الإمام حسن البنا في معسكر الإخوان بالعريش وقبيلة الفواخرية
مقدمة
لسيناء أهمية استراتيجية كبرى (خاصة شمال سيناء) حيث تمثل الحصن الشرقي لمصر وهو المعبر الذي عبرت منه معظم الغزوات التي استهدفت مصر سواء في التاريخ القديم أو التاريخ الحديث، كما أنها تمثل عمقا استراتيجيا لوادي النيل، وهو ما يدفع الدولة للحفاظ عليها وعلى أمنها لأنها الخط الأول للدفاع ضد الأخطار القادمة من الناحية الشرقي.
ولقد أهتم البنا بحدود مصر الشرقية والتي كانت تهددها الأخطار الصهيونية والتي غرست بأيدي المستعمر لتعمل على زيادة الفرقة بين الكيانات الإسلامية، وحذر من خطورة هذا الجسد الغريب الذي زرع بين البلاد الإسلامية، خاصة أنه لم تقتصر الدعاوي الصهيونية الزائفة على فلسطين فقط بل امتدت أطماع الصهيونية لتشمل العديد من الأقطار العربية، فحدود فلسطين كما تريدها الصهيونية هي من النيل إلى الفرات.
حيث كتب الأستاذ صالح عشماوي – وكيل جماعة الإخوان - إن قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية لتهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا. وحينما دعى الإخوان لتفعيل مقاطعة البضائع الصهيونية انتفض أهل العريش استجابة لهذه الدعوة.
تعرف أهل العريش على دعوة الإخوان بسبب دعوتهم إلى محاربة الصهاينة، فمن الثابت في الأوراق الرسمية لجماعة الإخوان أنه أصبح لهم شعبة في العريش قبل عام 1937م وكان نائبها فى ذلك التوقيت الشيخ رضوان محمد، وكانت سيناء تابعة للمنطقة الثالثة عشر للإخوان مع القنال، ثم اختير الشيخ محمد فرغلي عام 1940م رئيسا لمنطقة القنال وسيناء والعريش بجماعة الإخوان. والحقيقية الواقعية في هذه الفترة أن غزة كان تتبع إداريا لحكومة مصر، ومن ثم اعتبرها الإخوان امتداد لسيناء.
كانت معسكرات كتائب الإخوان المسلمين المشاركة في حرب 1948، والتي تمركزت في كل من العريش وسد الروافعة، أول تجمع ديني في سيناء وكانت هذه هي نقطة بداية وجود فكر الإخوان المسلمين وتنظيمهم في شبه الجزيرة.
معسكر الإخوان في العريش
حينما أعلنت جامعة الدول العربية عن تبنيها لحركة المتطوعين لحرب فلسطين سواء من المدنيين أو العسكريين، فتحت معسكر تدريب في العريش هو معسكر البريج بالقرب من غزة ليتجمع فيه المتطوعين واستكمال تدريبهم، وبالفعل تجمع فيه متطوعي الإخوان واستكملوا تدريبهم قبل الانتقال لفلسطين والاشتباك مع الصهاينة.
قبيلة الفواخرية
تعتبر قبيلة الفواخرية فى العريش محافظة شمال سيناء، من القبائل الكبيرة المعروفة عند جميع القبائل فى سيناء وخارجها.
حيث يقول المؤرخ أحمد أبو حج:
- إن نسب قبيلة الفواخرية فى العريش يعود إلى ثلاثة أجداد سكنوا العريش واستقروا بها فى أوائل الحكم العثماني، وتحديدا فى عام 1002 هجرية، كما تقول الوثائق الموجودة عند الفواخرية،وهم على الفقيه العقبى، وعبد الرحمن الفقية العقبى، وحمودة الفقية العقبى، وهم أخوة وهم من ذرية الأمير داود ابن ثبيت العمرو العقبى نسباَ، من عشائر العمرو من بنى عقبة القبيلة الجذامية القحطانية ذات الأصول العربية العريقة.
