مذكرات عبد اللطيف البغدادي الجزء الأول

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مذكرات عبد اللطيف البغدادي الجزء الأول

المكتب المصري الحديث

تمهيد

بدأت الثورة في ليلة 22-23 يوليو سنة 1952م. ولم يكن يخطر ببالي أو ذهني أن أدون حوادثها اليومية وأسجل أحداثها. بيد أني في نهاية عام 1953م أحسست أن هناك خطرًا يهدد مسيرة تلك الثورة واتجاهاتها المرتقبة. ذلك أن بوادر خلاف أو بالأحرى صراع عنيف بدأ يظهر ويتحرك بين اللواء أ.ح محمد نجيب وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة. ورأيت أن أسجل تلك الأحداث والأخطار التي تهدد ثورتنا وحتى لا تضيع الحقيقة عندما نفارق الحياة.

ولهذا أراني قد كتبت في بداية مفكرتي لسنة 1954م في يوم 8 أبريل ما يلي:

"لقد دفعتني إلى كتابة هذه اليوميات حرصي على أداء حقي، وأن تعرف الأجيال القادمة وأن تلم ببعض الوقائع عن تاريخ بلادهم في هذه الحقبة من الزمن. وأن يعرفوا كيف كانت تسير ثورتهم ليأخذوا منها عبرًا، ولتكون درسًا لهم حتى لا يقعوا في نفس الأخطاء التي وقعنا نحن فيها، وحتى لا تخدعهم تلك المظاهر بل عليهم أن يبحثوا دائمًا وينقبوا وراء الحقيقة؛ ليعرفوا إلى أين كانت تسير القافلة ومن الذي أضر بها؟

كنت أعود في الحقبة الأولى من الصباح بعد مجهود مضن واجتماعات مستمرة طوال النهار والليل، ولكن أرى أنه من واجبي أن أدون ما حدث لتطلعوا عليه في يوم من الأيام عسى أن تستفيدوا من أخطائنا فتنجنبوها، ولتعرفوا أن السبيل إلى النجاح هو التمسك الدائم بالمبادئ والمثل التي اعتنقتموها، يوم تنحرفون عنها فمصيركم الفشل الأكيدمهما كان مقدار ما حصلتم عليه من نجاح أو شهرة.

وإني إذ أكتبي يومياتي هذه أرجو ممن يحصل عليها ألا ينشرها إلا بعد وفاتي، فهي أسرار كنت أتمنى أن أكتمها في نفسي وفي صدري ولا أبوح بها لأحد، ولكن واجبي نحو وطني يدفعني إلى هذا التسجيل.

والله ولي التوفيق،

بغدادي

هذا ما كنت قد كتبه وما أنتويه في بداية يومياتي عام 1954م ولكنني اليوم أجدني مضطرًا إلى مخالفة ما كنت قد أنتويته بعدما جاهدت في الحرص على تنفيذه سنوات طوالاً، وأن أعمل على نشر هذه اليوميات. وكانت حرب أكتوبر عام 1973م، بعد أن ردت إلى الجندي المصري بل والجندي العربي كرامته وأزالت عن الأمة العربية مهانة هزيمة يونيو 1967م هي التي دفعتني إلى هذا التفكير. وقد راودتني فكرتان:

أولاهما: أن أظل على ما عاهدت نفسي عليه من إعراض عن نشر تلك اليوميات.

وثانيتهما: أن أعجل بإخراج ما سجلت للدلالة على أن ما حدث لجيش مصر سنة 1967م لم يكن سوى محنة عارضة. كما أن تاريخ الثورة قد تناولته الكثيرون بالكتابة والتحليل. وما كتب لم يتناول الوقائع الحقيقة لها. وقد رأيت أن في نشر تلك اليوميات ما يساعد على كتابة التاريخ الحقيقي للثورة وتستكمل بها صورة بعض الوقائع التي لا تزال خافية حتى الآن، وحتى يتبين أيضًا أوجه الخطأ والصواب في سيرة هذه الثورة.

ولم يكن بد والأمر كذلك من أن أدفع إلى الناشر ما سجلت حتى تتكشف مواطن الزلل وحقائق التبعات.

وقد يكون بين هذه الحقائق ما هو مر ولكن من حق شعبنا علينا أن يعرفها ويلم بها ليستفيد منها في مرحلته المقبلة. وهي كأي ثورة أخرى لها إيجابياتها وسلبياتها.

ولعل في هذه الخطوة مني تشجيع كل من لديه معلومات صحيحة تتصل بالثورة ومسيرتها أن يعمل على نشرها حتى تكتمل الصورة قبل ضياعها مع الزمن.

ولقد كانت رغبتي شديدة في التمسك بما عاهدت نفسي عليه من عدم نشر تلك اليوميات لأنها تمس كثيرين من الأشخاص الذين لي بهم صداقات خاصة أعتز بها، وربما ترتب على النشر مساس بهذه الصداقات. وإني لأعتذر لهم وآمل أن يقدروا موقفي بعد أن غلبتني المصلحة العامة ودفعتني إلى ما أقدمت عليه، وأطالبهم بأن يحذوا حذوي وأن ينشروا ما لديهم من وقائع أو يردوا علي ما سجلت ويذكروا الحقيقة إن كنت قد جانبتها، فمن الجائز أن أكون قد وقعت في بعض الخطأ عندما سجلت ما سجلت.

وهذه الأحداث بتتابعها التاريخي سيأتي ذكرها كما دونتها في يومياتي – وهي في حدود معلوماتي وقت أن قمت بتسجيلها. ولن أتناول بالتحليل أو التعليق بل سأوردها كما كتبت تاركًا للكتاب والمؤرخين هذه المهمة فهم أقدر مني في هذا الشأن.

وقد أردت أن تكون لهذه المذكرات مدخل تاريخي حتى يتمكن القارئ من أن يلم بتتابع الأحداث التي سبقت قيام الثورة والتي مهدت لقيامها. وكذلك الأحداث التي وقعت بعد قيامها ولم أكن قد قمت بتدوينها في يومياتي ليلم القارئ بتلك المرحلة بصورة مبسطة وسريعة تمكنه من متابعة الأحداث والوقائع التي سترد في مذكراتي بعد هذا المدخل التاريخي. ولقد أفردت لهذا المدخل الباب الأول من الكتاب.

وقد رأيت أن يكون هذا الكتاب من جزءين:

الجزء الأول منهما: يبدأ من هذا المدخل التاريخي الذي أشرت إليه وتتلوه أبواب أخرى عن الوقائع والأحداث التي مرت بها الثورة من يوم قيامها حتى معركة السويس التي وقعت على أثر تأميم القناة.

وما سيرد في هذا الجزء من الكتاب اعتبرته المرحلة الأولى من مراحل الثورة، وقد نظمتها في أبواب جمعت ما ورد فيها من يومياتي تسهيلاً وتيسيرًا على القارئ.

أما الجزء الثاني من الكتاب وما سيرد فيه فقد اعتبرته مرحلة أخرى من مراحلها. وهي تبدأ مع قيام أول مجلس نيابي في مصر بعد الثورة عام 1957 وتستمر حتى اعتزالي الحياة العامة في أوائل عام 1964. وأهم الوقائع التي تشمل هذه الفترة هي وحدة مصر مع سوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة – ثم ثورة الموصل بالعراق ودور الجمهورية العربية المتحدة فيها – وانفصال سوريا وأحداث ذلك الانفصال ومدى تأثيره على فكر وتصرفات القيادة السياسية في مصر – والخلافات التي قامت بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وتأثيرها على خط سير الثورة – واعتزالي الحياة العامة واستقالة كمال الدين حسين أيضًا وأسباب ذلك. وسيرد به أيضًا أحداث أخرى متفرقة كان لنا دور فيها بعد اعتزالنا الحياة العامة كحرب يونيو 1967 – موقفنا منها قبل قيامها وما شاهدناه من أحداث بعد وقوعها.

وإني لآمل أن أكون عن هذا الطريق الذي سلكته وبما قدمت قد ساهمت ولو بجزء ضئيل في خدمة بلادي والجيل الصاعد على الخصوص الذي آن له أن يحمل راية الوطن ويتقدم بها إلى الأمام. والحياة فيها الكثير من الدروس والعبر وعليه أن يستفيد من تجارب غيره حتى يتجنب أثناء مسيرته الأخطاء التي وقع فيها ويسلك الطريق الذي يحقق به التقدم والنجاح لبلاده.


الباب الأول: الجيش والتنظيمات السرية

1-التنظيمات السرية داخل الجيش المصري.

2-[[حادث 4 فبراير 1942]]م.

3-الاتفاق مع فوزي القاوقجي للمساهمة مع جيش التحرير.

4-حرب فلسطين 1948م.

5-تنظيم الضباط الأحرار.

6-تصادم جمعية الإخوان المسلمين مع حكومة السعديين واغتيالهم لرئيسها النقراشي.

7-اعتقال الكثير من أعضاء الجمعية واغتيال مرشدها حسن البنا.

8-تعاون حزب الوفد مع الملك فاروق.

9-إلغاء حزب الوفد للمعاهدة البريطانية المصرية لعام 1936م.

10-تحدي الضباط الأحرار للملك في انتخابات مجلس إدارة نادي ضباط الجيش.

11-حريق القاهرة (اليوم الأسود) في 26 يناير 1952م.

12-تدهور الموقف السياسي بالبلاد.

13-حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش وإغلاق النادي بأمر من الملك.

14-تحرك الضباط الأحرار والقيام بالانقلاب العسكري.

15-إجبار الملك على التنازل عن العرش مغادرته البلاد.

16-الصدام بين مجلس الثورة وعلي ماهر رئيس مجلس الوزراء بعد الانقلاب.

17-تعيين محمد نجيب رئيسًا لمجلس الوزراء بدلاً من علي ماهر.

18-المتاعب التي واجهت الثورة من البداية.

19-حل الأحزاب السياسية وإلغاء دستور 1923م- وإعلان دستور مؤقت لفترة انتقال.

20-بدء المفاوضات مع بريطانيا.

21-إلغاء النظام الملكي بالبلاد وقيام الجمهورية في 18 يونيو 1953م.

22-تشكيل محكمة الثورة والغرض منها.


الفصل الأول: التشكيل الأول ونشاطه

مع بداية عام 1940م والحرب العالمية الثانية مشتعلة، كانت ألمانيا الهتلرية تحوز النصر وراء النصر في أوربا مما دفع موسوليني زعيم إيطاليا على دخول الحرب بجانب ألمانيا خاصة بعد هزيمة فرنسا أمامها. وكان موسوليني يأمل بدخوله الحرب في إعادة مجد روما القديم. واعتقد أن هذه فرصته فدفع بقوات كبيرة من قواته العسكرية التي كانت موجودة في ذلكا لوقت في ليبيا نحو حدود مصر الغربية فتصدى لها الجنرال البريطاني ويفل بقوات كانت تقل كثيرًا عن القوات الإيطالية المتقدمة.

ولم يكن لجيشنا المصري قرب الحدود الليبية المشتركة مع حدودنا إلا بعض قوات رمزية من الجيش والطيران. وكانت تعسكر في منطقة مرسى مطروح. وكان يرأس الوزارة المصرية في ذلك الوقت على باشا ماهر فأعلن موقف مصر وعدم دخولها الحرب إلا إذا غزت القوات الإيطالية الأراضي المصرية وقذفت مدنها بقنابل طائراتها. وأمر كذلك بانسحاب تلك القوات الرمزية من المناطق التي كانت تعسكر بها إلى مناطق أخرى جديدة عند العلمين غرب الإسكندرية.

ولكن لم تمض عدة أيام على هذا القرار منه حتى أقاله الملك فاروق من الوزارة. كما أحيل أيضً إلى المعاش رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق عزيز المصري بعد إقالة علي ماهر بأيام قليلة.

وقد دار بأذهاننا نحن الضباط الشبان في ذلك الوقت أن إقالته جاءت بضغط من الحكومة البريطانية لما يتردد حوله عن تعاطفه مع ألمانيا النازية، وأن إحالة عزيز المصري إلى المعاش كانت بسبب مواقفه الوطنية من البعثة العسكرية البريطانية التي كانت مشرفة ومسيطرة على جيشنا في ذلك الحين.

ومن الطبيعي أن ما كان يجري في العالم من أحداث الحرب الدائرة كان موضع حديثنا اليومي نحن الضباط الصغار ويشد انتباهنا. وزاد هذا الانتباه منا عندما دخلت إيطاليا الحرب وبدأت تدفع قواتها نحو حدود بلادنا الغربية ضاغطة على القوات البريطانية. وفبدأ تفكيرنا ينتبه إلى أن هناك مستعمرًا جديدًا يحاول طرد المستعمر القابع على أرضنا ليحل محله ونحن الضحية في كلتا الحالتين وليس لنا دور في تحديد مصيرنا.

وفي ذلك الوقت كانت هناك مجموعة من أربعة ضباط برتبة الملازم الطيار تقيم معًا في شقة مفروشة بمصر الجديدة وهي قريبة من المطار الحربي الذي كانوا يعملون به، مطار ألماظة. وكانت هذه المجموعة مكونة من الطيارين أحمد سعودي أبو علي، وحسن عزت، ووجيه أباظة، وكاتب هذه المذكرات. وكنا كأصدقاء متآلفين والثقة تامة بيننا، وهناك وحدة في التفكير فيما بيننا. وكان تحمسنا الوطني واندفاع الشباب يسيطر علينا في كل أحاديثنا التي كانت تجري حول الأحداث الدائرة من حولنا ومدى تأثر مصر بلدنا بها والأضرار التي ستقع عليها. وفي أثناء هذا الحماس وتلك الأحداث اختمرت في أذهاننا فكرة ضرورة عمل شيء نحدم به وطننا خاصة أن احتلال الإنجليز لبلادنا من عشرات السنين كان هو الألم الذي يحز في نفوسنا دائمًا.

وكان لابد من أن نفكر في الوسائل الممكنة لنا لخدمة هذا الوطن العزيز علينا. وعندما قلبنا الأمر على وجوهه المختلفة لم نجد أمامنا من وسيلة إلا في عمل تنظيم سري بين ضباط الطيران والجيش لمقاومة الاحتلال البريطاني – وكان ذلك في بداية عام 1940م. وبدأنا في وضع تلك الفكرة موضع التنفيذ.

وكان علينا أن نقوم بتنظيم أنفسنا وزملائنا في سلاح الطيران في شكل خلايا سرية صغيرة. وكانت كل خلية تتكون من خمسة ضباط، وعلى أن يقوم كل فرد من أعضاء الخلية بالعمل على تشكيل خلية أخرى جديدة من خمسة ضباط آخرين. واشترط ألا يعرف أفراد الخلية الجديدة أسماء المشتركين الآخرين في الخلايا الأخرى. وأن تقتصر معرفتهم فقط على اسم من عمل على تشكيلها ضمانًا للسرية. وحتى تقتصر الأضرار فقط في حالة انكشاف سر أية خلية على أقل عدد ممكن من أفراد التنظيم. وعملنا على الاتصال بزملائنا من ضباط الجيش حتى تمكن إقامة تنظيم آخر مماثل داخل وحداته أيضًا، واقترح حسن عزت اسم الملازم [[محمد أنور السادات ]] لينضم إلى مجموعتنا. وكنا قد أطلقنا عليها اسم اللجنة التنفيذية للتنظيم. وكان أنور صديقًا لحسن عزت. وكان الهدف من هذا التنظيم الذي كنا نسعى إلى إقامته هو العمل على التصدري للقوات البريطانية المحتلة لبلادنا وتدمير مخازنها وخطوط مواصلاتها وعرقلة انسحابها أمام القوات الضاغطة عليها معتقدين أنه بذلك يمكن أن نطالب باستقلال بلادنا وإعلان حيادها وإبعادها عن أتون الحرب الدائرة في ذلك الوقت مقابل هذا الدور الذي قمنا به. وربما يكون هذا التفكير منا فيه سذاجة ولكن لا ينسى القارئ قلة خبرتنا السياسية في ذلك الحين، ولم يكن عمر أحد منا تعدى الاثنين والعشرين عامًا. كما لا ينسى أيضًا أن الدافع لهذا التحرك منا كان الحماس الوطني مع اندفاع الشباب. وكذا لم تكن صورة ألمانيا الهتلرية على حقيقتها واستبدادها واضحة لنا.

مقابلة مع حسن البنا:

وكان علينا حتى يستكمل تنظيمنا واستعدادنا أن نعمل على التعاون مع المنظمات المدنية الوطنية الموجودة في ذلك الوقت. وكذا مع شباب الجامعات ليكون تأثير العمل الذي سنقوم به فعالاً ومتسعصا. وقد تم الاتصال بخصوص هذا الأمر مع جمعية الإخوان المسلمين للتعرف على مدى استعدادها للمشاركة في تحقيق هذا الهدف. وقد رحب المرحوم الشيخ حسن البنا رئيس الجمعية في ذلك الوقت بالفكرة ولكنه اقترح علينا ادماج التنظيمين في بعضهما أي التنظيم الخاص بنا مع التنظيم الخاص بالإخوان المسلمين. وقد برر لنا هذا الاقتراح بقوله إن لديه الجنود وهم الأعضاء المنضمون للجمعية. وكان يقدر عددهم بما يقرب من ربع مليون عضو في ذلك الحين، وأنه في حاجة إلى القادة القادرين على قيادة هؤلاء الجنود، وأوضح أن ضباط تنظيمنا سيكونون هم القادة المطلوبين لهذا الغرض، وربما يكون هذا العدد من الأعضاء الذي ذكره لنا فيه مغالاة بغرض التأثير علينا، ولكننا لم نتفق معه على فكرة الإدماج خوفًا من أن تذوب منظمتنا وهي في بداية عدها داخل منظمتهم. كما أن الاندماج سيمكنهم من التسلل داخل الجيش ويسهل عليهم بعد ذلك الاستيلاء على السلطة في البلاد. وكان قد اتضح لنا هذا الهدف الذي يرمون إليه من حديث المرحوم حسن البنا معنا عندما قال: "إننا ندعو إلى الدين لغرض سياسي نأمل تحقيقه، ولسنا مشايخ طرق" ورغم أننا اعترضنا على فكرة الإدماج التي تقدم بها إلا أنه قبل التعاون معنا في الحدود التي اتفقنا عليها. وهي المساندة في إعاقة تقهقر الجيش البريطاني عند انسحابه. وربما يكون قد قبل هذا التعاون على أمل أن يحقق الفكرة التي اقترحها علينا مع مرور الوقت.

كما أننا قمنا بالاتصال أيضًا ببعض زعماء الطلبة في الجامعات لنفس الغرض، وكلفوا بمهمة مراقبة المباني التي كان تشغلها القيادة البريطانية في مدينة القاهرة خاصة بحي جاردن سيتي وقشلاقات قصر النيل التي حلت محلها الآن لوكاندة هيلتون النيل، وذلك لمعرفة نوع القيادات التي تشغل تلك المباني ونشاطاتهم ومواعيد عملهم وقوة الحراسة المعينة عليها حتى يمكن رسم خططنا في المستقبل على ضوء تلك المعلومات التي ستتوافر لنا.

وكان الاتصال قد تم بيننا أيضًا وبين بعض المدنيين المعروفين بوطنيتهم وتحمسهم ضد الاحتلال البريطاني وذلك عن طريق الأستاذ/ عبد العزيز علي – وكان هو حلقة الاتصال بينهم وبيننا. ولقد كان موظفًا في ذلك الوقت بإدارة البلديات بالقاهرة، وكان نشطًا ومتحمسًا وربط تنظيمنا بعدد كبير من الوطنيين المخلصين. ولذا عندما قامت ثورة يوليو 1952م فقد عين وزيرًا في أول وزارة تشكلت كوزير للشئون البلدية والقروية. وهو كان لا يزال موظفًا بها حين قامت الثورة. وكان هذا التعيين له تقديرًا منا لدوره الوطني في الحركة القومية وكفاحه الطويل.

وأود هنا أن أوضح للقارئ أن هذا التنظيم الذي ذكرته ليس هو تنظيم الضباط الأحرار الذي أقيم بعد ذلك بعد انتهاء حرب فلسطين سنة 1948م- والذي أقيم لغرض آخر غير ا لغرض الذي أقيم من أجله هذا التنظيم.

وقد بدأ تنظيمنا هذا نشاطه فور تكوينه. وتركز أساسًا حول معرفة وتحديد مواقع القوات البريطانية حول القاهرة ومخازن تموينها بالإضافة إلى مراكز قياداتهم. وقد أفاد وجودنا كطيارين بالقوات الجوية كثيرًا في رسم وتصوير وتحديد تلك المواقع. وكان الفريق عزيز المصري الذي أحيل إلى المعاش بسبب وطنيته وتصديه لقيادة البعثة العسكرية البريطانية موضع احترامنا وتقديرنا نحن الضباط الصغار. وكثيرًا ما كنا نتردد على منزله لنستمع إلى نصائحه وتوجيهاته إلينا. كما كنا ننشد مشورته في كثير من أمورنا وكان خير عون لنا.

وكان كل عضو من أعضاء التنظيم يدفع اشتراكًا شهريًّا لتمويل نشاطنا. وقد استأجرنا فيلا من دور واحد في حي كوبري القبة بالقاهرة لنجتمع فيها. ولقد وضعنا بها مخرطة كهربائية لاستخدامها في صنع القنابل اليدوية وقنابل مولوتوف التي عملنا على توفيرها لاحتياجنا إليها عندما تحين ساعة العمل، كما أننا قد قمنا بتهريب بعض الكميات من الأسلحة الخفيفة من مخازن الجيش لنفس الغرض.

واستمرت الحرب بين بريطانيا وإيطاليا في شمال أفريقيا بين مد وجزر، وذلك حتى بداية عام 1941م عندما عززت القوات الإيطالية بقوات نازية بقيادة الجنرال ذائع الصيت – روميل، والذي أطلق عليه البريطانيون اسم "ثعلب الصحراء" وسرعان ما بدأ روميل بهجوم خاطف على القوات البريطانية فأخذت تترنح أمامه وكأنها على وشك الانهيار والهزيمة والاندحار، بل لقد جاء وقت بدأ فيه الإنجليز يعدون أنفسهم للانسحاب من مصر نحو فلسطين والسودان. وبدأت قياداتهم العسكرية في القاهرة في حرق مستنداتها وأوراقها الهامة خوفًا من وقوعها في يد الألمان، وكنا نشاهد هذا ونرى أن موعد معركتنا مع المحتل لأرض بلادنا قد أزف.

اتصال مع القيادة الألمانية:

وفي تلك الأثناء أرسل الألمان أحد جواسيسهم إلى القاهرة. وكان هذا الجاسوس صديقًا لأحد المصريين، ويدعى حسين جعفر وهو من أم ألمانية. ولما كان حسن عزت على علاقة وثيقة به فقد علم منه بخبر هذا الجاسوس الألماني.

وأطلعنا بدوره على الأمر. فرأت لجنة التنظيم الاتصال بهذا الجاسوس حتى يصبح هو حلقة الاتصال بين القيادة الألمانية وبيننا، وليعرفهم بنشاطنا وأهدافنا.. وقررت اللجنة أن يقوم أنور السادات مع حسين عزت بهذا الاتصال. وأن يكتفي بهما دون بقية أعضاء التنظيم وذلك ضمانًا للسرية.

ولكن قرب نهاية عام 1942م انكشف سر هذا الجاسوس وذلك لعدم حرصه. فقد كان ينفق ببذخ في النوادي الليلية بالقاهرة وبعملات مصرية من الفئات الكبيرة – المحكمة التزييف. ورغم اتقان تزييفها إلا أن أمرها قد انكشف. وبتتبع مصدرها قادت البوليس إلى هذا الجاسوس فقبض عليه وحقق معه. وقاوم وأنكر في البداية، ولكنه اضطر في النهاية إلى الاعتراف بمهمته الحقيقية. كما اعترف بعلاقته ب أنور السادات وحسن عزت وتعرف عليهما كذلك عندما عرضا عليه في جمع من ضباط الجيش، فقبض عليهما هما الآخران، وحقق معهما ولكنهما أصرا على الإنكار وعدم معرفتهما به، وعملا في نفس الوقت على تغطية باقي التنظيم حتى لا ينكشف أمره. وصدر قرار من قيادة الجيش بطردهما من الخدمة العسكرية وأرسلا إلى سجن قرب مدينة المنيا.

وقبل أن ينكشف أمر هذا الجاسوس الألماني وقعت ثلاثة أحداث لها دلالتها وأهميتها:

أولاً: محاولة الفريق عزيز المصري الخروج من مصر بطائرة حربية مصرية للوصول بها إلى بيروت التي كانت في ذلك الوقت تحت سيطرة حكومة فيشي الفرنسية بعد هزيمة فرنسا. وذلك حتى يتمكن عن طريق المندوبين الألمان في حكومة فيشي هناك من تسهيل السفر إلى العراق ليشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني التي كان قد قام بها ضد الوجود الإنجليزي في العراق.

مغامرة عزيز المصري:

وقد رأى عزيز المصري لتحقيق هذا الغرض أن يتفق مع أحد الطيارين الحربيين الوطنيين والمترددين عليه بالزيارة وهو الملازم الطيار عبد المنعم عبد الرؤوف لمساعدته في الوصول إلى بيروت بطائرة من السلاح الجوي المصري.

واتفق عبد المنعم بدوره مع حسين ذو الفقار صبري الملازم الطيار أيضًا لتسهيل هذه المأمورية والقيام بها بحكم وجوده في سرب المواصلات. وتقابلا هما الاثنان مع عزيز المصري واتفقا معه على تنفيذ تلك المغامرة، ولكنها لم تستكمل فصولها ولم يكتب لها النجاح بسبب عجلة حسين ذو الفقار في العمل على إقلاع الطائرة من على الأرض قبل اختبارها أرضيًّا. وذلك لخوفه من أن يفتضح سر المغامرة ويعمل على إعاقة تنفيذها. وكان الإقلاع بعد منتصف الليل، وذهب ثلاثتهم إلى حظيرة الطائرات بمطار ألماظة الحربي، وأيقظ حسين ذو الفقار صبري ميكانيكي الطائرة من النوم – وكان يبيتان بالمطار نظرً لحالة الحرب، وطلب منهما إعداد الطائرة للسفر. وأوهمهما بسفر شخصية هامة تنوب عن الملك في مهمة سرية، وتعجلهما حتى يسرع في الإقلاع خشية أن يكشف الأمر مندوب البعثة العسكرية البريطانية، والذي كان يبيت بالمطار بصفة مستمرة. وكانت حجرة نومه تقع خلف حظيرة الطائرات مباشرة، ونتيجة لهذه العجلة أخطأ أحد الميكانيكيين وأغلق في تسرعه مفتاح الزيت الذي يفصل بين محركي الطائرة وخزان الزيت بها بدلاً من أن يفتحه. وحسين من جهة أخرى قد أدار محركي الطائرة وهي ما زالت داخل الحظيرة وخرج بها إلى أرض المطار صاعدًا إلى الجو مباشرة دون أن يجري الاختبار العادي لها على الأرض قبل الصعود. ولذلك سرعان ما تعطلت ماكينتي الطائرة بعد دقائق معدودة من صعودها إلى الجو لعدم وصول الزيت إلى محركيها فاضطر حسين ذو الفقار إلى النزول بها نزولاً اضطراريًّا بالقرب من مدينة قليوب التي تبعد قليلاً عن شمال القاهرة. وكان الحظ حليفهم في هذا النزول الاضطراري ليلاً فلم تدمر الطائرة ولم يقتل من كان بها وإنما نزلت بسلام في حديقة من الموالح فتركوها بعد مغادرتها وعادوا إلى القاهرة بسيارة مأمور مركز قليوب. وهذه مغامرة أخرى لها طرافتها ولا محل هنا لذكرها. ولكنها إن دلت على شيء فإنما تدل على قوة وتماسك أعصاب عزيز المصري وقدرته على التصرف وقت الشدة. وبعد وصولهم إلى القاهرة اختفوا في منزل أحد الأصدقاء لعبد المنعم عبد الرؤوف في حي إمبابة اسمه عبد القادر رزق، وظلوا به حتى تم القبض عليهم صدفة بعد 21يومًا من بداية هذه المغامرة.

وكان البوليس السياسي قد هاجم ذلك المنزل الذي كانوا يقيمون به اعتقادًا منه بوجود أحمد حسين زعيم مصر الفتاة به، وكان مطلوبًا القبض عليه. وكانت مفاجأة سارة لرجال البوليس السياسي عندما وجدوا أن من وقع في الشباك صيد ثمين لم يكن يتوقعونه خاصة أن هذه المغامرة كان لها صدى قوي داخل الجيش المصري وداخل المؤسسات السياسية في البلاد. وكانت التكهنات والشائعات قد كثرت وانتشرت حول تلك المغامرة، والحكومة جارية في البحث عنهم باهتمام شديد. وأجرى التحقيق معهم بعد القبض عليهم. واستمروا تحت التحفظ حتى ولي الوزارة مصطفى باشا النحاس بعد أزمة 4 فبراير سنة 1942م. وفي أعقاب توليه الحكم أعلن الإفراج عنهم ونقل كل من حسين ذو الفقار صبري وعبد المنعم عبد الرؤوف من سلاح الطيران إلى وحدات أخرى بالجيش. وكان غرض وزارة الوفد من هذا الإفراج هو كسب الراي العام الداخلي بمصر لأن الشعب كان شديد الإعجاب بمغامرتهم ويعطف عليهم.

4 فبراير 1942م:

وأما الحديث الثاني ذو الأهمية الكبرى والذي كان له أسوأ الأثر في نفوس جميع المصريين لأنه جرح كبرياءهم ومس كرامتهم ذلك هو حادث 4 فبراير سنة 1942م المعروف. وقد وقع هذا الحادث على أثر الأزمة التي حدثت بين الملك فاروق وحسين باشا سري رئيس الوزراء في يناير سنة 1942 عندما قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسية بحكومة فيشي الفرنسية تحت ضغط الحكومة البريطانية، وكان فاروق خارج الأراضي المصرية عندما أخذت حكومةحسين سري هذا القرار. واحتج الملك وغضب لأخذها ذلك القرار دون التشاور معه. وطلب من رئيس الوزراء تنحية وزير الخارجية المصرية صليب سامي.

ولما كان وزير الخارجية قد تصرف بناء على توجيهات من رئيس الوزراء فقد رأى حسين سري أن تستقيل وزارته بأسرها. وقد استقالته يوم 2 فبراير سنة 1942م. واعتقد الإنجليز أن الملك ربما يستدعي علي ماهر لتأليف الوزارة الجديدة لأن مظاهرات الطلبة في ذلك الوقت كانت تنادي به. كما أنه كان معروفًا بعدائه للإنجليز وتعاطفه مع الألمان. ولهذا رأى السفير البريطاني مايلز لامبسون أن يتصرف بسرعة خاصة أن القوات الألمانية في ذلك الحين تحت قيادة روميل كانت قد وصلت إلى طبرق. وكانت مظاهرات الطلبة يتردد بين هتافها وتنادي بتقدم روميل.

وفي اليوم التالي لاستقالة حسين سري تحرك السفير البريطاني وطلب من الملك فاروق استدعاء مصطفى النحاس زعيم الوفد ليقوم بتأليف الوزارة لاعتقادهم أن النحاس سيكون خير من يتعاون معهم في ظل هذه الظروف الصعبة التي يواجهونها وتدهور الموقف العسكري في شمال أفريقيا. وقد جاءهم هذا الاعتقاد لمعرفتهم بمعاداة النحاس للمحور الفاشيستي الألماني الإيطالي وبحكم أنه أيضًا صاحب الأغلبية الشعبية في البلاد.

وفي يوم 4 فبراير والملك كان لا يزال يتشاور مع زعماء الأحزاب السياسي في مصر وبعض السياسيين في الموقف باحثًا معهم عن القرار الواجب عليه اتخاذه فقد وصله عند الظهر من ذلك اليوم إنذار من السفير البريطاني يبلغه فيه أنه إن لم يصله حتى الساعة السادسة من مساء نفس اليوم ما يفيد بأن الملك قد طلب من النحاس تأليف الوزارة فعليه – أي على الملك- أن يتحمل النتائج. واستدعى الملك زعماء الأحزاب والسياسيين القدامى في البلاد وطلب منهم مناقشة الموقف والاقتراح عليه بما يرونه من حلول ازاء تلك الظروف. وكان الرأي منهم مجمعًا على تشكيل وزارة ائتلافية من جميع الأحزاب وعلى أن يرأسها لانحاس. وعلى أن يرسل رئيس مجلس النواب المصري في نفس الوقت احتجاجًا إلى السفير البريطاني لاعتدائه على استقلال مصر. ولكن النحاس لتجاربه السابقة مع الوزارات الائتلافية وفشلها تمسك بتأليف الوزارة من حزب الوفد فقط دون باقي الأحزاب. وكان متشددًا في هذا الموقف ومتمسكًا به مما جعل أحمد باشا ماهر شقيق علي ماهر يحمل عليه ويصمه بأنه أتى إلى الحكم على أسنة الحراب البريطانية. وقد وجه إليه هذا الاتهام صراحة ودون تحفظ أثناء اجتماع الزعماء السياسيين.

وكانت الساعة السادسة مساء قد حانت وهي موعد انتهاء الإنذار البريطاني دون أن يصل الزعماء إلى حل. وقام السفير البريطاني بتنفيذ إنذاره وتحركت قوة عسكرية بريطانية بعرباتها المصفحة وقامت بمحاصرة قصر عابدين المقر الرسمي للملك. ثم حضر إلى القصر السفير البريطاني بعد أن تم حصاره يرافقه الجنرال ستون واقتحما بوابة القصر بدبابة. ثم دخل السفير ومعه الجنرال وعدد آخر من الضباط الإنجليز إلى مكتب الملك دون استئذان. وطلب منه أن يعين النحاس رئيسًا للوزارة وأن يترك له حرية اختيار وزرائه وإلا فإنهم سيعملون على عزله من على عرش مصر. واضطر الملك إلى الخضوع لهذا التهديد منهم وصدع بما أمر به ونفذ طلبهم.

لقاء مع أحمد حسنين:

كان لهذا الذي حدث أثر بالغ في نفوس كل المواطنين المصريين لما لحقهم من إهانة في شخص الملك. ولم يكن ضباط الجيش أقل غضبًا من أفراد الشعب بل ثارت نفوسهم لجرح كبرياء الوطن بهذا التصرف منهم. واجتمعوا بناديهم في الزمالك ليتشاوروا في الأمر، وليقرروا ماذا يفعلون إزاء تلك الإهانات. وأسفرت مناقشاتهم عن التوجه لسراي عابدين وتسجيل أسمائهم في سجل التشريفات هناك إثباتًا لولائهم للملك وتعبيرًا عن مساندتهم له. وفي أثناء الاجتماع وكنت حاضرًا المناقشة تقدمت باقتراح بعمل خلايا سرية من ضباط الجيش تكون مهمتها قتل كل سياسي ينحرف أو يخون البلاد. وكنت متأثرًا في ذلك بما قرأته عن مثل تلك التنظيمات السرية التي كانت موجودة داخل الجيش الياباني في ذلك الحين.. ولكن اقتراحي قوبل بالرفض الشديد من الضباط ذوي الرتب الكبيرة ولما كنت غير مقتنع بالقرار الذي اتخذ في هذا الاجتماع لأنه كان من وجهة نظري موقفًا سلبيًّا منهم، فقد طرأت على ذهني فكرة الاتصال بأحمد باشا حسنين رئيس الديوان الملكي لمعرفة الحقيقة منه عن دور النحاس والإشعاعات التي ترددت حول موقفه. ولم يكن لي به سابق صلة أو معرفة وإنما دفعني إلى ذلك ما كان يكتب عنه في بعض الصحف المصرية عن وطنيته والإشادة به. واتصلت به تليفونيًّا وطلبت مقابلته مشيرًا إلى أننا ضباط من السلاح الجوي. فحدد لنا موعدًا للقائه بعد ظهر اليوم التالي من اجتماع النادي. وذهبت إليه يرافقني الملازم طيار عبد الحميد الدغيدي. وأوضحنا له أن طلب المقابلة وهو بغرض استيضاح موقف النحاس من الأزمة. وأنه إن كان قد اتخذ هذا الموقف رغبة منه في الانفراد بالسلطة والتعاون مع الإنجليز دون النظر إلى صالح الوطن فإننا نرى أن الواجب الوطني يدعونا إلى قتله في هذه الحالة لأنه يعتبر خائنًا لبلاده. وكنا متأثرين بما يتردد من شائعات حول موقف النحاس. ويظهر أن هذا الكلام منا أزعجه وخشي أن يصبح شريكًا معنا لو أقدمنا على هذه الخطوة باندفاع الشباب الذي كان يملؤنا. ولهذا فقد أخذ يعمل على تهدئتنا طالبًا منا ترك الأمر لمولانا كما قال ليتصرف فيه بحكمته موضحًا أن الإنجليز كانوا يدفهون إلى عزل الملك ولكنه –أي الملك- أفسد عليهم خطتهم. وخرجنا من عنده ولم نعرف الحقيقة عن موقف النحاس ولو أننا أحسسنا من ثنايا الحديث أن النحاس لم يكن متواطئًا مع الإنجليز كما كان يشاع، ولكنه اتخذ هذا الموقف اعتقادًا منه أنه أحسن الحلول لمواجهة هذا الموقف العصيب.

وفي ظل هذه الأحداث اجتمعت اللجنة التنفيذية لمنظتمنا السرية لبحث ما يمكن عمله ردًا على ما أصابنا من إهانة فلم نجد بدًا من الانتظار والاستمرار في اعداد أنفسنا حتى تحين الساعة الملائمة لنا للانتقام. وكان الأمل يساور نفوسنا ولاسيما أن الألمان كانوا قد دفعوا القوات الإنجليزية إلى مسافة كبيرة داخل أراضينا حتى خيل للجميع أنهم على وشك الانسحاب من مصر تحت ضغط الهجوم الألماني على قواتهم. وبدأنا نعد أنفسنا للقيام بالدور الخاص بنا، لكن روميل وقف جامدًا عند العلمين ولم يتقدم لنقص امداداته العسكرية التي يحتاج إليها، وذلك بسبب انشغال هتلر واهتمامه بالجبهة الروسية واستنفادها لكل إمكانياته. وهذا الموقف منه ومن القيادة العسكرية الألمانية نتج عنه تغيير الموقف العسكري في شمال أفريقيا تغييرًا كاملاً لصالح الحلفاء. فقد أعطى الفرصة لقوات الحلفاء للنزول في تونس مما هدد قوات المحور الموجودة عند العلمين. وبدأ مونتجومري القائد البريطاني في هجوم شامل في العلمين دافعًا قوات روميل إلى الانسحاب نحو الغرب. واضطر روميل في ظل هذه الظروف إلى سحب قواته من شمال أفريقيا إلى جزيرة صقلية ومنها إلى إيطاليا، وجاء منتصف عام 1943م والموقف العسكري في منطقتنا كان قد تغير وأصبح في صالح الحلفاء تامًا.

محاولة الوصول للقوات الألمانية:

بقي الحادث الثالث الذي أود أن أشير إليه أيضًا وهو محاولة تنظيمنا السري إرسال المعلومات والصور التي كان التنظيم قد جمعها وحصل عليها عن مواقع ونشاط القوات البريطانية في مصر إلى القيادة العسكرية الألمانية في مرسى مطروح. وكان ذلك يوم الاثنين 29يونيو سنة 1942م عندما استقل أحد أفراد اللجنة وهو أحمد سعودي أبو علي طائرة مقاتلة من النوع البريطاني المسمى جلاديتور في الصباح المبكر من هذا اليوم ومعه حقيبة بها كل ما أمكن جمعه من معلومات واتجه بها نحو منطقة مرسى مطروح غرب الإسكندرية- والتي كانت تقع تحت سيطرة القوات الألمانية في ذلك الحين، ولكنه على ما يظهر لم يتمكن من الوصول إلى هناك ولم نعلم حتى اليوم حقيقة ما حدث له، والغالب أنه قد أسقطت طائرته بواسطة الدفاع الجوي الألماني لأن نفس النوع من الطائرات كانت تستخدمه القوات البريطانية. ولكن تصاف أن أحد الطيارين المصريين من المنضمين إلى التنظيم كان قد كلف مع زملاء آخرين له بأمر من قيادة الطيران المصرية القيام في تشكيل من الطائرات للبحث عن الطائرة التي استقلها سعودي باعتبار أنها ربما تكون قد سقطت في مكان ما حول مدينة القاهرة أثناء قيامه بتدريبه اليومي. ولكن بدلاً من أن يعود هذا الزميل واسمه رضوان مع تشكيله بعد انتهاء مأموريتهم فقد توجه هو الآخر بطائرته نحو مرسى مطروح تاركًا تشكيله، وذلك لعلمه المسبق بخطة سعودي من وجيه أباظة الذي كان قد أشركه معه في اعداد الخرائط اللازمة لرحلة سعودي. وقد وصل رضوان سالمًا إلى هناك. ولكن هذا التصرف منه كشف للمسئولين في البعثة العسكرية البريطانية الغرض من عملية سعودي مع أن خطتنا كانت قد بنيت على أساس أنه سيعتقد بأن سعودي قد سقط بطائرته أثناء اختباره لها في الجو، وفي مكان لم يمكن الاهتداء إليه بعد البحث عنه دون توصل القيادة إلى حقيقة مرمي العملية. ولكن هذا التصرف من الطيار رضوان نبه القيادة المصرية والإنجليزية على السواء إلى أن في الأمر سرًّا، وأجروا تحقيقًا في الموضوع لمعرفة ما وراءه. ولكنهم لم يتوصلوا إلى شيء يكشف أمر التنظيم، ورغم أن عددًا من ضباط سلاح الطيران قد أبعدوا ونقلوا إلى الجيش على أثر هذا الحادث إلا إن هذا لم يشمل أحدًا من أفراد التنظيم نفسه غير الملازم طيار حسن إبراهيم (عضو مجلس قيادة الثورة فيما بعد). ويرجع ذلك إلى أن الطائرة التي كان قد استقلها سعودي كانت هي الطائرة المخصصة لحسن. وكان الاتفاق قد تم معه على أن يظل ملازمًا لفراشه بالمطار في اليوم المحدد للعملية حتى يتمكن سعودي من استخدام طائرته والطيران بها. وقد جوزي حسن بنقله من سلاح الطيران وتأخير أقدميته سبعة ضباط، ولكنه عاد إلى الخدمة بالطيران ثانية سنة 1945م.

ولم تكتف البعثة البريطانية المشرفة على سلاحنا الجوي بتلك الإجراءات ولم تقتنع بنقل بعض الطيارين المصريين إلى وحدات أخرى بالجيش وإنما عملت أيضًا على منع الباقين منهم في سلاح الطيران من التدريب اليومي على الطائرات أو استخدامها لعدة شهور بعد ذلك الحادث. وكان قد تم سحب موزع الكرباء (الماجنيتو) من جميع الطائرات حتى لا يمكن إدارتها، ثم سمح بعد ذلك للطيارين باستخدام الطائرات ولكن لم تكن تمون بالوقود إلا في حدود طيران ساعة فقط وذلك حتى لا يتعدى مدى طيرانها المنطقة المحيطة بالقاهرة وزيادة في الاحتياط من جانبهم كانت الطائرات وهي رابضة على الأرض تربط بالسلاسل في أعمدة حظيرة الطائرات. واستمر هذا الحال عدة شهور أخرى ثم عادت الأمور إلى طبيعتها بعد أن أصبح الموقف العسكري في شمال أفريقيا مواتيًا لهم.

