنب ما وقع به الأقدمون من الأخطاء والتي جرّت عليهم الويلات والدمار كما أن هذه التجارب تُفيدنا للتخطيط المستقبليّ.
غير أن كثير من الأحداث التاريخية كتبها المنتصرين أو الأقوياء أو أصحاب السلطة أو من يحيطون بهم من المنافقين وأصحاب الهوي، ولذا تجد كثير من الأحداث التاريخية يشوبها الكذب والتدليس، مما يعرض التاريخ للتشويه وعدم الوقوف على أحداث الماضي بحقيقتها والتعلم منها وتجنب الأخطاء التي وقعت في الماضي لما شابه هذه الأحداث من كذب وتدليس.
وفي هذه المقال لنا وقفه مع الكم الهائل من الكذب الذي سطره مؤرخوا السلطة في العصر الحديث، من أجل تمجيد الحاكم والطعن في مصداقية معارضيه، حتى وصل الحال باتهامهم بالخيانة تارة، أو بالإرهاب تارة أخرى، أو بالعمل على بلوغ السلطة بأى وسيلة. وعجبا قالوا .. كأن من في السلطة لم يسع للوصول للسلطة، أو كأن هؤلاء الأفاكين والمأجورين لا يريدون الوصول للسلطة.
ولقد رأينا كثير من المنافقين والمداهنين للأنظمة الحاكمة يسطرون الاتهامات مثلا لجماعة الإخوان المسلمين حول قضية الحركة الوطنية وأنهم كانوا منفصلين عن هذه الحركة، وقصروا مفهوم الحركة الوطنية على العلمانيين والشيوعيين وبرامجهم، وما دون هؤلاء من مشاريع أخرى فهي ضد الحركة الوطنية.
لا أحد أبدا ينكر أن للإخوان أخطاء سواء تجاه أنفسهم أو منهجهم أو فهمهم لبعض القضايا التي تخص الدولة، وهذا ليس لبعدهم عن الوطنية، لكن هى اختلاف في وجهات النظر في تناول قضايا الوطن أو التعامل معها، ولم يجبروا أو يفرضوا رؤيتهم على أحد ليأخذ بها، كما يريد العلمانيين والشيوعيين فرض أجندتهم ورؤيتهم على الجميع وأنها الصواب الذي لا يأتيه الباطل أبدا.
الوطنية في فكر الإخوان
عمد الإمام حسن البنا إلى تربية الإخوان المسلمين على حب أوطانهم، وأن يكونوا أشد الناس إخلاصًا لها، وتفانيًا في خدمتها، واحترامًا لكل من يعمل لها مخلصًا، انطلاقا من وطنية النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتي تجلت حينما أخرجه أهل مكه منها فوقف معبرا عن وطنيته وحبه لبلاد قائلا: "والله إنك لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك" (الترمذي والنسائي).