وتقول الوثائق والروايات ، أن أبناء الأمير داود الذين جاءوا إلى العريش، على أثر ثأر فيما بين عشائر القبيلة بينهم وبين أبناء عمومتهم فى شرق الأردن منطقة (عين الحصب) هم ثلاثة أخوة ومعهم إبن عمهم وهم محمد وعلى وعبد الرحمن وحمودة .
وسافر محمد إلى صعيد مصر ، ثم استقر بها وذريته موجودين هناك ومقيمين بمحافظات مصر ويطلق عليهم الفواخرية أيضاَ لأن جدهم حمل إسم الفواخرية لأنهم جميعهم جاءوا على منطقة الفاخورة بمدينة غزة هاشم حيث أقاموا بها بضعة أيام عند صاحب أوانى الفخار .
حيث كان يتم نقلها من غزة هاشم إلى العريش ، لذلك أطلقوا عليهم الفاخرية فى البداية وتحرفت الكلمة إلى أن أصبحت الفواخرية أو (بنى فخر) كما يقولها البعض الآن. وقد استقر الفواخرية منذ مجيئهم إلى العريش عند بئر عطوان جوار قلعة العريش.
وكان كبيرهم الحاج سمري مرعي يقطن في أول شارع جندل (أسوان حاليا) حيث يقول عبد العزيز الغالى عضو اتحاد الكتاب والمؤرخ السيناوى:
- يمتد من ميدان الشيخ جبارة (مسجد أبو بكر الصديق حاليا) بالفواخرية حتى محلات المرحوم عبد الوهاب بدوى .. حيث كان مغلقا ويقف عند هذا الحد ، ويقع فى أوله منزل الشيخ سمرى مرعى من كبار أعيان مدينة العريش من قبيلة الفواخرية والذى شهد تاريخا حافلا ..
- حيث استضاف صاحب المنزل وباسم أهالى العريش كثيرا من أقطاب ذلك العهد من رجال الحكم والسياسة والدين أمثال اللواء: محمد نجيب أول رئيس للجمهورية ، وكذلك النحاس باشا زعيم الوفد ، الامام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ، الشيخ الحافظ التيجانى مؤسس وشيخ الطريقة التيجانية.
الإمام البنا في معسكر العريش
ومن الزيارات الهامة التي قام بها الإمام البنا في هذه الفترة زيارته لمدينة العريش وبالتحديد معسكر العريش ليتفقد قوته ويستطلع أخباره ويحيي رجاله المجاهدين ويتفاهم مع الأخ الصاغ محمود لبيب بك قائد الكتيبة على أنسب التدابير لاجتيازها الحدود المصرية إلى فلسطين وأحسن المواقع الذي تقيم عليه معسكرها في الجبهة الجنوبية.
وفي منتصف العاشرة من صباح يوم الخميس 7 من جمادي الأولى عام 1367هـ الموافق 18 مارس 1948م غادر الأستاذ البنا القاهرة في سيارة خاصة جهزتها لهذا الغرض الشركة العربية للنقل والتجارة لصاحبها ومديرها الوجيه يوسف بك بامية يقودها الأخ الحاج عبد الغفور العباسي
وفي صحبته الإخوان الشيخ محمد فرغلي رئيس مكتب القنال والأستاذ عبده أحمد قاسم السكرتير المالي للإخوان ومدير هذه المجلة والحاج سيد الصولي عضو الإخوان ومن وجهاء الإسماعيلية ومحمود طويلة أفندي من إخوان المركز العام وعبد الهادي شعبان أفندي مندوب المركز العام في العريش ورفح وسيناء والأستاذ سعد الوليلي.
وحوالي الظهر وصلت السيارة إلى دار الإخوان المسلمين بالإسماعيلية وصلى الإمام البنا الظهر في مسجدها واطمأن على صحة الأخ المجاهد يوسف طلعت أحد رجال الكتيبة الذي نجا من حادث انقلاب إحدى سيارات الحملة التي كان يقودها الأخ المرحوم حسين الحلوس في طريق العريش وكانت محملة ببعض المؤن والمهمات للكتيبة المجاهدة.