أما بالنسبة للطيار رضوان الذي كان قد وصل إلى مركز القيادة الألمانية في مرسى مطروح فقد تمكن الحلفاء من القبض عليه عند دخولهم برلين في نهاية الحرب ورحل إلى مصر لمحاكمته عسكريًّا. وصدر الحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا بخلاف دفع مبلغ ثمانية آلاف جنيه كغرامة لتسببه في اتلاف طائرة. ولكن بعد قيام الثورة في يوليو سنة 1952م تم الإفراج عنه. وأعفي من الغرامة المالية. وأوجد له عمل أيضًا في إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة.

القبض على أنور السادات وحسن عزت:

وكان قد تم القبض على أنور السادات وحسن عزت بعد حادثة سعودي بعدة شهور عندما تعرف الجاسوس الألماني عليهما كما ذكرت سابقًا، ولم يبق في اللجنة التنفيذية بعد ذلك غير وجيه أباظة وأنا. كما أن موقف الألمان العسكري في شمال أفريقيا كان قد أصبح حرجًا بعد أن بدأوا في الانسحاب نهائيًّا من المنطقة تحت ضغط الحلفاء عليهم من الغرب من اتجاه تونس ومن الشرق من اتجاه مصر. وأصبح بذلك أملنا في الانتقام من المستعمر لبلادنا والأخذ بالثأر منه للمهانة التي لحقت بنا يوم 4 فبراير سنة 1942م بعيد المنال. ولكننا لم نفقد الأمل كلية، وواصلنا العمل من جانبنا داخل قواتنا الجوية متوخين زيادة المنضمين للتنظيم وربطهم بمبادئنا وأهدافنا. وقد ساعد في ذلك الأمر انتقالي مدرسًا بكلية الطيران عام 1944م. وقد أتاح ذلك فرصة الاحتكاك والتعرف على كثير من الشبان الملتحقين بسلاح الطيران. وساعد على أن تزداد الرابطة بينهم وبيننا، وقد مهد هذا كله لتماسك التنظيم داخل القوات الجوية مع زيادة عدد المنضمين إليه وأصبحوا وكأنهم فرد واحد حتى قيام ثورة يوليو 1952م.

واستمررنا أيضًا في الاتصال بجمعية الإخوان المسلمين رغم أن الغرض الذي كان يجمعنا في البداية قد بعد. وكان حلقة الاتصال بينهم وبيننا البكباشي سابقًا محمود لبيب. وكان هو المسئول عن الناحية العسكرية في تنظيمهم. وكنا نوافيهم بمقالات لتنشر في صحيفتهم عن كيفية إصلاح الجيش والطيران المصري والنقص الذي بهما، وهذا الاتصال الذي استمر بيننا سيكون له أهميته عندما يعلن النحاس إلغاء معاهدة سنة 1936م، التي كانت قائمة بين بريطانيا ومصر وذلك سنة 1951م. فقد قمنا بتدريب الإخوان المسلمين عسكريًّا وأمددناهم بالأسلحة والذخيرة التي كان قد أمكن لنا تهريبها من مخازن الجيش. وعملنا على تشكيل كتائب فدائية منهم تحت قيادة ضباط من الطيران والجيش بغرض القيام بغارات فدائية على القاعدة البريطانية في منطقة السويس، كما أنه قد سبق أيضًا وتكونت منهم كتائب فدائية قام بتدريبها واعدادها ضباط من الجيش قبل ذهابها لمقابلة المنظمات العسكرية اليهودية في فلسطين في نهاية عام 1947م. وكان ذلك بعد قرار هيئة الأمم الخاص بتقسيم فلسطين بين الفلسطينيين العرب واليهود في نوفمبر سنة 1947م.

وكان الغضب قد عم العالم العربي بأسره نتيجة هذا القرار المجحف بحق الفلسطينيين.

وكان قد خص اليهود بنصف مساحة فلسطين وهو الجزء الخصب منها أيضًا.

ولمقامة هذا التقسيم فقد تكون جيش التحرير العربي للنضال والقتال ضد هذا التقسيم.

مقابلة فوزي القاوقجي:

وكانت قواته مشكلة من المتطوعين العرب لمساندة عرب فلسطين ضد المنظمات اليهودية العسكرية كالهاجاناه وشترن وأرجون زفاي ليومي.

وقد تولى قيادة جيش التحرير هذا فوزي القاوقجي وهو سوري الجنسية. وطلب بعض ضباط الجيش المصري من رئاستهم السماح لهم بالتطوع في هذا الجيش ولكن رئاستنا كانت تحول دون تحقيق هذه الرغبة. وكانت حجتهم في الاعتراض بالنسبة للطيارين الذين يرغبون في التطوع للقتال بجانب إخوانهم العرب أن ليس هناك محل لاستخدام الطائرات في تلك المعارك الدائرة بين العرب واليهود. وكنت أقوم مع بعض زملائي الطيارين من حين لآخر بنقل بعض الأسلحة الخفيفة والذخيرة من مصر إلى جيش التحرير وكنا نقوم بالنزول بطائراتنا في أغلب الأحيان بمطار دمشق بسوريا وفي بعض الأحيان نستخدم مطار المفرق في الأردن لهذا الغرض. وقد انتهزت فرصة وجودي في إحدى المرات في دمشق وذهبت إلى منزل فوزي القاوقجي بغرض طلب اللقاء معه. وكان يرافقني الطيار عبد الحميد الدغيدي في تلك المقابلة التي تمت بيننا.

وتناول حديثنا إليه رغبة الكثيرة من زملائنا الطيارين في التطوع للقتال مع جيش التحرير. وأن رئاستنا تقف موقف المعارضة من هذه الرغبة. وتقدمت إليه باقتراح إمكانية مساندة جيش التحرير ببعض من الطائرات المقاتلة من سلاحنا الجوي المصري وذلك عن طريق هروبنا بعدد من تلك الطائرات إلى سوريا ثم المشاركة بها في المعركة. فأظهر بعض التردد في البداية ولكنه عاد وتحمس للفكرة عندما أحس بتحمسنا وإصرارنا وقال إنه سيعمل من جانبه أيضًا على إقناع بعض الطيارين العراقيين للانضمام إليه بطائراتهم. ومن أنه سيطلب منا تنفيذ تلك الفكرة عندما يحين الوقت المناسب للدخول في معركة فاصلة مع اليهود ويكون استخدام الطائرات فيها عنصرًا مساعدًا لتحقيق النصر وانهاء المعركة نتيجة المفاجأة في استخدام الطائرات وفاعليتها. وطلبنا منه أن يعد لنا مطارًا سريًّا شرق دمشق وأن يبعد عنها ما لا يقل عن ستين كيلومترًا حتى يمكننا استخدامه في عملياتنا. وأن يعمل أيضًا على انتداب حسب إبراهيم والملازم الفني زكريا سليمان من قسم التسليح بسلاحنا الجوي وذلك بغرض أن يقوم حسن بالإشراف على إعداد ذلك المطار السري، وأن يقوم زكريا بالتجهيز والإشراف على إنتاج القنابل التي سنحتاج إلى استخدامها في عملياتنا بعد الهروب بطائراتنا إلى سوريا والاستقرار بها هناك. ولم يكن حتى ذلك الحين لدى سوريا سلاح جوي.

وبعد أن مضى ما يقرب من الشهر على هذا الاتفاق بيننا وصل إلى وزير الحربية المصرية خطاب من وزير الحربية السوري يطلب منه فيه السماح لهم بانتداب كل من حسب وزكريا سليمان إلى سوريا للاستعانة بهما في إنشاء سلاح جوي، ولم تكن قيادتنا بطبيعة الحال تعرف شيئًا عن اتفاقنا مع فوزي القاوقجي. وتمت الموافقة على انتدابهما وسافرا إلى سوريا. وتقابلا مع وزير الحربية السوري وتحدث إليهما عن المهمة التي ستوكل إليهما وهي ما سبق الاتفاق عليه مع فوزي القاوقجي. كما أن سوريا كانت من جانبها قد أوفدت ضابطين للالتحاق بسلاحنا الجوي وهما محمود الرفاعي وعلي الدالاتي بحجة التدريب عندنا. ولكن كانت مهمتهما الأساسية والمتفق عليها هي أن يكون ضابطي اتصال بين فوزي القاوقجي وبيننا.

أعددنا الطائرات للهروب:

وأما من ناحيتنا فقد نشط تنظيمنا في القوات الجوية في إعداد الطائرات المقاتلة التي سنقوم بالهروب بها للقتال. وقد تم تجهيز خمس عشرة طائرة. وذلك بتركيب مدافعها الرشاشة بها. وكانت منزوعة منها. كما ركبت أيضًا حوامل القنابل بها حتى يمكن استخدامها فور الاحتياج إليها. وقد تم ذلك كله دون علم القيادة المصرية بسلاحنا الجوي. وكانت تجربة لتنظيمنا أثبت فيها قدرته واستعداده وكان قد تم الاتفاق أيضًا مع زملائنا الطيارين الذين سيقومون بهذه المخاطرة. ومع بعض الميكانيكيين الجويين الذين كان لابد من انتقالهم معنا إلى سوريا للعمل على صيانة الطائرات هناك. وتم لذلك تجهيز طائرتن نقل "داكوتا" لاستخدامهما في نقل الميكانيكيين الذين سيتم في نفس اليوم الذي ستتحرك فيه الطائرات المقاتلة وتتجه إلى سوريا. وأصبحنا بذلك مستعدين للتحرك عندما يطلب منا ذلك. ولكن الأيام دارت والمعركة مستمرة بين الشعب الفلسطيني وجيش التحرير وبين المنظمات العسكرية اليهودية. وظللنا ننتظر الإشارة من فوزي القاوقجي للتحرك ولكنها لم تصل إلينا. ولم نعرف السبب حتى قامت الحرب بين الدول العربية وإسرائيل في 16 مايو سنة 1948م على إثر إعلان إنجلترا انتهاء انتدابها على فلطسين وانهاء جلاء قواتها من هناك يوم 15 مايو سنة 1948م. وتصريح زعماء اليهود من أنهم سيعلنون عن قيام دولة إسرائيل على الأرض الفلسطينية عند منتصف ليلة 15 مايو سنة 1948م أيضًا.

أطماع فاروق وعبد الله:

وكان النقراشي باشا رئيسًا للحكومة المصرية في ذلك الحين، وقد طلب من قادة الجيش المصري الاشتراك في المعركة الدائرة على أرض فلسطين. واعترض بعض القادة منهم لعدم استعداد الجيش المصري بالأسلحة اللازمة والكافية لخوف هذه المعركة، وهو نفسه كان يعرف هذه الحقيقة أيضًا، ولكنه تحت ضغوط الملك فاروق أصدر أمره للجيش بالتدخل، وعلى ما يظهر أن فاروق كان يستهدف من دخوله إثبات زعامته على العالم العربي والسيطرة على فلسطين. وملك الأردن – الملك عبد الله- كان له هو الآخر أطماع في توسيع رقعة مملكة الأردن على حساب فلسطين نفسها. والشعب العربي كان متحمسًا لدخول المعركة لنصرة إخوانه عرب فلسطين خاصة بعد تلك المذابح البشعة التي قام بها اليهود ضد العرب الفلسطينيين المسالمين، ودخلت الدول العربية الحرب ضد العصابات الصهيونية كما كان يطلق عليها –وأهدافهم متضاربة وغير واضحة للقادة العسكريين مما كان له أسوأ الأثر على مجريات المعركة فيما بعد.

ولم يكن جيش مصر هو الجيش العربي الوحيد الذي تدخل في المعركة بل كان هناك ستة جيوش أخرى عربية، ولكنها لم تكن جيوشًا بالمعنى الصحيح المصطلح عليه وإنما هي بعض وحدات رمزية لتلك الجيوش بغرض إثبات مساهمتها في المعركة، ولم يكن هناك تنسيق فيما بينها في العمليات الحربية التي كانت تجري على أرض فلسطين. حتى التعاون نفسه الذي كانت تتطلبه بعض الضرورات الحربية لم يكن موجودًا والعكس كان هو الصحيح. رغم هذه الظروف القاسية والتي كانت تحيط بالمعركة إلا أن الضباط والجنود المصريين قد قاتلوا ببسالة وأحرزوا عدة انتصارات في بداية المعركة. ولكن الجيش المصري كان في شدة الحاجة إلى الأسلحة والذخيرة. ولم يمكن يمكنه الحصول عليها إلا من السوق السوداء العالمية، وفي حدود ضيقة جدًا ومن أصناف رديئة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وكان قد سبق استخدامها، وكان هناك – قرار من هيئة الأمم بحظر بيع السلاح للأطراف المتحاربة. ولكن رغم هذا القرار فقد أمكن لليهود الحصول على احتياجاتهم كاملة من السلاح من السوق الأوربية وخاصة من تشيكوسلوفاكيا. وتخللت تلك الحرب ثلاث هدنات وأوقف القتال في كل هدنة، وكان ذلك دائمًا في صالح اليهود لأنهم كانوا قادرين على شراء ما يلزمهم من الأسلحة والذخيرة بخلاف العرب. كما أنهم كانوا يعملون أيضًا على كسر قرار إيقاف القتال بغرض تحسين مواقعهم العسكرية والاستفادة بأراض جديدة يعملون على احتلالها عندما يكونون قادرين على ذلك.

وقد حدث ذلك في الهدنة الأولى والثانية. ولكن في الهدنة الثالثة أوقف القتال يوم 7 يناير سنة 1949م.

مشروع برنادوت:

وبدأت محادثات الهدنة في جزيرة رودس تحت إشراف دكتور بانش الذي كان قد حل محل برنادوت الذي اغتاله اليهود في القدس لتقديمه مشروع تقسيم جديد معدل بديلاً عن المشروع السابق الذي أقرته هيئة الأمم.

وكان قد تقدم به عند انتهاء الهدنة الثانية. وكان المشروع الجديد المقترح منه ينص على ضم منطقة النقب إلى دولة الوحدة المقترحة بين الأردن وفلسطين العربية مع جعل القدس دولية بدلاً من إعطائها للأردن، ونتيجة لهذا المشروع فقد حدث انقسام بين الأردن ومصر، واستفادت منه إسرائيل واستغلته وشنت هجومًا شديدًا على عراق سويدان وعراق المنشية. وأسفر بعد قتال شديد عن حصار لبعض القوات المصرية في الفالوجا، وطلب من الأردن الهجوم من جانبها على القوات الإسرائيلية بغرض تخفيف الضغط على قواتنا المحاصرة ولكن الملك عبد الله أخذ موقفًا سلبيًّا ولم يحرك ساكنًا. حتى القوات العراقية لم تحاول مساندة قواتنا عندما طلب منها ذلك بحجة أنه ليس لديهم أوامر بذلك (ماكو أوامر) واستغل اليهود هذا الموقف وحاولوا القيام بحركة التفاف واسعة حول جناح جيشنا الأيمن بغرض عزله شرق مدينة العريش وقطع خطوط تموينه ومواصلاته مع قاعدته في مصر وبذلك يقضي على الجيش المصري. وكان موقفًا حرجًا ومتصورًا نتائجه. وطلب من قواتنا الجوية العمل على إيقاف تقدم الطابور اليهودي الذي كان قد اكتشف عند بير أبو عجيلة جنوب العريش يوم 29 ديسمبر سنة 1948م والذي كان يقوم بعملية الالتفاف. وظلت طائراتنا المصرية توالي هجومها وضرباتها على ذلك الطابور من الصباح حتى المساء إلى أن اضطر إلى الانسحاب وأمن الجناح الأيمن لجيشنا.

وفي يوم 7 يناير سنة 1949م صدر قرار إيقاف القتال للمرة الثالثة – وبدأت محادثات ردوس. وكانت نتيجة الحرب هزيمة الجيوش العربية وتشريد مئات الألوف من الفلسطينيين العرب وأصبحوا لاجئين لا مأوى لهم. وأصبح على حدودنا الشرقية وفي قلب أمتنا العربية دولة عنصرية لها أطماعها وأهدافها التوسعية، ولها من يساندها ويشد أزرها من الدول الكبرى. وأصبح واضحًا أن الخطر جسيم ويستدعي الحذر والتحرك السريع من قادة الأمة العربية لملاقاة هذا الخطر. ولكن هؤلاء القادة كانوا يقاومون هذا الخطر بالخطب الرنانة وازدياد التفكك والانشقاق بينهم.

وأما نحن ضباط الجيش فقد عدنا من هذه الحرب ونحن نشعر في قرارة أنفسنا بالألم والعار لما آلت إليه رغم قيامنا بواجبنا من القتال – فلم نتقاعس ولم نجبن- ولكننا قالتنا بأسلحة لا تصلح للحرب ولا يمكن استخدامها. وكان الكثير منها فاسدًا وقد ذهب ضحيته إخوان لنا. وقد عدنا من هذه المعركة بدروس كثيرة تعلمناها من تلك الأحداث التي مرت ببلادنا وبنا. وأصبح اقتناعنا كاملاً بأنه لابد من إحداث تغيير جذري في مصر بل وفي العالم العربي نفسه إن كان يريد الحياة بشرف وكرامة. وهذا الاقتناع منا هو الذي دفعنا إلى العمل بكل إصرار على ضرورة القيام بثورة في مصر. وبدأ تجمع الوطنيين من ضباط الجيش في تنظيم ما سمي بالضباط الأحرار لإحداث هذا التغيير المطلوب.

الفصل الثاني: الضباط الأحرار والانقلاب

لم تكن حرب فلسطين ونتائجها هي السبب الرئيسي لقيام الثورة المصرية عام 1952م وإنما كانت عاملاً مساعدًا ودافعًا لضرورة التغيير. فهزيمتنا العسكرية نحن العرب في حرب فلسطين الأولى لم تكن إلا انعكاسًا للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر والبلاد العربية الأخرى أيضًا.

فمصر كانت لا تزال ترزح تحت الاحتلال البريطاني. وكان على رأس السلطة في البالد ملك لا يهمه إلا ملذاته والسيطرة. وكان يتناوب الحكم فيها أحزاب تتطاحن فيما بينها من أجل السلطة والإثراء. وكان أغلب سياسيي هذه الأحزاب يسعون حثيثًا إلى التقرب من المسئولين في دار المندوب السامي ليكونوا سندًا لهم وطريقًا سهلاً موصلاً إلى كراسي الحكم والسلطان. ولم يكن يهم الكثير منهم أمر تلك الكتل الشعبية الضخمة من العمال والفلاحين من شعبنا. وكان اقتصاد مصر يسيطر عليه فئة من المتمصرين والأجانب ولا يهمهم سوى استغلال موارد البلاد وامتصاص دم شعبنا العامل. والشعب العامل لا حقوق له قبل صاحب العمل فلا تأمين له ولا علاج ولا مسكن. وما كان يدفع له كأجر لم يكن يسد رمقه ولا رمق أسرته. وكانت أغلبية الشعب الساحقة في فقر مدقع. وكان المسيطرون على اقتصادنا وبنوكنا وأصحاب الإقطاعيات الزراعية هم الذين يتمتعون بخيرات بلادنا.

ومع تلك الظروف أصبحت هناك فجوة بين تلك الطبقة المترفة وبقية الشعب المصري الكادح.

والشعب المصري كان مغلوبًا على أمره وليس في مقدوره الدفاع عن نفسه ولا المطالبة بحقوقه. حتى الفئة المثقفة منه من أبناء الفلاحين والتجار كالمحامين والمهندسين والأطباء والموظفين وكان عددهم قد بدأ يتزايد تدريجيًّا في ربع القرن الأخير، لم يكن لهم مكان في مجتمعنا إلا إذا كان للفرد منهم سند أو نصير عند من في يدهم الأمر من أصحاب السلطة والسلطان في البلاد. ولم يكن هناك أمامنا بصيص من أمل في القادة السياسيين للعمل على حل تلك المشاكل أو نصرة الكثرة من شعبنا المغلوبة على أسرها وإتاحة الفرصة أمامها لحياة أفضل وأكرم مما كانوا فيه.

ولم تكن هذه الصورة مقصورة فقط على مجتمعنا في مصر بل هي أيضًا صورة متكررة ومتماثلة لما كان عليه الحال في باقي البلاد العربية المحيطة بنا في تلك الآونة.

وكنا نحن ضباط الجيش عندما نناقش أحوال بلادنا وما وصل إليه حالنا باحثين ومنقبين عن مخرج لنا مما نحن فيه لكسر تلك الحلقة الفولاذية التي كانت مضروبة حول شعبنا لا نجد أمامنا من سبيل ولا طريق لكسر تلك الحلقة إلا بتفجير ثورة قادرة على تغيير هذا الهيكل كله من أساسه، تغييرًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا؛ وقادرًا أيضًا وقبل كل شيء على التصدي للاستعمار الذي كان لا يزال رابضًا على أرض وطننا والعمل على تصفيته وانهائه. لأن استمرار وجوده يضيع أملنا المنشود في التغيير لأنه سيقف عقبة في طريقه وسيتصدى له.

ولما كان تقلب الفكر في تلك القوى القادرة على القيام بذلك التغيير الذي كان أمل المستقبل بل وأصبح ضرورة ملحة، لا تجد أمامنا غير الجيش.

ولم يكن هناك من منظمات سياسية قائمةتنظر نفس النظرة التي ننظر بهما إلى الأوضاع في البلاد غير جماعة الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة ومنظمات أخرى كالجناح اليساري من حزب الوفد والمنظمات الشيوعية المختلفة المتصارعة مع بعضها في ذلك الحين. ولم تكن تلك المنظمات تملك القوة ولا القدرة على القيام بهذه المهمة دون أن يساندها الجيش، وأما باقي الأحزاب الأخرى السياسية في مصر فكانت على قمة السلطة فيها الباشوات أصحاب الإقطاعيات الزراعية والأملاك الواسعة. وكانوا هم سعداء بما هم فيه من يسر في الحياة ولا يفكرون فيما وصل إليه حالنا.

كان هذا هو ما يدور بخلط كثير من ضباط الجيش ويتناولونه بالنقاش والتحليل في أثناء أحاديثهم. وكانت حرب فلسطين هي الشرارة التي دفعتهم إلى التحرك والتقاء الوطنيين المتحمسين بعضهم بالبعض الآخر والبدء في تنظيم أنفسهم في منظمة سرية بهدف الإعداد والاستعداد للقيام بهذه الثورة في يوم من الأيام لإحداث هذا التغيير المطلوب. وكان السابق في هذا التحرك هو جمال عبد الناصر. وقد بدأ الاتصال ببعض الضباط الوطنيين قبل نهاية عام 1949م وذلك بغرض لم شملهم في تنظيم واحد.

وقد بدأ جمال عبد الناصر تحركه بالاتصال بقلة من ضباط الجيش والطيران والمعروفين بوطنيتهم وجديتهم ولهم احترامهم في وسط زملائهم من الضباط لدورهم البطولي في حرب فلسطين أو لسابق نشاطهم الوطني. وكان قد بدأ اتصاله قبل قيام حرب فلسطين بالطيار عبد المنعم عبد الرؤوف الذي سبق وقام بمغامرته المشهورة مع عزيز المصري.

وعبد المنعم بدوره قدم لجمال كلا من كمال الدين حسين وخالد محيي الدين وحسن إبراهيم، وكانت تتم بين تلك المجموعة بعض اللقاءات قبل حرب فلسطين، ولكن بعد انتهاء الحرب وما آلت إليه وتحرك الضباط الوطنيين وتذمرهم فقد اقترح جمال على تلك المجموعة التي كان يجتمع بها أن يضم إليها كلا من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنا. وبذا أصبح عدد هذه المجموعة ثمانية.

وجمال كان صديقًا لعبد الحكيم من قبل، وكانا قد خدما معًا في وحدة من وحدات الجيش المصري بالسودان، وكان جمال قد نقل إليها عام 1939م – وظل بها حتى آخر عام 1941م عندما نقل إلى وحدة قريبة من العلمين غرب الإسكندرية. ولكنه سرعان ما نقل ثانية إلى السودان في صيف 1942م، ثم عاد إلى القاهرة في منتصف عام 1943م ليلتحق بالكلية الحربية كمدرس بها. وكان جمال قد تعرف على صلاح سالم أثناء وجوده محاصرًا. "بالفالوجا" في الحرب الفلسطينية.

أما بالنسبة لي فكنت أعرف جمال من قبل ولكن كانت هذه هي أول مرة يتم فيها اللقاء بيننا للعمل الوطني في منظمة سرية. ومعرفتي بعبدالمنعم عبد الرؤوف سابقة بسبب وجودنا معًا في سلاح واحد.

وأما خالد فكنت قد تعرفت به من قبل في نهاية عام 1942م عندما كان معينًا حارسًا على الطيار حسن عزت أثناء التحفظ عليه بعد إلقاء القبض على الجاسوس الألماني وتعرفه على حسن وأنور.

وكان حسن عزت يرسل إلى خالد لمقابلتي وموافاتي ببعض الرسائل منه وأصبح خالد بعد ذلك وثيق الصلة بنا وموضع ثقتنا.

وأما كمال وصلاح وعبد الحكيم فكانت هذه أول نلتقي فيها معًا للعمل الوطني.

وضم إلى هذه المجموعة قبل نهاية عام 1951م الطيار جمال سالم. وكان قد عاد لتوه من لندن بعد قضائه ثلاث سنوات بها تحت العلاج ولإجراء بعض العمليات الجراحية هناك. وكان ذلك على إثر حادث طائرة حربية كان يقودها وكنت قد اصطحبته معه لحضور اجتماع لمجوعتنا بعد عودته ثم رؤي بعد ذلك ضمه إلى المجموعة. كما أنه قبل انتهاء عام 1951م أيضًا وبعد انضمام جمال سالم اقترح جمال عبد الناصر ضم أنور السادات للجنة بعد أن سألنا عن رأينا فيه لسابق اشتراكه معنا في التنظيم السري عام 1940م ولم يكن جمال مشتركًا معنا في هذا التنظيم السري بسبب وجوده في السودان حتى عام 1943م كما سبق أن ذكرت. وكان أنور قد أعيد إلى الخدمة بالجيش من فترة ليست بالطويلة – عام 1950م. وقد وافق على انضمامه الجميع ولم يعترض عليه إلا عبد المنعم عبد الرؤوف.

وبذا أصبح عدد أفراد هذه المجموعة بعد ضم جمال سالم أنور السادات عشرة ضباط.

إسقاط عضوية عبد المنعم عبد الرؤوف:

وقد أطلقنا على مجموعتنا هذه اسم "اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار" وهي التي أطلق عليها بعد قيام الثورة في يوليو سنة 1952 "مجلس قيادة الثورة" وكان قد سقط من هذه المجموعة قبل قيام الثورة بشهور قليلة عبد المنعم عبد الرؤوف وذلك بقرار من اللجنة التأسيسية لنشاطه ومحاولاته المتعددة لضم بعض الضباط الأحرار إلى جماعة الإخوان المسلمين التي كنا نرفض الاندماج فيها وأن تقتصر علاقاتنا على التعاون دون الاندماج. ولكن عبد المنعم قد تخطى هذا القرار بتصرفه فقد كان عضوًا سابقًا بالإخوان وكان دائم التحمس لهم ومؤمنًا بهم. وقد سمح له أن يظل عضوًا بها حتى وهو عضو في منظمتنا.

وأما زكريا محيي الدين وحسين الشافعي فقد اقترح جمال ضمهما إلى مجلس قيادة الثورة بعد قيام الثورة بفترة بسيطة وذلك في 15 أغسطس سنة 1952م.

وكان زكريا زميلاً لجمال عبد الناصر عندما قامت الثورة كمدرسين بكلية أركان حرب الجيش وكان عضوًا بلجنة القاهرة التابعة للجنة التنظيم, واشترك ليلة الثورة.

وأما حسين فكان ضابطًا بسلاح الفرسان واشترك مع خالد محيي الدين وثروت عكاشة في تحريك وحدات الفرسان ليلة قيام الثورة.

وكان جمال عبد الناصر قد اقترح أيضًا في نفس الوقت مع اقتراح ضم زكريا وحسين إلى مجلس قيادة الثورة ضم كلا من البكباشي عبد المنعم أمين من سلاح المدفعية والبكباشي يوسف منصور صديق من سلاح المشاة لدورهما في ليلة قيام الثورة – وظلا أعضاء بالمجلس لفترة بسيطة ثم استقال يوسف منصور صديق وأبعد عبد المنعم أمين بعد أن حوسب من مجلس قيادة الثورة على بعض التصرفات وعين سفيرًا لمصر في بلجيكا.

وفي نهاية أكتوبر عام 1949م كان أول اجتماع لهذه المجموعة عندما أصبح عدد أفرادها ثمانية وكان واضحًا في هذا اللقاء الأول وأثناء مناقشتنا للظروف التي تمر بها بلادنا أننا جميعًا متفقون على ضرورة تغيير النظام القائم بالبلاد، ومع أنه ليس هناك من وسيلة أخرى أمامنا لتحقيق ذلك الهدف إلا بالعمل على القيام بانقلاب عسكري، وقد تم اتفاقنا في هذا اللقاء على البدء فورًا في اعداد أنفسنا والعمل على تكوين خلايا سرية بين ضباط الوحدات العسكرية المختلفة بالجيش والطيران بغرض تنفيذ هذا الانقلاب بعد ست سنوات من بداية هذا النشاط. وقد اتفق الرأي فيما بيننا على أن نجتمع معًا وفي فترات متقاربة حتى توجد وحدة فكر بيننا وأن يتفهم كل منا الآخر، كما رأينا أن تكون لنا لائحة داخلية تحكم عملنا وتنظم مناقشاتنا وأن ينتخب أحد أفراد المجموعة كرئيس لها ليرأس اجتماعاتنا ويتابع تنفيذ القرارات التي تتخذها ويدعوها للاجتماع.

انتخاب عبد الناصر:

وقد تم انتخاب جمال عبد الناصر في اقتراع سري لرئاسة اللجنة. وأصبحت هذه اللجنة تمثل القيادة العليا للتنظيم. وطبق عليها مبدأ القيادة الجماعية أي أن يكون اتخاذ القرار بالتصويت وأن يصبح نافذًا إذا حصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات، وعلى الأقلية أن تلتزم برأي الأغلبية وظل جمال يرأس هذه اللجنة حتى قيام الثورة في يوليو 1952م.

وفي اجتماعاتنا الأولى لهذه اللجنة كان قد اتفق على ضرورة بث فكرتنا وأهدافنا بين ضباط الجيش والمدنيين. ولم نجد وسيلة لتحقيق هذا الغرض غير أن نصدر منشورات سرية من حين لآخر حاملة اسم الضباط الأحرار. وأن نرسلها بالبريد إلى منازل الأشخاص الذين نرى أهمية بث فكرتنا وأهدافنا بينهم.

وكان طبع هذه المنشورات يتم في سرية كاملة وكل مرة في مكان آخر غير المكان السابق. وكان لدينا آلة كاتبة خاصة بنا وكانت هي الأخرى دائمة التنقل من مكان لآخر ولا تظل في مكان واحد أكثر من عدد قليل من الأيم. وفي هذه المنشورات كنا نهاجم الاستعمار والإقطاع والفساد وتفكك العالم العربي وأسباب هزيمة العرب أمام اليهود.

كما تضمنت أيضًا أهدافنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية من طرد المستعمر والقضا على الإقطاع والرأسمالية ومن بناء جيش قوي وإقامة حياة نيابية سليمة.

ولم نكن نشاء الدخول في تفصيلات هذه الأهداف العامة خشية اختلاف الرأي بيننا وحتى لا يتسبب عنه فرقة وانقسام ونحن كنا في أشد الحاجة إلى التماسك والترابط في تلك الآونة حتى نتمكن من تحقيق هدفنا الأكبر.

وعندما بدأنا في تكوين الضباط الأحرار كانت أحوال البلاد السياسية يسودها الاضطراب وعدم الاستقرار نتيجة لحرب فلسطين ولنشاط جمعية الإخوان المسلمين في عمليات النسف والتخريب لمنشآت الأجانب واليهود في مصر.

كمين للشيخ حسن البنا:

وكانوا قد بدأوا نشاطهم هذا في نوفمبر 1948م حتى أن أمن الناس أصبح في خطر. وكان النقراشي يرأس الوزارة السعدية في أثناء تلك الأحداث ووجد أنه من الضروري حل جمعيتهم. وكان ردهم على هذا القرار منه هو التصدي له وقتله في نهاية ديسمبر سنة 1948م. وخلفه في رئاسة الوزارة صديقه وزميله في الحزب إبراهيم باشا عبد الهادي فأصدر أوامره باعتقال أعضاء الجمعية. وتم اعتقال عدة آلاف منهم وعذب الكثير منهم في السجون. وكانت الشائعات تملأ البلاد عن قسوة ونوعية هذه التعذيبات، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تعداه حتى أن أجهزة وزارة الداخلية أعدت كمينًا للشيخ حسن البنا المرشد العام لجمعية الإخوان المسلمين وأطلق عليه الرصاص وقتل في وسط القاهرة أمام مبنى جمعية الشبان المسلمين، وكان ذلك حوالي منتصف شهر فبراير 1949م. فزاد ذلك من سخط الشعب وتذمره من هذا الإرهاب الذي تمارسه الحكومة. وأحس أن البوليس بدل أن يكون أداة أمن قد أصبح أداة قهر. وقد ثبت من التحقيق في قضية مقتل الشيخ حسن البنا أن الأميرالاي محمود عبد الحميد مدير المباحث الجنائية هو الذي دبر عملية الاعتداء عليه. وقد أحضر مخبرين من الصعيد من الذين تحت إدارته للقيام بهذه المهمة. وحكمت محكمة الجنايات عليه بالسجن خمسة عشر عامًا بعد الثورة عام 1954م. كما حكمت على آخرين من المباحث الجنائية بمدد مختلفة وكذا على سائقه الخاص.

ولم يكن هناك من شهود إثبات في هذه القضية غير شاهد واحد وهو الأستاذ محمد الليثي المحرر بجريدة الأهرام والذي كان وقتها موظفًا بالقوات الجوية المصرية. ولم يصمد غيره من شهود الإثبات بسبب ضغط وتهديد البوليس السياسي لهم حتى إن المحكمة قد أشادت في حكمها إلى شجاعة هذا الشاهد لصموده ضد كل هذه الضغوط التي وقعت عليه ومواجهته لهذه القوى الطاغية.

وما رأى فاروق ردود الفعل الشديدة ضد تصرفات الحكومة السعدية بين أفراد الشعب، عمد إلى إقالة إبراهيم باشا عبد الهادي في 25 يوليو سنة 1949م. وأتى بحسين باشا سري رئيسًا لوزارة انتقالية لإجراء انتخابات جديدة. وأجريت الانتخابات في 3 يناير 1950م وحصل حزب الوفد على الأغلبية.

وجاء الوفد إلى الحكم والأمل ويراود الشعب في الحزب صاحب الأغلبية الشعبية معتقدًا أنه سيعمل على تحقيق الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. ومن أنه سيتصدى لفاروق وحاشيته بعد أن زاد فسادهم وتصلتهم. ولكن نحن الشباب في ذلك الوقت صدمنا فيما كنا نأمله من حزب الأغلبية عندما لاحظنا أن الحزب وكأنه قد استن لنفسه سنة جديدة وهي مساندة فاروق في عبثه ومجونه بدل أن يتصدى له حتى وصل الأمر بهم إلى طرد عدد من أعضاء مجلس الشيوخ من المجلس لأنهم تجرأوا وهاجموا داخل مجلسهم أحد مستشاري فاروق وهو كريم ثابت مستشاره الصحفي. وكانوا قد هاجموه لاشتراكه في صفقات الأسلحة الفاسدة التي وردت إلى الجيش المصري أثناء الحرب الفلسطينية سنة 1948م. وتصرفات أخرى منه.

وقد تبين من التحقيق في محكمة الثورة فميا بعد أن من أعد الكشف بأسماء أعضاء المجلس المرغوب في طردهم هو كريم ثابت نفسه. وأن الذي قام بتنفيذ تلك الرغبة هو فؤاد سراج الدين باشا سكرتير حزب الوفد ووزير الداخلية في ذلك الوقت. كما قيل للمحكمة أيضًا في التحقيق إن مصطفى النحاس نفسه عندما شكل وزارته وذهب مع الوزراء لحلف اليمين أمام فاروق، أنه طلب من الملك أن يتحدث إليه بعد انتهى الوزراء من حلف اليمين، واضطرب فاروق واعتقد أن زعيم الشعب سيتقدم إليه بمطالب شعبية ولكنه فوجئ بطلب النحاس وهي رغبته الشديدة في تقبيل يد مولاه. وقد جاء هذا القول على لسان حسين باشا سري عند سؤاله بمحكمة الثورة أثناء محاكمة فؤاد سراج الدين. وقال إن هذا الحادث أقنع الملك بأن حزب الوفد الذي كان مناوئًا له في الماضي قد أصبح مستسلمًا. وأن لا مطلب له غير أن تكون السلطة في يده. فزاد ذلك من سيطرة فاروق وفساده وضاع أمل الشعب في حزب الأغلبية الذي كان عاملاً أساسيًّا في إيجاد التوازن السياسي بالبلاد عندما كان يحد من رغبة الملك في الديكتاتورية والسيطرة. ولم يصبح الفساد مقصورًا على الملك وحاشيته بل ومارسه أيضًا أعضاء من حزب الوفد نفسه. وأصبح التعاون وثيقًا بين السلطتين في هذا الاتجاه وقد أكد هذا تستر الحكومة وانهاء التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة لأنها كانت تمس بعض المقربين من السراي. وكذلك التلاعب الذي كان قد حدث في بورصة القطن المصري وما سمي في ذلك الوقت بالكورنر وترتب عليه مكاسب ضخمة حققتها قلة من المقربين وبعلم من وزير المالية في وزارة الوفد. وكان ذلك على حساب المالك البسيط والمستأجرين من الفلاحين. وكانت أسعار القطن قد ارتفعت في تلك الفترة نتيجة لحرب كوريا.

"المحروسة":

وكذا ما كان قد أثير في البرلمان عن إصلاح اليخت الخاص بالملك (المحروسة) بإيطاليا وإنفاق مليون من الجنيهات لهذا الغرض. والمبلغ كان يفوق كثيرًا قيمة الاصلاحات التي جرت به، ودفاع حزب الوفد عن هذا الإجراء عندما أثاره بعض الأعضاء وعلى رأسهم الأستاذ مصطفى مرعي المحامي. ولم يكن هذا إلا دليلاً على مدى التعاون الذي كان قد أصبح وثيقًا بين السراي وحزب الوفد وذلك على حساب مصالح الشعب.

وكان النحاس قد أعلن في خطاب "العرش" بعد تشكيله وزارة 1950م عن التزام حزب الوفد بإلغاء المعاهدة التي كانت قائمة بين بريطانيا ومصر والتي وقعت عام 1936م، وارتبط بهذا التعهد أمام الشعب والبرلمان.

وحاول عن طريق المفاوضات مع إنجلترا أن يحقق ما عاهد الشعب عليه وانهاء المعاهدة ولكنه فشل في ذلك. ولما زاد غليان الشعب خطا النحاس تلك الخطوة الكبرى وقام بإعلان إلغاء المعاهدة من جانب مصر غم وجود القوات البريطانية في منطقة القناة.

وأعلن هذا القرار في 8 أكتوبر سنة 1951م، كما أعلن حظر تشغيل العمال المصريين بالقاعدة البريطانية ومنع تموينها أيضًا باحتياجاتها من داخل مصر.

وهذه الخطوة منه حركت كل المشاعر الوطنية عند أفراد الشعب وأنسته تلك التصرفات المأخوذة على الحزب وعادت بالقضية إلى مرحلة الجهاد الوطني لإخراج المستعمر من البلاد. وتحركت كل القوى الوطنية في مصر لمساندة هذا القرار الوطني، وتكونت جماعات فدائية من طلبة الجامعات ومن جمعية الإخوان المسلمين ومن المنظمات الشيوعية السرية في البلاد والأفراد العاديين من الشعب ومنظمتنا السرية كذلك.

غارات على القاعدة البريطانية:

وبدأت تلك الجماعات في شن غارات فدائية على معسكرات ومخازن القاعدة البريطانية في منطقة القناة من حين لآخر بغرض إثبات عدم فاعلية تلك القاعدة دون رضا من أهل البلاد. وقامت القوات البريطانية من جانبها ردًّا على هذه الهجمات بالسيطرة على جميع الطرق المحيطة بمنطقة القاعدة وقامت دورياتهم العسكرية بتفتيش القطارات والسيارات والأفراد الذاهبة إلى السويس والإسماعيلية وبور سعيد والخارجة منها كذلك. كما سيطروا أيضًا على كوبري الفردان المقام على قناة السويس والمعبر الوحيد بين قواتنا العسكرية في سيناء ودلتا النيل.

وقد ساهمت منظمتنا مساهمة إيجابية في شن هذه الغارات الفدائية على القاعدة البريطانية. وقام بعض الضباط الأحرار بقيادة جماعات فدائية للقيام بتلك الغارات. ولم يقتصر نشاطها على هذا فقط بل عملت على تدريب كثير من الشباب على العمل الفدائي وأمدتهم بالأسلحة اللازمة وأعدت لهم الخطط لشن تلك الغارات. كما زودت جماعة الإخوان المسلمين بكميات هائلة من الأسلحة والذخائر لاستخدامها في عملياتها ضد القوات البريطانية والتي كان قد أمكن لنا تهريبها من مخازن الجيش المصري. وقد أعدت منظمتنا أيضًا لغمًا ضخمًا أطلق عليه اسم "التبتل" لوضعه في مجرى قناة السويس وتفجيره في إحدى ناقلات البترول أثناء عبورها للقناة بغرض إعاقة الملاحة بها. وكان قد قام بإعداده الضباط صلاح هدايت والذي أصبح وزيرًا للبحث العلمي بعد الثورة.

ونقل هذا اللغم سرًّا إلى مطار العريش على طائرتين من طائرات النقل المسماة "كوماندو" بعد انتهاء العمل اليومي للقوات الجوية.

وأما جزء المفرقعات منه فقد نقل عن طريق السكة الحديد لخطورة نقله بالطائرة، وساعد في هذا الأمر فؤاد سراج الدين بعد أن تم الاتصال به. وقام باستلام هذا اللغم في العريش جمال سالم وعبد الحكيم عامر حيث كانا قد نقلا إلى وحدات هناك قبل ذلك بقليل. وقاما بنقله محملاً على لوريين إلى الضفة الشرقية للقناة وأخفى هناك بعد أن أعيد تركيبه حتى يحين الموعد المناسب لاستخدامه. ثم عدلنا عن تنفيذ تلك الخطة خشية ردود فعلها في العالم الخارجي.

وقد ظل هذا اللغم رابضًا في مكان إخفائه حتى قيام الثورة ثم عمل على تفجيره في المكان الذي كان قد أخفى فيه.