وهو ما انطلقت منه وطنية الإخوان المسلمين نحو بلادهم الصغير والكبير، لكن مع ذلك – وحتى لا يستمع أحد لدعاة القومية - يقرر أن هناك فروقًا بين الوطنية كما يفهمها، وبين دعاة الوطنية المجردة
فيقول:
- إن الذين يظنون الإسلام يهدم الوطنيات مخطئون؛ لأنه يفترض على أبنائه حماية أرضهم، وإن الذين يظنون أن الإسلام عصبة خطيرة على العالم مخطئون؛ لأنه أخوة توحد بينهم وتسوى صفوفهم. (1)
ثم أكده ذلك بقوله:
وإن دعوتنا إلى تقوية الوحدة العربية، وتحرير الشعوب الإسلامية، أمر تفرضه علينا مصلحتنا الوطنية ورابطتنا القومية، كما يفرضه كذلك الشعور الإنساني الذي يجب أن يؤمن به كل إنسان في هذا الوجود، ويفرضه الإسلام ويحتمه ويدعو إليه. (2)
إن الوطنية والعمل لها أمر تحتمه الشريعة الإسلامية بل تفرضه على كل مسلم، وهو ما نمى هذا الشعور لدى الإخوان المسلمين فتصدورا كثير من القضايا الوطنية وتقدموا صفوف الحركات الداعية والعاملة لها. ولقد وضع حسن البنا أسس تنمية هذا الشعور الوطني في جماعته والمحيط المجتمعي الذي كانوا يعملون فيه
حيث يقول:
- إن أول وسائلكم: الإيمان القوى بهذه الحقوق، وتعرفها بالإجمال والتفصيل، وحفظها والمحافظة عليها، فتعرفوا جيدًا حقوقكم وأهدافكم، وآمنوا بها من أعماق قلوبكم، ولا تقبلوا فيها مساومة ولا جدلاً، ثم انشروا هذا الإيمان فى كل نفس، وصلوا به إلى كل قلب
- وستعمل قيادة الإخوان على ذلك، وستكافح هذه الأمية الوطنية مكافحة لا تدع لها وجودًا، وسندفع بدعاة الإخوان وشباب الإخوان إلى القرى والنجوع والعزب والكفور والمدن والأمصار ليذيعوا فى الشعب حقه وليجمعوه عليه، وستكون الحقوق الوطنية سورًا تحفظ، وأناشيد ترتل، وأورادًا تردد، وسنحفظها للناس كما نحفظهم فاتحة الكتاب. (3)
ثم يؤكد هذا المعنى الوطني بقوله:
ويخطئ من يعلن أن الإخوان المسلمين يتبرمون بالوطن والوطنية؛ فالإخوان المسلمون أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم، وتفانيًا فى خدمة هذه الأوطان، واحترامًا لكل من يعمل لها مخلصًا. (4)
لقد اختلف حسن البنا والإخوان عن باقي الحركات والأحزاب السياسية والحركات الوطنية في النظرة لمفهوم الوطنية حيث عمد بعض العلمانيين والشيوعيين على قصرها على الوطن الواحد فقط دون غيره من الأوطان العربية أو الإسلامية وشعوبها
مما يخلق الأنانية فيما بين هذه الشعوب، ومن ثم صاغ البنا أهم النظريات السياسية والاجتماعية المعاصرة في تعدد وتكامل دوائر الانتماء الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية مع الإشارة إلى دور مصر الرائد والقائد في تحقيق هذه الوحدة المنشودة لأمة الإسلام
فيقول الأستاذ البنا تعريفا بمعاني الوطنية الحقيقية:
وطنية الحنين
إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز فى فطر النفوس من جهة، مأمور به فى الإسلام من جهة أخرى.
وطنية الحرية والعزة
وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد فى تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له، وغرس مبادئ العزة والحرية فى نفوس أبنائه، فنحن معهم فى ذلك أيضًا، وقد شدد الإسلام فى ذلك أبلغ التشديد.
وطنية المجتمع
وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية فى مصالحهم، فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضة لازمة. (5)
لم يعرف الإخوان الوطنية الحزبية التي كانت تنادي بها بعضو الأحزاب، والتي يحاول منافقي السلطة الترويج لها وغرسها في نفوس الشعوب، حتى بلغت بنا العصبية ضد ما هو عربي وإسلامي، وانتشرت القومية فسمعنا الفرعونية والخليجية، وأصبح العلمانيين والشيوعيين والقوميين ينادون بالمصرية والمغربية والليبية
حتى وصلت برئيس وزراء مصر محمد محمود باشا حينما سأل عن القضية الفلسطينية عام 1938م أن قال "أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين"، وهي النعرة التي ندد بها حسن البنا والإخوان
فقال:
- وإن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلى طوائف تتناحر، وتتضاغن، وتتراشق بالسباب، وتترامى بالتهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء، وشكلتها الغايات والأغراض، وفسرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية، والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته
- ويزيد وقود هذه النار اشتعالاً، يفرقهم فى الحق ويجمعهم على الباطل، ويحرم عليهم اتصال بعضهم ببعض وتعاون بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به والالتفاف حوله، فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زواره، فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس.