وفي غروب هذا اليوم وصل الإمام البنا إلى المعسكر فأقبل الإخوان بالمعسكر يتسابقون إلى لقائه يتقدمهم إمامهم المجاهد الشيخ سيد سابق. وفي المعسكر وبين خيامه حياه جنود الكتيبة في طابور عسكري فرد عليهم التحية بأحسن منها. وصافحهم واحدً واحدًا. وجلس إليهم جلسة روحية طيبة ما كان أشوقهم إليها قدم لفضيلته ومن في صحبته في خلالها التمر والماء جريًا على عادتهم مع كل زائر واختتمت بصلاة المغرب.
وبعد زيارة دار الإخوان بالعريش التي غصت بجموع الإخوان والأهلين أقلت سيارتان كبيرتان فضيلته ومن معه من إخوان مصر وأعيان العريش إلى المعسكر حيث كانت طليعة الكتيبة على أهبة الاستعداد بأسلحتها وعتادها ومؤنها لتلقي تعليمات قائدهم ومرشدهم بالتحرك.
مع كبير قبيلة الفواخرية
وعقب صلاة المغرب ردد الجو أصداء هتافات إخوانية تتعالى تبين بعدها أن جمعًا من إخوان وأهالي العريش قد قدموا إلى المعسكر يرحبون بمقدم فضيلته وكان على رأسهم الشيخ سمري مرعي رئيس قبائل الفواخرية والحاج مسلم علي سلمى من زعماء الفواخرية والأخ أحمد القصاص ممثلاً لقبيلة القصاص وسكرتير الإخوان.
وبناء على دعوة الحاج سمري مرعي رئيس قبائل الفواخرية توجهت بالسيارات إلى دار العامرة حيث تناول فضيلته ومن معه طعام العشاء مع قبائل العريش وكانوا قد حضروا لمشاركة الإخوان سرورهم بحضور المرشد العام. وفي ساعة متأخرة من الليل حل فضيلته ومن معه ضيوفًا على الحاج عثمان رفاعي رئيس الإخوان بالعريش ورئيس جوالتها الفخري.
الإمام البنا في ضيافة المحافظ
وفي اليوم الثاني حرص الإمام البنا على زيارة المحافظة حيث كان سعادة محافظ العريش حريصًا على زيارة المرشد العام في دار الإخوان وقت وصوله ولكن عدم معرفته بانتقالات المرشد العام في اليوم السابق لم تمكنه من ذلك.
وحينما عرف الأستاذ البنا بحرص المحافظ على لقاءه حتى توجه لزيارته مع وفد من الإخوان يتقدمهم. الحاج سمري مرعي والحاج عثمان رفاعي والحاج مطر الرباب والحاج إبراهيم الغزالي والحاج مسلم علي سلمي من زعماء القبائل. ولقد أبدى المحافظ سعادته بالأستاذ البنا وبجهوده وبالمقاتلين الإخوان على أرض العريش.
إخوان العريش في ساحة الشهادة
ويقول عباس السيسي:
- أما الشهيد حسن العزازي من اخوان العريش فقد أصيب بجرح فى كتفه وكان فى وسعه أن يعود ولكنه ظل يكافح بصعوبة حتى احتمى بتنبؤ بارز فى مواجهة العدو وأخذ يقذف خنادقه برصاص مدفعه الرشاش حتى أسقط منهم عددا كبيرا مما اضطرهم الى تركيز نيرانهم عليه فأصابته عدة طلقات فى مواضع مختلفة من جسمه فسكت مدفعه وصعدت روحه الطاهرة بعد أن ثأر لنفسه ومتع نظره برؤية الدم الصهيونى المراق.
المصادر
- أحمد صالح: حكاية قبيلة الفواخرية بشمال سيناء، 13 فبراير 2020
- تاريخ الإخوان المسلمين في سيناء: موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمون (إخوان ويكي)
- عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، جـ2، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2000م.
- عبد المنعم عبد الرؤوف: أرغمت فاروق على التنازل عن العرش، الزهراء للإعلام العربي، 1988م.
- عبد العظيم رمضان: الإخوان المسلمون والتنظيم السري، طـ2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993م.
- مسعد رضوان: شوارع في العريش تحكي جزءا من تاريخ سيناء وشخصياتها المؤثرة، 25 مايو 2019