رفض الإنذار البريطاني:

وفي شهر يناير سنة 1952م كانت قد ازدادات عمليات المجموعات الفدائية ضد القوات البريطانية، وفقد القائد الإنجليزي للقاعدة أعصابه لتوالي هذه الهجمات والخسائر الناجمة عنها. فأمر بتدمير بعض القرى القريبة من القاعدة لاعتقاده باختفاء الفدائيين فيها، وأمر كذلك قواته بمحاصرة قسم البوليس الموجود بمدينة الإسماعيلية لظنه من أنه يقوم بمساندة الفدائيين، وأنذر قوات البوليس به وطلب منهم تسليم سلاحهم وانسحابهم من المنطقة إلى مدينة القاهرة، وصدرت الأوامر من وزير الداخلية المصري فؤاد سراج الدين بعدم قبول الإنذار والمقاومة حتى آخر طلقة، وكان تسليح قوات البوليس لا يتعدى البنادي العادية. وقامت القوات البريطانية بإطلاق نيران دباباتهم ومدفعيتهم على تلك القوة رغم عدم تكافؤ القوتين.

وقاوم رجال البوليس هذه الهجمات بشجاعة عدة ساعات. وكان ثمنها خمسون قتيلاً وما يزيد عن سبعين جريحًا، وعندما شاع خبر هذه المعركة في القاهرة عم الشعب المصري كله موجة من الغضب والانفعال.

وفي اليوم التالي لهذه المعركة –أي يوم 26 يناير 1952م- خرجت قوات البوليس في القاهرة إلى شوارعها في شكل مظاهرة احتجاجًا على ما أصاب زملاءهم، واتجهوا إلى قصر عابدين مقر الملك الرسمي وإلى مجلس النواب وانضم إلى جموعهم شباب الجامعة وكثير من أفراد الشعب مظهرين احتجاجهم وغضبهم من الإنجليز والحكومة المصرية على السواء.

الجيش سيف الملك:

وفجأة وبدون مقدمات وهم في ميدان الأوبرا وسط المدينة بدأت جماعة من المتظاهرين بإشعال الحرائق في بعض المحلات التجارية وفي السينما الموجودة في الميدان، وسرعان ما سرت العدوى إلى الكثير من المتظاهرين فأخذوا يشعلون الحرائق في كل المتاجر الضخمة في المنطقة وفي المحلات الأجنبية بها وفي النادي الخاص بالجالية البريطانية "تيرف كلوب"، ولم تقتصر تلك الأعمال على وسط المدينة ولكنها انتشرت أيضًا في أماكن أخرى منها. ولفت سماء القاهرة غمامة سوداء من الدخان المنبعث من تلك الحرائق. وكأن الشعب أراد أن ينفث عما في صدره وعدم رضائه عن أحواله وعن القائمين بالأمر عليه بهذا التذمر والتخريب البشع.

وفي تلك الأثناء لم يكن هناك من قوات أمن نظامية لتتصدى للمتظاهرين وتحول دون استمرار هذا التخريب والنهب والسلب. ولم يكن هناك حتى من يصدر الأوامر للتصدي لتلك الغوغائية. وقد قيل في ذلك الوقت على صفحات الجرائد أن وزير الداخلية كان مشغولاً أثناء ذلك بشراء عمارة ضخمة ويعمل على تسجيلها. حتى إن الملك نفسه في ذلك اليوم الأسود كان قد دعا عى غير العادة عددًا من ضباط الجيش لتناول الغداء على مائدته احتفالاً بعيد الميلاد الأول لابنه الأمير "أحمد فؤاد"، ولم يكن ذلك منه إلا تقربًا للجيش.

والقاهرة قد بدأت تحترق وهم لا يزالون على مائدة الطعام. وقام أحد الضباط المدعوين ومن المعروفين بوصوليتهم هاتفًا "الجيش سيف الملك". ولم يرد عليه إلا القلة القليلة جدًا.

واستمر الحال على هذا المنوال حتى بعد الظهر والتردد كان واضحًا على القيادة السياسية في استدعاء الجيش للمحافظة على الأمن والنظام في المدينة والتي أصبحت تسودها حالة من الفوضى. والفريق محمد حيدر وزير الحربية أخاف الملك من أنه لا يضمن ولاء الجيش إذا نزل بقواته إلى شوارع القاهرة. ولما زاد الموقف اشتعالاً لم يكن هناك مفر من ضرورة إصدار الأمر إلى الجيش بالتحرك. وعندما تحركت قوات الجيش للسيطرة على الموقف كان الظلام قد بدأ يقترب. ولما أحست الجماهير بنزول الجيش إلى الشوارع تفرقت وانصرفت ولم تصطدم به، ولكن بعد أن دمر واحترق مئات من المتاجر والمنشآت وقد قتل عدد من المصريين والأجانب في هذه الحوادث المؤسفة.

وكانت هناك شائعات قد ترددت في ذلك الوقت الذي جرت فيه هذه الحوادث على أن الحزب الاشتراكي (مصر الفتاة سابقًا) كان وراء تلك العمليات التخريبية وتلك الأحداث المؤسفة المؤلمة. كما تناولت الشائعات أيضًا بعد المنظمات اليسارية الموجودة بالبلاد. ولكن تبين بعد إجراء تحقيق حول هذا الحادث بعد قيام الثورة في محكمة الثورة أنه ليس هناك ما يؤكد أو يدعم تلك الشائعات. ولم نتوصل إلى أية أدلة تثبت هذه الادعاءات وكل ما خلصنا إليه هو أنه انفعال الجماهير وغضبها كان هو المحرك لما حدث. وأن عدوى التدمير والتخريب قد سرت في تلك الجموع المتظاهرة نظرًا للحالة النفسية التي كانوا بها وما كان يحيط بهم من أحداث من قبل.

ربما يفلت الزمام:

وفي مساء نفس اليوم لهذه الأحداث اجتمعت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار لدراسة الموقف. واتضح لنا بجلاء في هذا الاجتماع أن الأحداث وتطورها في البلاد تسير بخطى سريعة نحو حالة من التدهور لم يسبق لها مثيل. وأن الزمام ربما يفلت في أية لحظة ويحدث انفجار من الشعب المتذمر وتصبح البلاد في حالة من الفوضى لا يمكن التكهن بنتائجها. وكان لابد لنا والحالة هذه من أن نتحرك بسرعة خاصة وأن الملك نفسه قد عرفه بأمر الضباط الأحرار وتنظيماتهم داخل الجيش بعد أن تحديناه في انتخابات مجلس إدارة نادي ضباط الجيش والتي قد جرت يوم 3 يناير 1952م. وتم انتصارنا عليه في تلك الانتخابات لأنه هو نفسه كان وراء ترشيح عدد من الضباط الموالين له وعلى رأسهم اللواء حسين سري عامر كرئيس لمجلس إدارة النادي – وهو لم يكن يتمتع بسمعة طيبة بين الضباط. ومنظمتنا كانت قد رأت التصدي لهذا الترشيح منه ورشحنا ضباطًا آخرين وعلى رأسهم اللواء أ. ح. محمد نجيب كرئيس لمجلس الإدارة. وكان الغرض الآخر غير هذا التحدث للملك هو التعرف من هذه المعركة التي سنخوضها على قوة وتماسك الضباط المنضمين إلى التنظيم وقدرتهم ومدى تأثيرهم على باقي ضباط الجيش.

وقد أكدت نتيجة الانتخابات التي نجح فيها جميع مرشحينا فعالية التنظيم وقدرته. ولكن من جانب آخر كانت هناك نقطة ضعف صاحبت هذا التصرف منا فلقد تخلينا ولأول مرة عن الأسلوب السري الذي كنا نتبعه من قبل. وكان نشاطنا علنيًّا في هذه المعركة فكشفنا عن أنفسنا، وأصبح من الطبيعي بعد ذلك أن يسعى الملك وأجهزته السرية الخاصة بالأمن إلى التعرف على من وراء هذا التنظيم ومن هم أفراده حتى تحاول القضاء عليه قبل استفحال خطرهم واستبعادهم من الجيش. ومن هنا كان لعامل الوقت أهمية قصوى، وكان علينا أن نسبقه في التحرك وأن نضرب ضربتنا ونقوم بالانقلاب الذي كنا نعد أنفسنا له قبل أن يعمل هو على تصفيتنا نهائيًّا من الجيش وتضيع علينا بذلك الفرصة.

مشادة عنيفة مع جمال:

وعندما أثيرت تلك النقاط وهذه الظروف التي تحيط بنا في مناقشاتنا وضرورة تحركنا السريع والعاجل كان جمال عبد الناصر يرى عدم الاندفاع ويدعو إلى التأني، وكانت هذه عادته. وقد رأيت في هذا الاجتماع عبد حريق القاهرة أن أعيد ما سبق أن ذكرته في جلسات سابقة. وهو أن الأحداث ستسبقنا ولابد لنا من تنفيذ خطتنا في أقرب فرصة وكان جمال عبد الناصر ضد هذا الرأي الذي ناديت به. وحاولت في هذا الاجتماع أن أبين أن ما حدث في يوم 26 يناير ونزول الجيش إلى شوارع القاهرة يؤكد ما سبق وما كان متوقعًا. ومن أنه كان من الممكن تنفيذ خطتنا في ذلك اليوم لو كنا قد أعددنا أنفسنا من قبل. ولكنني وجدت في هذه الجلسة أن عدم التحرك كان لا يزال هو الغالب على التحرك السريع، بالإضافة إلى ما كان قد حدث بين جمال عبد الناصر وبيني من مشادة عنيفة على أثر محاولته اغتيال اللواء حسين سري عامر. وكان قد قام بهذه المحاولة مساء يوم 8 يناير سنة 1952م بعد انتخابات مجلس إدارة نادي الضباط بخمسة أيام، عندما كانت السراي قد رأت فرض حسين سري عامر عضوًا في مجلس إدارة النادي كممثل لسلاح الحدود، وكان جمال قد قام بهذه المحاولة مستقلاً دون أخذ قرار من الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار وأشرك معه فيها كلا من حسن إبراهيم واليوزباشي كمال رفعت واليوزباشي حسن تهامي من التنظيم. وكنت قد اعتبرت هذا التصرف منه عندما اجتمعنا ثاني يوم لهذه المحاولة وخروجًا منه على رأي الجماعة، وهو مبدأ رئيسي في تنظيمنا. وأن الحرية والاستقلال في التصرف في مثل هذه الأمور لها خطورتها. بالإضافة للأضرار التي ربما تقع على التنظيم نفسه لو أمكن البوليس اكتشاف أمر الذين قاموا بهذا الاعتداء، وقد بلغ من حدة المناقشة وعنفها في ذلك اليوم أن طالب جمال عبد الناصر إعادة طرح الثقة به كرئيس للجنة. وقد حاز على أغلبية الأصوات. وكان صلاح سالم مشاركًا معي في هذا الرأي وضد خروج جمال على رأي الجماعة.

ولما وجدت أنه لا يزال هناك إصرار على عدم التحرك السريع رغم تلك الأحداث أعلنت لزملائي أعضاء اللجنة عن انسحابي من حضور اجتماع اللجنة التأسيسية في المستقبل حتى يقرروا أن الوقت المناسب قد حان لتنفيذ خطتنا. وأن يعتبروني في تلك الفترة جنديًّا لهم في سلاح الطيران. وأنهم سيجدونني وزملائي ضباط القوات الجوية خير عون لهم حيثما تحين الساعة.

ومن هذا التاريخ لم أعد أحضر اجتماعات اللجنة التأسيسية حتى يوم 16 يوليو 1952م. وهو اليوم الذي صدر فيه قرار حل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش تلبية لرغبة فاروق. وفي اليوم التالي لهذا القرار حضر حسن إبراهيم إلى منزلي عند الغروب. وأبلغني برغبة زملائي أعضاء اللجنة في أن أحضر اجتماعهم في مساء نفس اليوم. وتوجهنا معًا إلى الاجتماع. ولم يكن متواجدًا في هذا الاجتماع غير جمال عبد الناصر، عبد الحكيم عامر، كمال الدين حسين، خالد محيي الدين، حسن إبراهيم، وأنا. أما جمال سالم وصلاح سالم أنور السادات فقد كانوا في العريش ورفح بحكم موقع عملهم. وعبد الحكيم كان موقع عمله هناك أيضًا إلا أنه قد حضر إلى القاهرة في إجازة مرضية. وكل بها حتى بداية قيام الثورة في ليلة 22/23 يوليو.

التفكير في الاغتيالات:

وفي هذا الاجتماع يوم 17 يوليو سنة 1952م استعرضنا الموقف السياسي في البلاد. وكان في تدهور مستمر من يوم حريق القاهرة لأن الملك كان قد أقال مصطفى النحاس من الوزارة على أثر أحداث يوم 26 يناير 1952م واستدعى علي ماهر لتشكيل الوزارة الجديدة وكان الملك بذلك يرغب في أن ينكل بالوفديين، ولكن علي ماهر أراد أن تكون سياسته متوازنة بين تلك القوى السياسية في البلاد –أي مع الملك والسفارة البريطانية وحزب الوفد- واحتفظ بالبرلمان الوفدي. فما كان من الملك إلا أن قام باستبعاده عندما لم ينكل بالوفديين، واستبدله بنجيب باشا الهلالي. والذي كان وفديًّا من قبل ثم انشق عليهم بحجة انتشار الفساد داخل الحزب. وقام نجيب الهلالي بحل البرلمان الوفدي. وبدأ يجري تحقيقًا جديدًا في قضايا الفساد والرشوة والمحسوبية.

ولكن عندما بدأ يقترب هذا التحقيق من المقربين إلى الملك، رأى الملك أن يأتي بحسين سري رئيسًا للوزارة وهو لم يكن حزبيًّا. وكان ذلك في أوائل يوليو 1952م. وأعلن حسين سري عن إقامة انتخابات برلمانية جديدة، كما طلب من الملك أن يعين اللواء محمد نجيب وزيرًا للحربية ترضية وتهدئة لضباط الجيش وكان على علم بمدى حنق وغضب الضباط من الأوضاع السائدة في البلاد كان رد الملك على هذا المطلب منه هو صدور قرار بحل مجلس إدارة نادي الضباط والأمر بإغلاقه، وطلبه من حسين سري رئيس الوزراء أن يعين اللواء حسين سري عامر وزيرًا للحربية. وكأنه أراد أن يتحدى الجيش ويستفزه بهذه الإجراءات أو يستهين به، ويحاول إثبات أن الجيش ليست لديه القدرة على تحديه، مما اضطر حسين باشا سري إلى تقديم استقالته من رئاسة الوزارة يوم 19 يوليو، فعاد الملك وكلف نجيب الهلالي ثانية بتأليف الوزارة يوم 21 يوليو وتعيين القائمقات إسماعيل شيرين زوج شقيقة الملك وزيرًا للحربية.

وكانت المعلومات التي تجمعت لدينا أيضًا تفيد أن الملك وأجهزته الخاصة بالأمن توصلت إلى معرفة بعض من أسماء الضباط الأحرار خاصة من أعضاء اللجنة التأسيسية، ومن أنه على وشك التحرك للقضاء عليهم والتخلص منهم، وإزاء تلك الظروف رأينا أنه من الضروري أن نتحرك بسرعة وأن نسبق الملك وأجهزته وأن نضرب ضربتنا وإلا فإن التنظيم ربما يقضي عليه قبل أن يحقق الهدف الذي عملنا له طوال تلك المدة، وتصرفات الملك وصورة التحدي الواضحة في قراراته ضد مشاعر الجيش كانت توحي بأنه يعتقد أنه في مركز قوي. وهو لم يكن بطبيعة الحال قد نسي التحدث له ولا الهزيمة التي كانت قد مني بها أثناء انتخابات مجلس إدارة النادي. كما أن الأوضاع السياسية في البلاد وعدم الاستقرار وتناوب القرارات المختلفة للسلطة في فترات متقاربة جدًا كانت تدل على الانهيار السياسي.

والشعب نفسه كان قد بلغ تذمره واستياؤه إلى آخر مدى، حتى أنه قد أصبح ينادي بضرورة تغيير تلك الأوضاع السائدة في البلاد ويبحث عن منفذ له من الحالة المتردية التي كانت قد وصل إليها.. كل تلك الظروف المحيطة بالموقف السياسي كانت تشجيعًا على ضرورة التحرك بل والتحرك السريع دون إبطاء. وكانت كل المظاهر تدل على أن الشعب سيرحب بهذا التحرك وسيتحمس له إن حدث.

وقد بدأ تفكيرنا يتجه إلى الطرق المفتوحة أمامنا لاتخاذ هذه الخطوة. وكان أول الأبواب التي طرقتها أذهاننا هو العمل على اغتيال بعض الساسة المصريين من الذين ساهموا في إفساد الحياة السياسية في البلاد. وكان هذا الخاطر هو أول ما اتجه إليه تفكيرنا. ذلك لأن تحركنا جاء أساسًا بعد الشعور بأن هناك خطرصا يهدد التنظيم والقائمين عليه. ولم يكن التنظيم قد استكمل استعداده بعد. ولا توافرت له القوة العسكرية الكافية التي تمكنه من إجراء التغيير الجذري المنشود. وإنما جاء تحركه أساسًا لدرء هذا الخطر الذي يهدده. ولا أتذكر من الذي تقدم بفكرة الاغتيالات السياسية، ولكن الاتفاق كان تامًا عليها بيننا. ولم يعترض أحد منا. وكان قد اتفق على أن يقوم بتنفيذ هذه الخطوة أعضاء اللجنة التأسيسية أنفسهم، وعلى أن تستخدم سياراتهم الخاصة في تنقلاتهم أثناء تنفيذها.

ولم يكن لدينا غير ثلاث سيارات فقط يملك إحداها جمال عبد الناصر والثانية خالد وأملك الثالثة. ولكن تبين لنا عندما حددنا أسماء هؤلاء الساسة أن عددهم يربو على الثلاثين شخصًا. واتضح أن هناك استحالة أن يقتصر في أداء تلك المهمة على أعضاء اللجنة فقط خاصة وأنه كان قد رئي أن تنفذ العملية في جميع هؤلاء الساسة في ليلة واحدة، ولذا رئي ضرورة الاستعانة بأفراد آخرين من التنظيم للسماهمة في تنفيذ تلك العملية معنا، وكان لابد من أن نوفر لهم وسائل الانتقال، ولم نجد أمامنا غير استخدام سيارات من الجيش في هذا الأمر، وبعد أن استكملت الصورة اتضح لنا أننا سنقوم في ليلة واحدة بعملية مذبحة لعدد من الساسة. وأن الأر لابد أنه سينكشف. وسيلقى القبض علينا وكأننا قد قمنا بعمل وضحينا من أجله دون أن نحقق هدفنا الرئيسي وهو العمل على إحداث تغيير جذري في النظام القائم في البلاد. لذا أعدنا النظر في هذه الخطة. وفي هذا الباب الذي كنا قد طرقناه. وبعد مناقشة وتقليب الأمر على جوانبه المختلفة استقر الرأي على أن أي باب سنطرقه فيه مخاطرة كبيرة على تنظيمنا وحياتنا والتضحية قائمة منا في كل الحالات، وأنه ما دام الأمر كذلك فلنأخذ المخاطرة بالعمل على تنفيذ مخططنا الأساسي وهو القيام بانقلاب عسكري وعنصر المفاجأة فيه سيكون عاملاً مساعدًا لنا. وهذه الخطوة كانت تستدعي منا البحث والدراسة. ومعرفة الوحدات العسكرية القريبة من مدينة القاهرة والموالية لتنظيمنا والتي تضمن إمكانية استخدامها في عملية الانقلاب الذي عزمنا على تنفيذه والتعرف أيضًا على عدد الضباط الأحرار الموجودين في هذه الوحدات العسكرية. ومدى قدرتهم واستعدادهم على قيادتها وتحريكها لتنفيذ هذه المخاطرة. وعلى ضوء تلك المعلومات التي رئي ضرورة جمعها يمكن رسم خطة تنفيذ هذا الانقلاب، وأجلنا اجتماعنا لثاني يوم 18 يوليو يمكن جمع هذه المعلومات.

التحرك للثورة:

وفي اليوم التالي 18 يوليو سنة 1952م، استعرضنا عند اجتماعنا المعلومات التي أمكن الحصول عليها من الوحدات العسكرية الممكن لنا استخدامها والضباط الأحرار الذين يمكن الاعتماد عليهم في تحريك تلك الوحدات، وقدرنا أن نسبة النجاح في هذه المخاطر لا تتعدى العشرين في المائة. كان لابد لنا أن نتحرك. وأن نعد خططنا على هذا الأساس. وأن نعتمد على عنصر المفاجأة. وحددنا ساعة الصفر لبدء التنفيذ ليلة 21/22 يوليو عند منتصف الليل. ثم رأينا بعد ذلك تأجيلها لمدة أربع وعشرين ساعة أي حتى منتصف ليلة 22/23يوليو ليتم لنا استكمال دراسة الخطة التفصيلية للتنفيذ، وتحديد مهمة كل وحدة من الوحدات العسكرية التي ستساهم بدور في الانقلاب. ودور كل ضباط سيتشرك بها. وكذا لإبلاغ جمال سالم وصلاح وأنور الموجودين بمنطقة العريش ورفع بالموعد الذي حددناه للتنفيذ. وحتى تتاح لهم الفرصة أيضًا لإعداد أنفسهم في منطقتهم، والتنبيه عليهم بعدم التحرك إلا بعد أن نكون قد تحركنا في القاهرة وحققنا بنجاح الخطوة الأولى. وأنه سيتم إخطارهم تليفونيًّا بذلك بذكر كلمة السر والتي كنا قد اتفقنا عليها وهي كلمة (نصر). وسافر إليهم حسن إبراهيم يوم 19 يوليو بالطائرة ليطلعهم على الموقف وما قررناه ودورهم. ولإبلاغ أنور كذلك بالنزول إلى القاهرة قبل الموعد المحدد للتنفيذ ليشترك معنا عند التحرك وليقوم بالدور الذي كان قد حدد له في الخطة. وهو العمل على تعطيل شبكة التليفونات الموصلة بين القيادة العسكرية ووحدات الجيش المختلفة وقت الانقلاب إلى أن يتم لنا السيطرة على الجيش ووحداته المختلفة ثم يعاد تشغيلها لصالحنا والاستفادة بها.

وفي يوم 19 يوليو اجتمعنا لمناقشة الخطوط الأساسية لخطة الانقلاب. وكان تواجد 80.000 عسكري بريطاني في منطقة قناة السويس يشغل بالنا وتفكيرنا باستمرار خشية تدخلهم عسكريًّا عندما نتحرك، ولكن لم يكن أمامنا من مفر غير قبول هذا الخطر، وإلا جمدنا موقفنا حتى يوم جلاؤهم عن بلادنا. وموعد جلائهم غير معروف ولا محدد. والموقف والظروف التي يمر بها وطننا لا تحتمل هذا التأجيل غير المحدد. ورأينا أن نضع في اعتبارنا عند وضع خططنا التفصيلية احتمال هذا التدخل منهم. وأن نحسب حسابه. وأن نعد أنفسنا له وذلك بالتصدي لهم بقوات عسكرية عند مدخل القاهرة الشرقي وأن نعمل على التعاون مع المنظمات الشعبية خاصة جمعية الإخوان المسلمين لمقاومة هذا التدخل منهم لو حدث.

الخطة:

وكانت خطة الانقلاب قد بنيت أساسًا على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى منها: هي العمل على السيطرة على القوات المسلحة بالاستيلاء أولاً على مبنى القيادة العسكرية بمنطقة كوبري القبة. وعلى أن يقوم باقتحامها والاستيلاء عليها بعض من أعضاء اللجنة التأسيسية وهم جمال عبد الناصر – عبد الحكيم – حسن إبراهيم – البغدادي. ويعاونهم في ذلك إحدى الوحدات العسكرية. ويعمل أيضًا في نفس الوقت على اعتقال بعض كبار ضباط الجيش والطيران من قيادات الأسلحة المختلفة حتى نضمن بذلك عدم إمكانية تحريك قوات عسكرية للتصدي لنا. ويقوم بتنفيذ عملية الاعتقال مجموعات من الضباط محددة لهذا الغرض.وتقوم وحدات عسكرية من سلاح المدفعية بالسيطرة على مداخل القاهرة الشرقية – وكذا الطرق داخل مدينةا لقاهرة الموصلة إلى مبنى القيادة العسكرية بكوبري القبة، والطرق الموصلة أيضًا إلى وحداتا لجيش المختلفة والتي تتمركز أساسًا في شرق وجنوب القاهرة. ويعاون سلاح المدفعية في هذا وحدات من سلاح الفرسان بدباباتهم وسياراتهم المصفحة، والقيام كذلك بمحاصرة قصر عابدين مقر الملك، وكان كمال الدين حسين مسئولاً مع عبد المنعم أمين عن تحريك قوات المدفعية يعاونهما في ذلك مجموعة ضباط منهم مصطفى مراد وأحمد أبو الفضل الجيزاوي وفتح الله رفعت ومحسن عبد الخالق ومحمد حمدي محمود. وأما سلاح الفرسان فكانت تقع مسئولية تحركه على كل من خالد محيي الدين وحسين الشافعي وثروت عكاشة، وقد حدد دور وحدات المشاة كذلك في الخطة.

أما سلاح الطيران فكانت السيطرة ستتم على مطاراته الثلاثة الرئيسية حول القاهرة (ألماظة – مصر الجديدة – غرب القاهرة) ليلة 22/23يوليو وعلى أن يبدأ دور الطائرات واستخدامها في الصباح من يوم 23يوليو للطيران فوق القاهرة والإسكندرية، ومنع فاروق من الهروب عن طريق الجو أو البحر مع استخدام القوة لو حاول ذلك. كما على القوات الجوية أيضًا أن تقوم بعمليات استكشاف لتحركات أية قوات بريطانية والتصدي لها عند أي بادرة منها للعمل ضدنا، وهذه المسئولية كانت تقع على عاتقي ومعي حسن إبراهيم وبعض ضباط آخرين منهم عمر الجمال ومحمد شوكت ووجيه أباظة وصادق القرموطي وحمدي أبو زيد]] وغيرهم. ويضاف إلى هذا في الخطة ضرورة قيام وحدات من المشاة بالسيطرة على محطة الإذاعة وشبكة التليفونات حتى يمكن لنا مخاطبة الشعب عن طريق الإذاعة بالقاء بيان عليه عن قيام الانقلاب وأهدافه. وحدد موعد إذاعة البيان الساعة السابعة من صباح 23 يوليو. أما عن شكل شبكة التليفونات فكانت تقع مسئوليتها على عاتق أنور السادات أثناء المرحلة الأولى من الخطة.

وكانت هذه المرحلة من الخطة هي أهم مراحلها الثلاث وبنجاحها يساعد على نجاح المرحلتين التاليتين لها. وبنجاحها سيتم لنا السيطرة على القوات المسلحة. وتلك السيطرة لها أهميتها القصوى.

وأما المرحلة الثانية من الخطة فهي العمل على السيطرة على جهاز الحكومة المدني وذلك عن طريق تعيين وزارة مدنية نضمن ثقة الشعب فيها وولاءها أيضا للانقلاب.

ثم يأتي بعد هذه المرحلة الثالثة وهي التخلص من الملك نفسه. وكان لابد من أن نعمل على إخفاء هذا الغرض الأخير حتى آخر لحظة قبل اتخاذ الخطوات التنفيذية لهذا التخلص منه خوفًا من أن يكون ذلك مبررًا للقوات البريطانية للتدخل. أو أن يلجأ هو نفسه إليها طالبًا منها التدخل لحمايته. وما يترتب على هذا التدخل منها من أخطار نحاول بقدر استطاعتنا العمل على تفاديها وتجنبها.

تلك كانت الخطوط العريضة والأساسية لتنفيذ الانقلاب، وقد وضع لها خطة تفصيلية. وكان قد اتفق على أن يقوم بوضعها كل من جمال عبد الناصر ومعه كمال وعبد الحكيم، وعلى أن نجتمع الساعة الثانية بعد ظهر يوم 22 يوليو في منزل خالد محيي الدين لاستعراضها بصورتها النهائية. وحتى يلم كل منا بدوره ودور الوحدات التابعة لها. وعلى كل منا بعد ذلك أن يقوم بترتيب الدور المسئول منه مع ضباطه ووحداته وعلى ألا تصدر إليهم الأوامر النهائية والتفصيلية للبدء في التنفيذ قبل الساعة الثامنة من مساء يوم 22 يوليو ضمانًا للسرية وعدم تسرب أية معلومات عنها للمسئولين، وحتى يكون الوقت المتبقي على بداية التنفيذ ساعات قليلة لا تسمح باتخاذ إجراءات تحريك قوات مضادة لإحباط مهمتنا إن تسرب الخبر، وكان من الضروري أن نضمن تواجد الضباط الذين ستوكل إليهم تنفيذ الخطة يوم 22 يوليو في الساعة الثامنة مساء، وفي مكان محدد حتى يمكن إبلاغهم بالقرار ودروهم التفصيلي، لذا فقد سبق واتفقنا مع جميع الضباط الأحرار على ضرورة استعدادهم وإعداد وحداتهم ولكن دون أن نذكر لهم أية تفصيلات عن نياتنا وأهدافنا. واقتصر الأمر على ضرورة تواجدهم دائمًا بمنازلهم ويوميًّا قبل الساعة الثامنة مساءً وذلك ابتداء من يوم 21 يوليو حتى يمكن الاتصال بهم.

إحراق أوراق الخطة:

وبعد ظهر يوم 22 يوليو اجتمعنا في منزل خالد كما كان الاتفاق بيننا، وحضر هذا الاجتماع ولأول مرة زكريا محيي الدين، وكان واضحًا أنه اشترك مع جمال وعبد الحكيم وكمال في وضع الخطة التفصيلية، وكانت الأوراق المدونة بها الخطة في جيبه، وقد قام بإخراجها وأخذ يقرأ علينا ما جاء بها لمناقشتها والاتفاق عليها بصورة نهائية. وليتعرف كل منا على دوره بالكامل. ثم قمنا بإحراق تلك الأوراق بعد أن أعاد كل منا الدور المسئول عنه من الذاكرة أمام الباقين، وودع بعضنا بعضًا وقبل انصرافتنا احتضن كل منا الآخر وقبله، وكل منا يعتقد أن هذا ربما يكون آخر لقاء بيننا.

وفي مساء هذا اليوم 22 يوليو قام كل منا بالمرور على زملائه الضباط في التنظيم والمرتبطين به لإبلاغهم بالقرار الذي اتخذ، ودور كل منهم فيه، وموعد تحرك وحدته، والأغراض المطلوبة منه العمل على تحقيقها. وقد توجهت بعد أن أتممت ذلك إلى القيادة العسكرية بكوبري القبة في سيارتي الخاصة ومعي حسن إبراهيم في الموعد المتفق عليه للالتقاء مع جمال وعبد الحكيم لاقتحام القيادة العسكرية بمساعدة إحدى وحدات الجيش. وتقابلنا معهما خارج المبنى، وعلمنا منهما أن أمر الانقلاب قد انكشف سره وعرفت به القيادة العليا بالجيش، وأنها كانت قد أصدرت أوامرها إلى قيادة الوحدات المختلفة بالتوجيه إلى وحداتها لمواجهتنا. وأنهما –أي جمال وعبد الحكيم- كانا قد عرفا هذا الأمر من أحد ضباط المخابرات العسكرية المنضم لتنظيمنا. وأن بعض الضباط من قيادات الجيش كان قد حضر إلى مبنى القيادة لتجتمع برئيس أركان الجيش. "اللواء حسن فريد" ولتتلقى منه الأوامر قبل التوجه إلى وحداتها، ومن حسن الحظ أن إحدى الوحدات العسكرية التابعة لنا والتي كان يقودها البكباشي يوسف منصور صديق كانت قد تحركت خطأ قبل الموعد المحدد لها بساعة. وتصادف أن قابل جمال وعبدالحكيم تلك القوةوهي في طريقها إلى المكان المحدد لها في الخطة فطلبا من يوسف أن يتجه بقوته إلى مبنى القيادة مباشرة لاقتحامها واعتقال القيادات العسكرية التي تجمعت بها قبل انصرافها إلى وحداتها. وأمكن ليوسف أن يقتحم القيادة. وأن يتحفظ على القيادات التي كانت بها وفي أثناء وجودنا معهما حضر بعض آخر من قيادات الجيش وكان كل من يحضر منهم يتم التحفظ عليه. ويرسل إلى سجن الطلبة بالكلية الحربية المواجهة لمبنى القيادة، وكانت بعض القيادات الأخرى قد توجهت رأسًا إلى وحداتها. وقد تم التحفظ عليها. عند وصولها إليها بواسطة الضباط الأحرار بها.


كيف علم الملك:

ولم نكن نعلم كيف تسر ب الخبر إلى السلطان رغم الحذر الذي اتخذناه إلا في صباح اليوم التالي – 23يوليو- عندما أبلغني عامل التليفون بمطار مصر الجديدة أن قائد اللواء الجوي "صالح محمود صالح" قد طلب منه في مساء اليوم السابق توصيله تليفونيًّا بياور الملك النوباتجي في سراي رأس التين بالإسكندرية حيث يتواجد الملك. وأن عامل التليفون قد استمع إلى الحديث الذي دار بينهما. وقد قام "صالح" بإبلاغ الياور أنه علم أن هناك بعضًا من وحدات الجيش ستقوم في نفس الليلة بعمل انقلاب عسكري. ومن الطبيعي أن الياور قد قام بدوره في إبلاغ هذه المعلومات لقيادته في السراي. وكان "صالح" قد عرف بالأمر عندما شك في تصرفات شقيقه اليوزباشي سلاح المدفعية، والذي كان مشتركًا في تنفيذ العملية. وقد زاد هذا الشك عنده عندما حضر بعض الضباط من زملاء شقيقه إلى منزله ليصحبوه معهم إلى وحدتهم. وعلى أثر ذلك قام بهذا الإبلاغ ليحصل على ميزة مقابل هذا الدور منه خاصة أنه كان محالاً إلى الاستيداع في ذلك الوقت، وهو كان معروفًا بين زملائه ضباط الطيران بسوء السمعة أو السلوك. وقد تم اعتقاله صباح يوم 23 يوليو لهذا السبب عندما حضر بنفسه إلى مبنى القيادة العسكرية طالبًا مقابلة محمد نجيب معتقدًا أن سر اتصاله التليفوني أنه خاف علينا.

وبعد أن تمت السيطرة على القيادة العسكرية. والتحفظ على القيادات التي كانت قد تجمعت بها. وأرسلت إلى سجن الطلبة في الكلية الحربية، سمعنا من ينادي باسم عبد الحكيم من الشارع الموازي للشارع الذي كنا نقف فيه والمسمى بشارع الخليفة المأمون المار من أمام القيادة العسكرية، ويفصل بين الشارعين نفق مكشوف لسير مترو مصر الجديدة، وتبين لنا أنه أنور السادات . وكانت الجنود التابعة لنا والمرابطة في المنطقة قد منعته من عبور الكوبري الموصل بين الشارعين. وعلمنا أنه على ما يظهر كان قد التبس عليه الأمر وفهم خطأ الموعد لتنفيذ الانقلاب عندما أبلغه حسن إبراهيم به عندما سافر إليهم في العريش، ولذا فقد ذهب مع السيدة زوجته إلى السينما في نفس ليلة التنفيذ، وكان جمال عبد الناصر قد ذهب مع كمال الدين حسين لمقابلته في منزله مساء يوم 22 يوليو. ولكنهما علما من بواب مسكنه بذهابه إلى السينما. فترك له جمال رسالة كتب بها "إن المشروع سيتم الليلة وفي إنتظارك الساعة 2200 في منزل عبد الحكيم"، وعندما اطلع عليها أنور بعد عودته من السينما وفهم المقصود منها حضر إلى منطقة القيادة العسكرية ليشترك معنا، ولكننا لم نكن قد أصبحنا في حاجة إلى تعطيل شبكة التليفونات بعد أن تمت لنا السيطرة على القيادة العسكرية، وبعد أن تحركت كل وحداتنا إلى الأغراض المحددة لها، وبعد أن تم لنا التحفظ على أغلب القيادات العسكرية بل أصبحنا في حاجة إلى المحافظة على تلك الشبكة للاستفادة منها واستخدامها في اتصالاتنا بالوحدات التابعة لنا:

طلبنا من نجيب الحضور:

وكان الجزء الأول من الخطة قد تم تنفيذه بنجاح حوالي الساعة الثالثة صباحًا من يوم 23 يوليو، فعمل على الاتصال بجمال سالم بالعريش وصلاح سالم برفح وأبلغا بكلمة السر علامة لهما ليبدآ في تنفيذ الجزء المطلوب منهما والعمل على السيطرة على القوات الموجودة بالمنطقة هناك. كما تم الاتصال أيضًا باللواء أ. ح. محمد نجيب في منزله وأبلغناه بالانقلاب العسكري الذي قمنا به وبسيطرتنا على القيادة العسكرية وطلبنا منه الحضور إليها ليتولى قيادة الانقلاب فقبل المهمة. وأرسلت له سيارة مصفحة لمرافقته وحراسته أثناء الطريق من منزله إلى مبنى القيادة. وعلمنا منه حضوره أن مرتضى المراغي وزير الداخلية كان قد اتصل به تليفونيَّا من الإسكندرية قبل أن يحضر إلينا بقليل مستفهمًا منه عن طلبات المتمردين على حد قوله، وطلب منه أن يعمل على تهدئتهم. ولكنه أجابه من أنه لا يعلم شيئًا عما يحدثه عنه.

وكانت اللجنة التأسيسية قد قررت الاتصال بمحمد نجيب عندما استقر رأيها على القيام بالانقلاب، وكان ذلك يوم 19 يوليو حتى تعرف منه مدى استعداده للمشاركة فيه، وذهب جمال عبد الناصر وعبد الحكيم إليه في منزله في نفس اليوم ولكنهما لم يجدا فرصة للتحدث إليه أو مفاتحته في الأمر لأنهما كانا قد وجدا عنده بالمنزل بعض الضيوف ومنهم " محمد حسنين هيكل " المحرر بدار أخبار اليوم في ذلك الحين وكذلك الضابط جلال ندا. وقد دار الحديث أثناء الزيارة حول قرار مجلس إدارة نادي الضباط. واستفهم هيكل منهما عن مدى رد فعل هذا القرار داخل الجيش، وما هو التصرف الذي ينوي ضباط الجيش القيام به ردًّا على هذا التصرف من الملك، ولكنهما أوضحا له أنهما لا يعطيان مثل هذه الأمور أهمية، وأنهما سينصرفان للذهاب إلى السينما، وانصرفا دون التمكن من مفاتحة محمد نجيب في الموضوع. وكانت هذه المحاولة مع محمد نجيب قد قررت بعد أن اعتذر اللواء محمد فؤاد صادق عندما عرض صلاح سالم الأمر عليه من قبل.

وكان الرأي بيننا قد اتفق على ضرورة اختيارنا لأحد الضباط من ذوي الرتب العالية، ومن ذوي السمعة الحسنة في الجيش، ومن المعروفين لدى المدنيين من الشعب للاشتراك معنا في القيام بالانقلاب، وتولى قيادته. لأننا جميعًا أعضاء اللجنة التأسيسية من ذوي الرتب العسكرية الصغيرة (بكباشية وصاغات)، والرأي العام ربما لا يقتنع بنا عندما يعلن عن الانقلاب وأسماء قادته، ونحن سنكون في أشد الحاجة إلى ثقة واطمئنان الشعب خاصة في المراحل الأولى من الانقلاب، ومحمد نجيب كان قد عرف الرأي العام أثناء المعركة الانتخابية لمجلس إدارة نادي الضباط، وكان معروفًا أيضًا لدى ضباط الجيش من أنه قد قاتل بشجاعة في حرب فلسطين 1948م وجرح مرتين.

وكان من ضمن تفضيلات الخطة الاستيلاء على محطة الإذاعة ومخاطبة الشعب منها، وإلقاء بيان عليه بقيام الانقلاب، والمبررات التي دفعتنا للقيام بهذا الانقلاب، وحدد موعد إلقاء هذا البيان الساعة السابعة صباحًا من يوم 23 يوليو في الخطة. وقد قام أنور بالقاء هذا البيان باسم اللواء أ. ح. محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة، والبيان نفسه لم يعد إلا بعد أن استولينا على القيادة العسكرية، وبعد أن حضر محمد نجيب إليها وانضم إلينا. واختير أنور لإلقاء هذا البيان لعدم انشغاله بوحدات عسكرية خاضعة لقيادته.


تكليف علي صبري بإبلاغ السفير الأمريكي:

ولما كنا نرى ضرورة تجنب الصدام مع القوات البريطانية المعسكرة في منطقة القناة لذا رأينا أن نعمل على تجميدها بعد نجاحنا في الخطوة الأولى حتى لا تتحرك لمقاومة الانقلاب. واتفق على أن نبلغ السفير البريطاني بأن الجيش المصري قد تحرك لأمور داخلية، ولغرض مطالبة السلطات المصرية ببعض المطالب الخاصة به، ومن أننا حريصون على مصالح الأجانب وحماية أرواحهم، ومحذرين في في نفس الوقت من أن أي تدخل من القوات البريطانية سيدفعنا للتصدي لها والاشتباك معها. ومن أن هناك منظمات وهيئات شعبية أيضًا ستشترك معنا في هذا التصدي. وكانت المشكلة التي أمامنا هي كيف يمكن الاتصال بالسفير البريطاني لإبلاغه تلك الرسالة، وكانت الساعة حوالي الرابعة من صباح يوم 23 يوليو. ولما كنت أعرف مدى صداقة علي صبري – وكان مديرًا للمخابرات الحربية في قواتنا الجوية- بالملحق الجوي الأمريكي بالقاهرة (إيفانز)؛ لذا اقترحت على باقي الزملاء فكرة استدعاء علي صبري لإبلاغ السفير الأمريكي عن طريق الملحق الجوي بالانقلاب، على أن يقوم السفير الأمريكي بإبلاغ السفير البريطاني بتلك الرسالة. واصتلت بعلي صبري تليفونيًّا وطلبت منه الحضور إلى القيادة العسكرية، وكلف بإبلاغ هذه الرسالة وقام بها.

وهذه الخطوة منا والاتصال بالسفير الأمريكي "كافري" كانت عاملاً مساعدًا في توثيق العلاقة بين أمريكا ومصر في السنين الأولى من الانقلاب حتى أنها أعطت انطباعًا خاطئًا عند البعض فيما بعد على أن الثورة كانت على اتصال مسبق بالأمريكيين قبل قيامها.

وانتشر خبر حركة الجيش بسرعة بين المواطنين بعد إعلان البيان الأول على الشعب – ووجود طائرات سلاحنا الجوي في سماء مدينة القاهرة والإسكندرية طوال يوم 23 يوليو... وقد جاء بالبيان:

(اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون في هزيمتنا في حرب فلسطين).

وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا في الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ولابد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب).

(وإني أوكد للشعب المصري أن الجيش المصري كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجردًا من أية غاية.

وأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة أن يلجأ إلى أعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر.

وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم. والله ولي التوفيق).