- فها أنت قد رأيت أننا مع دعاة الوطنية، بل مع غلاتهم فى كل معانيها الصالحة التي تعود بالخير على العباد والبلاد، وقد رأيت مع هذا أن تلك الدعوى الوطنية الطويلة العريضة لم تخرج عن أنها جزء من تعاليم الإسلام. (6)
وأضاف:
- إن الذين يظنون الإسلام يهدم الوطنيات مخطئون؛ لأنه يفترض على أبنائه حماية أرضهم، وإن الذين يظنون أن الإسلام عصبة خطيرة على العالم مخطئون؛ لأنه أخوة توحد بينهم وتسوى صفوفهم، وإن الذين أدركوا الإسلام حق الإدراك علموا أنه - بحق - صيانة للوطن ورحمة للعالمين. وهى كلمة حكيمة سمعتها من سياسى كبير تشربت روحه بفضائل الإسلام لا تزال ترن فى أذنى، وستظل كذلك لما فيها من روعة وعذوبة، إنه قال فى إيمان عقيدة: "لو عرف الناس الإسلام حق معرفته لعلموا أنه دين وجنسية" (7)
لم يكتف الأستاذ البنا بالتربية النظرية بل وضع الأطر العملية للمجتمع والحكومات لتخليص البلاد من التبعية الاستعمارية والحصول على الاستقلال الوطني فطالب باستقلال النقد، وتمصير الشركات، واستغلال منابع الثروة، والتحول إلى الصناعة فورًا، ومحاربة الربا، وتشجيع الصناعات المنزلية. (8)
ويقول الأستاذ عمر التلمساني:
وليس معنى حب الوطن التنكر للمسلمين في العالم كله، أو أننا لسنا امة واحدة .. لا .. فإن المسلمين على اختلاف أفكارهم امة واحدة كما يقول القرآن الكريم "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"، إننا يجب أن نحب وطننا وليس معنى هذا الحب أن نتعصب للوطنية.
- إن الكلام عن الوحدة الوطنية، أمر ليس له معنى، ودردشة غير ذات موضوع، ذلك لأن المقيمين على أرض وطن واحد مفروض فيهم أنهم جميعًا يحافظون على كرامة هذا الوطن، الوحدة الوطنية التي يحرص عليها كل مواطن مخلص، تجد لها في ظل الشريعة الإسلامية دعائم راسخة وضمانات واسعة، توقف كل مسلم عند حده إذا ما اعتدى على غير المسلم أو انتقصه حقه أو كلفه مالا يطيق أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس. (9)
نماذج من وطنية الإخوان
لقد التصق الإخوان بجميع الحركات الوطنية وقضايا الوطن وكانوا فاعلين في هذا الصدد، بل كانوا حصان طرواده في التفاعل مع قضايا الوطن حيث نادوا بالتخلص من الاستعمار الغربي ووحدة وادي النيل وحاربوا الحركات الهدامة التي انتشرت تحت رعاية المستعمر
وذلك في الوقت الذي كانت الأحزاب المتربعة على السلطة والتنافسة معها يتنافسون في بلوغ السلطة حتى ولو على أسنة المدافع الإنجليزية كما حدث مع حزب الوفد في الحادث الشهير يوم 4 فبراير 1942م حينما حاصرت الدبابات البريطانية القصر الملكي لاجباره على تكليف النحاس باشا بالوزارة.
لقد كان الإخوان في مقدمة الصفوف دفاعا عن القضايا الوطنية لمصر أو الوطن العربي أو العالم الإسلامي – وقد شهد له القاصي والداني بذلك – وكان من نماذج تفاعل الإخوان في الحراك الوطني مثلا – دون متاجرة كما يفعل الكتاب المنافقون أو الانتهازيون – موقفهم من الانسحاب من انتخابات البرلمان عام 1943م حينما هدد الإنجليز النحاس باشا بعدم ترشح الشيخ البنا وإلا أعادوا احتلال القاهرة، حتى أن النحاس تعجب من هذا الطلب. (10)
وفي جلسة بين النحاس باشا والأستاذ حسن البنا بفندق مينا هاوس، وصارح النحاسُ الأستاذ المرشد بحرج الموقف، وطلب منه التنازل عن الترشيح لمصلحته ومصلحة البلاد. وحينما تجلت ووضحت الصورة أمام الأستاذ البنا والتي استشعر خطورة الموقف قرر التنازل عن الترشح إيثار لمصلحة الوطن، لكن طلب في مقابل ذلك بعض المطالب – أيضا – الوطنية كإلغاء البغاء، وتحريم الخمر.
أيضا موقفهم من القضية المصرية، حيث عملوا أولا على التوعية بها ورفع درجة الوعي لدى الشعب، ثم طالبوا الحكومات بالعمل على التحرر من الإستعمار وقطع المفاوضات مع المستعمر.
وحينما ذهب النقراشي باشا لمجلس الأمن لعرض القضية المصرية لني الاستقلال حرك الإخوان المظاهرات الداعمة للنقراشي رئيس الوزراء، بل أوفد الأستاذ البنا مصطفى مؤمن إلى مجلس الأمن ليدعم القضية المصرية حيث خطب في شرفة الأمم المتحدة وحرك المظاهرات خارج المبني وظل كذلك حتى أخرج من أمريكا كلها فاتجه لبريطانيا حيث حرك المظاهرات الداعمة لموقف مصر.
وحينما أرسل النحاس باشا رسالة لرئيس مجلس الأمن يعتبر النقراشي باشا غير ممثل لصوت الشعب المصري انتفض الإخوان واعترضوا على هذه الرسالة في هذا التوقيت مما اضطر الأستاذ البنا لإرسال رسالة وبرقية تؤكد دعم الإخوان والشعب المصري لموقف النقراشي في عرض القضية المصرية جاء فيها:
جناب رئيس مجلس الأمن - ليك سكس
يستنكر شعب وادى النيل البرقية التى بعث بها إلى المجلس وإلى هيئة الأمم المتحدة رئيس حزب الوفد المصرى ويراها مناورة حزبية لا أثر للحرص على الاعتبارات القومية فيها (11)
ولم يكتف الإخوان بذلك لكنهم عقدوا المؤتمرات من أجل دعم القضية المصرية حيث بدأوا ذلك بالمؤتمر الأول في القاهرة في شوال 1364هـ الموافق أكتوبر 1945م حيث حضره ما يقرب من 40 ألف وقد عقبه ما يزيد عن 7 مؤتمرات أخرى دعما للقضية المصرية.
بل إنهم انتشروا في طول البلاد وعرضها من أجل التوعية بالقضية المصرية ومحو أمية الشعب فيها والتي عرفها الإمام البنا باسم الأمية الوطنية، ولذا وضع ما أسماه بالورد الوطني ليحفظه الشعب كله. (12)
لم يكتف الإخوان على ذلك بل قادوا التظاهرات في طول البلاد وعرضها أيضا تنديدا بالاحتلال والمطالبة بالاستقلال ووحدة وادي النيل مصر والسودان، حيث أطلق البنا على التظاهرات أسماء كيوم النداء في فبراير 1946م، والتي وقعت فيه مذبحة كوبري عباس الشهير واستقالت وزارة النقراشي على خلفيتها.
كما نادى بيوم الجلاء يوم 21 فبراير ويوم الفداء والحداد الوطني يوم 4 مارس والذي شهد مظاهرات صاخبة، كما طالبوا بشطب اللفتات المكتوبة بالإنجليزية وكتابتها بالعربية، كما طالبوا الشعب بمقاطعة المنتجات البريطانية فيما سمى بيوم الحريق، كما طبعوا ملايين من شارات الجلاء ووزعوها على الشعب المصري ليرتديها.