الاتصال بعلي ماهر:

وبعد أن اطمأنت نفوسنا إلى نجاح المرحلة الأولى من الانقلاب بدأنا في تنفيذ المرحلة الثانية منه وذلك بالعمل على تشكيل وزارة مدنية تحظى بثقة الشعب ونضمن ولاءها. واتفق على أن يقوم بتشكيل تلك الوزارة علي ماهر. وتم الاتصال به يوم 23 يوليو. وذهب إلى منزله كل من كمال الدين حسين أنور السادات ورافقهما إحسان عبد القدوس الصحفي ليدلهما على منزله. ووافق علي ماهر، ولكنه طلب أن يكلف من الملك رسميًّا بتشكيل الوزارة، وكان نجيب الهلالي رئيس مجلس الوزراء و مرتضى المراغي وزير الداخلية دائبي الاتصال بنا تليفونيًّا منذ الساعات الأولى من الانقلاب. وكانا يعتقدان أنه من الممكن لهما تسوية الأمر معنا وذلك بالاستجابة إلى بعض مطالبنا، وكانا قد اتصلا بنا لابلاغنا بالموافقة على تعيين محمد نجيب قائدًا عامًا للجيش بعد إعلاننا البيان باسمه كقائد عام. فطلبنا منهما أن يؤلف علي ماهر الوزارة، فأبلغا الأمر إلى فاروق وقدم نجيب الهلالي استقالته، وكلف فاروق/ علي ماهر بتشكيل الوزارة بغرض تهدئتنا، وتقدمنا بعد ذلك لعلي ماهر بطلبات الجيش حتى يبلغها بدوره إلى فاروق، وكنا نهدف من ذلك تغطية هدفنا الثالث وهو التخلص من الملك نفسه. وسافر علي ماهر إلى الإسكندرية مساء يوم 23 يوليو لمقابلة الملك هناك ولخلف اليمين ولإبلاغه عن طلبات الجيش، وكانت تتلخص في عدة مطالب مرتبطة بتحسين أحوال الجنود، وطلبات أخرى لتحسين أحوال الشعب، ثم طلب خاص بطرد بعض من أفراد حاشية فاروق نفسه من سيئ السمعة – وقد حددنا أسماءهم- وفي مساء يوم 24يوليو اتصل بنا علي ماهر من الإسكندرية تليفونيًّا وأبلغنا من أن الملك قد وافق على بعض من مطالبنا ولكنه لم يوافق على البعض الآخر منها، ومن أنه متمسك بأفراد حاشيته المطلوب استبعادهم، وطلب علي ماهر رأينا حتى يبلغه لفاروق. ولكننا لم نشأ أن نخبره به. وأبلغناه أن محمد نجيب سيقوم بالسفر إلى الإسكندرية يوم 25 يوليو- وسيعلم منه الرد بعد وصوله إلى هناك.

الملك لا يمكنه الاستغناء عن بوللي:

وكانت المرحلة الثالثة من الخطة قد بدئ في تنفيذها للتخلص من الملك نفسه. وقمنا بإرسال بعض وحدات عسكرية من القاهرة إلى الإسكندرية لتعزيز قواتنا بها، وقد علم علي ماهر في الساعات الأولى من صباح يوم 25 يوليو بوصول القوات إلى الإسكندرية، فقيل له أنهما بغرض تعزيز قواتنا هناك للمحافظة على أرواح وممتلكات الأجانب بتلك المدينة. ولكنه عاد واتصل بنا لثالث مرة وأبلغنا أن الملك قد وافق على كل المطالب التي تقدمنا بها غير أنه – أي الملك- يود فقط أن نسمح له بالاحتفاظ بأحد أفراد الحاشية والمعروف باسم بوللي بحجة أنه لا يمكنه الاستغناء عنه فهو قد لازمه منذ أن كان طفلاً. وبوللي هذا كان كهربائيًّا بالسراي الملكية وهو من أصل إيطالي. وكان لقربه من الملك قد أصبح له من النفوذ ما شجع الكثير من الساسة المصريين من العمل على كسب وده وصداقته كي يكون عونًا لهم عند الملك – ولم نشأ أن نخبر علي ماهر برأينا بعد هذا التنازل من الملك والاستجابة لمطالبنا وإنما استمر الرد منا أن محمد نجيب سيبلغه برأينا بعدما يصل إلى الإسكندرية.

وفي يوم 25 يوليو سافر محمد نجيب إلى الإسكندرية ومعه جمال سالم الذي كان قد حضر من العريش بالطائرة يوم 24 يوليو. كما سافر معهما أيضًا كل من حسن إبراهيم أنور السادات وزكريا محيي الدين وحسين الشافعي ويوسف منصور صديق وعبد المنعم أمين ليتولوا أمر قيادة الوحدات هناك التي ستقوم بإتمام تنفيذ حصار قصر رأس التين وقصر المنتزه في تمام الساعة السابعة من صباح يوم 26يوليو بغرض الضغط على الملك وإجباره على التنازل عن العرش لصالح ابنه أحمد فؤاد الطفل.

وأما باقي أعضاء اللجنة التأسيسية فقد بقوا بالقاهرة لضمان استمرار السيطرة على القوات المسلحة بها.

وبدأت المرحلة الثالثة من الخطة في التنفيذ بمحاصرة القصرين الملكيين بالمدينة في الصباح المبكر من يوم 26يوليو. وقامت الطائرات الحربية بعملية استكشاف دائمة فوق البحر لمنع فاروق من الهروب باستخدام يخته الخاص (المحروسة) أو أية قطعة بحرية أخرى يعتقد هروبه عليها. وبعد أن تمت السيطرة الكاملة على المدينة وحصار القصرين طلب من فاروق التوقيع على الوثيقة المعدة من جانبنا بالتنازل عن العرش. وكان لابد أن يتم ذلك قبل الساعة الثانية عشرة ظهرًا من نفس اليوم – 26يوليو- وعليه أن يقوم بعد ذلك بمغادرة البلاد على ظهر يخته الخاص قبل الساعة السادسة من مساء نفس اليوم أيضًا، ويسمح له بنقل احتياجاته الشخصية هو وأفراد عائلته على ظهر اليخت.

جمال سالم يطلب محاكمة الملك:

وبعد منتصف الليل من يوم 25 يوليو – وكنا قد أخلدنا للنوم بعد هذا المجهود المضني والمستمر دون نوم أو طعام منذ ليلة 22يوليو غير شرب الشاي والقهوة – أيقظنا جمال سالم من نومنا وكان قد حضر توًّا من الإسكندرية. وكان مجهدًا للغاية وصوته لا يكاد يسمع إلا بصعوبة من كثرة الارهاق وأثار موضوع محاكمة الملك وإعدامه. وأن البعض في الإسكندرية يطالبون باتخاذ هذه الخطوة. وتناقشنا في الأمر واستقر الرأي على أنه من الأفضل أن يترك الملك وشأنه وللتاريخ أن يحكم عليه. وليس على الملك إلا أن يغادر البلاد في الموعد الذي سبق واتفق عليه بعد أن يوقع على وثيقة التنازل عن العرش.

وعاد جمال سالم ثانية إلى الإسكندرية ليصل إليها قبل بدء تنفيذ المرحلة الثالثة من الخطة لإبلاغ الآخرين بقرارنا.

وكان علي ماهر قد فوجئ في صباح يوم 26 يوليو بالحصار الذي يجري حول القصرين الملكيين هناك، وتحركات الجيش والطيران.

وذهب إليه محمد نجيب في "بولكلي" مقر الوزارة بالإسكندرية وقدم إليه إنذار الجيش للملك بضرورة توقيع وثيقة التنازل عن العرش قبل الثانية عشرة ظهرًا ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة مساءً. وطلب منه أن يعمل على اقناع فاروق بالتوقيع عليها. ولم يكن علي ماهر، على ما يظهر يتوقع هذه المفاجأة فاصفر وجهه وارتجفت شفتاه.

وقام علي ماهر وذهب إلى الملك وأبلغه بالإنذار مشافهة تجنبًا لما جاء به من كلمات قاسية. أما وثيقة التنازل وتوقيع الملك عليها فلم يقدر علي ماهر، على القيام بتلك المهمة الصعبة لارتباطه عاطفيًّا بالدور الذي كان قد سبق ولعبه بوقوفه بجانب فاروق عند توليه العرش عام 1937 بعد وفاة والده الملك أحمد فؤاد الأول. ولذا فقد كلف بدلاً منه المستشار سليمان حافظ للقيام بتلك المهمة.

الموقف عصيب:

وذهب سليمان حافظ إلى قصر رأس التين لمقابلة الملك. وطلب منه أن يوقع على وثيقة التنازل. ولم يعترض فاروق عليها وإنما أراد إضافة كلمة "وإرادتنا" بعد عبارة "بناء على إرادة الأمة" الواردة في الوثيقة – وطلب تعديلها. ولكن سليمان حافظ أجابه أنه يفضل أن يوقع عليها كما هي دون أن يطلب هذا التعديل. وتكلم فاروق وقال "أفهم من هذا أنه كان هناك وثيقة أخرى أشد لهجة" – وطلب الاطلاع عليها. ولكن سليمان أبلغه أنه لم يطلع عليها وهي ليست معه. وقام الملك بالتوقيع على الوثيقة وهو في حالة انفعال شديد. ولم يتمكن من السيطرة على نفسه، وكانت يده ترتعش، وجاء توقيعه مهزوزًا فاعتذر لسليمان حافظ قائلاً: "أعتذر فالموقف عصيب". وأعاد التوقيع ثانية ولكن بيد أكثر ثباتًا. ولذا فوثيقة التنازل يلاحظ عليها توقيعان بيد الملك لهذا السبب.

والإنذار جاء فيه:

(من الفريق أركان حرب محمد نجيب – باسم ضباط الجيش ورجاله إلى جلالة الملك فاروق الأول. إنه نظرًا لما لاقته البلاد في العهد الأخير من فوضى شاملة عمت جميع المرافق نتيجة سوء تصرفكم وعبثكم بالدستور وامتهانكم لإرادة الشعب حتى أصبح كل فرد لا يطمئن على حياته أو ماله أو كرامته. لقد ساءت سمعة مصر بين شعوب العالم من تماديكم في هذا المسلك حتى أصبح الخونة والمرتشون يجدون في ظلكم الحماية والأمن والثراء الفاحش والإسراف الماجن على حساب الشعب الجائع الفقير – ولقد تجلت آية ذلك في حرب فلسطين وما تبعها من فضائح الأسلحة الفاسدة وما ترتب عليها من محاكمات تعرضت لتدخلكم السافر مما أفسد الحقائق وزعزع الثقة في العدالة وساعد الخونة على ترسم هذه الخطى فأثرى من أثرى وفجر من فجر وكيف لا والناس على دين ملوكهم.

لذلك فقد فوضني الجيش الممثل لقوة الشعب أن أطلب من جلالتكم التنازل عن العرش لسمو ولي عهدكم الأمير أحمد فؤاد على أن يتم ذلك في موعد غايته الساعة الثانية عشرة من ظهر اليوم السبت الموافق 26 يوليو 1952م والرابع من ذي القعدة 1371 ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة من مساء اليوم نفسه والجيش يحمل جلالتكم كل ما يترتب على عدم النزول على رغبة الشعب من نتائج.

توقيع فريق أركان حرب – محمد نجيب

وأما وثيقة التنازل فقد أعدها الدكتور [[عبد الرازق السنهوري]] رئيس مجلس الدولة في صيغة أمر ملكي يستلهم ديباجته من الدستور – وجاءت في كلمات موجزة:

(أمر ملكي رقم 65 لسنة 1952 نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان. لما كنا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا ونبتغي سعادتها ورقيها – ولما كنا رغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة ونزولاً على إرادة الشعب – قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس الدولة للعمل بمقتضاه.

صدر بقصر رأس التين في 4 ذي القعدة 1371 (26 يوليو1952).

وبعد ظهر نفس اليوم أعلن في الإذاعة عن تنازل فاروق عن العرش لصالح ابنه الأمير الطفل. كما أذيع خبر مغادرته البلاد في الساعة السادسة من مساء نفس اليوم – 26 يوليو سنة 1952- وبقدر ما كان الخبر مفاجأة لجماهير شعبنا بقدر ما كانت سعادتهم وفرحهم للتخلص من هذا الملك الفاسد. ونزل الكثير منهم إلى الشوارع مظهرين سرورهم وسعادتهم لهذا الخبر السار.

وكان الشعب قد استقبل حركة ضباط الجيش من أول يوم في الانقلاب بالفرحة والابتهاج والتجاوب الكامل معها من كل الهيئات والفئات فيما عدا القلة القليلة جدًا من الأفراد المرتبطة مصالحهم بوجود الملك والتي كانت تخشى على ضياع تلك المصالح بذهابه.

وعند مغادرة فاروق الإسكندرية على ظهر اليخت (المحروسة) كان في توديعه على رصيف الميناء الخاص بقصر رأس التين محمد نجيب وجمال سالم. كما كان في توديعه أيضًا علي ماهر والسفير الأمريكي "كافري" وأطلقت مدفعية السواحل 21 طلقة تحية له أثناء مغادرته الميناء. وكان يرافقه على ظهر اليخت زوجته الثانية (ناريمان) وابنه منها أحمد فؤاد الثاني ولي العهد وبناته الثلاث من زوجته السابقة فريدة. وكانت الأوامر التي صدرت من مجلس قيادة الثورة إلى قائد اليخت أن يكون تحت إمرة فاروق حتى يصل إلى الجهة التي يرغب في الذهاب إليها ثم يعود اليخت إلى الإسكندرية ثانية بعد توصيله. وقال فاروق لمحمد نجيب وجمال سالم وهو يصافحهما. أنتم سبقتموني في إللي عملتوه. وإللي عملتوه دلوقتي كنت أنا رايح أعمله".

وتمنى لنا التوفيق في مهمتنا الصعبة على حد قوله.


الفصل الثالث: الجيش والسلطة

وبعد أن تنازل فاروق عن العرش وغادر أرض مصر عمت البلاد فرحة أمل واستبشار بالمستقبل بعد أن أزيح ذلك الكابوس عن صدرها. وكان علينا نحن أعضاء اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار أن نفكر في خطة عملنا والخطوات الواجب علينا اتخاذها بعد أن أصبحت المسئولية الأولى تقع على عاتقنا. وإن ما كنا ننادي به في منشوراتنا من أهداف أصبح واجبًا علينا أن نعمل على تحقيقه. وكانت مشكلتنا أننا لم نكن قد أعددنا لأنفسنا برنامج عمل تفصيليًّا قبل قيام الثورة خشية أن إعداد مثل هذا البرنامج ربما يترتب عليه خلافات حول تفصيلاته وفروعه مما يتسبب عنه فرقة بيننا ونحن كنا في أشد الحاجة إلى استمرار تماسكنا ووحدتنا، كما أن الانقلاب قد نفذ قبل الموعد المحدد له مسبقً بثلاث سنوات تقريبًا نتيجة للظروف السياسية المتدهورة التي كانت تمر بها البلاد، وملاحقة الملك وأجهزته لنا بعد تحدينا له في انتخابات مجلس إدارة نادي الضباط. ولم يكن لذلك لدينا من برنامج عمل غير تلك الأهداف التي كنا دائمي النشر عنها في منشوراتنا السرية، ورأينا أن تكون تلك الأهداف هي دليل عملنا في تلك المرحلة الأولى بعد نجاح الانقلاب.

وأول ما شغل بالنا بعد التخلص من فاروق واستحوذ على كل اهتمامنا هو الجيش وضمان استمرار السيطرة عليه وتأمينه. وأن يكون ولاؤه لأهداف الثورة. وكان لابد أن نكون مطمئنين تمام الاطمئنان على هذه الناحية قبل أن نبدأ أي تحرك في أي اتجاه لأن الجيش سيكون هو السند الأساسي والرئيسي لنا في كل قرار له أهميته والاعتماد عليه لحماية الثورة من أية قوى أخرى مناوئة لها، ولذا فقد بذلنا جهدًا في الأيام الأولى بعد قيامها لإعادة تنظيم الجيش واستبعاد بعض القيادات العسكرية منه واستبدالها بقيادات جديدة معروفة لنا بكفاءتها وقدراتها وولائها لأهدافنا أيضًا. ورأينا ألا نظلم أحدًا من هؤلاء الضباط الذين رئي استبعادهم، فعمل على نقل البعض منهم إلى وظائف أخرى مدنية بنفس المرتب والدرجة التي كان عليها بالجيش، كما رئي إحالة البعض الآخر إلى المعاش مع منحه معاش الرتبة التالية لرتبه، ولم نمانع في أن يلتحق بأي عمل يتكسب منه عيشه بالإضافة إلى المعاش الذي يحصل عليه.

وبعد إعادة تنظيم الجيش والاطمئنان إليه، كان علينا أن نخطو الخطوة التالية. وأن نعمل بسرعة على اتخاذ الإجراءات اللازمة والضرورية لإعادة توزيع الأرض الزراعية في مصر بما يحقق العدالة الاجتماعية بين فلاحينا ونخفف من السيطرة السياسية والاقتصادية لملاك الأرض عليهم، وذلك باصدار قانون يحقق تلك الأهداف لهذا القطاع الهام من شعبنا وهو "قانون الإصلاح الزراعي". وكذا العمل على إصدار القوانين اللازمة التي تؤمن العامل الصناعي وتوفر له الحماية من تعسف صاحب العمل وتحدد العلاقة بين العامل وصاحب العمل.

وكانت قناعتنا أن هذين القانونين هما حجر الزاوية الأولى في ثورتنا الاجتماعية حتى يتوافر الأمن والاستقرار والحياة الكريمة للعامل والفلاح وهما الغالبية العظمى من شعبنا المصري. وكلف مجلس القيادة (اللجنة التأسيسية سابقًا) جمال سالم بأن يتولى أمر إعداد مشروع قانون الإصلاح الزراعي. وكان عليه أن يستعين في إعداده ببعض الفنيين الزراعيين من ذوي الخبرة في هذا الميدان وكذا ببعض القانونيين، وكان على رأس تلك المجموعة الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري رئيس مجلس الدولة في ذلك الوقت. وكان مشهودًا له بكفاءته وقدرته القانونية. ومجموعة أخرى من الشباب المصري المتحمس وممن لهم خبرة بشئون الزراعة وعلى رأسهم المهندس سيد مرعي والمهندس سعد هجرس والمهندس عزت عبد الوهاب. كما أن جمال سالم نفسه كان لديه فكرة عامة عن هذا الموضوع من قبل فكان قد حاول أثناء مرضه بلندن دراسة بعض جوانبه، وقد بذل جمال سالم مع مساعديه ومعاونيه جهدًا كبيرًا لإعداد هذا القانون في وقت قصير رغم تعدد مشاكله وجوانبه.

وكان علي ماهر لا يزال رئيسًا للوزراء. ومحمد نجيب كان قد انتخب من أعضاء مجلس الثورة ليصبح رئيسًا لمجلسهم بالإضافة إلى منصب القائد العام للقوات المسلحة. وكان من الضروري تشكيل مجلس وصاية مؤقت لابن فاروق القاصر حتى يستكمل الوضع الدستوري بالبلاد. وشكل هذا المجلس من الأمير محمد عبد المنعم وهو من أسرة محمد علي، وبهي الدين بركات باشا وكان من خيرة رجال مصر ومن ذوي السمعة الطيبة، والقائمقام رشاد مهنا من ضباط سلاح المدفعية وممن ساهموا في السيطرة على قوات الجيش في منطقة العريش في صباح يوم 23 يوليو سنة 1952 متعاونًا في ذلك مع جمال سالم وصلاح. وكان مجلس القيادة قد أصدر قرارًا بتعيينه في هذا المنصب. وكان الغرض هو إبعاده عن الجيش وتفاديًا من الصدام معه وهو كان قد حضر فجأة إلى القاهرة من العريش يوم 27يوليو سنة 1952 أي ثاني يوم لمغادرة فاروق البلاد وأخذ يتصرف وكأنه أحد المحركين الأساسيين لهذا الانقلاب. وكان معروفًا بطموحه وله شعبية بين زملائه ضباط سلاح المدفعية. ولكن سرعان ما هدأت نفسه بعد أن أبلغ بتعيينه في هذا المنصب عضوًا في مجلس الوصاية المؤقت. وكان قد سبق تعيينه وزيرًا للمواصلات لمدة أربع وعشرين ساعة حتى يستكمل الشكل الدستوري ليشغل هذا المنصب. وقد عبر لنا عن شكره وامتنانه والدموع تترقرق في عينيه من شدة الانفعال، ولكنه لم يكن يدري الغرض الرئيسي من وراء هذا التعيين. ولكن هذا لم يمنع من الصدام معه بعد فترة وجيزة من شغله هذا المنصب عندما ساند علي ماهر في موقفه من اعتراضه على قانون الإصلاح الزراعي.

تعيين رشاد مهنا بهدف إبعاده:

وكان علي ماهر يرى أن تفرض ضرائب تصاعدية على كل مالك يملك أرضًا زراعية تزيد مساحتها عن خمسمائة فدان، وأن تفرض هذه الضرائب على الجزء الزائد عن هذا الحد فقد دون الاستيلاء عليه. وكان مشروع القانون المقترح من مجلس القيادة يشترط أنه لا يحق للفرد الواحد أن يمتلك أكثر من مائتي فدان، ويضاف إليها مائدة فدان أخرى لأسرته، وما يزيد عن هذا الحد تقوم الدولة بالاستيلاء عليه لتوزيعه على الفلاحين المعدمين، مع تعويض صاحب الأرض عن الجزء الذي يستولى عليه بسبعين مثلاً من الضريبة السنوية للفدان الواحد، مع توزيع الأرض المستولى عليها على الفلاحين في حدود لا تزيد على خمسة أفدنة ولا تقل عن فدانين للأسرة الواحدة، مع مراعاة الحالة الاجتماعية لكل أسرة. وتقسيط الثمن على الفلاحين الموزعة عليهم الأرض على ثلاثين عامًا وفائدة 3%.

علي ماهر يتصلب:

وقد عقد اجتماع مشترك في مجلس الوزراء لمناقشة الأمر بعد أن تبين أن هناك تعارضًا في وجهتي النظر. وحضر الاجتماع أعضاء مجلس الوصاية فيما عدا الأمير عبد المنعم، كما حضره علي ماهر رئيس الوزراء وعدد قليل من الوزراء. ومن مجلس القيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وجمال سالم، وصلاح عبد الحكيم وأنا. ودارت المناقشة حول وجهتي النظر المتباينتين. وحاولنا إقناع علي ماهر بوجهة نظرنا والدافع الإنساني والسياسي وراء هذا الاتجاه منا، ولكنه ظل متمسكًا بوجهة نظره بل ومتصلبًا، وعاونه في ذلك وسانده رشاد مهنا وبهي الدين بركاتا. واصطدم أثناء المناقشة جمال سالم مع بهدي الدين بركات فذكر لجمال الحكمة المشهورة "صديقك من صدَقك لا من صدّقك". ثم أرسل لجمال سالم فيما بعد علبة سجاير فضية منقوشًا عليها هذه الحكمة.

وانتهى هذا الاجتماع المشترك دون أن نصل إلى رأي موحد بيننا وكنا نعلم أن علي ماهر متأثر من الضغط الذي وقع عليه من بعض أفراد الأسر الغنية ذات الإقطاعيات الزراعية والتي ستتأثر من تنفيذ هذا القانون وبحجة أن تلك الأسر قد تعودت على مستوى معين من المعيشة. وأن هذه المساحة من الأرض الزراعية المقترحة في المشروع كحد أعلى لملكيتهم لا تغطي مصروفاتهم، ونسوا حالة البؤس والجوع والمرض التي كان عليها فلاحونا، والظلم الذي كان يقع عليهم، واستغلالهم ليعيشوا هم عيشة الترف والبذخ. وكان فؤاد سراج الدين سكرتير حزب الوفد مقتنعًا هو الآخر بالرأي القائل بفرض ضرائب تصاعدية. وقد عبر عن رأيه هذا عندما اجتمع به جمال عبد الناصر وعبد الحكيم وصلاح سالم في منزل أحد أقربائه من ضباط الجيش وهو عيسى سراج الدين لمناقشة هذا الموضوع معه. وفاته أيضًا أن العدل الاجتماعي وانهاء السيطرة السياسية والاقتصادية على هؤلاء الفلاحين يتطلب منا سرعة الحل. وأن الأمر أصبح لا يحتمل تركه أكثر مما ترك.

وكان عدد سكان مصر في عام 1952 حوالي اثنين وعشرين مليونًا. ومساحة الأرض المزروعة لا تزيد على ستة ملايين من الأفدنة، وهذه المساحة لم تزد عن عشرات السنين. وكان يتعيش عليها في الماضي ما لا يزيد عن ثلاثة ملايين نسمة، والسكان في مصر يتزايدون بنسبة 2.8% في السنة. ولا يقابل تلك الزيادة زيادة في الأرض المزروعة ونتج عن هذا بؤس وفقر العاملين في قطاع الزراعة سنة بعد أخرى. ومن كان يملك خمسين فدانًا إلى مائتين فعددهم لا يزيد عن 9500مالك، ومن يملك مائتي فدان أكثر فعددهم لا يتجاوز 2300مالك. وأما عدد العاملين في هذا القطاع من الفلاحين مع عائلاتهم فلا يقل عن عشرة ملايين شخص، والأجر اليومي للعامل الزراعي لم يكن يتجاوز ثمانية قرش بأية حال من الأحوال، وعدد أيام العمالة في هذا القطاع على مدار السنة لا يتجاوز الأربعة شهور نظرًا لطبيعته الخاصة، فأي بؤس هذا الذي كان يعيشون فيه، وكان مالك الأرض الكبيره له السيطرة الكاملة على سكان منطقته سواء السياسية منها أو الاقتصادية. وكان يسانده في تدعيم هذه السيطرة المسئولون الحكوميون أنفسهم وذلك بحكم مراكز هؤلاء الملاك في الأحزاب السياسية المختلفة، وكانت تلك الأحزاب تعتمد عليهم في مدها بالمال اللازم لتمويل نشاط الحزب. كما تعتمد عليهم أيضًا في تثبيت سيطرتهم السياسية على مناطق نفوذهم.

وكان مجلس القيادة مقتنعًا بتلك الظروف ويرى ضرورة تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي بالصورة التي أعد بها، ولكن علي ماهر ظل مصرا على موقفه من القانون. ولم يجد المجلس بدا من إعفائه من رئاسة الوزارة، لا لهذا الموقف منه وحده وإنما لأسباب أخرى أيضًا، فاعفي يوم 7 سبتمبر سنة 1952. وخلفه في الرئاسة اللواء محمد نجيب. وأعلن قانون الإصلاح الزراعي يوم 9 سبتمبر أي بعد تولي محمد نجيب رئاسة الوزارة مباشرة. وقد روعي في القانون عدم إرهاق الفلاح الذي سيتملك أرضًا والتيسير عليه في دفع الأقساط السنوية لقيمة الأرض الموزعة عليه، كما حدد القانون أيضًا علاقة المالك بالمستأجر من الفلاحين وحدد القيمة الإيجارية للفدان الواحد في السنة بسبعة أمثال الضريبة السنوية للفدان. كما حدد الحد الأدنى لأجر العامل الزراعي في اليوم بثمانية عشر قرشًا. وهذا القانون كان يستفيد منه ما لا يقل عن مليون شخص من هذا القطاع. والفائدة الأهم هي تحرير الفلاح من سيطرة المالك ليصبح حر الإرادة وكان عدد الملاك الذين سينطبق عليهم هذا القانون لا يزيد عن ألف ومائتي مالك. وهو عدد ضئيل لو قورن بالفائدة التي ستعود على تلك الأعداد الهائلة من الفلاحين والأثر الاجتماعي والسياسي على هذا القطاع من شعبنا.

ولم تكن الفترة الأولى من بعد قيام الثورة هادئة بل قابلتنا فيها بعض المشاكل من بعض العمال الصناعيين في شركة الغزل والمنسوجات بكفر الدوار... ففي أغسطس 1952 قام بعض عمال هذا المصنع بالإضراب. وكان يقودهم بعض من العمال الشيوعيين بحجة المطالبة برفع أجورهم وتحسين أحوالهم. وقاموا بمهاجمة مكاتب الشركة وسياراتها وأشعلوا النيران فيها. وكان الشيوعيون في ذلك الوقت متخوفين من ثورتنا ويصفونها بأنها ثورة برجوازية. وأن الولايات المتحدة من ورائها. ونتج عن هذا الشغب منهم بعض القتلى والجرحى. وكان لابد لنا أن نقابل هذا الشغب بحزم وشدة لإيقاف هذا الاتجاه والعمل على منع تكراره حتى لا تسري هذه العدوى إلى شركات أو مصانع أخرى. ولذا فقد قررنا تشكيل محكمة عسكرية لتقوم بمحاكمة المدبرين والمحركين لهذا الشغب. وتولى رئاسة تلك المحكمة عبد المنعم أمين. وأجريت المحاكمة وأصدرت المحكمة أحكامها. وكان من ضمن الأحكام إعدام اثنين من المتهمين أحدهما شاب شيوعي اسمه مصطفى خميس والآخر محمد حسن البقري.

وكانا هما المحركين الأساسيين لما حدث. وقد صدق على هذه الأحكام مجلس قيادة الثورة وبإجماع الأصوات الآن لأن القاعدة التي كان قد اتفق عليها أن أي قرار بالإعدام يتخذ من المجلس لابد أن يكون بإجماع الآراء. ونفذ فيهما الحكم، ولم يتكرر ما حدث بكفر الدوار وتجنبنا بذلك مشاكل ربما كانت تؤدي إلى مآس كثيرة وضحايا جديدين.

وبعد صدور قانون الإصلاح الزراعي حدث في الوجه القبلي من مصر أن حاول أحد الشبان الإقطاعيين من عائلة لملوم إظهار تحديه ومعارضته للقانون فقام مع جماعة من أتباعه بمهاجمة قسم البوليس في منطقته وأطلقوا عليه الأعيرة النارية؛ لذا رئي أيضًا إقامة محكمة عسكرية لمحاكمته وفي نفس بلدته. وسافرت نفس المحكمة العسكرية السابقة فور إبلاغنا بالحادث وكان ذلك ليلاً. وعقدت المحكمة هناك. وأصدرت حكمها عليه بالسجن بالأشغال الشاقة المؤبدة، وبذلك أمكن تفادي إقدام آخرين ممن سيطبق عليهم القانون على الإتيان بمثل هذا العمل الذي ربما كان ينتج عنه صدام دموي بين ملاك الأرض والحكومة أو بين ملاك الأرض والفلاحين.

وفي يوم 14أكتوبر سنة 1952 قرر مجلس قيادة الثورة استبعاد رشاد مهنا من عضوية مجلس الوصاية مع تحديد إقامته بعدما تأكد للمجلس أنه كان يهاجم الثورة ويحرض بعض الضباط الذين كانوا يترددون عليه بالزيارة لمناوأتها، ولأنه أصبح مرافعًا ومدافعًا عن مصالح ملاك الأرض، فبعد بذلك عن الثورة وأهدافها. وأصبح وجوده عضوًا في مجلس الوصاية لا يمثل اتجاهاتها ولا يعبر عنها.

ومن الموضوعات أيضًا التي كان مجلس الثورة قد تناولها بالمناقشة في تلك المرحلة الأولى موضوع الأحزاب السياسية في مصر ودورها في المستقبل في ظل الثورة، وهل هي أداة صالحة لقيادة البلاد إلى مستقبل أفضل أو أنه لابد لنا من البحث عن بديل لها مرحليًّا، ولم يكن يخطر ببال المجلس أن يتولى هو السلطة في البلاد، ولم يرد هذا في ذهني، كما أعتقد أنه لم يخطر في فكر أحد من زملائي لا قبل قيام الثورة ولا بعد قيامها، وحزب الوفد كان يعتقد أنه هو صاحب الحق الأول في تولي الأمر بحكم أن الأغلبية الشعبية كانت تؤيده من قبل. حتى أن مصطفى النحاس نفسه عندما علم بقيام الثورة وكان عند قيامها في أوربا، فقد هرع إلى القاهرة وتوجه مباشرة من المطار إلى مبنى قيادة مجلس الثورة. وكان يرافقه فؤاد سراج الدين وبعض سياسي الحزب. وكان اعتقاده أننا لابد سنطلب منه أن يقوم بتشكيل الوزارة. وأن تعيين علي ماهر للوزارة لم يكن إلا تعيينًا مؤقتًا.

جمال يقود اتجاه عمل انتخابات:

ولكن عندما بدأ المجلس في مناقشة دور هذه الأحزاب في ظل الثورة، فقد اتضح أن في المجلس اتجاهين ووجهتي نظر متباينيت، وكان جمال عبد الناصر يقود أحد الاتجاهين، وأما الاتجاه الآخر فقد تبنته مجموعة الطيارين من أعضاء المجلس، وكان الرأي الذي ينادي به جمال عبد الناصر يتركز أساسًا حول القيام بعمل انتخابات برلمانية بعد ستة أشهر. وأن الحزب الذي يحصل على أغلبية الأصوات يتولى الحكم. والرأي المعارض الآخر كان يرى أن الهدف الأساسي من قيام الثورة هو العمل على تغيير الهيكل الأساسي والاقتصادي الموجود بالبلاد. وأن طرد الملك فقط لاي حقق هذا الهدف المنشود، وأن الأهدافا لتي ارتبطت بها الثورة من قبل قيامها وأعلنتها في منشوراتها السرية لا يمكن أن توكل لغير الثورة لتنفيذها، خاصة أن قيادات الأحزاب السياسية كانت أغلبها من كبار ملاك الأرض والرأسماليين. ولا يمكن لتلك القيادات أن تؤمن بالأهداف التي تنادي بها الثورة. وأن تعمل على تحقيقها، وسنجد أنفسنا في المستقبل مضطرين إلى الصدام مع تلك الأحزاب. ونحن في غنى من هذا الصدام المنتظر، ولكن جمال عبد الناصر كان متمسكًا بوجهة نظره، وأن ما ينادي به يؤكد المعنى الديمقراطي للثورة، ومن أننا لم نقم بها بغرض تولي السلطة في البلاد في أيدي مجلس الثورة كقيادة جماعية ولفترة محددة إلى أن تتحقق هذه الأهداف التي نادت بها الثورة، ويتحرر الفلاح والعامل من سيطرة مالك الأرض وصاحب رأس المال ثم يتولى السطلة بعد ذلك في البلاد الحزب الذي يحصل على أغلبية الأصوات في الانتخابات البرلمانية.


جمال يمتنع عن الحضور:

وبعد أن استمرت المناقشة داخل المجلس بصورة حامية وعنيفة في بعض الحالات رئي أخذ الأصوات على استمرار الأحزاب القائمة كما هي أو إلغائها على أن يحل محلها قيادة جماعية ممثلة في مجلس قيادة الثورة ولفترة زمنية محددة، وتبين عند التصويت أن الأصوات متعادلة ولكن صوت رئيس المجلس محمد نجيب رجح الرأي المخالف لرأي جمال عبد الناصر. ونتيجة لهذا القرار فقد امتنع جمال عبد الناصر عن حضور جلسات المجلس من اليوم التالي ولزم منزله رافضًا الاستمرار في العمل احتجاجًا منه على هذا القرار. وذهب إليه جمال سالم وعبد الحكيم محاولين إقناعه بالالتزام والخضوع لرأي الأغلبية كما جرت العادة بيننا وطبقًا للائحة التي تنظم عملنا. ولكنه ظل متمسكًا بموقفه. وخوفًا على وحدتنا وتماسكنا وخوفنا من الانقسام على أنفسنا ونحن كنا لا نزال في بداية الثورة فقد رأى المجلس أن يأخذ موقفًا وسطًا بين الرأيين لحل هذا الخلاف والمحافظة على وحدة صفوفنا، وذلك بمطالبة الأحزاب السياسية القائمة بالعمل على تطهير نفسها بنفسها واستبعاد القيادات السياسية بها ممن يقع عليها بعض المآخذ والتي سبق وانحرفت وفقد الشعب ثقته فيها.

وبناء على هذا الاتجاه الجديد من المجلس فقد طلب من الأحزاب أن تعمل على تطهير تنظيماتها من العناصر السيئة بها، وذلك بعد أن تمت مقابلات ومناقشات متعددة مع بعض من قادة هذه الأحزاب حول هذا الاتجاه، وبدلاً من أن يستجيبوا لهذا النداء فقد بدأوا يلطقون الشائعات التي تشكك في نوايانا، وظل الموقف جامدًا فرأى المجلس إصدار قانون بإعادة تنظيم الأحزاب والعمل على تسجيلها مع وجوب توافر شروط معينة حددها القانون حتى يمكن إجراء الانتخابات البرلمانية في فبراير سنة 1953، ولكن الأحزاب لم تعر هذا القانون اهتمامًا وظلت تطلق الشائعات ضد نوايا الثورة، وإزاء موقفهم هذا قرر مجلس الثورة اعتقال بعض قيادات تلك الأحزاب.

الإخوان يطلبون 4 وزارات:

وقبل أن ينتهي عام 1952 كان مجلس الثورة وجمال عبد الناصر نفسه قد اقتنع تمامًا بعدم جدوى التعاون مع تلك الأحزاب ولذا قرر المجلس إلغاء الدستور سنة 1923 في 10 ديسمبر 1952، كما أعلن أيضًا في 17 يناير سنة 1953 عن فترة انتقال مدتها ثلاث سنوات. وعلى أن تؤجل الانتخابات البرلمانية حتى انتهاء تلك الفترة، وقرار آخر بحل الأحزاب والهيئات السياسية ومصادرة أموالها فيما عدا جمعية الإخوان المسلمين باعتبارها منظمة دينية خاصة. والحقيقة أننا كنا رأينا استثنائها من القرار رغم موقفهم من الثورة بعد قيامها ومحاولتهم فرض إرادتهم على قيادة الثورة وذلك لسابق اتصالنا بها وتعاونها مع تنظيم الضباط الأحرار وموقف التأييد منهم ليلة قيام الثورة. كما كانوا قد طالبوا أيضًا عند تشكيل محمد نجيب لوزارته بتخصيص أربع وزارات ليشغلها أعضاء من الجمعية، ولم يوافق مجلس الثورة على هذا المطلب منهم ورئي الاكتفاء بوزارتين فقط، ولم ترض رئاسة الجمعية بذلك؛ لذا رأى المجلس أن يعين الشيخ أحمد الباقوري وزيرًا للأوقاف والأستاذ أحمد حسني وزيرًا للعدل بالاتفاق معهما. وقامت جمعية الإخوان بفصل الشيخ الباقوري من مكتب الإرشاد بعد توليه الوزارة لخروجه على قرارها وقبوله تولي هذا المنصب.

موقف جمال من الديمقراطية:

كان هذا هو موقف جمال عبد الناصر من الديمقراطية والأحزاب عقب قيام الثورة مباشرة، ولا أدري حتى الآن هل هو كان جادًا في موقفه وقتئذ أو أن ذلك لم يكن إلا مناورة منه ليحكم من وراء ستار مدني يتمثل في حزب من الأحزاب –الوفد أو جمعية الإخوان المسلمين- ولكن هل كان الأمر يستقيم على تلك الصورة أو أن ذلك لم يكن إلا خطوة منه مرحلية فقط، والذي يدعو إلى هذه التساؤلات الآن هو تناقض هذا الموقف منه مع موقفه بعد ذلك من تلك الأحزاب والديمقراطية أيضًا. وحتى يمكن الحكم عليه حكمًا سليمًا لابد أن تتضح لنا حقيقة نواياه التي ما زالت غامضة حتى اليوم.

وفي 10 فبراير 1953 أعلن الدستور المؤقت لفترة الانتقال والذي سيحل محل دستور 1923، وأعطى هذا الدستور سلطة السيادة لقائد الثورة في مجلس قيادة الثورة (كقيادة جماعية) وبصفة خاصة التدابير التي يراها ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها لتحقيق أهدافها. ومجلس الوزراء كان له حق ممارسة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وأما رسم السياسة العامة للدولة فيقوم بها مؤتمر مشترك ينعقد من أعضاء مجلس قيادة الثورة وأعضاء مجلس الوزراء، كما أعلن كذلك عن قيام هيئة التحرير كتنظيم سياسي ليشغل الفراغ الذي سينتج عن حل الأحزاب خلال فترة الانتقال، وكان قد أعلن في 13 يناير 1953 عن تشكيل لجنة لوضع دستور جديد من خمسين عضوًا وتولى رئاستها علي ماهر.

القبض على رشاد مهنا:

وفي أوائل عام 1953 في 15 يناير كان قد تم إلقاء القبض على بعض من ضباط سلاح المدفعية وعلى رأسهم القائمقام رشاد مهنا عضو مجلس الوصاية من قبل. وكانت المعلومات قد أفادت أنهم يتآمرون على الثورة. وأجرى مجلس الثورة بنفسه تحقيقًا معهم لأن أغلبهم كان من الضباط الأحرار، وصدرت ضدهم أحكام.. ومحاكمة رشاد مهنا كانت أمام المجلس بكامل عدده. وحول قرار الحكم عليه دارت مناقشات حامية وعنيفة. وكان الشرط الأساسي في الحكم عليه بالإعدام أن يكون جماعيًّا من أعضاء المجلس لأن البعض كان يرى إعدامه. ولقد انتهى المجلس بالكم عليه بالسجن مدى الحياة، ولكن تم الإفراج عنه بعد فترة وجيزة وذلك أثناء الخلاف بين محمد نجيب ومجلس الثورة عام 1954 كما سيأتي مفصلاً في باب آخر من هذه المذكرات.

مواجهة الاحتلال البريطاني:

ورغم هذه المشاكل المتعددة التي واجهتنا من أول يوم لقيام الثورة لم يكن يغيب عن بالنا وجود الاحتلال البريطاني على أرضنا وضرورة التخلص منه. وكان علينا دراسة أسباب فشل المفاوضات السابقة التي قامت بها الحكومات المصرية المختلفة. ووضح لنا أن من ضمن الأسباب إن لم تكن الصخرة التي كانت تتحطم عليها تلك المفاوضات هي مطالبة مصر الدائم بوحدة مصر والسودات تحت التاج المصري، وإنجلترا كان يهمها دائمًا إبعاد السودان عن مصر وتعمل على أن ينال استقلاله الذاتي لأن ذلك يحقق مصالحها. وكان موقف مصر من هذه المطالبة كأنها ضد الأماني الوطنية للشعب السوداني. وكان هذا المطلب أيضًا نقطة ضعف لنا في المحافل الدولية عندما نطالب بجلاء القوات البريطانية عن أرض مصر. وتجعلنا غير منطقيين حتى مع أنفسنا. ومن أسباب فشل تلك المفاوضات أيضًا أن مصر لم تتبع مع إنجلترا غير أسلوب المفاوضات فقط. ولم تحاول الضغط عليها باقناعها بعدم جدوى وجود قواعد عسكرية لهم على أرض شعب غير راض عن بقائها عليها وذلك بالتهديد الدائم لتلك القواعد والإغارة عليها وعدم تمويلها بالمواد التموينية اللازمة لقواتها. وهذه الخطوة اتخذت فقد بعد إعلان الحكومة الوفدية إلغاء معاهدة 1936 بعد فشل المفاوضات عام 1951.

وقد رأى المجلس قبل أن يبدأ المفاوضات مع بريطانيا من أجل إجلاء قواتهم عن أرض مصر أن يفصل أولاً مشكلة السودان عن مشكلة الجلاء عن أرض مصر مصر. وأن يوافق على حق الشعب السوداني في تقرير مصيره وذلك إما بالاستقلال وإما الاتحاد مع مصر. كما رأى المجلس أن يعمل على تهديد أمن القاعدة البريطانية في نفس الوقت الذي نطالبهم فيه بالجلاء عن أرضنا حتى نجبرهم على التفاوض معنا، وأن يستمر هذا التهديد قائمًا كذلك طوال فترة المفاوضات.