كما تقدم الإخوان بخطابات ومراسلات إلى الحكومات يطالبونهم بوقف المفاوضات والتوحد مع الشعب ووضع استراتيجية لاخراج المحتل وعرض القضية على مجلس الأمن.
كما كان حسن البنا أول من طالب بتأميم قناة السويس وجعلها مصر وتحت الإدارة المصرية حيث قال: وإن قناة السويس جزء من أرضنا يجب أن نقوم نحن بحمايته وحراسته، وإن مرافق بلادنا الاقتصادية من حقنا وحدنا أن ننصرف فى الانتفاع بها كما نشاء. (13)
وحينما تعهد إسماعيل صدقي بحمل القضية المصرية على عاتقه والدفاع عنها وقطع المفاوضات والعمل على الاستقلال دعمه الإخوان، لكن ما إن نكس على عقبيه وعاد للمفاوضات خرج الإخوان في مظاهرات في جميع الجامعات والمحافظات مطالبين الملك بإقالة صدقي باشا، فكان رد صدقي باعتقال المئات من الإخوان المسلمين والزج بهم في السجون، حتى أنه حاصر المركز العام واعتقال وكيل الجماعة الأستاذ السكري – وذلك كما ذكر محسن محمد.
كما قام الإخوان بعمليات نوعية ضد الجنود الإنجليز داخل القاهرة في أعياد الميلاد مما شكل ضغط على القوات البريطانية في القاهرة. (14)
وإليك نموذج أخر من نماذج تفاعل الإخوان مع الحركة الوطنية، وفي رد على ما حاولت بريطانيا إثارته حول حكومة مصر والسبب في عدم انسحابها
حيث كتب يقول:
- وسواء أكانت حكومة مصر ديموقراطية، أو ديكتاتورية، فإن الشعب المصرى يعلن على الملأ أمام هيئة الأمم المتحدة أن ذلك أمر يعنيه وحدة ولن يسمح لأية دولة أجنبية أو هيئة دولية أن تتدخل فى أخص شئونه الداخلية فله وحده الحق فى أن يختار نوع الحكم الذى يريده طبقا لميثاق الأطلنطى، ومبادئ هيئة الأمم، وله وحده الحق فى أن يفرض على حكومته ما يريد وأن يؤاخذها على كل تقصير بما يراه.
- يعلن كذلك أن حقوقه الثابتة فى الجلاء التام عن مصره وسودانه والحرص الكامل على استقلاله أمر لا يقبل جدالاً ولا مساومة، وأن الوحدة الدائمة بين شماله وجنوبه حقيقة واقعة وضرورة لا محيص عنها ولا يحول بينها وبين الظهور على حقيقتها وروعتها إلا هذه الإدارة المتعالية التى فرضتها بريطانيا عليه بألا تراه والتى طلبت الحكومة المصرية فى عريضة دعواها إنهاءها، وأشارت إلى بطلان المعاهدة التى سجلتها بريطانيا، والتى لم يرض عنها الشعب المصرى ولم يسلم بها يوما من الأيام. (15)
ولقد تجلت الروح الوطنية والاعتزاز بروح الوطن في كثير من أعضاء الإخوان المسلمين، حيث اشتعلت نار الوطنية في قلوب الإخوان فأبوا حتى على أهل الغرب أن يهينوا وطنهم أو ملكهم وركز بلادهم أمامهم فكانوا نموذجا للجميع
فيذكر الأستاذ البنا في مذكراته:
أن المسيو (سولنت - مهندس القنال ورئيس قسم السكسيون) استدعى الأخ حافظ ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله وسأله عما يطلب من أجر فقال: 130 قرشًا، فقال المسيو "سولنت" بالعربي: "أنت حرامي"، ثم سب ملك البلاد فانتفض حافظ ورفض العمل دون أن يعتزر المسيو ووضح له – كما هى القصة المعروفة – أنه سيأخذ حقه وحق وطنه، وانتهى الأمر بعدما قدم المسيو اعتذاره أمام إصرار الأخ حافظ. (16)