وكانت قد عقدت عدة اجتماعات في القاهرة قبل نهاية عام 1952 بين زعماء الأحزاب السودانية وبيننا وتم التفاهم والاتفاق معهم على حقهم في تقرير المصير. وبدأت المفاوضات الخاصة بشأن مستقبل السودان بين بريطانيا وبيننا منذ شهر يناير سنة 1953 – بعد اتفاقنا مع الزعماء السودانيين. وتولى صلاح سالم أمر تلك المفاوضات مع الحاكم العام البريطاني للسودان، وذلك لأن صلاح كانت علاقته قد توطدت مع كثيرين من الزعماء السودانيين الذين كانوا يفدون إلى القاهرة كثيرًا، والمجلس كان قد عينه ضابط اتصال معهم من قبل. وتوصلت مصر مع بريطانيا إلى إعطاء السودانيين حقهم في تقرير مصيرهم إما بالاستقلال وإما بالاتحاد مع مصر. وكان ذلك في بداية عام 1953. وعلى أن يقوم مجلس نواب منتخب انتخاباًا حرًّا من الشعب السوداني في أول فرصة ليمارس نشاطه خلال فترة انتقال مدتها ثلاث سنوات من الحكم الذاتي، وللحاكم العام البريطاني للسودان في خلال هذه الفترة أن يحتفظ بسلطة السيادة. ويعاونه في ذلك لجنة من خمسة أفراد منها عضوان من السودانيين وعضو مصري وآخر بريطاني، وأما الخامس فباكستاني ويتولى رئاسة اللجنة.

الحزب الاتحادي يكتسح:

ولما أجريت الانتخابات البرلمانية في السودان وأعلنت نتائجها يوم 25 نوفمبر سنة 1953 ظهر أن الحزب الاتحادي قد اكتسح باقي الأحزاب وحصل على 54مقعدًا، وأما حزب الأمة فلم يحصل إلا على عشرين مقعدًا، والحزب الجمهوري على أربعة مقاعد، والمستقلون على 12 مقعدًا. وأعلن الحزب الجمهوري الاشتراكي انضمام نوابه إلى الحزب الوطني الاتحادي. وقد سقط في هذه الانتخابات عدد من زعماء حزب الأمة منهم عبدالله الفاضل بن عم المهدي. وقد فاز عليه إسماعيل الأزهري رئيس الحزب الاتحادي. وهذا النجاح جعل أملنا في الاتحاد مع السودان كبيرًا. ولكن هذا الأمل قد خاب. وسيأتي ذرك أسباب هذا الفشل في باب آخر عندما نتناول استقالة صلاح سالم من مجلس قيادة الثورة ومن السلطة التنفيذية أيضًا.

وفد المفاوضات المصري:

وأما بالنسبة للوجود البريطاني على أرض مصر فقد عملنا على تشديد الحصار حول القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس لمنع تسرب أية مواد تموينية إليها من داخل الأراضي المصرية، ولم يسمح للمصريين بالعمل بها. وصاحب ذلك هجوم من جماعات فدائية منظمة على معسكرات تلك القاعدة والعمل على تخريب بعض منشآتها، وذلك من بداية قيام الثورة. واستمرت هذه العمليات بصورة فعالة ومؤثرة عدة شهور حتى بدأت المفاوضات الرسمية مع بريطانيا في 28 أبريل سنة 1953، والرغبة في هذه المفاوضات جاءت من الجانب البريطاني. وشكل وفد المفاوضة المصري من جمال عبد الناصر وصلاح سالم وعبد الحكيم عامر وكاتب هذه السطور ووزير الخارجية المصري الدكتور محمود فوزي. وكان على رأس الوفد البريطاني سفيرها في القاهرة "سير رالف ستيفنسون" وشاركه الجنرال "روبرتسون". واستمرت المفاوضات بيننا حتى يوم 6 مايو 1953 عندما رأينا إيقافها وعدم الاستمرار فيها لعدم جداوها وذلك لإصرار الجانب البريطاني على عدم مناقشة مبدأ الانسحاب العام لقواتهم من مصر، وأن تكون القاعدة تحت إشراف القيادة العسكرية المصرية، وانصب إصرارهم في المناقشة على بعض التفاصيل الخاصة بصياغة القاعدة وإعادة تشغيلها وقت الحرب مما جعلنا نشك في عدم جديتهم في المفاوضات. وشددنا من هجمات الجماعات الفدائية على القاعدة بعد أن توقفت المفاوضات الرسمية، ولكن الاتصالات مع ذلك بين الوفدين ظلت مستمرة ولكن بصورة متقطعة، ولم نكن نعلن عنها وذلك حتى بداية عام 1954.

وخلال هذه الاتصالات كان الوفد البريطاني مصرا على بقاء عدد من قواته العسكرية في القاعدة قدرها بحوالي 7000 جندي مع ارتدائهم ملابسهم العسكرية بحجة قيامهم بصياغة القاعدة، وإمكانية إعادة تشغيلها لتحتلها القوات البريطانية ثانية في حالة التهديد بحرب أو الهجوم على إحدى الدول العربية أو تركيا أو إيران. كما ظلوا أيضًا متمسكين بقيام دفاع جوي مشترك بيننا وبينهم مع استمرار إدارة القاعدة بواسطة قائد بريطاني. والجانب المصري كان متمسكًا بضرورة الانسحاب الكامل من القاعدة، على أن تدار ويعمل على صيانتها بواسطة قوات مصرية، مع تولي القيادة بها قائد مصري، ولمدة خمس سنوات يمكن خلالها عودة القوات البريطانية إليها وذلك في حالة الهجوم على مصر إحدى الدول العربية فقط.

وجاءت بداية عام 1954 فأوقف البريطاني اتصالاته معنا عندما وضح له الخلاف والانشقاق الذي كان يتزايد يومًا بعد يوم بين محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة. وكان قد انفجر هذا الخلاف فجأة في فبراير ومارس من ذلك العام – كما سياتي ذكره تفصيليًّا في مكان آخر من هذه المذكرات. وقد نتج عنه انقسام داخل الجيش بل وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة أنفسهم، وانعكس هذا بدوره على الشعب أيضًا. ولكن تلك الاتصالات عادت ثانية بين الوفدين عندما اتضح للإنجليز أن الموقف والسيطرة أصبحت لمجلس الثورة دون محمد نجيب، وأصبح الجو للمفاوضة مهيأ أكثر ومناسبًا للتفاهم بيننا. وأمكن الاتفاق معهم على انسحاب كل القوات البريطانية من مصر مع إنهاء العمل بمعاهدة 1936. وعلى أن يتم انسحاب تلك القوات على مراحل خلال عشرين شهرًا من توقيع الاتفاقية، وأن يتولى أمر صيانة القاعدة بعض الفنيين من الإنجليز ولا يزيد عددهم على 1200 فني، ويكون ملبسهم في القاعدةهو الأوفرول ويسمح لهم بلبس الملابس العسكرية في حالات خاصة فقط، ويكون ذلك بعد موافقة القائد المصري الذي سيتولى أمر قيادة القاعدة. واتفق أيضًا على أن يسمح بإعادة تشغيل القاعدة عند عودة القوات البريطانية إليها في حالة الهجوم على مصر أو على إحدى الدول العربية الموقعة على اتفاقية الأمن العربي المشترك أو تركيا فقط مع استبعاد إيران. وأن تكون مدة فعالية هذه الاتفاقية سبع سنوات من تاريخ التوقيع عليها. وقد تم التوقيع على المبادئ العامة لهذه الاتفاقية من وزير الحربية البريطانية "أنتوني هيد" في 27 يوليو سنة 1954.

أما التوقيع النهائي عليها فقد تم يوم 19 أكتوبر 1954 مع وزير الدولة البريطاني للشئون الخارجية "أنتوني ناتنج" بعد أن تمت دراسة تفاصيل تنفيذها وتم الاتفاق عليها، وقام بالتوقيع على الاتفاقية من الجانب المصري أعضاء وفد المفاوضة.

وكان محمد نجيب قد قام بإعادة تشكيل وزارته في 18 يونيو 1953 عندما أعلن مجلس قيادة الثورة إلغاء النظام الملكي في البلاد وقيام الجمهورية بدلاً منه، وطلب محمد نجيب أن يشترك معه في الوزارة بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة كوزراء لمساندته في إدارة دفة البلاد، واتفق على أن يكون جمال عبد الناصر وزيرًا للداخلية وعبد اللطيف البغدادي وزيرًا للحربية وصلاح سالم وزيرًا للإرشاد القومي، وأن يعين عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة مع منحه رتبة اللواء. وذلك بدلاً من محمد نجيب الذي رئي أن يكتفي برئاسة الجمهورية والوزارة مع رئاسة مجلس قيادة الثورة. وكان المجلس قد أصدر قرارًا من قبل في 19 مايو 1953 بتعيين جمال عبد الناصر نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة.

لماذا رشح عبد الحكيم:

وكنت معتقدًا أن جمال عبد الناصر لم يرشح عبد الحكيم لتولي قيادة الجيش إلا لغرض سياسي، وأنه يهدف إلى أن تصبح له السيطرة السياسية دون باقي المجلس. وذلك عن طريق مساندة الجيش له. وأن الذي يضمن له ذلك هو تعيين عبد الحكيم قائدًا عامًا له معتمدًا على قوة الصداقة المتينة والتفاهم القائم بينهما. كما كنت أخشى أيضًا من تولي عبد الحكيم أمر الجيش أن يصبح الجيش في المستقبل أداة تدخل في السياسة العامة ومدى خطورة هذا على مستقبل البلاد. لذا رأيت أن أعترض على اقتراح جمال مبينًا أنه من الأفضل أن يتولى أمر الجيش ضباط محترفون للتفرغ له والابتعاد به عن السياسة. ذاكرًا أن الجيش إذا تدخل في السياسة فسد الجيش وفسدت السياسة أيضًا، وأن هذه محصلة تجارب على مدى التاريخ. ولكن جمال عبد الناصر تمسك باقتراحه مبينًا أنه من المستحيل أن يوكل أمر الجيش لشخص غريب وليس منا فيتحكم في رقابنا على حد تعبيره. وموقفي هذا من تعيين عبد الحكيم خلق حساسية منه نحوي لم أعلم بها إلا فيما بعد من جمال سالم.

وعندما أعلن قرار تعيين عبد الحكيم قائدًا عامًا للجيش تقدم قائد سلاح الطيران اللواء حسن محمود باستقالته من القوات الجوية ورفض أن يستمر في منصبه احترامًا لرتبة اللواء التي كان يحملها على حد قوله. ولأن عبد الحكيم الذي كان صاغًا ثم رقي إلى رتبة اللواء دفعة واحدة سيرأسه هو ولا يرضى لنفسه بهذا الوضع. وظل متمسكًا بموقفه رغم محاولتي مع حسن إبراهيم إقناعه بالاستمرار وكان ذلك بتكليف من المجلس لنا. ولكنه أصر على موقفه احترامًا للأقدمية العسكرية. وفرق بين منصب القائد العام كمنصب عسكري ومنصب وزير الحربية كمنصب سياسي. وأن لا يضيره من يشغله. وتبعًا لهذا الإصرار منه قبلت استقالته وعين بدلاً منه الطيار محمد صدقي محمود.

وكان من نتائج تعيين عبد الحكيم قائدًا عامًا للجيش أن أبعد باقي أعضاء المجلس عن وحداتهم العسكرية تدريجًا بحجة أن نترك حرية العمل لعبد الحكيم حتى لا نتسبب في سوء تفاهم بيننا لو استمرت علاقتنا بزملائنا الضباط، وعمل على إبعاد زملائنا عنا بواسطة ضباط مكتب عبد الحكيم. وكان ذلك يجري بتهديدهم أو بحجة ابتعادهم عنا حتى لا يضاروا. وكان يعمل في نفس الوقت على تقربهم من عبد الحكيم بخدما تقدم إليهم حتى أصبح لا هم للكثير من الضباط إلا التقرب من عبد الحكيم وجمال عبد الناصر أو إلى من هم قريبين منها طمعًا في منصب أفضل أو خدمة تؤدى لهم. وأصبح الجيش بذلك مع مرور الوقت أداة قوة في يد جمال وعبد الحكيم، وانعزلنا نحن نهائيًّا عنه، ونتج عن هذه السياسة فساد الجيش مما ترتب عليه نتائج وخيمة عسكرية وسياسية كما سيتضح للقارئ من خلال هذه المذكرات.

نجيب يعترض:

وكان على الثورة بعد طرد الملك فاروق وإلغاء النظام الملكي في البلاد وإعلان قيام الجمهورية أن تعمل بعد ذلك على تقويض دعائم أسرة محمد علي، لذا قرر مجلس قيادة الثورة في سبتمبر سنة 1953 مصادرة أموال الملك. كما قررت مصادرة أموال أسرة محمد علي وممتلكاتهم. وكذا كل من آلت إليه ثروة عن طريق المصاهرة بهذه العائلة في 8 نوفمبر سنة 1953. ولم يعترض أحد على هذا القرار من المجلس إلا محمد نجيب بحجة ماذا يقول عنا الناس في الخارج؟. وكنا نرى ضرورة اتخاذ هذا الإجراء حتى نجرد هذه الأسرة من آخر سلاح لها وهو المال الذي ربما يجدون فرصة لاستخدامه في المستقبل ضد النظام الجمهوري الجديد.

وهذه الأموال هي في الحقيقة من عرق الشعب ودمه وقد توارثها أفراد هذه الأسرة أبا عن جد. وكانت لابد أن تعود لأصحابها الشرعيين وهم أبناء الشعب وذلك في شكل خدمات تؤدى له من حصيلة هذه الأموال المصادرة بإقامة المستشفيات والمدارس ووحدات العلاج وخدمات أخرى. وقد قام مجلس الخدمات العامة باستخدام هذه الحصيلة في تنفيذ هذه المشروعات في الريف والمدن.

وفي خلال أشهر الصيف من عام 1953 كانت قد بدأت حملة تشكيك واسعة ضد الثورة والقائمين بها. وتبنى هذه الحملة أعضاء الأحزاب السياسية المختلفة على إثر حل تلك الأحزاب ومصادرة أموالها وإعلان قيام فترة الانتقال. واستمرت هذه الحملة عدة شهور حتى ضقنا ذرعًا بها فرئي محاكمة سياسي تلك الأحزاب على انحرافاتهم واستغلالهم لمراكزهم في الكسب غير المشروع وكذا لمواقفهم السياسية السابقة لقيام الثورة وكشف تلك المواقف للرأي العام الداخل بغرض العمل على إفقاد الشعب الثقة فيهم.

محكمة الثورة:

ولذا فقد أعلن صلاح سالم في مؤتمر عام يوم 15 سبتمبر 1953 عن وجود مؤامرة سياسية من بعض السياسيين ضد النظام القائم ومن أنه ستشكل محكمة ثورة لمحاكمتهم، وقرر مجلس الثورة تشكيل هذه المحكمة مني كرئيس لها وبعضوية كل من أنور السادات وحسن إبراهيم وقامت المحكمة بمحاكمة بعض السياسيين لمواقفهم السياسية والبعض الآخر لاستغلال النفوذ. كما حاكمت أيضًا بعض الخونة من المصريين الذين كانوا قد تعاونوا مع الإنجليز وقاموا بإرشادهم إلى أماكن تجمع الفدائيين المصريين أثناء معركتهم مع القوات البريطانية بعد أن ألغت وزارة الوفد معاهدة 1936 في عام 1951.

الخلاف يظهر على السطح:

وفي خلال هذا الصيف أيضًا كانت مظاهر الخلاف بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر قد بدأت تظهر على السطح وذلك على إثر إبراز بعض الصحف المصرية لجمال عبد الناصر على أنه هو الرجل القوي في مجلس قيادة الثورة وجمال نفسه كان يحاول إبراز هذه الصورة أيضًا أمام الغير بتصرفات منه محاولاً تأكيد هذا المعنى، كما أنه كان يقوم بدعوة مجلس قيادة الثورة للانعقاد في غياب محمد نجيب فتؤخذ بعض القرارات وتعلن عنها في الصحف، وكان لهذا التصرف معناه في مفهوم الناس. وعندما رأى محمد نجيب هذا وبدأ هو الآخر يحاول من جانبه إثبات وجوده. فأخذ يدلي ببعض التصريحات في موضوعات لم يكن المجلس قد تناولها بعد بالمناقشة أو أخذ قرارًا فيها، وكان هو حتى ذلك التاريخ له شعبية ضخمة بين جماهير شعبنا. والشعب ينظر إليه كقائد لهذه الثورة والمنقذ لهم. ولم تكن عامة الناس تعلم حقيقة الأمر وهذه الصورة من الشعبية كان تشغل بال جمال عبد الناصر، بل وتقلقه. ولكنه كان يحاول في البداية إخفاءها. وأعضاء المجلس كانوا في تلك الفترة يبذلون جهدًا خارقًا في خدمة بلادهم والعمل على تحقيق الأهداف التي كانوا ينادون بها. ومحمد نجيب في نفس الوقت كان أكثر منهم تفرغًا ويعمل على كسب ود الشعب ومحبته بمشاركته له في المناسبات المختلفة التي فيها تجمعات جماهيرية، كما كان يهتم بشكوى الأفراد ومطالبهم. والشعب لم يكن قد تعرف بعد على أعضاء المجلس وصورة كل منهم الحقيقية ودوره في خدمة بلده وشعبه حتى يأتي حكمه سليمًا على كل فرد منهم.

تلك كانت الصورة قبل أن يستفحل هذا الخلاف ويتفجر بتلك الصورة العنيفة التي تفجر بها والتي كان لها تأثير سيئ على أفراد الشعب والجيش بل وعلى مجلس الثورة نفسه. وسيتضح هذا مما جاء في يومياتي عن تلك الفترة التي دونت أحداثها عندما أحسست أن هناك خطرًا يهدد مسيرة ثورتنا وخشيت أن تضيع الحقيقة مع مرور الزمان وحفاظًا مني على الأمانة التاريخية أرى أن أفضل طريقة لتقديمها لأبناء شعبنا هي أن أذكرها كما دونتها... وقد أفردت لها بابًا خاصًا اخترت له اسم "الصراع".

الباب الثاني: الصراع

الفصل الأول: أزمة فبراير سنة 1954

1-بداية خلاف مجلس الثورة مع محمد نجيب ومحاولة تسوية ذلك.

2-إهانة سفير تركيا لجمال عبد الناصر في الأوبرا.

3-قرار حل جمعية الإخوان المسلمين واعتقال مرشدها العام وبعض أعضائها في 12 يناير سنة 1954.

4-عودة الخلاف ثانية مع محمد نجيب وأسبابه.

5-تقديم محمد نجيب استقالته يوم 23 فبراير 1954 وما أحاط بها.

6-قرار انسحاب أعضاء مجلس الثورة والعودة إلى صفوف الجيش وترك مقاليد الأمور لمحمد نجيب وأسبابه.

7-استبعاد قرار انسحاب المجلس وأسباب ذلك.

8-قرار مجلس الثورة قبول استقالة محمد نجيب والدافع إلى ذلك.

9-اعتصام قوات الجيش السوري في حلب واللاذقية وتنازل الشيشكلي عن السلطة.

10-مطالبة سلاح الفرسان بعودة محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وبدون سلطات.

11-قرار عودة محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وحل مجلس الثورة وعدم عودة أعضائه إلى صفوف الجيش – أسباب ذلك وما أحاط به من أحداث في يومي 26 و27 فبراير 1954.

12-موقف الضباط الأحرار من قرار حل مجلس الثورة.

13-أسباب الرجوع في قرار حل مجلس الثورة.

14-مظاهرات طلبة الجامعة وأعضاء جمعية الإخوان المسلمين يوم 28 فبراير 1954. وموقف محمد نجيب منها.

15-تأجيل افتتاح البرلمان السوداني وأسبابه.

16-قرار مجلس الثورة في 5 مارس 1954م بعودة الحياة النيابية والأسباب التي دفعته إلى اتخاذ هذا القرار.

17-مطالب محمد نجيب بعد عودته رئيسً للجمهورية.


كان الخلاف بين محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة قد بدأ يتزايد يومًا بعد يوم حتى أصبح الموقف في النهاية وبعد عدة مصادمات وكأن محمد نجيب في جانب وأغلبية أعضاء المجلس في الجانب الآخر.

ولكن كيف تطور هذا الخلاف وطفح على السطح بتلك الصورة وأصبح علينا ومهددًا الثورة ومسيرتها؟؟..

هذا ما سأحاول أن أوضحه –وفي رأيي- أن أفضل طريقة هي أن أذكره هنا كما جاء في يومياتي والتي كنت أقوم بتسجيلها تباعًا أثناء تلك الأزمة لإحساسي بالخطر الذي كان يعترض طريق الثورة.

بدأت تلك الخلافات تثار في اجتماعات مجلس قيادة الثورة بعد المداراة التي كانت متبعة من قبل. وقد بدأت عندما أثار صلاح سالم موضوع اتصال محمد نجيب اليومي بموظفي الإذاعة أثناء رحلته في بلاد النوبة شمال السودان في الفترة الأخيرة من شهر نوفمبر 1953. وكان محمد نجيب يطلب إذاعة خطبه هناك بالكامل مع صورة صوتية للرحلة كل يوم. كما كان يطلب إعادة إذاعتها عدة مرات في اليوم الواحد. وكان صلاح يأمر موظفي الإذاعة وهم تابعون لوزارته (وزارة الإرشاد القومي) بإذاعة فقط ما يراه مناسبًا ومعقولاً. ولما رأى محمد نجيب ذلك أمر بإجراء تحقيق مع هؤلاء الموظفين.

ولما أثار صلاح هذه المشكلة رأى مجلس قيادة الثورة ضرورة الاجتماع بمحمد نجيب في اليوم التالي لعودته من بلاد النوبة –أي يوم 24نوفمبر 1953- لمناقشة هذه التصرفات التي تصدر منه حتى يحد منها. ولكن المجلس لم يجتمع به كما كان مقررًا.

وحدث أنه كان سينعقد مؤتمر شعبي في الإسكندرية يوم 29 نوفمبر 1953، وكان متفقًا أن الذي سيحضره من أعضاء المجلس هم: جمال عبد الناصر وصلاح وعبد الحكيم فقط. ولكن عندما علم محمد نجيب بانعقاد هذا المؤتمر قرر أن يسافر هو أيضًا إلى الإسكندرية للاشتراك فيه. وقام محمد نجيب بالسفر إلى هناك بالسكة الحديد، ورفض جمال ومن معه مرافقته في القطار وسافروا بالسيارة.

وفي المؤتمر الثاني ألقى جمال عبد الناصر كلمة وأشار فيها إلى الديموقراطية الصحيحة، وحمل على الطغيان والاستبداد. كما طلب في كلمته من المستمعين إليه ألا يسمعوا لأي منافق أو مخادع أن يخدعهم أو يغشهم. ولم يكن يقصد بهذه الكلمات التي وجهها إليهم إلا محمد نجيب نفسه.

وتكلم من بعده صلاح سالم، والشيخ أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف، وقد تناولا في كلمتيهما هذا المعنى وهذا الاتجاه الذي أشار إليه جمال أيضًا. وذكروا لنا بعد عودتهم من الإسكندرية أن محمد نجيب كان في حالة غيظ شديد لأنه فهم أنه هو المقصود بالذات بتلك الكلمات وهذا الهجوم.

وبعد أن كان الخلاف مستترًا أصبح بعد هذه الكلمات ونشرها وإذاعتها يأخذ شكل العلانية، بل وأصبح موضع تعليق الكثيرين من أفراد الشعب.

ولقد حدث نفس الشيء أيضًا يوم 3 ديسمبر 1953 عندما حضر محمد نجيب وجمال عبد الناصر حفلة تخرج دفعة من الحرس الوطني بجامعة القاهرة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل علمت من جمال عبد الناصر نفسه أنه قد تكلم مع محمد حسنين هيكل المحرر بجريدة الأخبار وأحمد أبو الفتح بجريدة المصري وطلب منهما عدم نشر أحاديث وصور محمد نجيب في جريدتيهما إلا في الحدود الضيقة جدًا – وأن أنور السادات قد لمح هو الآخر إلى أحمد الصاوي بجريدة الأهرام لاتخاذ نفس الاتجاه. ولما تساءلت عن مدى علم مصطفى وعلي أمين بذلك الأمر أبلغني جمال عبد الناصر أن هيكل قد أبلغهما ومن أنه – أي جمال- يثق بهما.

التنافس على السلطة:

وفي اليوم التالي لهذا الحديث مع جمال كنت أتحدث مع زكريا وحسين الشافعي عن هذا الخلاف الذي بدأ يستفحل وهذا الهجوم السافر على صفحات الجرائد وأن ذلك له ضرره ولا يحقق صالحًا لأحد – فعلق زكريا على ذلك بقوله: إنه التنافس على السلطة "Power" – ولكنهما استاءا معي عندما علما بموضوع حديث جمال مع الصحفيين.

وفي اجتماع الثورة يوم 6 ديسمبر 1953 وبعد الانتهاء منه وخروج محمد نجيب أشار جمال عبد الناصر إلى أنه يفضل ألا يظهر أمام محمد نجيب وكأن هناك خلافًا في وجهات النظر بيننا. أي أنه كان يرغب في عدم مناقشاتنا لبعضنا في حضوره. وطلب منا أن نجتمع به في الأسبوع التالي في منزله ليعرض علينا بعض الموضوعات الهامة وموضحًا أنه يرغب في عدم تواجد محمد نجيب في هذا الاجتماع. وأعقب ذلك بقوله لماذا لا نجتمع معًا مرة كل أسبوع وفي يوم آخر غير يوم الأحد؟ وكان هذا اليوم هو اليوم المحدد لاجتماع مجلس قيادة الثورة الأسبوعي، ويقوم بحضوره محمد نجيب. وكان واضحًا أن الهدف هو أن يكون اجتماع يوم الأحد ما هو إلا اجتماع صوري فقط، حتى يمكن شل وعزل محمد نجيب ويصبح وكأنه في جانب والمجلس في جانب آخر. وتحمس جمال سالم لهذا الراي وكان قد اتخذ في ذلك الوقت موقف المؤيد والمساند لجمال عبد الناصر وذلك على غير ما كان عليه في السابق – كما سيتضح فيما بعد. واقترح أن يفوض المجلس جمال عبد الناصر السلطة في اتخاذ القرارات الضرورية دون أن نجتمع في هيئة مجلس وذلك تجنبًا للاجتماع مع محمد نجيب على حد قوله. وأوضح اقتراحه بأنه من الممكن لجمال عبد الناصر أن يقوم بالاتصال بأعضاء مجلس الثورة تليفونيًّا لمعرفة رأي كل منهم في الموضوع المطلوب أخذ قرار فيه ثم يصدر هو القرار على ضوء ما سيتضح له من الآراء المختلفة التي يكون قد استمع إليها من أعضاء المجلس. ووافق أغلبية الأعضاء على اقتراحه فيما عدا صلاح وأنا فقد اعترضنا عليه وأوضحنا أن تلك المسئولية الموكلة إلينا والمسئولين عنها ليست بالأمر اليسير. وأن كلا منا سيسأل عنها في يوم من الأيام أمام التاريخ وأمام الوطن وكذا أمام ضمائرنا. وأنه لا يمكن لنا التنازل عنها وتفويض شخص آخر بها. ولكن هذا القرار كان قد أصبح ملزمًا بعد أن وافق عليه أغلبية أعضاء المجلس. وسيصبح كذلك موضوع شد وجذب في مناقشات بين جمال سالم وجمال عبد الناصر فيما بعد عندما تبعد الشقة بينهما كما سنرى في حينه.

وفي خلال تلك الفترة التي تقدم فيها جمال سالم باقتراحه هذا كان قد بعد ذهنيًّا عن زملائه مجموعة الطيارين في المجلس. لذا لم أعرف على اليقين ما الذي كان في ذهنه عندما تقدم بهذا الاقتراح الذي سلب به المجلس مسئولياته ونقلها إلى جمال عبد الناصر مما شجعه على الاستمرار بعد ذلك في محاولة تركيز السلطة في يده قدر استطاعته وحسب الظروف والمشاكل التي مررنا بها حتى أنه قد تمكن من تحقيق غرضه في النهاية وفي شكل دستوري أيضًا. ولم يكن هذا إلا إقرارًا لأمر واقع من قبل – كما سيتضح من هذه المذكرات.

وكان مجلس قيادة الثورة قد اجتمع في استراحة وزارة المعارف الموجودة بمنطقة أهرامات الجيزة يوم 18 ديسمبر لمناقشة بعض الموضوعات. وكان من أهمها النظر في أهداف الإخوان المسلمين وما يسعون إليه من الاستيلاء – على السلطة- وكيف يمكن مقاومتهم والقضاء على جماعتهم – خاصة وأنهم كانوا يعملون على التوغل بتنظيماتهم داخل صفوف الجيش والبوليس ونوقش موقفنا حيالهم وحيال هذا الاتجاه منهم وهل نعمل على حل جمعيتهم أو نستفيد من الانشقاق الذي كان قد تواجد بينهم. ورئي أن حل جمعيتهم سيزيد من العطف عليهم ويدفعهم إلى التماسك وضم صفوفهم لمقاومة ودرء هذا الخطر. وأن زيادة الانشقاق بينهم هي الوسيلة لإضعافهم وتفكيك صفوفهم خاصة وأن قادتهم كانوا لا يثقون في بعضهم البعض كما كانوا ضعاف الشخصية. كما أن أفراد الخلايا في الجماعة نفسها لم يكونوا يعرفون أهداف قياداتهم الحقيقية. وهم يتبعونهم على أنها دعوة دينية ليست لها أهداف سياسية. وكنا نرى أنه بالعمل على زيادة الإنتاج وقيام المشروعات الإنتاجية الجديدة وزيادة الخدمات للشعب والعمل على تحسين الموجود منها فإن ذلك مع القوت يزيد من قوة الثورة ويضعف من مركز الإخوان المسلمين. وكان قرارنا في النهاية في ضوء تلك المناقشة هو العمل على زيادة الانشقاق الموجود بينهم والعمل أيضًا على زعزعة ثقة من يتبعهم في أشخاص قياداتهم.

وقد أثير في هذا الاجتماع أيضًا موضوع الخلاف مع محمد نجيب والعلنية في هذا الخلاف وما سيصحب هذا من أضرار. خاصة أنه قد أصبح على لسان كل فرد من أفراد الشعب وكان لابد من العمل على تسويته قبل أن يستفحل الأمر. واتفق الرأي بيننا على أن نجتمع بمحمد نجيب يوم الأحد 20 ديسمبر 1953 للعمل على تسويته.

أعذر من أنذر:

واجتمع المجلس في مساء هذا اليوم وفتح جمال سالم موضوع الخلاف والشقاق الموجود بين محمد نجيب والمجلس مبينًا في حديثه أخطاء محمد نجيب في بعض التصرفات وتأثره من بعض الأشخاص المحيطين به. وكان الرجل يحاول مدارة موقفه بعدم ذكر الحقيقة. فتدخل جمال عبد الناصر في المناقشة بادئًا بشرح علاقاتنا بمحمد نجيب قبل الثورة وكيف جيء به قائدًا لها وكيف التفننا من حوله كرمز لها. ثم كيف هو أصبح انفصاليا على حد قوله نتيجة شكه وطموحه ورغبته في أن يستأثر بالسلطة. وتكلم كذلك عن تصرفاته وأعماله طالبا منه أن يحدد العمل الجدي الذي يقوم به. وفي النهاية حاولنا أن نصل معه إلى تصفية بعد أن كانت الساعة قد قربت من الرابعة صباحًا يوم الاثنين. فاقترح جمال سالم عدة اقتراحات وكان على محمد نجيب أن يقوم بتنفيذها ومنها: أن يقوم باستبعاد بعض الأفراد المحيطين به وحددت له أسماؤهم وهم: يوزباشي محمد رياض وكان ضابطًا بالبوليس الحربي ومعينًا كحرس خاص له ويوزباشي رياض سامي وكان يسميه محمد نجيب مستشاره الصحفي. والموظف صلاح الشاهد التشريفاني بالقصر الجمهوري. ولكن محمد نجيب رفض استبعادهم بحجة أنهم لم يخطئوا رغم أنه قد سبق وذكر له عدة أخطاء وتصرفات صدرت منهم وأساءت إلى الثورة. وعندما اتخذ هذا الموقف ذكر له جمال عبد الناصر "أننا كنا باقين عليك بدليل أننا الذين فتحنا معك موضوع الخلاف، ولكنك تأبى أن تمضي معنا لتحقيق أهداف الثورة –وأن لكل منا طريقه – وعلى القدر أن يسير". وكلام آخر يفهم منه أنه قد أعذر من أنذر. ثم تركنا الرجل وانصرفنا وكانت الساعة قد قربت من الخامسة صباحًا.

وفي يوم 3 يناير 1954 أبلغنا عبد الحكيم بعد زيارته لمحمد نجيب بسبب مرضه أنه قد فهم من كلامه أنه قد أصبح مستسلمًا. أن كل ما يريده هو ألا يظهر أمام الناس وكأنه طرطور على حد قوله. كما ذكر له أيضًا أنه قد أصبح يخجل من الظهور أمام أفراد الشعب لشعوره بهذه الصورة.

إهانة لعبد الناصر:

وفي هذا اليوم أيضًا أبغلنا جمال عبد الناصر أن سفير تركيا في مصر قد أهانه في اليوم السابق أثناء حفلة دار الأوبرا. وأن الإهانة قد حدثت على مسمع من السفير الهندي ووزير السويد المفوض. وأن الذي حدث هو أنه عندما كان جمال يحيى السفير التركي بقوله له هالو فقد رد عليه قائلاً: "إنكم لا تتصرفون كالرجال المهذبين. You don't behave as gentlemen وزاد على ذلك قوله. "إننا لن نكون أصدقاء بعد اليوم". وكان ذلك بصوت مرتفع من السفير على مسمع من الموجودين. وقد حاول الوزير السويدي إنقاذ الموقف فتدخل بتقديم نفسه إلى جمال حتى ينهي المسألة. وكان الدكتور فوزي وزير الخارجية قد أعد مذكرة قام بعرضها علينا لترسل إلى الحكومةا لتركية لإبلاغها بما حدث من تصرف سفيرها وطلب سحبه فورًا. وقد ذكر في المذكرة أيضًا واقعة أخرى كانت قد حدثت من نفس السفير في حفلة توديعه كانت قد أقامتها له السفارة التركية بمناسبة نقله من القاهرة. وكان سفير الصين مدعوا بها ولما قام بتحية السفير التركي بقوله: "عسى أن نراك قريبًا هنا ثانية في القاهرة" فما كان منه إلا أن رد عليه بقوله: "لن تراني هنا ثانية في هذا المكان القذر". وقد رئي أن يعامل السفير التركي عند سفره ومغادرة أرض البلاد معاملة الأفراد العاديين وأن يفتيش بالجمرك.

أما بالنسبة للخلاف مع محمد نجيب فقد ظلت الحالة هادئة بينه وبين جمال عبد الناصر منذ آخر اجتماع معه في ديسمبر حتى ثار هذا الخلاف ثانية فجأة يوم الخميس 11 فبراير 1954. وكنت قد لاحظت أثناء انعقاد مجلس الوزراء صباحًا في هذا اليوم انفراد محمد نجيب بصلاح ثم انصراف محمد نجيب ليحضر حفلة الفروسية بمصر الجديدة. ثم قيام صلاح ليتكلم إلى جمال عبد الناصر وبصوت منخفض وعلى أثر هذا الحديث بينهما خرج جمال من القاعة وهو في حالة عصيبة. ولما استفسرت من صلاح عما حدث أبلغني أنه كان قد اتفق مع جمال على الذهاب في اليوم التالي – أي يوم الجمعة 12 فبراير – إلى حفلة الذكرى السنوية لوفاة المرحوم حسن البنا المرشد العام السابق لجمعية الإخوان المسلمين.

ولكن لما علم محمد نجيب بذلك قرر هو الآخر الذهاب إلى ذلك الحفل. وأن سبب غضب جمال هو رغبته في الذهاب دون محمد نجيب، بحجة أن حضور محمد نجيب الحفل وامتناع جمال عنه يؤكد المعنى الذي يشاع من أن محمد نجيب يعطف على الإخوان المسلمين. وأنه كان ضد قرار حل جمعيتهم الذي صدر يوم 12 يناير 1954 على أثر الصدام الذي كان قد حدث في الجامعة بين طلبة الإخوان والطلبة المنتسبين لهيئة التحرير المنظمة السياسية التابعة للثورة. وكان هذا القرار يشتمل أيضًا على اعتقال الهضيبي أمين الدعوة للإخوان وابنه وعدد آخر من أعضائها، وكذا أفراد القسم الخاص بالجمعية. وكان عددهم جميعًا يربو على 450 معتقلاً، بالإضافة إلى فصل بعض الطلبة والموظفين المنضمين للجمعية. وكان قد أحيل ضباط البوليس المنتسبين إليها إلى المعاش كذلك – وكذا تم اعتقالهم وكانت الموافقة على هذه الإجراءات قد صدرت بإجماع الآراء من المجلس وبموافقة محمد نجيب أيضًا.

وكان كمال الدين حسين قد اتصل بي بعد ظهر نفس يوم 11 فبراير وأبلغني أنه قد تحدد اجتماع لأعضاء مجلس الثورة في الساعة السابعة من مساء نفس اليوم في منزل زكريا الذي لم يكن قد حضر اجتماع مجلس الوزراء في الصباح لمرضه. وبعد أن انتهت محادثة كمال طلبني جمال عبد الناصر تليفونيًّا وبين لي أنه لا يمكنه أن يتعاون مع محمد نجيب، ومن أنه عاص على حد قوله وبأنه – أي جمال- سيعود إلى الجيش ثانية تاركًا السياسة له حتى ينكشف للبلد فتطالب البلاد بعودتنا ثانية – هذا كان مجمل حديثه – وقد حاولت من جانبي إبراز مدى خطورة هذا التصرف وأنه لابد من التفكير في حل آخر يخرجنا من هذا الموقف. ولكنني شرعت بأنه مصمم على رأيه.

مناقشة الخلاف مع نجيب:

وفي الموعد المحدد اجتمع المجلس في منزل زكريا وحضر جمال سالم من الإسكندرية عند منتصف الليل. وتناولنا الموضوع بالمناقشة. وكان اتجاه جال عبد الناصر وعبد الحكيم وصلاح العودة إلى صفوف الجيش.

أما كمال وزكريا وأنا فلقد ناقشنا نتائج هذا التصرف والأضرار التي تعود على البلاد وقاومنا هذه الفكرة بشدة. وأما أنور وحسين الشافعي فلم يكن لهما رأي معني. ولما حضر جمال سالم من الإسكندرية اتفق معنا في الرأي على أن التخلي عن المسئولية في هذه الظروف له عواقب وخيمة.

وكان رأي المجموعة الأولى (جمال – صلاح – عبد الحكيم) يتلخص في أن محمد نجيب لن يصلح حاله. وأنه سيستمر في سياسته محاولاً أن يبين للناس عدم موافقته على سياسة المجلس وبذلك يحصل لنفسه على أبناك على حد قولهم ومكاسب شعبية على حساب باقي أعضاء المجلس وأن الشعب سيصبح في النهاية ضدهم بل وأنه سيكرههم أيضًا. وأن الحل لهذا من وجهة نظرهم أن نضرب ضربتنا فورًا وأن نصدر بيانًا نعلن فيه عدم قدرتنا على التعاون مع محمد نجيب وعلى أننا سنترك له حرية التصرف كاملة ومن أننا سنعود إلى الجيش. وأن النتيجة لذلك ستكون فشله في إدارة دفة الأمور في البلاد ثم مطالبة الشعب بعودتنا إلى السطلة ثانية. ويظهر أن جمال عبد الناصر كان متأثرًا بما كان قد حدث في تركيا أيام مصطفى كمال أتاتورك عندما انسحب من السلطة تاركًا الأمر لعصمت أينونو، ثم لما استفحل الأمر عاد ثانية وأعاد الأمور إلى نصابها.

وأما المجموعة الثانية (كمال – زكريا – جمال سالم – البغدادي) فكانت ترى أن الموقف السياسي الداخلي والخارجي بالبلاد وكذا الحالة الاقتصادية لا تحتمل هذه الخطوة منا. وأن مصلحة البلاد فوق كل شيء وأن أشخاصنا زائلة. وكان التساؤل منهم أيضًا عن الموقف لو أن محمد نجيب قام بعد انسحابنا بتشكيل وزارة من المدنيين الذين يوافقون على التعاون معه أو من الإخوان المسلمين وترك لهم الأمر – وماذا يكون التصرف ونحن أعلم بقدرات محمد نجيب – وهل نترك السفينة تعصف بها الرياح وهي في وسط المحيط – ولمصلحة من ستكون حالة عدم الاستقرار هذه – وإن نسي الشعب هذا فلن ينساه التاريخ لهم خاصة وأن مسألة المفاوضات مع بريطانيا المرتبطة بالجلاء كانت لا تزال معلقة وكذا الموقف في السودان والأمل أيضًا في إقامة اتحاد معه. والخوف كذلك من وجود القوات البريطانية على أرضنا ربما ينتهزون الفرصة ويعملون على القضاء على تلك الروح الجديدة التي كانت قد بدأت تدب في شعبنا وكأن الثورة ما قامت إلا لتموت بعد فترة وجيزة من قيامها. وأن هذا كله بسبب عدم قدرتنا على التعاون مع محمد نجيب وخلصت تلك المجموعة على أن الأمر يتطلب البحث عن حل آخر غير هذا الحل المقترح منهم.

ولما لم نصل إلى اتفاق أو حل نهائي لهذه المشكلة وكانت الساعة قد قربت من الثانية صباحًا رأينا أن نؤجل اجتماعنا إلى الساعة السادسة من بعد ظهر يوم الجمعة 12 فبراير 1954 بمنزل جمال عبد الناصر لاستكمال مناقشة الموضوع.

واجتمعنا في منزل جمال. وعلمنا منه أنه في صباح نفس اليوم اتصل بياور محمد نجيب الضابط إسماعيل فريد وطلب منه أن يبلغ محمد نجيب بعدم الذهاب إلى حفل ذكرى وفاة حسن البنا. وأنه يحذره من الذهاب وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة عليه. ويقول جمال إنه قد سب ولعن محمد نجيب وطالب إسماعيل فريد أن ينقل إليه هذه الشتائم. كما طلب منه أيضًا أن يبلغه أن المجلس كان قد اجتمع في اليوم السابق في منزل زكريا لبحث موقفه وأن المجلس سيعاود الاجتماع مساء اليوم ثانية لاستكمال البحث. وأعتقد أن جمال قد قصد بهذا إرهاب الرجل وأن يشعره بأنه في جانب والمجلس كله في جانب آخر. وأنه من المستحسن له أن ينزوي ويخضع.

وعندما أعدنا مناقشة المشكلة تبين لنا أنه ليس هناك من حل غير أن نترك الأمر للزمن لأن جميع الحلول التي كنا قد استعرضناها كان سيترتب عليها وقوع ضرر بليغ بالبلاد. وكان كل من جمال عبد الناصر وصلاح وعبد الحكيم قد غير رأيه عن اليوم السابق مقدرين أن الحل الذي كانوا قد تمسكوا به سيعرض البلاد للخطر.

وأما صلاح فقد قال إنه سيتوجه في اليوم التالي لاجتماعنا إلى سلاح المدفعية ليعود إلى العمل به كضابط – وطبيعي أننا لم نأخذه منه مأخذ الجد وهو نفسه لم يتمسك به – وكان انفعالنا شديدًا أثناء تلك المناقشة والتوتر على أشده مما دفع جمال سالم أن يقترح بعد أن ضاقت بنا الحلول بأنه سيقوم بالاعتداء على محمد نجيب وعلى المجلس أن يقوم بمحاكمته على فعلته – وأنه قد اختار نفسه بالذات لهذا العمل لأنه كان قد أصبح معروفًا عنه في البلد على أنه ميرابو الثورة. وأن محمد نجيب هو الذي نشر عنه هذه الصفة. ولكننا اعترضنا عليه ولم يوافقه أحد على اقتراحه.

يوليوس قيصر:

وكنت قد سافرت إلى مدينة الأقصر بالطائرة يوم الجمعة 19 فبراير 1954 لافتتاح المطار الجديد بها، وقد رافقني في هذه الرحلة حسن إبراهيم. ودار بيننا حديث حول فيلم يوليوس قيصر الذي شاهدناه في اليوم السابق.. وذلك الشبه الكبير بين ما دار في ذلك الفيلم، وما كان يتمثل على أرض مصر من صراع وتطاحن من أجل السلطة. وعلى أن هذه هي سنة الحياة. وأن هذا الصراع سيظل يتمثل على مسرحها ما دام هناك بشر وحياة. وجرنا الحديث عن الفيلم – الحديث عن مجلس قيادة الثورة والتطور الذي حدث به – وبعد أن كان هناك توازن في القوى والرأي داخله دام قبل قيام الثورة وبعد – قيامها لمدة عام تقريبًا إلا أن هذا التوازن قد انتهى. وأخذنا نبحث عن أسباب هذا متعرضين لموقف جمال سالم وانحيازه إلى رأي جمال عبد الناصر المستمر. وأن ذلك الموقف منه غير ما كان عليه حاله من قبل. ومتعرضين أيضًا لأشخاص المجلس وكيف كانوا وما أصبحوا عليه. وكذا موقف جمال عبد الناصر وما يهدف إليه من محاولة تركيز السلطة في يده ذلك بغرض أن ينفرد بها في النهاية. ولقد شكا حسن أنه غير ممكن من أن يعمل وحتى عمله في هيئة التحرير غير محدد. وكان جمال عبد الناصر هو الأمين العام لها وكان يتعاون مع إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة في إدارة تلك المنظمة السياسية متخطيًا حسن علما بأن قرار المجلس بتعيين حسن بها قصد به أن يقوم بمتابعة نشاطها وإدارتها نظرًا لانشغال جمال عبد الناصر في مسائل أخرى.

وكان حسن إبراهيم يتمنى أن يعفيه المجلس من عضويته نظرًا لهذه الظروف ولكن الخوف على وحدتنا وتماسكنا وبالتالي على الثورة كان عامل ضغط على كل منا في ضرورة الاستمرار دون التنحي.

محمد نجيب يغادر المبنى:

ولقد حدث بعد ذلك أن تدهور الموقف وبسرعة في علاقاتنا مع محمد نجيب، ذلك على أثر ما كان قد حدث يوم الأحد 21 فبراير 1954 عندما حضر محمد نجيب إلى مكتبه بمجلس الثورة لحضور اجتماع المجلس – وكان قد مضى ما يقرب من الساعة والنصف ساعة بعد حضوره – ولكننا ظللنا مجتمعين بمكتب جمال عبد الناصر، دون أن نصعد إليه بمكتبه حتى يبدأ الاجتماع. وكان جميع أعضاء المجلس موجودين فيما عدا صلاح. ولقد حضر إلينا إسماعيل فريد الياور الخاص لمحمد نجيب مبلغًا أن محمد نجيب في مكتبه وأنه موفد منه ليستفسر عما إذا كان سنصعد إليه للاجتماع به أم أن هناك ما يشغلنا – فثار عليه جمال سالم وعنفه بألفاظ حادة فانصرف. ولكن بعد انصرافه بدقائق قليلة دق التليفون الموجود بالمكتب فرد عليه حسين الشافعي وكان المتكلم محمد نجيب وسأل حسين عما إذا كان هناك ما يعوقنا من الصعود إليه. فأجابه حسين بأن عددنا لم يكتمل بعد ومن أننا في انتظار حضور صلاح. ولكن بعد ربع ساعة من هذه المحاولة غادر محمد نجيب المبنى دون أن نجتمع به. وعلمنا بخروجه عند سماع صوت البروجي الذي حياه عند انصرافه من المبنى. وكان موقفًا حرجًا – واقترح البعض أن ننصرف نحن كذلك حتى لا نلفت نظر الصحفيين في داخل المبنى إلى ما حدث. ولكن الرأي استقر على استمرارنا في الاجتماع لأن الواقعة قد وقعت وأن انصرافنا لن يغير من الأمر شيئًا. ودار حديثنا بعد ذلك عن مشكلة محمد نجيب والمجلس وأنه ربما يعتكف احتجاجًا على ما حدث. وتطور الحديث بنا إلى البحث عن حل لهذا الشكل. وأخذنا ندور في حلقة مفرغة كيوم اجتماعنا في منزل زكريا ثم اجتماعنا في منزل جمال عبد الناصر. وتكلمنا عن اقتراح كنت قد سبق وتقدمت به عند إعلان الدستور المؤقت وتحديد فترة الانتقال ولم يوافق عليه المجلس في حينه. وكان اقتراحي ينصب على إيجاد مجلس استشاري بالتعيين من أعضاء النقابات المهنية المختلفة ومن الأعيان ليكون هذا المجلس بمثابة البرلمان في فترة الانتقال. وعلى أن يكون له الحق في مناقشة الوزراء ومناقشة المشروعات المختلفة التي تتقدم بها الحكومة ولكن ليس له الحق في سحب الثقة من الوزراء. وعلى أن يشكل من داخله لجانًا فنية مختلفة لدراسة مشروعات الحكومة وإبداء الرأي فيها. وكنت أهدف من هذه الفكرة إلى إيجاد صلة تعاون مع المثقفين المدنيين ولإيجاد رابطة بينهم وبيننا بتحميلهم جزءًا من المسئولية، وليكونوا هم الدعاة للثورة والرقباء على الأجهزة التنفيذية. وحتى تكون هذه الفترة –فترة الانتقال – مع وجود مثل هذا المجلس فترة تدريب على الحياة النيابية السليمة التي هي أحد أهدافنا الستة الرئيسية. وحتى نتعرف منها على أخطائنا لنتجنبها عندما تقوم الحياة النيابية. ولكن المجلس في هذا الاجتماع رأى أن يوافق على ذلك الاقتراح بصفة مبدئية دون البت فيه بصورة نهائية.

واستمر المجلس في مناقشة الموضوع الأساسي، وقد رأى البعض أن تقتصر مهمة محمد نجيب على رئاسة الجمهورية فقط وأن يعين جمال عبد الناصر رئيسًا لمجلس الوزراء. وكان هذا البعض ينادي بضرورة تنحي محمد نجيب عن رئاسة الوزارة بأسرع ما يمكن ومطالبين بأخذ القرار في هذا الشأن في هذا الاجتماع. وكان البعض الآخر منا يرى دراسة نتائج هذا القرار وتأثيره على الرأي العام وانعكاسه على محمد نجيب نفسه، فربما هذا التصرف منا يدفعه إلى تقديم استقاله وهو يعلم أن الرأي العام في جانبه. وكنت من الرأي الذي ينادي بضرورة إيجاد مبرر لهذا التغيير يمكن به إقناع الرأي العام وإقناع محمد نجيب نفسه بحيث لا يعتبره تحديًا له وإبعادًا وإنما المصلحة العامة هي التي أملته علينا. ولذا كنت أنادي بتنفيذ اقتراحي الخاص بالمجلس الاستشاري واكتفاء محمد نجيب من قيام هذا المجلس برئاسة الجمهورية بحجة عدم تعريضه كقائد للثورة "كرئيس للجمهورية لأسئلة أعضاء هذا المجلس المقترح. وعلى أننا نستكمل به أركان نظام الحكم الذي سيوضع موضع التنفيذ بعد انتهاء فترة الانتقال – وهو نظام الجمهورية البرلمانية لا الرئاسية. وأن هذا التغيير المقترح يغطي ويعطي المبرر لهذا التصرف ويستبعد التحدي لمحمد نجيب. ولكن أغلبية المجلس وعلى رأسهم جمال عبد الناصر كان يرى فصل موضوع محمد نجيب عن قيام هذا المجلس الاستشاري المقترح. وكان البعض الآخر من أعضاء المجلس يرى عرض الأمر على محمد نجيب قبل أخذ القرار حتى نتعرف على نواياه! إن كان ينوي الاستقالة من عدمه. كما كان يرى هذا البعض أيضًا أنه من الأفضل أن يؤخذ القرار بعد الاجتماع به حتى لا يظهر وكأن القرار قد أخذ رغم إرادته ومن أنه قد أجبر عليه، وربما تئول على هذه الصورة خاصة أن المجلس قد استمر في الانعقاد بعد انصرافه. وكنت أحبذ هذا الرأي ومتفق معهم عليه. وفي النهاية استقر رأينا على تأجيل أخذ هذا القرار حتى يذهب إليه جمال سالم وكمال الدين حسين وحسين الشافعي للتفاهم معه وإقناعه بأن يكتفي برئاسة الجمهورية وأن تحدد اختصاصاته – وأن يتولى جمال عبد الناصر رئاسة الوزارة.

واجتمعنا يوم الثلاثاء 23 فبراير 1954 وتواجد جميع الأعضاء فيما عدا محمد نجيب. وقام جمال سالم بعرض نتيجة مقابلتهم له في اليوم السابق والحديث الذي جرى معه فذكر أنهم قد أبلغوه بضرورة تحديد الاختصاصات وأفهم ضمنا أنه من الأفضل له أن يكتفي برئاسة الجمهورية دون رئاسة الوزارة. ويقول جمال سالم أنه كان ينظر إليهم ويبتسم كالواثق من نفسه وكأنه يقول لهم إنني أتحداكم أن تنزعوا مني رئاسة الوزارة أو تمسوني بأي سوء. وأن الحديث قد انتهى معه دون نتيجة واضحة.

وفي أثناء اجتماعنا هذا حضر إسماعيل فريد وقدم لكمال حسين سكرتير المجلس خطابًا معنويًّا باسمه وسري جدًا وشخصي وهام. ولما فضه كمال وقرأ ما جاء به تبين لنا أنها استقالة مقدمة من محمد نجيب. ومما جاء بها "إنني أتنازل عن جميع الوظائف والسلطات المخولة لي ولأسباب لا داعي لذكرها الآن – وأن مصلحة الوطن هي التي أملت علي ذلك". وتمنى لنا في نهاية خطابة التوفيق متحدين متعاونين. وكأن محمد نجيب أراد بتقديم استقالته أن يضعنا في مأزق وأن يتحدى المجلس. وكان وقع هذه الاستقالة على أنفسنا كوقع الصاعقدة. وقد أثارت جمال عبد الناصر. وخشينا أن يذاع الخبر لأنه هو نفسه سيعمل على زيادة إحراجنا بنشر خبر هذه الاستقالة خاصة بعد أن علمنا من إسماعيل فريد أنه كان يعمل ما حوي هذا الخطاب. وطلب جمال عبد الناصر منه – أي من إسماعيل فريد- أن يبلغ محمد نجيب بعدم مغادرته منزله حتى نصدر إليه أوامر أخرى من المجلس.

وكان من أثر هذه المفاجأة التي لم نكن نتوقعها أن توقفت مناقشة المجلس. وقام البعض منا وأخذ يروح ويجيئ في غرفة الاجتماع وكنت قلقًا مثلهم لما يمكن أن يحدث لهذه الثورة نتيجة القرار الذي لابد لنا أن نأخذه وبسرعة لانهاء هذا الخلاف.

وبعد أن هدأت النفوس عاد اجتماعنا لمناقشة الموضوع من جديد. وتكلم جمال عبد الناصر مبينًا أن جميع أعداء الثورة والعناصر الرجعية في البلاد ستلتف حول محمد نجيب باذلة كل جهدها للقضاء على هذه الثورة، ولذا فهو يرى: "أن نرضي محمد نجيب الآن وأن نقبل جميع شروطه ونخضع عله حتى نفوت عليه الفرصة ونعمل على إقناعه بسحب الاستقالة – وبعد شهر- أي في يوم 23 مارس – نتخلص من محمد نجيب". ومن أنه هو الذي سيقوم بعمل الترتيبات اللازمة لتنفيذ هذا الأمر. وتكلمت من بعده معترضًا على الاقتراح مبينًا أن أي قرار سيتخذ وأجده ضارًا بهذه الثورة فلن أستمر في العمل معهم. وأعدت تقديم اقتراحي الخاص باللجنة أو الهيئة الاستشارية وموضحًا المبررات المرتبطة بهذا الاقتراح لإقناع محمد نجيب ليكتفي برئاسة الجمهورية. وتقدمت باقتراح بديل لهذا الاقتراح في حالة عدم موافقة المجلس عليه، وهو أن يكتفي محمد نجيب برئاسة الجمهورية. وعليه أن يكلف أحد المدنيين بتأليف وزارة مدنية، وأن يشكل المجلس الاستشاري، وعلى أن ننسحب نحن العسكريين من السلطة التنفيذية لنكون رقباء على تحقيق أهداف الثورة دون الدخول في مشاكل التنفيذ.

وتكلم صلاح أيضًا معترضًا على فكرة التخلص من محمد نجيب مبينًا أن الأمر لابد وأنه سينكشف ومن أن المجلس هو المدبر له. وأن هذا سيكون كفيلاً بالقضاء على سمعة المجلس، وبين أيضًا الأضرار التي ستنتج عنه بالنسبة للوضع في السودان، وذلك لمحبة الشعب السوداني لمحمد نجيب. ولقد رأى المجلس استبعاد اقتراح جمال عبد الناصر.

وتقدم خالد محيي الدين باقتراح آخر وهو إعادة الحياة النيابية وانضممت إليه في هذا الاقتراح بعد أن رئي استبعاد اقتراحي الأول، على أن نعمل في هذه الحالة على مسايرة محمد نجيب حتى تعود الحياة النيابية في أقرب وقت ممكن، خاصة أن الفترة الباقية من فترة الانتقال لم تكن تزيد عن عام ونصف العام وهي مدة لن تكفي لتأهيل الشعب تأهيلاً سليمًا يكفل له حياة نيابية سليمة كما كنا نأمل – وتلك المدة أيضًا لا تكفي لتنفيذ المشروعات الرئيسية التي كنا قد بدأناها. وأنه من الأفضل والحالة هذه أن نعمل على إعادة الحياة النيابية في أقرب وقت بدلاً من قبول استقالة محمد نجيب أو انسحابنا والعودة إلى صفوف الجيش لأن أضرار عودة الحياة النيابية دون الإعداد لها ستكون أقل لا شك في ذلك.

وتقدم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم باقتراح انسحابنا والعودة إلى صفوف الجيش وترك المسئولية كاملة لمحمد نجيب. ونوقش هذا الاقتراح. وجاء تساؤلنا عما سيكون عليه الموقف لو انسحب محمد نجيب هو الآخر. فقال جمال عبد الناصر: "القائد العام يكون مسئولاً عن تكليف أحد المدنيين بتأليف الوزارة". وعاد التساؤل عن ماذا يحدث لو انحرفت هذه الوزارة –وهل يتدخل القائد العام ثانية ويصبح الأمر تدخل الجيش في السياسة ونتائجه معروفة من حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد. كما أنه كان هناك أيضًا تساؤل آخر عن الموقف في حالة استمرار محمد نجيب وأراد إثبات قدرته على السيطرة على زمام الأمور – وتجمعت كل العناصر الرجعية والمضادة للثورة من حوله – وهل سنقوم بثورة جديدة أخرى للقضاء على تلك العناصر. وكأننا بهذا التصرف نكون قد عملنا على وجود انشقاق داخلي في البلاد – يمثل جانبًا منه محمد نجيب ومن حوله تلك العناصر المناهضة للثورة – ويمثل الجانب الآخر مجلس الثورة وحوله المؤمنون بثورتنا وأهدافها. وأننا بهذا الانشقاق قد نعطي فرصة للمستعمر البريطاني لتثبيت أقدامه في البلاد. وكأننا بأيدينا نحاول هدم ما بنيناه، والتاريخ سيحاسبنا في يوم من الأيام على ذلك. كما أن انسحابنا أيضًا سيعطي لمحمد نجيب السلاح الذي يتمكن به من أن يقضي علينا وعلى مؤيدينا ما دام الأمر سيكون بيده. وهل انسحابنا وإيجاد هذا الانشقاق يعد من الوطنية في شيء.

ولما كان موعد انعقاد المؤتمر المشترك بين الوزراء وأعضاء مجلس قيادة الثورة قد أزف وأنه لابد من تواجد محمد نجيب في هذا الاجتماع منعًا من انتشار خبر استقالته ولإيقاف الشائعات التي كانت قد بدأت تنتشر – لذا كان علينا أن نحاول إقناعه بسحب هذه الاستقالة ولو مبدئيًّا. فأوفد له المجلس جمال سالم وحسين الشافعي لإقناعه بسحبها. وبعد فترة من الزمن ليست بالطويلة اتصل بها جمال سالم تليفونيًّا وأبلغنا بأنه يتكلم من قاعة اجتماع المؤتمر وأن محمد نجيب معه. فتوجهنا جميعًا إلى الاجتماع فيما عدا جمال عبد الناصر الذي اتفق معه على استكمال مناقشة الموضوع في منزله بعد الانتهاء من اجتماع المؤتمر.

واجتمعنا في منزل جمال عبد الناصر وقد بدأ هو الحديث بقوله: "إن هذا الخلاف ليس تطاحنًا على السلطة والسلطان – وإنما هذا التطاحن من أجل المبادئ والمثل – ومن الواجب علينا أن نعمل من أجلها – وإزالة كل من يقف في طريقها". وتكلم صلاح أيضًا عن هذه المثل. كما تكلم جمال سالم في نفس المعنى كذلك. وتكلمت عن عودة الحياة النيابية لأنها أسلم الطرق، لأن قبول استقالة محمد نجيب معناه ثورة جديدة لأنه عندما قامت الثورة كان الشعب يعرف أن هناك ملكًا فاسدًا، ولكن الأمر يختلف مع محمد نجيب. فهو ينظر إليه كمنقذ، ومثله الأعلى، والناس ستنظر إلى ما سيحدث عن أننا طامعون في السلطة لذلك نعمل على إزاحته. ولن يصدق أحد أن المصلحة هي التي تجربنا على اتخاذ هذه الخطوة.

وبعد مناقشة طويلة – وحدة في المناقشة – اتفقنا جميعًا على الانسحاب والعودة إلى صفوف الجيش وترك مقاليد الأمور لمحمد نجيب. وكان الغرض من ذلك هو إقناع الجماهير بأننا غير طامعين في السلطة والحكم وحتى نعطي لهم الفرصة للتعرف بأنفسهم على حقيقة محمد نجيب. واتفقنا على إصدار بيان مختصر للشعب يعلن فيه عن انسحابنا من السلطة وعودتنا إلى صفوف الجيش، وتسليم مقاليد الأمور لمحمد نجيب وبسلطات مجلس الثورة كاملة. وعلى أن يعلن هذا البيان بعد أن نجتمع في مبنى مجلس قيادة الثورة ظهر يوم 24 فبراير 1954 بعد الانتهاء من اجتماع مجلس الوزراء. كما اتفقنا على أن نعود لنشاطنا السابق للثورة وأن نعمل عن طريق منظمة سرية. وانتهى الاجتماع في الرابعة صباحًا.

الضباط ثائرون:

وحضرت اجتماع مجلس الوزراء وحضر أيضًا من الوزراء العسكريين كل من كمال وزكريا ولكن جمال عبد الناصر وجمال سالم وصلاح لم يحضروا الاجتماع. وفي أثنائه أبلغني جمال سالم تليفونيًّا أن مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة يعج بضباط الجيش بعدما علموا بقرار انسحابنا. وأنهم ثائرون ضد هذه الخطوة منا ومصممون على ضرورة استمرارنا حتى لو استدعي الأمر القبض علينا وإلزامنا بالاستمرار عنوة. فأبلغت الأمر إلى كل من كمال وزكريا ورأينا أن نترك الاجتماع لنتوجه إلى مبنى مجلس قيادة الثورة. وهناك في مكتب جمال عبد الناصر وجدت عددًا من الضباط يتناقشون مع صلاح وحسين الشافعي حول قرار انسحابنا ومعارضتهم لهذا القرار فانسحبت إلى مكتب جمال سالم وكان به كل من جمال عبد الناصر وعبد الحكيم وأنور وخالد وحسن إبراهيم وكانوا في حالة سكوت لا يتكلمون. وسألني جمال عبد الناصر عما إذا كنت قد فكرت في الأمر ثانية ووجدت حلا آخر. فشرحت وجهة نظري وهو أن استقالة محمد نجيب أو انسحابنا سيترتب على أي منهما انشقاق داخلي في البلاد. واقترحت أن نقدم لائحة اتهام لمحمد نجيب، وأن يحاكم علنا على تصرفاته وخروجه على مبادئ ومثل الثورة. ولكن اقتراحي هذا لم يقابل بالارتياح.

جمال سالم يهدد بقتل نجيب:

ولقد رئي بعد ذلك أن ننتقل إلى حجرة الاجتماع بالدور العلوي من المبنى لإعادة مناقشة الموضوع وتناولنا في مناقشاتنا جميع الاقتراحات السابقة بعد استبعادنا لفكرة الانسحاب والعودة إلى صفوف الجيش. واشتدت حدة المناقشة وكنا ندور في حلقة مفرغة دون أن نصل إلى حل نهائي وقاطع للمشكلة. وكان قد زاد الانفعال والتوتر بيننا لدرجة أن هدد جمال سالم بأنه إن لم نصل إلى حل حتى الساعة الخامسة صباحًا من ثاني يوم فإنه سيتوجه إلى منزل محمد نجيب ويقوم بقتله ثم يقتل نفسه هو أيضًا. وتقدم عبد الحكيم باقتراح مواجهة الأمر الواقع وقبول استقالة محمد نجيب. وكان الرأي أن – تنفيذ هذا الاقتراح سيشجع العناصر المناهضة للثورة إلى التحرك مستغلة رد فعل استقالة محمد نجيب عند الشعب. وأننا لابد في هذه الحالة سنضطر إلى إتباع سياسة الحزم والشدة سواء رضينا أم لم نرض. والشعب لم يكن قد تعود على هذه السياسة منا من قبل. واستخدامنا لهذه السياسة لابد سيكون له رد فعل سيء عند شعبنا لأنه في طبيعته عاطفي ومحب للسلام. ولم يكن هناك حتى تلك اللحظة ما يقابل هذه السياسة من تحقيق أهداف للشعب سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية حتى تكون تعويضًا له عن هذه السياسة – وحتى المدة الباقية لنهاية فترة الانتقال نفسها لم تكن تكفي لتحقيق أية مكاسب له وذلك حتى يغفر لنا ما سيلقاه على أيدينا من تلك الشدة.

وعلى أساس تلك الصورة والاعتراض على استخدام الشدة تقدم جمال سالم باقتراح قبول استقالة محمد نجيب مع مد فترة الانتقال إلى عشر سنوات بدلاً من ثلاث حتى تكون المدة الباقية كافية لتحقيق ما نأمله من أهداف ولتكون تعويضًا للشعب عن سياسة الشدة المنتظر اتباعها ضد المناهضين للثورة. ووافق جميع أعضاء المجلس على ضرورة الربط بين سياسة الشدة بين مد فترة الانتقال، لتحقيق أهداف الثورة وإجلاء المستعمر، فيما عدا خالد محيي الدين الذي تمسك بإعادة الحياة النيابية. ولقد أخذ كل من جمال سالم وعبد الحكيم في محاولة إقناع خالد بالالتقاء مع باقي أعضاء المجلس في الرأي ولكنه كان متمسكًا برأيه. ولما كان هذا القرار لابد أن يكون إجماعيًّا من المجلس كله – لذا فقد رئي الاتفاق على اعلان هذا القرار على أنه كان إجماعيًّا وعلى أن يعفى خالد من عضوية المجلس وذلك بعد مرور فترة لا تزيد عن المدة الباقية من فترة الانتقال الأولى – أي المدة الباقية من السنوات الثلاث – وقد وافق خالد على ذلك – واشترط المجلس أن يكون هذا الاعفاء سرًّا ولا يعلن عنه. وأن يظل سرًّا بين أعضاء المجلس دون الجهر به.

وعلى هذا الأساس تم اتفاقنا وانتهينا إلى حل بخيره وشره بأمل الخروج من ذلك المأزق الذي كنا قد وضعنا فيه من مدة آملين أن تسير الثورة بعد ذلك في طريقها لتحقيق أهدافها ومؤمنين بأن هذا في صالح شعبنا. وبعد أن انتهينا إلى هذا القرار كلف عبد الحكيم باتخاذ إجراءات الأمن في الجيش والعمل على سحب الحرس الخاص بمحمد نجيب ووضع حرس آخر بدلاً منه. كما كلف جمال سالم باستدعاء الوزراء المدنيين إلى مبنى مجلس قيادة الثورة لشرح الموقف لهم. وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.

وحضر الوزراء المدنيون وكان الوجوم مخيمًا على وجوههم بل كان الرعب ظاهرًا في أعين البعض منهم. وبعد شرح الموقف لهم والقرار الذي تم اتفاقنا عليه اقترح الدكتور عباس عمار والدكتور وليم سليم حنا أن تكون الوزارة عسكرية ما دامت الشدة واجبة في تلك المرحلة المقبلة، وعلى أن تشكيل وزارة عسكرية تعطي هذا الشكل. ولكننا أوضحنا لهم أن انسحابهم في هذه الظروف يعطي معنى عدم موافقتهم على تلك السياسة. واعترض الدكتور نور الدين طراف على رأيهما مبينًا أن البلاد تمر بمحنة ولابد من التعاون في هذه الحالة.

وفي اليوم التالي تم اجتماعنا لمناقشة التعديل الوزاري المقترح ورئي تعيين جمال سالم نائبًا لرئيس الوزراء وكذا تعيين الدكتور عبد الجليل العمري نائبًا لرئيس مجلس الوزراء لشئون الاقتصاد والانتاج والدكتور علي الجريتلي وزيرًا للمالية. واقترح جمال عبد الناصر تعيين نائب لرئيس مجلس قيادة الثورة. ولكننا رأينا تأجيله.

وقد تناولت المناقشة أيضًا رد الفعل الناتج عن قبول استقالة محمد نجيب، والوجوم الذي خيم على وجوه أفراد الشعب، وتلك الشائعات التي يتناقلها الناس، وما يجب عمله لمقاومة هذه الشائعات. وإعلان حقيقة تصرفات محمد نجيب والأسباب الحقيقية لتلك الخلافات القائمة بينه وبين أعضاء المجلس وعلى ألا يكون ذلك عن طريق النشر في الصحف حتى نبعد بها عن المهاترات. وأن يتم ذلك عن طريق ذكر هذه الخلافات لكل من نعرفهم وهم بدورهم سيقومون بنقلها إلى غيرهم. كما اتفق مع جريدتي الجمهورية والأخبار على أن تكتبا عن المثل والمبادئ والتمسك بها، ومن أننا زائلون، وأما مصر فباقية وثابتة، وعقد صلاح سالم مؤتمرًا صحفيًّا للصحفيين الأجانب وأصدر بيانًا. كما عقد أيضًا مؤتمرًا صحفيًّا آخر للصحفيين المصريين وأصدر بيانًا آخر. ورأينا أن يعامل محمد نجيب معاملة كريمة لائقة. وأن ينقل من منزله إلى منزل آخر يكون فسيحًا وبه حديقة حتى يمكن التريض بها. وأن يصرف له معاش استثنائي قدره مائتا جنيه مع تخصيص سيارة لتنقلات أفراد أسرته.

وفي أثناء اجتماعنا وردت إلينا مذكرتان من محمد نجيب مرسلة إلى الحرس المكلف به يطلب في إحداهما السماح لطباخه الخاص بالخروج والدخول إلى المنزل دون اعتراض ليحضر المأكولات اللازمة للمنزل. والأخرى يطلب فيها السماح بذبح عجل من الماشية كان لديه بالمنزل لنفاذ العليقة الخاصة به. وكان قد اشتراه لذبحه وتوزيعه على الفقراء قبل سفره إلى السودان لحضور افتتاح البرلمان السوداني الجديد.

وقد علمنا أيضًا أثناء اجتماعنا باعتصام قوات الجيش السوري بحلب واللاذقية وإعلانهما بيانات عن محطة إذاعة حلب تهاجم فيها الشيشكلي زعيم الثورة بها. ثم علمنا بتنازل الشيشكلي عن السلطة واستقالته وذلك حقنًا للدماء ومن أنه قد غادر سوريا على متن إحدى الطائرات. ثم وصل إلى علمنا بعد ذلك أنه قد وصل إلى مطار القاهرة الساعة الثالثة صباحًا.

وقبل منتصف ليلة 26 فبراير بنصف ساعة اتصل بي عبد الحكيم وطلب مني أن أتوجه إلى مبنى القيادة العسكرية بكوبري القبة لأن ضباط سلاح الفرسان كانوا قد اجتمعوا بقشلاقهم من الساعة الرابعة بعد الظهر بالرغم من أن حسين الشافعي كان قد حدد لهم موعدًا للاجتماع به في الساعة الثامنة والنصف مساء – وأن جمال عبد الناصر قد توجه إليهم من الساعة السادسة مساءً وهو كان لا يزال مجتمعًا بهم حتى تلك اللحظة.

وتوجهت إلى القيادة فوجدت بها كلا من عبد الحكيم وكمال الدين حسين وجمال سالم ثم حضر بعد ذلك كل من زكريا وصلاح وأنور. ثم حضر جمال عبد الناصر بعد منتصف الليل بقليل ومعه حسين الشافعي. وسرد علينا جمال ما دار من مناقشات بينه وبين ضباط سلاح الفرسان. وذكر أنهم لا يزالون منتظرين داخل قشلاقهم. ولم يكن خالد محيي الدين متواجدًا لوجوده بالسينما في تلك الليلة. وأما حسن إبراهيم فكان بالإسكندرية.

لم يفهمو شيئًا:

وخلاصة ما ذكره لنا جمال عبد الناصر هو أنه حوالي مائة ضابط من ضباط الفرسان كانوا قد اجتمعوا في ميس سلاحهم ليناقشوا أسباب استقالة محمد نجيب. وأنه لما علم بهذا الاجتماع ذهب إليهم ليشرح لهم الأسباب وليبين لهم أن المسألة تتعلق بالمبادئ والمثل. وأن محمد نجيب قد انحرف عنها. وأنه قد أصبح هناك استحالة في التعاون بينه وبين أفراد مجلس قيادة الثورة. ولكن ضباط الفرسان طالبوا أن يبقى محمد نجيب كرئيس للجمهورية فقط ودون سلطات كرمز للثورة وبحجة أن البعض من أفراد الشعب قد أصبح ينظر إليهم وكأنهم خونة بعد استقالة محمد نجيب. بل وأنهم على حد قولهم يبصقون عليهم أثناء سيرهم في الشارع ويوجهون إليهم كلامًا جارحًا. وأن هذا يؤلمهم ويجرح شعورهم. كما أنهم عتبوا أيضًا على ما جاء بالبيان الذي أعلن عقب قرار قبول استقالة محمد نجيب، وذكر به أن مجلس الثورة كان قد قرر الانسحاب والعودة إلى صفوف الجيش، ولكن ضباط الجيس ومندوبي الوحدات العسكرية المختلفة قد أجبروا المجلس على الاستمرار وقبول استقالة محمد نجيب وذكروا أن التبعة أصبحت تقع عليهم كباقي الوحدات الأخرى رغم عدم تواجدهم في هذا الاجتماع. وذكر جمال أنه كان قد أخذ يحدثهم عن المثل والمبادئ وضرورة التمسك بها. وأن لا حياة لأمة بدونها ولكنهم لم يفهموا شيئًا مما ندعو إليه على حد تعبيره. كما أنهم قد طالبوا بعودة الحياة النيابية في أقرب وقت مستطاع متأثرين على حد قوله برأي خالد الذي كان يدعو إلى هذا الاتجاه باستمرار بين زملائه من ضباط الفرسان. وبين لهم جمال عبد الناصر أن محمد نجيب كان قد تقدم باستقالته على أثر قرار مجلس قيادة الثورة بأن يكتفي برئاسة الجمهورية. وأن اقتراحهم بعودته ما هو إلا نفس قرار المجلس الذي سبق واعترض عليه محمد نجيب وتقدم على أثره باستقالته. ولكنهم أكدوا له استعدادهم للضغط عليه لقبول هذا الاقتراح المقدم منهم.

وأبدى لنا جمال عبد الناصر استعداده لقبول الاقتراح بعودة محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وبدون سلطات ضمانًا لوحدة الجيش وتفاديًا لإيجاد انشقاق داخله. وقد وافقه جمال سالم على هذا الرأي. ولكن عبد الحكيم وزكريا وأنا قاومنا هذا الاتجاه لأن هذا في حد ذاته سيكون هدمًا للمثل والمبادئ التي نتحدث عنها. وكيف نستبعده اليوم لانحرافه عنها ثم نعيده في اليوم التالي كرمز لها وللثورة. وأن هذا يتناقض تمامًا مع ما ندعو إليه. ثم كيف نسمح لأنفسنا أن نتخذ قرارً اليوم ثم تأتي قوة من الجيش وترغمنا على أخذ قرار آخر متعارضًا مع القرار السابق الذي أخذ. وأنه بهذا الوضع لا تستقر الأمور، وفي ظلها لا يمكن العمل. كما أن عودة محمد نجيب ثانية في ظل هذه الظورف ستمده بالقوة ولن يلزم حدوده وسيتعدى السلطات التي سيتخول له مطمئنًا بأننا لن نجرؤ على التصدي له خشية أن نقف نفس هذا الموقف الذي نقفه اليوم، وربما يكون الموقف أسوأ لأن هذا سيشجع الكثيرين من المناهضين للثورة على العمل على مناوئتها بعد هذا التراجع منا. ومعنى هذا أن الحل المقترح لن يكون إلا حلاً مؤقتًا ولن يمنع الانشقاق ثانية في المستقبل.

وتقدمت باقتراح تكليف شخص مدني بتأليف الوزارة على أن يعيد الحياة النيابية في أقصر وقت ممكن. وأن يحل مجلس قيادة الثورة وتظل استقالة محمد نجيب قائمة، وتكلم عبد الحكيم وزكريا عن المثل وأن خضوعنا لمحمد نجيب قتل لروح الثورة التي أقمناها. ومن أننا اليوم نضع بذرة لتلك المثل على أنها ستنمو على مر الأيام وربما تأتي أكلها بعد أجيال ولكن من واجبنا أن نضع البذرة اليوم مهما كلفتنا من تضحيات.

واقترح عبد الحكيم أن يعاد محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وأن يحل مجلس قيادة الثورة. ونوقشت فكرة استمرار عبد الحكيم كقائد عام للقوات المسلحة ليكون عينًا حارسة على الثورة لتحقيق أهدافها ولكن أغلبية أعضاء المجلس قرروا ضرورة انسحابه أيضًا من قيادة الجيش.

ولما نوقشت فكرة قيام وزارة مدنية لتعمل على إعادة الحياة النيابية في أقصر وقت، اقترح جمال عبد الناصر أن يتولى خالد رئاسة هذه الوزارة لإيمانه بعودة الحياة النيابية. ووافقنا جميعًا – وعرض الأمر على خالد فوافق هو أيضًا وعليه استقر الرأي على القرار الآتي ووافقت عليه الأغلبية:

1-إعادة محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وبدون سلطات.

2-تعيين خالد محيي الدين رئيسًا للوزارة (مدنية) على أن يعيد الحياة النيابية في أقرب وقت ممكن.

3-حل مجلس قيادة الثورة وإحالتهم إلى المعاش – أي عدم عودتهم لصفوف الجيش.

4-استقالة القائد العام من منصبه وترك الحرية لخالد لتعيين قائدًا عامًا بدلاً منه من ضباط الجيش.

الضباط الأحرار يتوافدون:

وكانت الساعة قد قربت من الرابعة صباحًا من يوم السبت 27 فبراير، وأوكل المجلس إلى كل من جمال عبد الناصر وخالد محيي الدين إبلاغ هذه القرار لضباط الفرسان، وفي أثناء تواجدهما بسلاح الفرسان، أخذ الضباط الأحرار من باقي وحدات الجيش يتوافدون على مبنى القيادة العسكرية متسائلين عن القرار الذي اتخذ، ومهددين بأنهم سيدمرون سلاح الفرسان، وكان اتفاقنا على أنه مهما حدث فلن نرجع عن هذا القرار الذي اتخذناه. ثم عاد جمال عبد الناصر وخالد محيي الدين بعد ساعة من ذهابهما إلى سلاح الفرسان وتوجه بعد ذلك خالد محيي الدين بعد ساعة من ذهابهما إلى سلاح الفرسان توجه بعد ذلك خالد إلى منزل محمد نجيب لإبلاغه القرار. وكان يرافقه ثمانية ضباط، خمسة منهم من ضباط سلاح الفرسان والثلاثة الآخرون من وحدات أخرى. وكان خالد قد أكد لنا أن محمد نجيب سيوافق على القرار. وبعد مغادرة خالد قد أكد لنا أن محمد نجيب سيوافق على القرار. وبعد مغادرة خالد والضباط المرافقين له المبنى بدأ جمال عبدا لناصر يبلغنا عن رد الفعل عند ضباط سلاح الفرسان أثناء تلاوة القرار عليهم. ولكن فجأة ونحن مجتمعون دخل علينا في غرفة الاجتماع ما يقرب من السبعين ضابطًا من الضباط الأحرار ومن وحدات الجيش المختلفة وأخذوا يلحون علينا في عدم حل مجلس قيادة الثورة. ولكننا أصررنا على موقفنا مبينين لهم أن هذا كان قرارًا نهائيًّا ويجب عليهم الخضوع له. ولكنهم استمروا في الحاحهم وهم يبكون بصوت مرتفع. وقد أثر هذا الانفعال فينا فانتقلت إلينا عدوى هذا البكاء متأثرين ومتخوفين مما سيحدث لثورتنا التي أنهيناها بهذا القرار. ولما رأوا منا الإصرار على موقفنا ثارت ثائرتهم وأعلنوا نيتهم عن القيام بتدمير سلاح الفرسان والدخول معهم في معركة معتقدين خطأ أننا قد أخذنا هذا القرار تجنبًا لها.

احتجزونا في الغرفة:

وتطورت بعد ذلك الأحداث بسرعة. فأخذوا المبادرة واحتجزونا في غرفة الاجتماع، واضعين حراسة مهم على بابها. وانسحب أغلبهم إلى وحداتهم لإعدادها وإحضارها لمحاضرة قشلاقات سلاح الفرسان. وفجأة وبعد مدة قصيرة كانت طائرات القوات الجوية تحلق فوق معسكرات سلاح الفرسان المواجهة لمبنى القيادة العسكرية التي كنا مجتمعين بها. ثم توالى ورود قوات من المدفعية والمشاة وضربوا حصارًا حول تلك المعسكرات. وأخذت وحدات سلاح الفرسان هي الأخرى تعد نفسها للمقاومة والدفاع عن سلاحها. وتحرج الموقف. وكان لابد لنا من التحرك بسرعة. ورأى عبد الحكيم أن يتولى الأمر بنفسه بصفته السابقة كقائد عام للجيش. وأعلن عدم التزامه بقرار المجلس وعلى المجلس أن يحاكمه بعد الانتهاء من المعركة. ومصرحا بأنه سيأمر بدك سلاح الفرسان إن لم يخضع لأوامره. وأصدر أوامره لوحدات المدفعية والمشاة بأخذ مواقعها التي حددها لهم. وطلب من حسين الشافعي أن يبلغ ضباط الفرسان إن لم يقدموا أنفسهم إليه بالقيادة قبل الساعة الثامنة صباحًا فإنه سيأمر الطائرات والمدفعية بضرب قشلاقاتهم بالقنابل. ولما حاول حسين الخروج من مبنى القيادة العسكرية ليتوجه إلى سلاح الفرسان منع بواسطة ضباط البوليس الحربي. ولما أمرهم عبد الحكيم بالسماح له بالخروج لم يمتثلوا لأوامره بحجة أننا قد تخلينا عن مسئولياتنا. وأن لديهم أوامر من الضباط الأحرار بمنع أي فرد منا من الخروج من مبنى القيادة، فهددهم عبد الحكيم بأنه سيتخلى عن مسئولياته إن لم يطيعوا أمره. وأبلغوا بأن عبد الحكيم قد خرج على قرار المجلس وعاد وتولى القيادة ثانية – عندئذ سمحوا لحسين بالخروج.

وكان خالد في هذه الأثناء قد اتصل بنا تليفونيًّا من منزل محمد نجيب لإبلاغنا بموافقته على تلك القرارات. ثم عاد بعد ذلك إلى مبنى القيادة ولكنه استقبل استقبالاً سيئًا من الضباط الأحرار، وقد اتهموه بأنه خان مجلس الثورة. ولما علم بتحرج الموقف بين سلاح الفرسان وقوات الجيش الأخرى طلب أن يسمح له بالذهاب إلى ضباط سلاح الفرسان لتهدئتهم. ثم عاد بعد ذلك وأبلغنا بأن الحالة هادئة وأنه لم يحدث منهم أي تحرك أو احتكاك مع القوات الأخرى.

ثلاث دقائق:

وكان الصاغ عباس رضوان من الضباط الأحرار الذين رافقوا خالد عندما توجه لمقابلة محمد نجيب. وقد أبلغنا بعد عودتهم بأن خالد قد انفرد بمحمد نجيب لمدة ثلاث دقائق فقط، ثم عاد وهو معه، وأبلغهم بموافقته على جميع القرارات. وكان هذا موضع دهشتنا جميعًا، فكيف يوافق محمد نجيب على تلك القرارت الخطيرة في هذه المدة القصيرة. ولما سألنا خالد عن ذلك أكد لنا هذه المعلومات.

وبعد اتخاذ تلك الإجراءات هدأت الحالة وتم سحب القوات المحاصرة لسلاح الفرسان. كما تم إحضار ضباط الفرسان الذين نسب إليهم ما حدث إلى مكتب عبد الحكيم وأخذ في استجوابهم أمامنا. وقد أمر باعتقال البعض منهم ووضعهم في مبنى البوليس الحربي. وأمر بنقل البعض الآخر إلى وحدات أخرى بالجيش. وفي أثناء ذلك حضر إلينا اليوزباشي كمال رفعت واليوزباشي حسن تهامي وهما من الضباط الأحرار وأبلغانا أنهما قاما من تلقاء أنفسهما بالقاء القبض على محمد نجيب وهو في منزله ثم نقلاه إلى ميس سلاح المدفعية. فصدرت إليهما الأوامر بإعادته فورًا إلى منزله وتحميلها مسئولية المحافظة على حياته.