وحينما قام النحاس باشا بألغاء معاهدة 1936م اندفع شباب الإخوان لتكبيد قوات المحتل البريطاني الخسائر في مدن القناة – وذلك بشهادة الجميع – حيث اعترفت بريطانيا بهذه المقاومة الشرسة التي شنتها جماعة الإخوان المسلمين على القوات البريطانية
حيث كتب الصحفي الإنجليزي جوردن ووتر فيلد – كان يعمل صحفيا بالقاهرة ثم رئيسًا لتحرير جريدة الإيجبشيان جازيت – يقول:
- تلك المعركة التي خاضها شباب الإخوان اضطرت رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل إلى قطع إجازته والعودة إلى لندن ليشرف بنفسه على خطط وزارة الدفاع البريطانية لمواجهة تزايد أعمال المقاومة التي كان يقودها الإخوان المسلمون ضد القوات البريطانية في مصر". (17)
أيضا المستشار محمد المأمون الهضيبي كان يعمل رئيسا لمحكمة غزة عام 1956م، وشارك فى أعمال المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956م، وقد وقع في الأسر لدى اليهود، وكان الفريق محمد فؤاد الدجوي هو الحاكم العسكري لغزة وقد وقع في الأسر أيضا
وقد حاول اليهود مع المستشار الهضيبي أن يقول لفظ في وطنه فأبى ورفض الخضوع والخنوع للمحتل الصهيونى، وهذا بخلاف الفريق الدجوي الذي بكى مثل الأطفال بعدما سلم نفسه وجيشه لهم وأذاع من إذاعتهم أن مصر تُحكم حكمًا دكتاتوريًّا وأن الجيش المصري لا يصلح للحرب، كما أرشد المحتل على البنية التحتية للدولة والجيش في المدينة.
يقول مصطفى أمين:
- استدعاني الرئيس جمال عبد الناصر، وطلب مني أن أركب وحدي أول طائرة مصرية مدنية تغادر مصر أثناء العدوان، وأن أحمل معي صور العدوان وأنشرها في جميع أنحاء العالم.. ووصلت إلى مدينة نيويورك وفوجئت بجميع تليفزيونات أمريكا تعرض فيلمًا للواء فؤاد الدجوي حاكم غزة
- وهو يستسلم للجيش الإسرائيلي، كان الفيلم مُهينًا للجيش المصري ولمصر كلها، وكان الحاكم المصري يقف ذليلاً أمام ضابط إسرائيلي يقدم له خضوعًا، ويثني على الجيش الإسرائيلي وشجاعته وقوته ومروءته وإنسانيته، ويدلل على هذه المروءة بأن زوجته كانت مريضةً وأن اليهود نقلوها إلى مستشفى في تل أبيب لإجراء عملية جراحية لها.
- هل يغفر لهم كل هذه الجرائم من أجل أنهم أجروا عمليةً جراحيةً لزوجة الدجوي؟! مع وجود أطباء مصريين أخصائيين ومستشفى مصري مجهز بجميع الأجهزة؟! وقد طلب منه الأطباء أن يجروا لها العملية وهي كيس دهني ولكنه رفض، وطلب نقلها إلى تل أبيب، والأطباء المصريون شهود الحادث أحياء يرزقون.
- وعندما عدت الى القاهرة، ورويت للرئيس ما قال اللواء الدجوي في التليفزيون قال لي الرئيس إنه سمع بنفسه في الإذاعات هذه الأقوال نفسها وصوت الدجوي نفسه من محطة إسرائيل، وإن الدجوي أسير حرب في إسرائيل الآن، وإنه ينتظر عودته مع الأسرى ليحاكمه محاكمةً عسكريةً وليُضرب علنًا بالرصاص.