وعلى أثر انتشار الشائعات بعودة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية ثانية بدأت بعض التجمعات من أفراد الشعب عند القصر الجمهوري بعابدين وعند منزله. وكانت تهتف باسمه وباسم مجلس قيادة الثورة مستبشرة وفرحة بعودة وحدة الصف بيننا. وكنا قد قررنا مؤقتًا التنازل عن قرار حل مجلس قيادة الثورة بعد أن تأزم الموقف على أن نعيد مناقشة هذا الأمر فيما بعد عندما تهدأ الحالة.

وبعد الظهر اجتمعنا وأخذنا في مناقشة موقف خالد في أثناء هذه الأزمة. وبدأ جمال سالم يشرح موقف خالد عامة وذكر أنه خرج على قرارات المجلس مما تسبب عنه تلك الأزمة واتهمه بخيانة المجلس واقترح إعفاءه من عضويته. وتكلم بعده صلاح وقد ربط بين الحوادث المختلفة وموقف خالد منها وخرج من ذلك بأن خالد قد دبر ما حدث خاصة أنه قد تغيب عن منزله في يوم الجمعة من الساعة الرابعة والنصف مساءً. ولم يعرف أحد مكانه حتى عائلته، ثم ذهب بعد ذلك إلى السينما. ولكن خالد نفى عن نفسه تدبير أي شيء. ولكنه اعترف بأنه كان يبث فكرة عودة الحياة النيابية بين زملائه ضباط الفرسان. وقد خرج صلاح من استعراضه لموقف خالد بطلب إبعاده عن عضوية مجلس الثورة واعتقاله. وتكلم أنور أيضًا في هذا الاتجاه وطالب باعتقاله كذلك. وتكلمت من بعده مبينًا معرفتي بخالد منذ عام 1942، وأنه إن آمن بشيء تحمس له ودعا إليه بكل قوته. ومن أن إيمانه بالحياة النيابية دفعه إلى الدعوة إليها بين ضباط الفرسان، ولكنه لم يكن يقصد خيانة المجلس أو الخروج على قراراته. وأن اتجاه خالد وفكره السياسي معروفان لنا من قبل قيام الثورة ومن بعد قيامها ولم يعترض عليه أحد من المجلس. وأضفت أن خالدًا كان قد سبق وطلب إعفاءه من عضوية المجلس للسفر إلى الخارج لعلاج ابنته – وكان ذلك أثناء نظر قضية تآمر ضباط المدفعية والفرسان ولكننا لم نسمح له بذلك. واقترحت الاستجابة لهذا الطلب السابق منع مع إعفائه من عضوية المجلس في ظل تلك الظروف. وعلى أن يتم ذلك بعد التأكد من موقف ضباط الفرسان من هذا القرار. وقد نفى حسن إبراهيم عنه أيضًا تهمة خيانته للمجلس واقترح إبعاده. وبين زكريا في كلمته أن خالدًا بريء من تهمة خيانة المجلس ولكن إيماه بالحياة النيابية هو الذي دفعه للدعوة إليها. وأوضح في النهاية أنه ليس لديه مانع من اعتقال خالد وإبعاده عن البلاد. وتكلم في النهاية جمال عبد الناصر وطلب تأجيل هذا الموضوع حتى يتبين لنا موقف محمد نجيب لأننا أعدناه بغرض لم الشمل. وأن اعتقال خالد الآن وإبعاده يتنافى مع هذا الغرض. وأمن صلاح وأنا على هذه النقطة لأهميتها. وطلبنا من خالد أن يداوم على حضور اجتماع جلسات المجلس حتى لا تكثر الشائعات.

ثم تناول المجلس بعد ذلك بالمناقشة وضع مجلس قيادة الثورة بعد عودة محمد نجيب – وهل من الأفضل استمرار المجلس أو حله. ولكننا بعد مدة من المناقشة أحسسنا بأننا مجهدين. وكانت الساعة قد قربت من الرابعة والنصف بعد الظهر، فأجل الاجتماع إلى الساعة التاسعة مساءً.

البلد على شفا بركان:

ولكن في الساعة الخامسة والنصف من بعد الظهر اتصل بي صلاح سالم وطلب مني أن نلتقي في مبنى القيادة بكوبري القبة لنناقش إعلان عودة محمد نجيب لأن البلد على حد قوله على شفا بركان. وأن الكثيرين من مناهضي الثورة سيعملون على استغلال هذا الموقف. ومررت على حسن إبراهيم بمنزله وذهبنا معًا إلى مبنى القيادة – وفي لحظة وصولنا أعلن في الإذاعة عن عودة محمد نجيب رئيسًا للجمهورية. فأخذ صلاح سالم وجمال سالم في البكاء بكاءً مرًّا لشعورهما بالهزيمة وانتصار محمد نجيب. وتكلمت بغضب ظاهر أمام بعض أعضاء المجلس الذين كانوا قد وفدوا إلى المبنى وأمام ضباط آخرين. وكان كمال الدين حسين قد أوفد لمحمد نجيب لإبلاغه بقرار المجلس بعودته وأن ذلك سيعلن في الإذاعة. والتقى كمال هناك في منزله مع خمسة من السودانيين كانوا قد أوفدوا من الحكومة السودانية إلى مصر للعمل على التوفيق بيننا. واتفق كمال مع محمد نجيب على أن نجتمع به في اليوم التالي حتى تظهر بمظهر المتحدين أمام الشعب. وعندما أزفت الساعة التاسعة مساءً رأينا تأجيل اجتماعنا لشعورنا بالاجهاد الشديد على أن نعود لمناقشة الموضوع ثانية فيما بعد.

وفي ظهر يوم الأحد 28 فبراير 1954 اجتمع مجلس الوزراء وتحدث جمال عبد الناصر إليهم عن الحوادث التي جرت في يومي الجمعة والسبت السابقين. وأبلغ المجلس أنه قد طلب من عبد الحكيم اليوم أن يتصل بمحمد نجيب ليبلغه أنه من المنتظر أن يكون هناك بعض المظاهرات ابتهاجًا بعودة الوحدة بيننا من جديد بيننا من جديد، ولكن عناصر الفتنة ستحاول الاندساس بينها لإثارة الشغب. وأنه على محمد نجيب أن يأخذ حذره ولا يندفع في التجوال في الشوارع كعادته. ولكن عندما حاول عبد الحكيم الاتصال به وجد أنه كان قد غادر منزله من الساعة الثامنة والنصف صباحًا.

ولما كان متوقعًا أن تقوم بعض المظاهرات في هذا اليوم – لذا صدرت الأوامر للبوليس بالاستعداد دون الاحتكاك بالمتظاهرين إلا إذا دعت الضرورة لذلك. وقررت جامعة القاهرة القيام بمظاهرة والتوجه إلى ميدان الجمهورية.

كما قامت عدة مظاهرات أخرى. وكانت أغلب هتافاتهم تدل على الابتهاج بعودة وحدة صفوفنا. ولكن كانت هناك أيضًا بعض الهتافات العدائية ضد جمال عبد الناصر وصلاح سالم وأغلبها من الإخوان المسلمين. وكان قد وصل إلى علمنا في اليوم السابق أن الأوان كانت قد صدرت إلى الإخوان بالاستعداد للخروج في مظاهرة مسلحة. وقد حدث احتكاك بين بعض المتظاهرين وقوة من البوليس الحربي عند لوكاندة سميراميس بعد مهاجمة المتظاهرين لأحد ضباط البوليس الحربي محاولين نزع سلاحه الأمر الذي اضطر القوة التي كانت معه إلى إطلاق بعض الأعيرة النارية عليهم فأصابت عشرة أفراد من المتظاهرين بإصابات سطحية ولكنها تفرقت بعد ذلك. وقد اعتدى أحد المتظاهرين من الإخوان كذلك على ضباط بوليس كان موجودًا بتراس اللوكاندة وذلك بأن أطلق عليه الرصاص من مسدسه فأصابه في رقبته ولكن أمكن القبض عليه.

وفي هذه الأثناء كان محمد نجيب يقوم بإلقاء خطاب في الجماهير التي تجمعت في ميدان الجمهورية. واتصل به جمال عبد الناصر محذرًا من العناصر المشاغبة التي تعمل في الخفاء لإثارة الفتنة. وأبلغه بأن مجلس الوزراء مجتمع وطلب منه حضور الاجتماع. فوعد بالحضور في الساعة الواحدة بعد الظهر.

ولقد علمنا ونحن في اجتماع مجلس الوزراء بأن عبد القادر عودة وهو أحد زعماء الإخوان المسلمين كان يخطب أيضًا في تلك الجماهير هو ومحمد مالك من الإخوان كذلك. وكانا يهاجمان جمال عبد الناصر في خطابيهما. وعلمنا أيضًا أن محمد نجيب كان قد دعا عبد القادر عودة ليخطب في الجماهير من شرفة قصر عابدين، وأن محمد نجيب كان واقفًا بجواره أثناء إلقاء خطابه. وقد جاء في خطاب محمد نجيب أنه سيعمل على إعادة الحياة النيابية في أسرع وقت ممكن. وأنه سيعمل على إيجاد مجلس استشاري يقوم بعمل مجلس النواب إلى أن تعود الحياة النيابية. كما وعد بالإفراج عن الذين اعتقلوا في هذه الظروف الأخيرة.

وعند الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر حضر محمد نجيب إلى مجلس الوزراء ودخل علينا قاعة الاجتماع ومن ورائه فوج جرار من الصحفيين ومصوري السينما. وكانت السعادة واضحة على وجهه. بل كان يشعر بالقوة لإحساسه بأن هناك قوة جديدة وراءه تسنده وتشد أزره. وقد أخذ يكلمنا عن الجموع التي كانت مجتمعة بميدان الجمهورية وماذا قال لهم. ثم وجه كلامه إلى صلاح طالبًا منه أن يستعد للسفر في اليوم التالي إلى السودان لحضور افتتاح البرلمان السوداني.

كما تحدث أيضًا عن الحقد وأنه لا يحقد على أحد بل ولا يعرف الحقد، وأنه ينسى الإساءة بسرعة.

ولما كان الإخوان المسلمون يعتقدون خطأ أن محمد نجيب كان ضد قرار حل منظمتهم الذي كان قد صدر مؤخرًا – ويظهر أنه هو نفسه كان قد أفهمهم ذلك – لذا رأينا أنه من المستحسن إصدار بيان من المؤتمر المشترك (مجلس قيادة الثورة + مجلس الوزراء) نوضح فيه أن الجميع كانوا مثقفين على جميع القرارات التي كانت قد اتخذت وصدرت في الفترة الأخيرة. وقد قام بإعداد هذا البيان كل من الأستاذ فتحي رضوان والدكتور عباس عمار وكمال الدين حسين.

استقبال الأبطال:

وفي يوم الاثنين أول مارس 1954 وفي أثناء الاستراحة بين جلستين من جلسات محكمة الثورة قمت بشرح وجهة نظري لحسن إبراهيم أنور السادات بالنسبة إلى الموقف السيء الذي أصبح فيه مجلس قيادة الثورة بعد إعادة محمد نجيب إلى الرئاسة وبتلك الصورة التي عاد بها. وذكرت أنه لابد لنا من دراسة موقفنا الذي لا نحسد عليه، وكأن الشعب والجيش قد سحبا ثقتهما منا. وأن محمد نجيب قد عاد وهو يشعر أنه قد أصبح له سند من الجيش والشعب معًا. وأننا قد خذلنا فيما اتخذناه من قرار قبول استقالته خاصة أنه قد استقبل من الشعب بعد إعادته استقبال الأبطال. وبعد أن كان امسه قد بدأ يخبو بينما يظهر اسم جمال عبد الناصر، انقلب الحال بعد هذا الحادث. ولقد زاد تعلق الشعب به، بينما ركز الشعب كرهه في جمال عبد الناصر معتقدًا أنه كان هو السبب المباشر فيما حدث. وأنه يسعى وراء السلطة والسلطان. وأما عن محمد نجيب وتحديد اختصاصاته فهو لابد سيخرج عليها ولن يلتزم بها. بل ولقد بدأ في أول يوم بعد إعادته بأن وعد الجماهير بإعادة الحياة النيابية وإقامة المجلس الاستشاري والإفراج عن المعتقلين. وأننا لن نتمكن من الحد من هذه التصرفات لأن موقفه اليوم أصبح غير موقفه أمس كما أن مجلس قيادة الثورة نفسه لابد سيتردد كثيرًا في اتخاذ أي موقف منه بعد تلك الأحداث التي حدثت وهو لا يزال قائدًا للثورة. والقرار الذي وقعه قد أشار فيه إلى أنه يقبل رئاسة الجمهورية البرلمانية ولكنه لم يشر إلى تنازله عن قيادته للثورة. وأن اعتقادي أن هذا سيكون هو موضع النزاع الجديد. وأنه على ضوء هذا يجب علينا أن نحدد موقفنا – فهل نظل في مراكزنا لإعادة الحياة النيابية في أقرب وقت – أم نظل حتى نحقق أهداف الثورة – وكلاهما يختلف عن الآخر. فإذا كان الأمر الأول فمن المستحسن أن نكلف شخصًا مدنيا ليتولى الوزارة وليعمل على إعادة الحياة النيابية لأن النتيجة واحدة سواء قمنا نحن بهذا العمل أو أي شخص آخر. أما بالنسبة للحالة الثانية فإني مستعد بل وأرى أن من واجبنا الاستمرار حتى نحقق الأهداف التي قامت من أجل الثورة. ولنحدد مدتها ونعلنها على الشعب. علمًا بأن استمرارنا رغم اللطمة التي واجهناها أخيرًا تتنافى مع احترامنا لكرامتنا. ولكن التضحية وإنكار الذات تتطلبان منا قبول هذا الوضع لأن هناك غرضًا أسمى سيعود على البلاد بالنفع والفائدة. وكانا متفقين معي في وجهة النظر هذه.

صدام في السودان:

وفي نفس ذلك اليوم وصلتنا معلومات تفيد بأنه قد حدث صدام في السودان بين أنصار المهدي والبوليس السوداني عندما حاولوا مهاجمة قصر الحاكم العام في الخرطوم والذي كان ينزل به محمد نجيب، وكانوا يهتفون بسقوطه. وقيل أن عدد القتلى من جنود البوليس يقدر بحوالي عشرين جنديًّا ومن الأهالي حوالي خمسة وعشرين فردًا، وأما من الحرس فحوالي مائتين. وقد قتل قائد البوليس الإنجليزي في الخرطوم وكذا حكمدار البوليس السوداني. ونتيجة لهذه الحوادث فقد أجل افتتاح البرلمان السوداني إلى يوم 10 مارس 1954 – كما أعلنت حالة الطوارئ في الخرطوم. وقد قامت الحكومة السودانية بإنذار المهدي بإخراج أعوانه من المدينة قبل الفجر. كما أن محمد نجيب وصلاح سالم قد قررا العودة صباح الثلاثاء 2مارس 1954.

وفي يوم الثلاثاء 2 مارس 1954 وبعد الانتهاء من جلسة محكمة الثورة كنت قد ذهبت مع أنور وحسن إبراهيم إلى مكتب جمال عبد الناصر فالتقينا بصلاح هناك وكان قد عاد توا من السودان. ثم حضر بعد ذلك كمال الدين حسين ودارت بيننا مناقشة عن موقفنا بعد إعادة محمد نجيب إلى الرئاسة. وأفصحت لهم عن رأيي الذي سبق وأن شرحته لأنور وحسن إبراهيم. وكنت قد ذكرته لجمال سالم كذلك يوم جلسة مجلس الوزراء الأخيرة. ولقد حاول جمال عبد الناصر تهدئتي قائلاً: "لا تتسرعوا وكل ما أطلبه منكم أن تعطوني حق حرية التصرف دون الرجوع إليكم" (Freedom of action) حتى لا يضيع الوقت في المناقشات لأن الظروف تتطلب سرعة البت – وعلي أنا أن أقف على كل التيارات السياسية المختلفة في البلاد –وأنا مسئول عن تطهير البلاد من العناصر الرجعية بالقضاء عليها". فرددت عليه بأنه علينا أولاً وقبل كل شيء أن نحدد أهدافنا والطريق الذي سنسلكه لتحقيق هذه الأهداف. وتم الاتفاق بيننا على أن نجتمع يوم الخميس 4 مارس لبحث هذا الموضوع. وأشار صلاح أثناء هذا اللقاء بيننا أن بيانه الأخير الذي كان قد هاجم فيه محمد نجيب كان له رد فعلي عكسي، وقد أثار الناس عليه وليس على محمد نجيب. ولذا فإنه يرى أن يختفي لفترة ويبتعد عن الإدلاء بأية تصريحات حتى تخف حملة الشائعات والكراهية التي ركزت عليه بعد إلقائه لهذا البيان. وعلمنا من جمال عبد الناصر أنه قد أمر باعتقال الكثيرين من الإخوان المسلمين والشيوعيين وأساتذة الجامعات خاصة جامعة الإسكندرية بصفته الحاكم العسكري، وذلك لأن أساتذة تلك الجامعة كانوا قد اجتمعوا وقرروا بأن تتولى كل طائفة عملها، وهم يعنون بذلك عودة ضباط الجيش إلى ثكناتها. كما أبلغنا بأنه قد أمر بتشكيل محاكم عسكرية خاصة لمحاكمتهم.

وكنت قد قمت بتدوين أحداث ذلك اليوم في يومياتي كعادتي، ومما جاء بها أيضًا: "لقد خلوت بنفسي بعد هذا اللقاء لأفكر فيما وصل إليه حال مجلس قيادة الثورة. وقد وجدت أن روح الانقسام بدأت تدب بين أفراده. وأن البعض منهم قد تملكه الملل لأنه لم يحدد له عمل كما أن الفرصة لم تتح له أيضًا كحسن إبراهيم. وهذه الروح أيضًا بدأت تتسرب إلى نفسية صلاح بعدما شعر بموقف الشعب منه بعد إذاعته للبيان المضاد لمحمد نجيب. كما أن كمال الدين حسين هو الآخر يشعر ويعتقد أنه من الأفضل لنا الانسحاب من الميدان اليوم قبل غد صونًا للقوات المسلحة وخوفًا من حدوث انقسام فيها. وأما أنور فإنه يتمنى ترك البلاد لمحمد نجيب وأن يهاجر إلى الخارج. وجمال عبد الناصر يود أن يدخل المعركة وأن يترك له المجلس حرية التصرف دون الرجوع إليه. وفي هذا كل الخطورة لأن المسئولية مشتركة والبلد بلدنا جميعًا ورأي الجماعة أحسن من رأي الفرد. وأعتقد أن الدافع له هو حب البقاء والعمل على استرداد ما فقده بعد الفشل في القضاء على محمد نجيب. وأما جمال سالم فلم يصل إلى رأي بعد. وزكريا وحسين الشافعي فلم تتح لي الفرصة لأتحدث إليهما بعد إعادة محمد نجيب حتى أتعرف منهما على رأيهما فيما نحن فيه".

الضباب:

وفي جلسة مجلس الوزراء يوم 3 مارس 1954 تكلم جمال عبد الناصر عن الموقف موضحًا أن هناك ما يشبه الضباب وأن الأساس في هذا الموقف هم جماعة الإخوان المسلمين. وأنه يحاول لم جميع الخيوط ولو أنه غير مطمئن من ناحية الجامعات والطلبة وهيئة التدريس، وأشار الدكتور عباس عمار إلى تكتل هيئة التدريس ضدنا بعد إصدار القرار الخاص بلجان الجامعة. كما ذكر أن القبض على أربعة أساتذة من الجامعة ووضعهم في السجن التحفظي بالجيزة مع المشاغبين قد أثارهم أيضًا. وأن ذلك سيكون له أثر سيء على الطلبة أنفسهم. وهو لذلك يرى تأجيل افتتاح الجامعة لمدة أسبوع آخر حتى يتضح الموقف ويفرج عن الأساتذة الأربعة، وأن تحدد إقامتهم في منازلهم. ولكن جمال عبد الناصر اعترض على الإفراج عنهم لأنهم أعضاء في الجمعية التأسيسية للإخوان المسلمين وأوضح مدى خطورة هذه الجمعية التي هم أعضاء فيها. كما رفض الإفراج عنهم حتى لا يكون هناك تفرقة في المعاملة بينهم وبين باقي المعتقلين.

أما الدكتور عبد الجليل العمري، فقد تكلم عن كيفية استمرار الحكم والناس يقبض عليهم بدون تحقيق. واستفهم منه جمال عبد الناصر عما يعنيه. وأشار إلى أن هناك تنظيمًا من الإخوان المسلمين والشيوعيين وأنهم يعملون بصورة سرية. وأنه قد سبق واعتقل قبل قيام الثورة وفي عهد إحدى الوزارات (السعديين) ما يقرب من 8000معتقل – وأن ذلك حدث في ظل حياة نيابية. وأن ما يتخذ من إجراءات ما هو إلا للمحافظة على الأمن العام. وأن البديل لذلك هو أن نتركهم يقيمون الشغب وتصبح البلاد في حالة من الفوضى. وأن كل ما يحتاجه هو الوقت لتصفية الموقف ربط الخيوط ومعرفة المدبرين ثم بعد ذلك يصفي المعتقلين. وطلب جمال عبد الناصر تأجيل الاجتماع بغرض تفويت الفرصة على بعض الوزراء الذين كانوا يرغبون في إثارة هذا الموضوع.

عدم التوازن:

وكنت قد التقيت مع جمال سالم وحسن إبراهيم في يوم الخميس 4 مارس 1954 قبل ذهابنا إلى الاجتماع الذي كان قد اتفق عليه من قبل مع باقي الزملاء – ودار الحديث بيننا عن التوازن الذي أصبح غير موجود في مناقشات مجلس قيادة الثورة – وقارنا بين صورة المجلس القديمة وكيف كانت تناقش المسائل المعروضة عليه قبل الثورة وفي الفترة الأولى منها – وكيف أصبح حاله الآن. وكان القصد من إثارة هذا الموضوع هو أن يفهم جمال سالم أنه بانضمامه إلى جانب جمال عبد النصار ومساندته له في أغلب الموضوعات التي تطرح للمناقشة قد ساعد على الإخلال بهذا التوازن. وقد أشرت إلى هذا في حديثي معه وبينته له كيف كان يتم الاتفاق بين فريق جمال عبد الناصر على جميع المسائل التي ستعرض على المجلس قبل اجتماعه ثم طريقة عرض هذه الموضوعات والتصويت عليها. وضربت له عدة أمثلة توضح انسياق الأغلبية لرأي جمال عبد الناصر. وذكرت له مسألة سلطة السيادة في الدستور المؤقت والتي كنت أنادي بأن تكون للمجلس ككل وليست مقصورة على قائد الثورة فقط ومعارضة المجلس لهذا الراي تضامنًا منه مع جمال عبد الناصر ثم كيف عاد المجلس ووافق على الرأي الذي كنت أنادي به في اليوم التالي وذلك قبل جلسة المؤتمر المشترك دون مناقشة منهم لأن جمال عبد الناصر كان قد عاد وغير رأيه واتفق معي في الرأي بعد أن اصطدم في موضوع مع محمد نجيب. وأن اعتراضه في البداية لم يكن إلا على أمل أن تنقل تلك السلطة إليه في يوم من الأيام بعد استبعاد محمد نجيب، ولكن صدامه معه جعله يعدل عن موقفه. وعلى ذلك أعلن الدستور المؤقت في 10 فبراير سنة 1954. وقرر فيه: "أن يتولى قائد الثورة في مجلس قيادة الثورة أعمال السيادة العليا وبصفة خاصة التدابير التي يراها ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها لتحقيق أهدافها". كما ضربت له مثلاً آخر هو الاقتراح الخاص بإقامة هذه الهيئة الاستشارية من عشرة شهور مضت واعتراض أغلبية الأعضاء دون أسباب وجيهة منهم لهذا الاعتراض غير التضامن مع جمال عبد الناصر. وأنهم ينادون الآن بإقامة هذه الهيئة ولكن بعد فوات الأوان. وأمثلة أخرى تبين بوضوح أن جمال عبد الناصر كان قد أصبح إلى جانبه أغلبية أصوات أعضاء مجلس قيادة الثورة دون محاولة منهم في مناقشة أو فهم أي رأي آخر يتعارض مع رأيه واختيار الأفضل منها. وقد وعدنا جمال سالم في هذا اللقاء أنه سيعيد النظر في موقفه ومن أنه كان قد اتخذ هذا الموقف لثقته بجمال عبد الناصر.

واجتمعنا في منزل جمال عبد الناصر وقد تواجد جميع الأعضاء فيما عدا خالد محيي الدين الذي كان قد استأذن وسافر إلى وادي النطرون لتمضية ثلاثة أيام هناك. وبدأ المجلس في مناقشة الحل الواجب علينا اتخاذه بعد إعادة محمد نجيب إلى الرئاسة وفقدان المجلس الكثير من هيبته وظهور انقسام في الجيش، كما أصبح الضباط الأحرار في جانب والضباط الحاقدون والحاسدون والانتهازيون الذين يتحينون الفرصة للتخلص منهم في جانب آخر، بل وأصبحوا يعلنون صراحة أنهم في جانب محمد نجيب. كما أن الشائعات كانت قد كثرت في أنحاء البلاد الأمر الذي لابد من أن نعمل بسرعة للوصول إلى حل تلافيًا لحدوث أي صدام أو احتكاك داخل القوات المسلحة وكان هذا هو ما يهمنا ويشغل بالنا.

وكان جمال سالم هو أول المتكلمين في إيجاد حل لهذا الشكل الذي نحن فيه. فاقترح انسحاب مجلس الثورة وعلى أن يقوم بتولي قيادة الفدائيين الذين يقومون بإغارات على القاعدة البريطانية في منطقة القناة وقدرهم بحوالي حمسة آلاف فدائي بعد العمل على زيادتهم. وأنه يهدف بذلك إلى البدء في كفاح واسع ضد القوات البريطانية الموجودة على أرض مصر حتى تعود الوحدة إلى الصفوف ويصبح من يخرج عليها خائنًا. وعلى أن نترك السلطة لمحمد نجيب وأن تساعده وزارة مدنية. وأن يستمر عبد الحكيم قائدًا عامًا للجيش وقد وافق صلاح وزكريا على هذا الرأي.

وتقدمت من بعده باقتراح آخر وهو أن يبقى محمد نجيب رئيسً للجمهورية. وأن ينسحب أعضاء مجلس قيادة الثورة من الوزارات. أي من السلطة التنفيذية – وأن يبقى المجلس له سلطة السيادة لمراقبة تحقيق أهداف الثورة على ألا يتدخل في أعمال السلطة التنفيذية إلا إذا وجد انحرافًا عن هذه الأهداف، وأن تشكل وزارة مدنية يترك لمحمد نجيب حرية اختيار أفرادها. وأن نعمل على تحويل الشعب والجيش إلى ناحية أخرى في هذه الظروف وذلك بالقيام ببعض العمليات العسكرية ضد القوات البريطانية في منطقة القناة دون الدخول معها في معركة الكفاح الشاملة إلا بعد أن يتم استعدادنا لها. وأن يعمل على تطهير الجيش. وألا يسمح لضباطه بعد ذلك من المناقشة في أمور السياسة كما هو الحال الساري من بدء قيام الثورة حتى هذه الأزمة.

وتقدم بعد ذلك أيضًا جمال عبد الناصر باقتراح انسحاب مجلس الثورة على أن يعمل كل فرد من أعضائه على تكوين (Team) فريق له مكون من عشرة أفراد مهمته العمل على التخلص من العناصر الرجعية والأفراد الذين يناهضون الثورة والذين يقفون في طريقها كسياسيي الأحزاب القديمة والإخوان المسلمين والشيوعيين. ولكن لم يتجاوب أحد من أعضاء المجلس معه في هذا الاتجاه.

تسليم الثورة لنجيب:

ودارت المناقشة على هذا النحو باحثين عن حل للخروج من الموقف الذي نحن فيه. وكان واضحًا بل والاتفاق شاملاً على أن ينسحب أعضاء مجلس الثورة من السلطة التنفيذية وأن يبقوا فقط كمجلس ثورة. وأن تترك الحرية لمحمد نجيب في تشكيل وزارة مدنية برئاسته. وأن يعاد النظر في تطهير الجيش. وأن نعلن عن قيام الهيئة الاستشارية مع إعلان أسماء خمسين عضوًا من الأسماء المرشحة لها ليصبحوا هم كنواة لها. على أن يستكمل عددها فيما بعد. وعلى أن يستمر عبد الحكيم قائدًا عامًا للقوات المسلحة. وقد أخذ الرأي على هذا فكان هو الرأي النهائي الذي تم الاتفاق عليه.

ورأينا أن نأخذ قسطًا من الراحة قبل استكمال المناقشة – وفي أثنائها توجه عبد الحكيم إلى منزل محمد نجيب لمقابلته ليعرض عليه تولية رئاسة الوزراء بجانب رئاسة الجمهورية – ثم عاد عبد الحكيم وأبلغنا بموافقة محمد نجيب على ذلك بعد تردد لتشككه في هذا الاقتراح في بداية الأمر. ولكنه سرعان ما عاد وقبل وكان سعيدًا.

وبعد أن انتهى عبد الحكيم من حديثه لاحظت أن جمال عبد الناصر غير مستريح إلى ما وصلنا إليه. وبدأ يتكلم على أن هذا القرار الذي اتخذ معناه تسليم الثورة إلى محمد نجيب. ولما سألنانه عن الحل البديل لم يجد حلا يقنعنا به. وأخذ أغلبنا يحاول إقناعه بأن مصلحة البلاد هي التي تحتم علينا ذلك الحل. وأن الثورة إذا توقفت عن السير لبعض الوقت في سبيل أن يعرف الشعب الحقيقة بنفسه فإن ذلك يزيد من عدد المؤمنين بها وبالقائيمن عليها. وأنه يمكننا بعد ذلك أن نسير بها قدمًا إلى الأمام. وقد أخذ هذا الموضوع منا وقتًا طويلاً في المناقشة.

وفي النهاية اقترح صلاح سالم عودة الحياة النيابية في أسرع وقت ممكن. وناقشنا هذا الاقتراح ورأيناه حلاً يخرجنا من الموقف الذي نحن فيه. وكان علينا أن نحدد التواريخ المرتبطة بتنفيذها. وأن يكون لنا حزب في هذه الحالة على أن يرأسه محمد نجيب. واتفقنا على أن يقوم جمال عبد الناصر بالاتصال في اليوم التالي لهذا الاجتماع بالدكتور السنهوري ونجيب الهلالي وعلي ماهر لأخذ رأيهم ومعرفة متى تنتهي لجنة الدستور المشكلة والتي تقوم بإعداد الدستور الجديد من عملها حتى يمكننا الاتفاق على القرار النهائي الذي سنعلنه للشعب. وعليه أجل اجتماعنا لمساء ثاني يوم.

وفي يوم الجمعة 5 مارس 1954 تم اجتماعنا في منزل جمال عبد الناصر وهو كان لا يزال عند علي ماهر ومعه الدكتور السنهوري ومحمد نجيب. وكان صلاح قد سبق وذهب مع جمال والسنهوري إلى منزل محمد نجيب قبل توجههم إلى منزل علي ماهر. وأخبرنا صلاح عن الحديث الذي قاله لهم محمد نجيب عندما اجتمعوا به. وهو حديث كان قد دار بينه وبين الحاكم العام البريطاني للسودان أثناء وجوده بقصره عندما حدثت تلك الاضطرابات بالخرطوم. ومما قاله لهم أن الحاكم العام ذكر أن الجنرال "غوردون" كان قد قتل على هذا السلم ومن يا ترى سيقتل عليه اليوم. وأن محمد نجيب قد رد عليه بأنه هو الذي سيقتل. وكذا اعتذر الحاكم العام عن الذهاب معه إلى المطار لتوديعه ولكن محمد نجيب تمسك بضرورة مرافقته له بحكم أنه ضيفه وعليه مرافقته.

وأن الحاكم العام حاول الذهاب لإحضار "برنيطته" ولكن محمد نجيب تخوف من أنه ربما يغير رأيه أثناء ذهابه لإحضارها ولا يعود إليه ثانية ولذا فقد أمسكه محمد نجيب من ذراعه وتوجه به نحو السيارة التي ستقلهما إلى المطار. وقصص أخرى كثير من هذا القبيل.

ثم أبغلنا صلاح بعد ذلك عن الحديث الذي دار بينهم والخاص بعودة الحياة النيابية. ومن أن جمال عبد الناصر قد أشار في حديثه معهم إلى الوضع الداخلي بالبلاد بعد تلك الأزمة الأخيرة، وقد أبان أن هناك عناصر كثيرة تحاول انتهاز الفرصة إثارة الفتنة. وأن مجلس الثورة قد بحث الموضوع من جميع جوانبه ولم يجد هناك حلا أسلم من عودة الحياة النيابية وفي أقرب وقت ممكن. كما ذكر أيضًا أنه لا يمكن السير بهذه البلاد إلى الأمام إلا إذا ظهرنا بمظهر الوحدة والتماسك فيما بيننا على أن يكون ذلك فعلا لا اسمًا، وذلك حفاظًا على مصلحة البلاد العليا. وبين لهم كذلك أنه عند إعادة الحياة النيابية فسيكون لنا حزب ولابد من أن يرأس هذا الحزب محمد نجيب نفسه. ولكن عند ذكر جمال عبد الناصر لهذا أظهر محمد نجيب تخوفه من أن هذا الحزب المزمع تكوينه ربما لا يحصل على الأغلبية في الانتخابات وعندئذ تضيع عليه فرصة توليه رئاسة الجمهورية. ولكن السنهوري طمأنه من أنه من الممكن له أن يستقيل من الحزب قبل أن يرشح نفسه للرئاسة. ويقول صلاح إن بعد أن تم الاتفاق بينهم على الخطوط الرئيسية ذهب كل من جمال ومحمد نجيب والسنهوري إلى الاجتماع بعلي ماهر رئيس لجنة الدستور لمعرفة متى ينتهي العمل في وضع الدستور الجديد.

وظللنا نحن مجتمعين بمنزل جمال عبد الناصر حتى تم حضورهم إلينا (محمد نجيب والسنهوري وجمال عبد الناصر). وتكلم إلينا محمد نجيب مشيرًا إلى أنه ينسى الإساءة. وأنه على استعداد للتضحية بأي شيء في سبيل مصلحة البلاد. وأبلغنا جمال عبد الناصر بما تم. وقد أشار في حديثه إلى ضرورة تولي محمد نجيب رئاسة الحزب المزمع تكوينه. وذلك بغرض إفهام محمد نجيب أننا جميعًا متفقون على هذه الخطوة. ثم أوضح الخطوات التي تم الاتفاق عليها مع علي ماهر والسنهوري لإعادة الحياة النيابية كما اتفقنا وتنفيذًا لقرار المجلس في اليوم السابق. وكانت أولى تلك الخطوات هو البدء في انتخاب جمعية تأسيسية في يونيو 1954. على أن تعقد في 23 يوليو 1954 لمناقشة الدستور الجديد ثم إقراره. وعلى أن تقوم أيضًا مقام البرلمان إلى أن يتم انتخاب مجلس النواب طبقًا للدستور الجديد.

إلغاء الرقابة:

ولقد تم اتفاقنا على إلغاء الرقابة على الصحف اعتبارًا من السبت 6 مارس 1954. وأن تلغى أيضًا الأحكام العرفية قبل بدء انتخابات الجمعية التأسيسية بأسبوع على الأقل. كما تناقشنا أيضًا في كيفية العمل سرًّا لاختيار أحسن العناصر من المواطنين ليكونوا أعضاء في حزبنا الجديد (الحزب الجمهوري الاشتراكي) مع تحويل هيئة التحرير المنظمة السياسية الموجودة والتي قامت بعد الثورة إلى حزب.

وانصرف بعد ذلك محمد نجيب والسنهوري – وقام جمال عبد الناصر وأعلن هذه القرارات على الصحفيين.

وكان صلاح في نهاية هذا الاجتماع قد أبدى رغبته في الاستقالة من وزارة الإرشاد القومي بحجة أنه أصبح موضع كراهية ونقد من الشعب بسبب موقفه من محمد نجيب، وإذاعته البيان الخاص باستبعاده، ثم البيان الخاص بإعادته، ومن أن موقفه أصبح حرجًا كوزير للإرشاد. ولكن مجلس الثورة طالبه بالاستمرار على أن ينظر في استقالته بعد معرفة مدى تأثير هذه القرارات الأخيرة على الرأي العام.

وكانت قد وصلتنا معلومات تفيد بنشاط الإخوان المسلمين في تلك الأيام ومن أنهم جادون في محاولة القيام بانقلاب في ظرف خمسة أيام. كما علمنا أيضًا أن هناك بعض الضباط الحاقدين والنهازين للفرص كأحمد شوقي الذي كان قد أحيل إلى المعاش من قبل – وأنهم يقومون بعدة اتصالات مع بعض الضباط بهدف القيام أيضًا بانقلاب تحت ظل هذه الظروف التي كانت تحيط بنا.

جمال في حالة عصبية:

وكان جمال عبد الناصر قد عقد مؤتمرًا صحفيًّا يوم الأحد 7 مارس 1954 في مبنى مجلس الثورة وذلك قبل انعقاد مجلس الثورة في نفس المساء. كما أن محكمة الثورة كانت قد أصدرت حكمها في قضية السيدة زينب الوكيل حرم مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد في نفس اليوم كذلك وأثناء اجتماع جمال مع الصحفيين. وعندما اجتمع مجلس قيادة الثورة في ذلك المساء كان باديًا على جمال عبد الناصر أنه في حالة عصبية. وشعرت أن تلك العصبية التي كانت بادية عليه لها ارتباط بالحكم الذي أصدرته المحكمة على أصحاب حريدة المصري (أحمد ومحمود أبو الفتح) في ذلك اليوم والذي أعلنته عند إعلان الحكم في قضية السيدة زينب الوكيل. وكان الحكم ينص على استرداد الحكومة منهم على مبلغ قدره 21.233جم فروق الضرائب المستحقة عليهم لتجارتهم في ورق الصحف. وكان ذلك هو تقدير اللجنة المشكلة من وزارتي المالية والتموين التي كانت محكمة الثورة قد أمرت بتشكيلها في أثناء النظر في قضية فؤاد باشا سراج الدين سكرتير عام حزب الوفد السابق. وكان جو اجتماع مجلس الثورة مكهربًا ومشحونًا. وعلى ما يظهر أن جمال عبد الناصر كان قد وعد أحمد أبو الفتح – أحد أصحاب جريدة المصري بشيء خاص في هذا الموضوع. وكان قد سبق وتكلم معي مرتين سائلاً عن قرار اللجنة وملمحًا بأنهم يتعاونون معنا. ولكنني كقاض كنت أحكم بوحي من ضميري ولا أعمل اعتبارًا للأشخاص.

وقد ظل جمال عبد الناصر فترة طويلة صامنًا من بدء الجلسة ولم يكن يعرف – على ما أظن كيف يبدأ بفتح هذا الموضوع. ورأيت أن أكون البائد لكسر هذا الصمت المخيم على جو الاجتماع. فتقدمت للمجلس بالحكم الذي صدر في قضية السيدة زينب الوكيل وكذا الحكم الذي صدر على أصحاب جريدة المصري طالبًا من المجلس التصديق عليهما.

وعلى أثر هذا بدأ جمال عبد الناصر الكلام موجهًا إلي متسائلاً: "لماذا لم نتكلم معًا في موضوع جريدة المصري قبل صدور الحكم" فأجبته بأنه لم يسبق للمحكمة أن عرضت قضية أو حكمًا في قضية سابقة على المجلس قبل النطق به في المحكمة لأنه سر بين أعضائها حتى يتم النطق به.

فقال: "هل أنتم مستعدون للدخول في معركة مع جريدة المصري خاصة بعد إعلان حرية الصحافة".

فقلت له: "ومنذ متى كانت جريدة المصري مؤمنة بكم؟ أليس أصحاب المصري هم الذين تكلم عنهم صلاح في المؤتمر الشعبي يوم 15 سبتمبر 1953 وأشار إلى ملايين الجنيهات التي كانوا قد كسبوها من تجارتهم في الروق في السوق السوداء؟ وأليس هو أحمد أبو الفتح الذي كتب مقالاً يهاجكم فيه وخاصة صلاح مما اضطره إلى أن يرد عليه ببيان رسمي وحمل فيه عليهم حملة شعواء؟" وشعر جمال أنني على استعداد للدخول معه في معركة.

إننا نحكم كقضاة: وتكلم صلاح موجهًا الكلام إلي متسائلاً: "ألا يمكنك عمل شيء الآن؟" فأجبته بأننا نحكم كقضاة وعليكم أنتم أن تجاملوا إن شئتم".

ثم تكلم جمال عبد الناصر موجهًا كلامه لكمال الدين حسين بصفته سكرتيرًا للمجلس طالبًا منه أن يرسل خطابًا لوزارة المالية لتقسيط المبلغ على أصحاب جريدة المصري على خمس أو عشر سنوات.

فعلت على ذلك بقولي إنه لم يسبق للمجلس أن وافق على تقسيط أي مبلغ حكم به في محكمة الثورة لأحد. وأن أحمد باشا عبد الغفار وزير الزراعة السابق عندما طلب تقسيط مبلغ 86 ألف جنيه الذي حكم عليه باستردادها منه لصالح الشعب على ستة شهور لم يوافق المجلس على طلبه. وأن هذا التصرف لو تم فسيسئ إلى سمعة المجلس.

وتدخل جمال سالم مقترحًا تقسيط المبلغ على خمسة سنوات كقانون الضرائب بالنسبة للمبالغ المتأخرة على الممولين – على حد قوله – ومطالبًا أيضًا بخصم قيمة أي خسائر من هذا المبلغ تكون قد وقعت على جريدة المصري إذا كان قد صودرت في الماضي، ومستطردًا وأن نشير إلى أنه إزاء وطنية القائمين على تلك الجريدة فقد رأى المجلس هذا.

فرددت عليه: "بأني أفهم أن يكون الحل معقولاً لو أن في هذه تعويضًا أدبيًّا لهم وليس ماديًّا، لأن الناس ستفهم المقصود من ذلك الأمر وهذا الحل سيضر بسمعة المجلس وجريدة المصري كذلك".

فتكلم جمال عبد الناصر ثانية قائلاً: "إن الحكم باسترداد هذه المبالغ معناه وصمة لهم، ومن أنهم كانوا يتاجرون في السوق السوداء".

أجبته بأن فؤاد سراج الدين عندما كان وزيرًا للمالية كان قد قدر مبلغًا يمثل الضرائب المستحقة عليهم لتجارتهم في الورق. وأن الحكم الذي صدر عليهم من محكمة الثورة منصب فقط على تحصيل فروق ضرائب عن هذه التجارة مستحقة عليهم لصالح الحكومة. وإن كان هناك وصمة لهم فيكون فؤاد سراج الدين هو الذي سبق ووصمهم بها.

تقسيط المبلغ:

وبعد مناقشة طويلة حول هذا الموضوع اتفقوا في النهاية على تقسيط المبلغ المستحق استرداده على خمس سنوات. وقد استمر مناقشة هذا الموضوع حوالي ساعتين ثم بدأ المجلس بعد ذلك عمله. وأخبرنا جمال عبد الناصر بما ذكره للصحفيين في مؤتمره الصحفي في ذلك المساء. وأهم ما أشار به عليهم، ألا ينسوا أن الجيش قد أصبح عاملاً أساسيًّا في التأثير على السياسة في البلاد، وأن يضعوا هذا في اعتبارهم. كما أنه تناول معهم أيضًا موضوع انتخاب الجمعية التأسيسية التي ستناقش الدستور الجديد. وقد اقترح الصحفيون أنفسهم ضرورة وجود بعض الأعضاء فيها عن طريق التعيين. وتم الاتفاق على أن تتولى الصحافة حملة بهذا الرأي. وأشار إليهم أيضًا أن يتجنبوا ذكر أي شيء في صحفهم عن الانشقاق الذي حدث بين محمد نجيب والمجلس. واتخاذ الحذر عند الكتابة عما يمس السياسة الخارجية والاقتصادية.