- وعاد اللواء محمد فؤاد الدجوي من الأسر، ولم يحاكَم، ولم يعدَم رميًا بالرصاص..!! وفوجئتُ بعد ذلك بأن الاختيار يقع دائمًا على الدجوي ليكون قاضيًا في أي محاكمة يرى المسئولون أن أدلتها ضعيفةٌ أو لا أساسَ لها. (18)
أخيرا
كان واضحا منذ نشأة الحركات الإسلامية والوسطية أن هناك صراع خفي سيصعد على الساحة بين دعاة المنهج الإسلامي ودعاة التغريب والعلمانية والشيوعية، ومحاولات الاقصاء والتخوين من قبل كتابهم أو مؤرخيهم من أجل التدليس في تسطير سطور التاريخ والعمل على تغيب الوعي لدى الناس من أجل خدمة الأنظمة الحاكمة سواء كانت استعمارية أو ملكية أو عسكرية، ما دامت ارتبطوا بهذه الأنظمة بمصالح شخصية.
ومن ثم نحتاج لباحثين متجردين من أهواء لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء من أجل كتاب تاريخ موضوعي لمصر وبقية الوطن العربي والإسلامي من أجل دراسة الأحداث التاريخية وتلاشي أخطاء الماضي والوحدة بين الجميع من أجل النفع العام لا الصالح الخاص.
المراجع
- حسن البنا: مجلة الإخوان المسلمون: لعدد (12)، السنة الثانية، 14 ربيع الثاني 1353ه- 27 يوليو 1934م، صـ3.
- المرجع السابق: العدد (74)، السنة الثالثة، 14 ذو القعدة 1364ه - 20 أكتوبر 1945، صـ3.
- المرجع السابق.
- رسالة إلى الشباب، من رسائل الإمام البنا، دار الكتاب العربى، 1951م.
- رسالة دعوتنا، مجلة الإخوان المسلمون، العدد الثاني، السنة الثالثة، 20 محرم 1354ه - 23 أبريل 1935م، صـ3- 5.
- حسن البنا: مجلة الإخوان المسلمون، العدد (12)، السنة الثانية، 14 ربيع الثاني 1353ه - 27 يوليو 1934م، صـ3-7.
- المرجع السابق.
- رسالة مشكلاتنا فى ضوء النظام الإسلامي، المطبعة العالمية، د.ت، نشرت بتاريخ 30 ديسمبر سنة 1947م، صـ73-100.
- عبده مصطفى دسوقي، عمر التلمساني وقضايا الأمة : إخوان أون لاين، 28/5/2008
- روز اليوسف – السنة الثالثة والعشرين – العدد 1035 – 4 جمادى الآخرة 1367هـ - 13 أبريل 1948م– صـ14.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (375)، السنة الثانية، 4 رمضان 1366 ه/22 يوليو 1947م.
- حسن البنا: رسالة المؤتمر الشعبي الأول للإخوان المسلمين، صـ 656.
- حسن البنا: بيان من الإخوان المسلمين إلى شعب وادى النيل، جريدة الإخوان المسلمين، العدد (93)، السنة الرابعة، 8 ربيع ثان 1365 - 12 مارس 1946، صـ3- 4.
- فؤاد عبدالرحمن محمد البنا: الإخوان المسلمون والسلطة السياسية في مصر، رسالة دكتوراة، جامعة إفريقيا العالمية بالسودان، 1994، صـ668.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (374)، السنة الثانية، 3 رمضان 1366 ه - 21 يوليو 1947م
- حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2001، صـ86، 87.
- عبدالحليم الكناني: الشجرة الطيبة، الجزء الأول، دار الكلمة للنشر والتوزيع
- مصطفى أمين، صحيفة الأخبار، فكرة، 1979م.