وانتقلت مناقشة المجلس بعد ذلك إلى ما يجب عمله لكسب الأرض التي خسرناها بعد تلك الأحداث السابقة – وكذا العمل على الاتصال بأفراد الشعب وربطهم بالثورة مع اتخاذ الأهمية في ترشيح الأشخاص للدخول بهم إلى معركة انتخابات الجمعية التأسيسية المزمع انتخابها حتى يصبحوا الممثلين لحزبنا فيما بعد عندما تعود الحياة النيابة. كما اتفق على أن نقوم بترشيح أنفسنا في انتخاباتها أيضًا مع توزيع أفراد المجلس على المديريات المختلفة بمصر بغرض أن يتولى كل منهم العمل على الاتصال بالأشخاص الموجودين في هذه المديريات الذين يرى تأييدهم عند تقدمهم لهذه الانتخابات.

وكان جمال عبد الناصر سيقوم في اليوم التالي بالذهاب صباحًا إلى منزل السنهوري لمقابلته وكذا مقابلة الأستاذ سليمان حافظ والدكتور عبد الجليل العمري للتعرف منهم على مطالب محمد نجيب التي يرغب في أن يمارسها. وقد طلب جمال سالم منه أن يرافقه أثناء هذا اللقاء معهم. وتم الاتفاق على أن نلتقي في نفس اليوم الساعة الخامسة مساءً قبل الذهاب إلى اجتماع المؤتمر المشترك لمناقشة تلك المطالب والاتفاق عليها فيما بيننا قبل أن نجتمع مع الوزراء في المؤتمر المشترك.

وفي يوم الاثنين 8 مارس 1954 أبلغني اليوزباشي أمين شاكر سكرتير جمال عبد الناصر أن مجلس الثورة سينعقد في الساعة الثانية عشرة بدلاً من الساعة الخامسة المتفق عليها من قبل – واستنجت أن محمد نجيب لابد أن يكون قد غالى في مطالبه وأوجست خيفة مما سيحدث.

وعندما اجتمعنا قام جمال سالم بإبلاغنا عن الحديث والمناقشة التي جرت أثناء مقابلتهما للسنهوري وسليمان حافظ والعمري، وذكر لنا مطالب محمد نجيب التي قام بإبلاغها إلى السنهوري في مساء اليوم السابق وهي:

1-أن يكون له حق الاعتراض على قرارا مجلس الوزراء.

2-أن يكون له حق التعيين أو الاعتراض على تعيين قادة الكتائب والألوية وما يماثلها في الجيش – وأن يكون له حق زيارة وحدات الجيش وفي أي وقت يشاء.

وبعد أن قام السنهوري بإبلاغهما بهذه المطالب – ذكر أن محمد نجيب في انتظار رد المجلس عليها قبل ظهر نفس اليوم. وقال جمال عبد الناصر لنا أنه رغبة منه في إظهار إنكار الذات لهم فقد أجابهم أنه نيابة عن نفسه فإنه يوافق على هذه المطالب ولكنه لا يملك ذلك نيابة عن المجلس – وأنه لذلك ملزم بعرض الأمر على مجلس قيادة الثورة مجتمعًا لمناقشتها. وأشار إليهم أنه يود أن يعمل إن كانت هذه هي كل مطالب محمد نجيب أم أن هناك مطالب أخرى له. وأنه قد انصرف مع جمال سالم لعرض الأمر على مجلس قيادة الثورة على أن يعود إلى الاجتماع بهم ثانية في مساء نفس اليوم الساعة الخامسة لإبلاغهم بما استقر عليه رأي المجلس.

مطالب جديدة لنجيب:

وفي أثناء اجتماعنا لمناقشة هذه المطالب – اتصل سلميان حافظ بجمال عبد الناصر وأبلغه أنه كان قد اجتمع مع محمد نجيب وأنه وجد أن لديه مطالب أخرى جديدة وهي:

1-أن يكون لرئيس الجمهورية بالإضافة إلى السلطات التي طالب بها كل سلطات رئيس الجمهورية البرلمانية في حالة عدم وجود برلمان.

2-أن يستفتي الشعب على النظام الجمهوري قبل إقرار الدستور الجديد.

3-أن ينتخب الشعب رئيس الجمهورية قبل إقرار الدستور أيضًا بالانتخاب الحر المباشر.

4-أن يعود الضباط إلى صفوف الجيش.

وبعد أن تلقى جمال عبد الناصر هذه المطالب الجديدة – استمر جمال سالم في إخبارنا بما دار في اجتماع الصباح بمنزل السنهوري. وذكر أن السنهوري يعتقد أنه نظر لموقف محمد نجيب الآن فإن قرارات يوم الجمعة الماضية أصبح لا يمكن تنفيذها. وأن البلاد معرضة لكارثة على حد قوله. وأنه يرى أيضًا أنه حتى في حالة موافقة مجلس قيادة الثورة على هذه المطالب فإن محمد نجيب سيتقدم بمطالب أخرى جديدة. وعلى هذا الأساس فإن السنهوري يقترح إعادة دستور سنة 1923 فورًا. وأن يحل مجلس قيادة الثورة حتى يطمئن محمد نجيب على نفسه لأنه يشعر بالقلق منه. وأن هذا الحل الذي يقترحه هو أسرع وأضمن الحلول لإنقاذ هذه البلاد من كارثة محققة – على حد تعبيره.

ويقول جمال سالم إن العمري وسليمان حافظ اعترضنا على اقتراح السنهوري ذلك لأن المدة المقررة لانتخابات الجمعية التأسيسية – هي نفس المدة لانتخاب مجلس نواب على أساس دستور سنة 1923 كما أن في الأمر صعوبة – فكيف يمكن أن يصدر اليوم قرارًا بانتخاب الجمعية التأسيسية – وهناك أيضًا دستور جديد ولجنة مشكلة لهذا الغرض – ثم نأتي ونلغي كل هذا – وذلك بعد يومين فقط من صدور قرار انتخاب الجمعية التأسيسية لمناقشة الدستور الجديد وإقراره. وأن هذا الإجراء لو تم فسيكون له أسوأ الأثر عند الشعب والرأي العام وسيزيد من حالة عدم الاستقرار. ويقول جمال سالم إن جمال عبد الناصر عندما رأى ذلك فقد ذكر لهم أن الهدف الآن وفي ظل هذه الظروف هو أن نوصل البلاد إلى أقرب ميناء. وأن هذا الميناء هو الجمعية التأسيسية. وأما جمال سالم فقد ثار وقال لهم إنه لابد من أن نتبين حقيقة الموقف لأن أي حل من هذه الحلول لا يحل المشكلة. وأنه يرى الدخول في معركة سافرة مع محمد نجيب.

وفي أثناء اجتماعنا – عاد واتصل بنا سليمان حافظ مرة ثانية وأبلغنا أن الوزراء المدنيين قد اجتمعوا ظهر نفس اليوم في منزل الدكتور وليم سليم حنا وزير الشئون البلدية والقروية لبحث الموقف. وأنهم يرون أن تؤلف وزارة مدنية. وأن يبعد العسكريون عن الاشتراك فيها لأنهم يعتقدون أن عامل الحقد والحسد بين الضباط هو الدافع الحقيقي وراء ما حدث وأن إبعاد العسكريين عن الوزارة هو الضمان لوحدة الجيش واستقراره.

وبعد أن استعرضنا الموقف من جميع جنوانبه ونواحيه – وكيف أننا قمنا بالثورة لطغيان فاروق واستبداده – ولكن ما هو محمد نجيب يطالب بسلطات واسعة بل وأوسع بكثير من التي كان يمارسها فاروق نفسه. وفي إمكانه مع وجود تلك السلطة أن يصبح ديكتاتورًا إن أراد.

كما أننا تناقشنا كذلك في اختلاف الظروف – فعندما تحرك الجيش ضد فاروق كان الشعب يعلم أنه ملك طاغية مستبد وفاسد – ولكن الأمر يختلف مع محمد نجيب – فالشعب يعتقد أنه منقذه وأنه رجل طيب وعطوف. وحتى إذا قمنا بإعلان هذه المطالب وتلك السلطات الواسعة التي يطالب بها على الشعب – فالشعب نفسه لن يصدق ذلك، بل وسيعتبرنا متجنين عليه.

ولما أزف موعد لقاء جمال عبد الناصر وجمال سالم بالسنهوري وسليمان حافظ والعمري كما كان متفقًا عليه من قبل. فقد رفعت جلسة مجلس الثورة للاستراحة حتى يعودا.

مطالب أخيرة:

وعندما عادا أبلغانا بآخر مطالب محمد نجيب وهي:

1-في علاقته بمجلس قيادة الثورة بصفته رئيسًا للجمهورية – له حق الاعتراض على قرارات الملجس. وإذا حصل الاعتراض المسبب في ظرف مدة معينة يعود القرار للمجلس للمداولة فيه من جديد ولا ينقذ إلا بأغلبية خاصة من الأصوات. وإذا لم يعترض عليه في خلال المدة المعينة فيصبح القرار نافذًا. كما يجوز له حضور جلسات المجلس بصفته رئيسًا للجمهورية. وفي حالة حضوره يكون له حق رئاسة المجلس.

2-علاقته بمجلس الوزراء بالمثل بالنسبة لسلطته التنفيذية والتشريعية.

3-القوات المسلحة.. له الحق في:

أ-تعيين قواد الوحدات من كتائب أو ما يساويها فما فوق ويكون ذلك بالاتفاق مع القائد العام – وعلى أن يكون الترشيح من القائد العام والموافقة على التعيين من رئيس الجمهورية.

ب-الزيارة: له حق زيارة وحدات الجيش المختلفة بحضور القائد العام أو وزير الحربية أو من يقوم مقام أحدهما.

4-يقوم ضباط القوات المسلحة بحلف اليمين أمام رئيس الجمهورية مرة ثانية بعد أن عاد إلى منصب الرئاسة ثانية.

5-بيعة جديدة من الشعب وهو –أي محمد نجيب – يرغب في أن يشار في وثيقة العبية بأنه قد عاد إلى منصبه ثانية بإرادة الشعبز

6-عودة الضباط إلى صفوف الجيش خاصة من كان منهم في هيئة التحرير وعلى الأخص وجيه أباظة (في الشئون العامة للقوات المسلحة).

7-تستفتى الأمة على الجمهورية ورئيسها بسؤالين كالآتي:

أ-جمهورية "نعم" أم "لا".

ب-محمد نجيب رئيسًا للجمهورية "نعم" أم "لا" ولا يحق لأي ترشيح نفسه غير محمد نجيب.

كل هذه السلطات له حق ممارستها في خلال الأربعة أشهر الباقية حتى قيام الجمعية التأسيسية، بالإضافة إلى اختصاصات رئيس الجمهورية البرلمانية كذلك، وبعدها يتغير الوضع ويصبح محمد نجيب رئيسًا للجمهورية فقط.

وقد تساءل محمد نجيب عن وضع مجلس قيادة الثورة بالذات بعد قيام الجمعية التأسيسية. فأفاده سليمان حافظ بأن قيام الجمعية التأسيسية تجب أي سلطة أخرى لأن سلطة السيادة ستنتقل إليها.

ولما كانت الرقابة على الصحف قد رفعت يوم 6 مارس 1954. فلقد تقدم جمال عبد الناصر باقتراح: وهو أن نعمل على إبلاغ الصحفيين الذين نثق فيهم بمطالب محمد نجيب وعليهم هم أن يقوموا بالتعليق عليها. ومهاجمته لمدة أسبوع حتى يتبين للرأي العام حقيقة الموقف وعلى ضوء نتائج تلك الحملة يمكننا التصرف بعد ذلك.

ثم تقدم عبد الحكيم باقتراح أيضًا: وهو أن يقوم بتقديم استقالته من القوات المسلحة على أن تكون تلك الاستقالة مسببة، وذلك احتجاجًا منه على طلب محمد نجيب الخاص بحقه في تعيين قواد الكتئاب والألوية وما يماثلها في الجيش. ولكن اشترط المجلس على عبد الحكيم أن يستمر في ممارسة سلطاته ومسئولياته كقائد عام حتى يبت مجلس الثورة في هذه الاستقالة. وأن يعلن عن ذلك لضمان استمرار الاستقرار داخل الجيش.

كما اتفق أيضًا على أن يقوم خالد محيي الدين بإعلان رأيه في الصحف في اليوم التالي وأن يهاجم فيه مطالب محمد نجيب. وعلى أني قوم أنور كذلك بنشر الحقيقة كاملة في جريدة الجمهورية التي يرأس تحريرها، عن قصة محمد نجيب وكيف أصبح قائدًا للثورة والخلافات التي حدثت في خلال تلك الفترة.

وبعد استقر الرأي على تلك الخطوات توجهنا إلى مقر اجتماع المؤتمر المشترك، وهناك وجدنا سليمان حافظ موجودًا مع الوزراء المدنيين، وكان البعض منهم في حالة ارتباك وأعصابهم متوترة. وقد دخلنا عليهم غرفة الاجتماع ونحن نضحك وبصوت مرتفع، وكأن ليس في الأمر شيء. وقد أثار هذا دهشتهم.

وعندما بدأ الاجتماع تكلم جمال عبد الناصر عن الموقف وتطوره والتصريحات التي أدلى بها محمد نجيب بعد إعادته رئيسًا للجمهورية، كما تحدث عن الاتصالات التي كانت قد جرت يوم الجمعة 5 مارس ومطالب محمد نجيب.

وتكلم بعد جمال عبد الناصر من الوزراء المدنيين الدكتور نور الدين طراف موضحًا أن مجلس قيادة الثورة قد فقد الكثير من هيبته نتيجة هذا الانقسام الذي حدث بيننا. وبين كذلك أن العناصر الرجعية وكل من أصابه ضرر من هذه الثورة قد خرجوا جميعًا من جحورهم وأخذوا ينشرون الشائعات ويعملون على فقدان الثقة في قادة الثورة لاعتقادهم أن الجيش منقسم على نفسه. وتكلم أيضًا عن الشعب وأنه ق نسي كل ما عملته له الثورة في خلال تلك المدة القصيرة مما كان لا يمكن إتمامه أو تنفيذه إلا في عشرات السنين لو استمر احلال كما كان عليه في الماضي. كما ذكر أن الكثيرين من ضباط الجيش ينشرون الشائعات حول وجود انقسام داخل الجيش ويؤكدون ذلك.

وتبعه في الحديث الدكتور عباس عمار وصور الموقف على أنه ستنشب حرب أهلية إن لم نعمل على معالجة الأمور بالسرعة اللازمة لتفادي هذه الحرب، وذكر أن الكثيرين من ضباط الجيش يحقدون على أعضاء مجلس قيادة الثورة غيرة وحسدًا. وأنهم سينتهزون هذه الفرصة للتخلص من أعضاء مجلس الثورة وسيترتب على هذا احتكاك داخل القوات المسلحة.

ولكن بعد أن شرحنا لهم حقيقة الوضع في الجيش وتماسكه وأن ضباط الفرسان الذين طالبوا بإعادة محمد نجيب رئيسًا للجمهورية هم أنفسهم من الضباط الأحرار، وأنهم قد طالبوا بهذا خوفًا منهم على الثورة من أن تنتكس.. فقد شعرنا أن موقف الوزراء المترددين قد تغير بعد أن اطمأنوا إلى تماسك الجيش.

محمد نجيب يحضر:

ثم تكلم الدكتور حسن أحمد بغدادي وزير التجارة بعد ذلك متسائلاً لماذا لا يحضر محمد نجيب هنا في المؤتمر لنتناقش معه في هذه المطالب ونبين له خطورة الموقف، وأن البلد في محنة، وإن لم نصل إلى حل فستحل بالبلاد كارثة. وقد أيده في هذا بعض زملائه من الوزراء المدنيين. ولم نعترض نحن العسكريين على اقتراحه هذا. وعلى أثر ذلك قام سليمان حافظ بالاتصال تليفونيًّا بمحمد نجيب في منزله، وأبلغه رغبة المؤتمر في حضوره إلى الاجتماع للتفاهم معه – فلم يعترض- ثم حضر بعد ذلك.

ولقد طلبنا منه أن يشرح للمؤتمر المطالب التي تقدم بها إلينا. فبدأ يتكلم وكأن هذه المطالب شيء محدود وبسيط – معقبًا: "حتى يعرف كل منا حدوده – ويستحسن تحديد الاختصاصات". وأنه يرى بصفته رئيسًا للجمهورية أنه في حضوره جلسات إحدى المجلسين (الثورة أو الوزراء) أن يكون له حق رئاسة الاجتماع. ثم قال: وأنه نظرًا لأنه كان قد استقال واستقالته قد قبلت ثم عاد ثانية فإنه يرى أن يبايعه الشعب مرة ثانية وأن يذكر في وثيقة المبايعة على أنه قد عاد بإرادة الشعب. وأشار إلى حقه في أن يستمر على اتصال بزملائه من ضباط الجيش. وأن يسمح له بزيارة الوحدات العسكرية المختلفة متى شاء. ومن أنه نظرًا لاهتمامه بتأمين مستقبل ضباط الجيش فهو لذلك يرى أن يكون له الحق في التعيين أو الاعتراض على تعيين قواد الكتائب والألوية في الجيش حتى يطمئنوا على مستقبلهم.

وفي النهاية أذكر أنه على استعداد لسحب كل هذه المطالب في الوقت الحاضر وتأجيلها لموعد آخر. ولكننا اعترضنا على ذلك مطالبين بضرورة الانتهاء منها في نفس الليلة حتى نقضي على تلك البلبلة والشائعات التي تدور على ألسنة الناس في كل مكان، خاصة أن الصحافة كانت تشير إلى هذه الاجتماعات المتتالية.

وتكلم من بعده الدكتور حسن أحمد بغدادي وكان متحمسًا ذاكرًا الاتحاد ومظهره، وأن مصلحة البلاد تطالبنا بهذا الاتحاد وهذا المظهر كما كان الوضع سابقًا قبل حدوث سوء التفاهم. وأن الواجب الوطني يدعونا للعودة إلى ما كنا عليه في الماضي – لا اختصاصات ولا مطالب، بل نسير كما بدأنا هذه الثورة بالثقة بيننا والوحدة والتماسك. وأمن على كلامه هذا الدكتور العمري ذاكرًا أن هذا هو رأي الوزراء المدنيين. فطلب محمد نجيب سحب مطالبه ليعيد النظر فيها. ولكن أغلب الأعضاء أوضحوا له أن مصلحة البلاد تتطلب منا سرعة الانتهاء من هذه المشكلة وفورًا في نفس الاجتماع. فأجابهم إذا كان ولابد فيجب أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أن يتقدم باستقالته، ومطالبًا بأن يعود ويتولى رئاسة مجلس الوزراء بالإضافة إلى توليه رئاسة الجمهورية. وبعد لحظات من التفكير وافق جمال عبد الناصر على التنازل له عن رئاسة الوزراء ووافق على ذلك جميع أعضاء مجلس الثورة. وقد رحب الوزراء المدنيين بهذا الاتفاق وعمهم الفرح والسرور.

وأرسل الدكتور العمري ورقة إلى جمال عبد الناصر ينصح فيها بإعادة الأوضاع بالوزارة إلى ما كانت عليه قبل استقالة محمد نجيب – أي أن يعود هو وزيرًا للمالية وجمال سالم وزيرًا للمواصلات وعلى أن يستمر الدكتور علي الجريتلي وزير دولة الشئون المالية. ولقد وافق الجميع إلا علي الجريتلي الذي أبدى رغبته في أن يعود أيضًا إلى منصبه السابق نائبًا لوزير المالية. ولكن لم يتفق معه أحد في هذا الرأي. ثم اتفقنا على كتابة بيان ليعلن في الصحف حتى تطمئن النفوس وتهدأ الأحوال.

نجيب هدم نفسه:

وكان التعليق بيننا بعد انتهاء الاجتماع على أن محمد نجيب قد هدم نفسه بنفسه ذلك لتمسكه بالمطلب الخاص وضرورة عودته رئيسًا للوزارة. وأن هذا لن يفوت على الشعب وسيفهم منه أنه متمسك بالسلطة. وأن التاريخ لن يعفينا أيضًا من هذه الأوضاع – فاليوم جمهورية رئاسية – ثم جمهورية برلمانية لمدة أربعة أيام ثم العودة ثانية إلى جمهورية رئاسية.


الفصل الثاني:أزمة مارس سنة 1954

1-عودة تأزم الموقف بين محمد نجيب مجلس قيادة الثورة وأسباب ذلك.

2-قرارت 25 مارس 1954. أسبابها وماذا دار حولها.

3-الإفراج عن الإخوان المسلمين المعتقلين.

4-أسباب إلغاء قرارات 25 مارس.

5-الاعتداء على الأستاذ السنهوري رئيس مجلس الدولة.

6-أسباب اعتقال بعض الطلبة وأساتذة الجامعة.

7-طلب محاكمة أصحاب جريدة المصري وبعض السياسيين والصحفيين في محكمة الثورة.

8-استقالة خالد محيي الدين من عضوية مجلس قيادة الثورة.

9-صدام بين جمال عبد الناصر وبيني في مجلس الثورة وأسبابه.

10-تقديم استقالتي ثم العدول عنها.

11-قرار المجلس في حرمان بعض السياسيين من حقوقهم السياسية لمدة عشر سنوات وحل نقابة الصحفيين.

12-التعديل الوزاري وتولي جمال عبد الناصر رئاسة الوزراء بدلاً من محمد نجيب.

13-محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في الإسكندرية.

14-حل جمعية الإخوان المسلمين ومحاكمة بعض أعضائها أمام محكمة الشعب.

15-قرار إعفاء محمد نجيب من منصبه.


لم يكن قد مضى غير أسبوع واحد على الانتهاء من أزمة فبراير عندما اجتمع مجلس قيادة الثورة في يوم اجتماعه الأسبوعي العادي الأحد 14 مارس 1954. وفي هذا الاجتماع بدأ جمال سالم الحديث وذكر أنه غير قادر على العمل ولا على تحمل المسئولية التي ألقاها عليه المجلس سواء في وزارة المواصلات أو في وزارة الإصلاح الزراعي، وذلك لشعور الموظفين على حد قوله بأنه بعد أربعة شعور لن يكون له سلطان عليهم، وطلب من المجلس أن يعفيه من تلك المسئوليات. وكان جمال عصبيًّا أثناء حديثه.

وتبعته في الحديث وذكرت أسبابه ضياع هيبة المجلس والتصريحات المتضاربة من أعضائه مما تسبب عنه بلبلة عند جماهير الشعب. كما أشرت إلى سياسة الارتجال التي كانت قد اتبعت في الفترة الأخيرة، والجمعية التأسيسية وموقف المجلس منها، وضرورة تحديد معالم الطريق الذي سنسلكه. وأن نعتبر أن الثورة ستبدأ من جديد بعد مرورها في هذه المحنة. وأننا مقدمون على مرحلة جديدة تختلف عن المرحلة السابقة لها ظروفها واعتباراتها، وأن ترسلم خطتنا على هذا الأساس.

وخلفني في الحديث عبد الحكيم عامر شارحًا واجب الجمعية التأسيسية وموقف المجلس منها وضرورة أن يرشح أعضاء المجلس أنفهسم في انتخاباتها لأن مجلس الثورة سيحل بمجرد قيامها. كما تكلم عن عودة الحياة النيابية ودورنا فيها.

وتكلم من بعده جمال عبد الناصر عن انتخابات الجمعية التأسيسية وضرورة ترشيح أنفسنا لانتخاباتها استعدادًا لعودة الحياة النيابية، وأن نعمل فورًا على تنظيم أنفسنا لقيام حزب يمثلنا باسم (الحزب الجمهوري الاشتراكي) لندخل به معركة انتخابات مجلس النواب القادم عند عودة الحياة النيابية.

أما صلاح فقد شرح الصورة التي يراها في المستقبل وهي صورة مظلمة. ولأنه كان متسائمًا ويائسًا فقد صورها بصورة أبعد ما تكون عن الحقيقة بكثير. وتصور أن الشعب جحود وينكر لكل جميل، وهذا غير حقيقي، فمن كان ينشر الشائعات ويعمل على بلبلة الأفكار ليسوا إلا فئة قليلة أغلبها إما حاقد أو حاسد أو أصابه ضرر من إجراءات الثورة. وكذا العناصر الرجعية والانتهازية. أما الشعب فأمله كبير في الثورة ومؤمن بها ويعلم أنها لم تقم إلا لمصالحه ولحمايته من مستغليه. ولذا فتحمسه لها وتمسكه بها ظاهر وواضح ولا يحتاج إلى تأكيد.

وتقدم جمال عبد الناصر بعد ذلك باقتراح من شقين:

أ-طرد أفراد أسرة محمد علي خارج البلاد، وسحب الجنسية المصرية منهم. وإغلاق نادي الجزيرة لأنه مصدر تلك الشائعات.

ب-محاكمة الطلبة والإخوان المسلمين أمام محكمة عسكرية.

وعلى أثر تقديم جمال عبد الناصر لهذا الاقتراح تكلم محمد نجيب طالبًا التأجيل على أن نجتمع ثانية للنظر في هذا الموضوع. وعندما رأى جمال عبد الناصر موقف محمد نجيب وطلبه التأجيل وميله إلى سياسة اللين وعدم اتباع سياسة الحزم طالب بإعفائه من عضوية المجلس. وقال إنه سيختفي ويعمل بصورة سرية ثم إنه سيظهر ثانية في يوم من الأيام. ويقوم بثورة جديدة. وكذلك طالب جمال سالم بإعفائه من عضوية المجلس لأن مرءوسيه أصبحوا لا يطيعون أوامره. وهدد بأنه غير مسئول عن الإصلاح الزراعي. واقترح صلاح إعفاء الوزراء العسكريين لعدم قدرتهم على تحمل مسئولياتهم في هذه الظروف.. وأشار أنور في حديثه إلى أن محمد نجيب لا يزال يشك في أفراد المجلس وفي الاقتراحات التي يناقشونها وفي تصرفاتهم. وعقب محمد نجيب على كلامه بأن جريدة الجمهورية – وكان أنور رئيس تحريرها – تعمل له كل يوم "نغزة" على حد قوله. وتحداه أنور أن يحدد موضوعًا بالذات، فذكر له محمد نجيب موضوع ما لنكوف المكتوب في جريدة الجمهورية. ولكنه لم يفسر ما الذي فهمه من هذا الموضوع.

واقترح جمال عبد الناصر ألا نمسك العصا من الوسط – فإما سياسة الحزم وإما سياسة الديموقراطية والحريات حتى 23 يوليو 1954- فيفرج عن جميع المعتقلين السياسيين وتلغى الأحكام العرفية ويعفى الوزراء العسكريين من السلطة التنفيذية، ويعلن عن قيام الأحزاب للاشتراك في انتخابات الجمعية التأسيسية – وعدم اشتراكنا كحزب في هذه الجمعية – وبعد 23 يوليو يبقى من يبقى من أعضاء المجلس في الجيش وأما الباقي فهم أحرار يفعل كل منهم ما يشاء.

وعقب ذلك طلب محمد نجيب التأجيل لليوم التالي حتى يفكر في كل هذا – وأصر على أنه لا يمكنه أن يدلي برأي في هذا الاقتراح في نفس الليلة. ولما كانت الساعة قد قربت من الواحدة صباحًا فقد أجل الاجتماع لصباح الاثنين 15 مارس.

موت الثورة:

واجتمع المجلس في صباح ذلك اليوم وكان كل أعضاء المجلس حاضرين فيما عدا جمال سالم – وبدأ الاجتماع وظللنا صامتين فترة، ولما شعرت أن أحدًا لا يرغب في فتح باب المناقشة رأيت أن أبدأ بها قائلاً إنه من الواجب علينا أن نعترف بموت الثورة من يوم أن تقدم محمد نجيب باستقالته وعليه يجب أن نختفي مؤقتًا ونترك الحياة النيابية تعود بفسادها كما كانت في الماضي حتى يلمس الشعب مدى الخسارة التي خسرها وحينئذ يمكننا التحرك ثانية لحمايته من عودة هذا الفساد. ويجب علينا البعد عن الأحزاب والمهاترات السياسية وعدم تأليف حزبه. وقد شبهت موقفنا بموقف جيش قد انهزم في معركة وعليه أن يعيد تنظيم صفوفه حتى يمكنه استئناف المعركة من جديد.

وتبعني صلاح في الكلام مطالبًا بضرورة معرفة إلى أين نحن ذاهبون حتى يمكن أن نختار الطريق الذي سنسلكه – فإما حريات فتطلق إلى آخر درجة، أو عدم حريات فيعتقل كل من يعمل على التخريب أو الإفساد أو نشر الشائعات.

وأما عبد الحكيم فقد تكلم عن المعركة الداخلية الدائرة بين الثورة وبين الإخوان المسلمين والشيوعيين والأحزاب المنحلة – وأن كلاً منهم يريد أن يفرض نظامه – وعلى الثورة أن تحدد نظامها الاقتصادي هل هو اشتراكية أو رأسمالية أو أي نظام آخر؟ ولكن رد عليه أغلبية أعضاء المجلس بأن اتجاهنا معروف وهو النظام الاشتراكي. فرد عليهم بأن يجب فرض هذا النظام بالقوة ومحاربة كل من يعمل على مناهضته أو نتركهم يتطاحنون ومن له الغلبة في النهاية يفرض نظامه.

وتبع بعد الحكيم في الحديث جمال عبد الناصر قائلاً، إما سياسة الحزم أو الحريات كاملة والسماح بقيام الأحزاب وإلغاء الأحكام العرفية تمهيدًا قبل بدء الانتخابات التي سنخوضها.

واتصل جمال سالم تليفونيًّا وأبلغ رأيه حتى يحضر وهو حل مجلس الثورة والعودة إلى صفوف الجيش – وترك الحرية لقيام الأحزاب.

وتقدمت بالاقتراح التالي:

1-حل مجلس قيادة الثورة.

2-تشكيل وزارة مدنية انتقالية للإشراف على عملية الانتخابات والتجهيز لها.

3-إلغاء الأحكام العرفية فورًا.

4-عدم تكوين حزب ولا الاشتراك في السياسة فنحن ثوار ولسنا سياسيين.

5-إعداد أنفسنا للتقدم لإنقاذ الموقف عند الضرورة والوقوف موقف المتيقظ.

وتقدم عبد الحكيم باقتراح آخر وهو:

1-إغلاق نادي الحزيرة.

2-تطهير الحياة السياسية من السياسيين القدامى.

3-بقاء مجلس قيادة الثورة حتى 23 يوليو 1954 – ثم يحل وتتولى الجمعية التأسيسية سلطة السيادة.

4-إلغاء الأحكام العربية فورًا.

5-بقاء هذه الخطوات سرية حتى يتم اتخاذ الخطوات الضرورية لتشكيل الحزب ثم إعلانها كلها دفعة واحدة.

وتقدم محمد نجيب باقتراح ثالث وهو:

بقاء الحالة على ما هي عليه حتى 23 يوليو 1954 – ولكنه لم يوضح هل نتبع سياسة الحزم أو اللين.

وأخذت الأصوات ووافق أغلبية الأعضاء على تكوين حزب. وعارضت كما عارض زكريا وجمال سالم وحسن إبراهيم في ترشيح أنفسنا في دوائر انتخابية تجنبًا لخوض تلك المعارك ومهاتراتها. ودارت المناقشة حول هذا الموضوع في محاولة لإقناعنا بالاشتراك لأن امتناعنا عن الترشيح سيظهر أمام الرأي العام وكأننا منشقون على أنفسنا مما يؤثر في موقفنا ويكون عامل ضعف في الحزب الجديد المقترح. وأنه يجب أن نظهر أننا جميعًا متحدين ومتماسكين. وأصر الزملاء على ضرورة اشتراكنا معهم خوفًا على مظهر الاتحاد والتماسك علمًا بأن محاولاتنا الدائمة للمحافظة على هذا المظهر في الفترة السابقة قد أضرت بنا أبلغ الضرر لأنه في سبيله قد تنازل الكثير منا عن صفات كان حريصًا عليها كل الحرص. بل وتمسكنا بهذا المظهر أيضًا تسبب عنه تفكك داخلي في مجلس قيادة الثورة، مما أضعفه وجعله غير قادر على حل المشاكل التي تعترض طريقه. ولكن تحت ضغط الزملاء وخوفًا على شكل هذا التماسك اضطررنا للخضوع لرأي الأغلبية.

وكان محمد نجيب طوال هذا الاجتماع يطالب من حين لآخر بمحاكمة علي ماهر بخصوص موضوع الهلال الأحمر لمخالفات مالية كانت قد حدثت به أثناء تولي علي ماهر رئاسته. وكان غرضه من هذا هو محاولة التخلص من علي ماهر لأنه أشيع أنه ينوي ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية. علمًا بأنه لا يمكن لأحد أن يقف أمام محمد نجيب في انتخابات الرئاسة الآن.

ويظهر أنه شعر بأنه السبب في هذا المأزق الذي نحن فيه. كما شعر أن كل فرد منا في حالة نفسية سيئة فأراد أن يكسب ودنا فأخذ ينفرد بكل منا على حدة قائلاً- إنه الملوم لما نحن فيه لأنه لما تقررت إعادته ثانية لرئاسة الجمهورية رأى أن يعود بكرامته. ولذا اضطر للإدلاء بهذا التصريح الخاص بقيام الجمعية التأسيسية. ومن أنه كان معتمدًا على أننا كنا قد سبق وتكلمنا في هذا الموضوع قبل أن يقدم استقالته. وأبدى استعداده لعمل أي شيء يطلبه منه المجلس.

واجتمع المؤتمر المشترك يوم الثلاثاء 16 مارس وبعد مناقشات تقرر الآتي:

1-إجراء انتخاب برلماني مباشر يقر الدستور بصفة جمعية تأسيسية ثم يباشر السلطات البرلمانية وفقًا للدستور الموضوع.

2-تقرر حرمان أفراد من مباشرة الحقوق الانتخابية وهم:

أ-أفراد أسرة محمد علي.

ب-من صدرت ضدهم أحكام من محكمة الثورة بعقوبة مقيدة للحرية أو المصادرة أو باسترداد الأموال.

ج-أفراد أفسدوا الحياة السياسية – وتعد قائمة بأسمائهم وأسباب حرمانهم.

3-رفضت الفكرة الخاصة بالاستفتاء العام بشأن الجمهورية – وتحديد الملكية الزراعية واختيار رئيس الجمهورية وقد تركت لأحكام الدستور الجديد.

5-إعداد مشروع قانون الانتخاب – وقانون الجمعية التأسيسية – وقانون تنظيم الأحزاب وشكلت لجان لهذه الدراسات من أعضاء المؤتمر المشترك. واتفق أعضاء المؤتمر على عقد جلسة يوم السبت التالي بعد استقبال الملك سعود بالمطار.

عبد الناصر يغير فكره:

وتقابلت مع جمال عبد الناصر في المطار يوم السبت 20 مارس سنة 1954 وسألته عن التصريح الذي نشر له في أخبار اليوم بأننا رجال ثورة ولسنا رجال سياسة وأن هذا يخالف ما كان ينادي به أثناء المناقشات بيننا. فأجابني أنه بعد أن فكر في الموضوع وبعد أن زاره عدد من الضباط وسألوه هل قمنا بثورة لنصبح نوابًا وسياسيين أم قمنا بها لتحقيق أهداف معينة معروفة؟ ولذلك رأى أن يغير فكره. وطلب منا أن نجتمع معًا قبل الذهاب إلى اجتماع المؤتمر المشترك حتى يمكننا مناقشة الموضوع ثانية.

وبعد الانتهاء من استقبال الملك سعود توجهنا إلى مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة ولمسنا ونحن في الطريق إليه تلك الروح التي تدفعنا إلى العمل المستمر من أفراد شعبنا الذين وقفوا على جانبي الطريق وهم يحيوننا بحماس شديد. فرفع ذلك من روحنا المعنوية المتدهورة. وكنت في هذه الأثناء راكبًا نفس السيارة التي بها جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين. وسألت جمال عما إذا كان قد قرأ مقالات أحمد أبو الفتح في جريدة المصري وكانت كلها هجومًا على القائمين بالثورة. ولما أجابني بالإيجاب ذكرته بالمناقشة التي جرت بيننا يوم صدور الحكم على أخيه محمود أبو الفتح. فطلب من كمال إلغاء قرار تقسيط المبلغ المطلوب استرداده من جريدة المصري والذي يملكها محمود أبو الفتح.

ولما تم اجتماعنا في مبنى الجزيرة تكلم جمال عبد الناصر عن العوامل التي يجب أن توضع في الاعتبار في تلك الظروف وهي كما حددها:

أ-محمد نجيب.

ب-الجيش.

ج-الشعب.

وتكلم عن قيام الجمعية التأسيسية وعدم قيام الأحزاب وبقاء مجلس الثورة كمجلس جمهوري أو استشاري أو أي وضع أثناء وجود الجمعية التأسيسية. ولما كان موعد اجتماع المؤتمر المشترك قد أزف، فقد أجلت مناقشة هذا الموضوع إلى ما بعد الانتهاء من اجتماعه. وكان مجلس الثورة قد اتفق على الرجوع في القرار الذي سبق واتخذ في اجتماع المؤتمر السابق مع الاكتفاء بقيام الجمعية التأسيسية على أن يحدد لها سنتان لإقرار الدستور دون السماح بعودة الحياة النيابية.

وملخص ما دار في اجتماع المؤتمر المشترك هو الآتي:

تكلم جمال عبد الناصر أولاً عن القرار الذي سبق واتخذ في اجتماع المؤتمر في الجلسة السابقة، وأوضح بأنه من المستحسن عدم التسرع وأنه يجب التروي وإعادة التفكير في هذا القرار. وهل هو يحقق المصلحة أم لا؟ وتكلم عن وجود العوامل الثلاثة التي تؤثر على الموقف وهم محمد نجيب، والجيش والشعب.

ستة انفجارات:

كما تكلم أيضًا عما إذا كان من المستحسن اتباع سياسة اللين أو سياسة الحزم. ودارت المناقشة حول أي من تلك السياستين أفضل. وأشار جمال إلى أن هناك ستة انفجارات قد حدثت في نفس اليوم وكلها في وقت واحد وفي أمكان متفرقة. واحد منها في مبنى محطة السكة الحديد، واثنان بالجامعة، وآخر بمحل جروبي. وكان غرضه من الإشارة إلى هذه الانفجارات هو توضيح أن هذا قد حدث نتيجة لسياسة اللين والميوعة الظاهرة في موقف الحكومة. وكان محمد نجيب مصرا على اتخاذ الإجراءات العادية معارضًا في اتخاذ أية إجراءات استثنائية.

وتقدم عبد الحكيم باقتراح – وكذا جمال سالم باقتراح آخر مطالبين بأخذ الأصوات عليهما. ولكن محمد نجيب كان يحاول المماطلة وعدم التصويت عليهما – ورئي أن يؤخذ الرأي على التصويت الاقتراحين في نفس الاجتماع أو التأجيل لجلسة أخرى. فكانت الأغلبية في جانب التصويت عليهما فورًا. وامتنع محمد نجيب عن التصويت. وكان يرغب في الانصراف من الاجتماع قبل التصويت على الاقتراحين بحجة أن الملك سعود سيتناول العشاء في القصر الجمهوري في نفس الليلة رغم أن موعد العشاء كان لا يزال بعيدصا. ولكننا أصررنا جميعًا على أن يبقى حتى يتم الانتهاء من التصويت على الاقتراحين، فبقي ولكنه امتنع عن الإدلاء بصوته لأي منهما. وكان رأي الأغلبية لصالح الاقتراح الثاني المقدم من جمال سالم ونال (15صوتًا).

وهذا هو نص الاقتراحات التي نظرت في الاجتماع في هذه الجلسة:

الاقتراح الأول: مقدم من جمال سالم:

1-التمسك بقيام جمعية تأسيسية تقر الدستور.

2-يكون لها بعض اختصاصات البرلمان.

3-لا يسمح بقيام أحزاب أو هيئات.

4-يجري الانتخاب بين مرشحين تقدمهم حكومة الثورة.

5-وتتخذ الثورة كافة الإجراءات للقضاء على الفوضى وكل ما يضر بمصالح البلاد.

6-وتعتبر الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها وأهمها معركة الإنجليز.

الاقتراح الثاني: مقدم من جمال سالم أيضًا:

1-التمسك بقيام جمعية تأسيسية تقر الدستور.

2-يكون لها بعض اختصاصات البرلمان.

3-يسمح بقيام الأحزاب والهيئات.

4-تختار حكومة مدنية للتنفيذ.

5-وتحفظ هذه الحكومة النظام باتباع القوانين العادية دون إجراءات استثنائية.

6-وينسحب العسكريين إلى القوات المسلحة.

وتقدم عبد الحكيم بالاقتراحين التاليين:

1-إعداد قائمة بالحرمان من الحقوق السياسية لكل من أفسد الحياة السياسية وتكون القائمة على أساس واسع.

2-يمنع قيام الأحزاب قبل الجمعية التأسيسية.

3-تقوم الجمعية التأسيسية في موعدها الذي أعلن عنه من قبل.

4-فترة الانتقال (3سنوات) لا تنتهي قبل موعدها الذي أعلن من قبل.

5-تقاوم الفوضى بكل الطرق الاستثنائية إذا لزم الأمر.

الاقتراح الثاني:

الاستمرار على السياسة الحالية أي إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه.

وقد أوضح الدكتور عبد الجليل العمري أن الحزم والشدة كانا لزامًا تعبيرًا عن شعور الناس، أما اليوم فما أعلن قد أغرى الناس إن كان صوابًا أو خطأً بقرب الحياة النيابية، ولذلك لابد من السير في نفس الاتجاه مع تلمس خط وسط وليس أحد الطرفين.

وتساءل الدكتور حسن أحمد بغدادي عما إذا كنا قبلنا أم لم نقبل إعادة الحكم إلى الأحزاب السابقة عند قيام الجمعية التأسيسية وهل يقبل قيام حكومة دينية تحت أي ظرف من الظروف؟

ثم جرى التصويت بعد ذلك بين الاقتراح الأول لعبد الحكيم الذي نال (8) أصوات، والاقتراح الثاني لجمال سالم والذي نال (15) صوتًا، وامتنع محمد نجيب عن إبداء رأيه.

ثم انصرفنا بعد هذا التصويت لحضور العشاء مع الملك سعود.

وفي يوم الأحد 21 مارس وبعد أن تم استعراض الجيش بمناسبة زيارة الملك سعود ذهبت مع كمال الدين حسين وحسن إبراهيم لزيارة جمال عبد الناصر بالمنزل لمرضه. فأبلغنا أن الانفجارات التي كانت قد حدثت في اليوم السابق وأشار إليها في اجتماع المؤتمر، إنما هي من تدبيره لأنه كان يرغب في إثارة البلبلة في نفوس الناس ويجعلها تشعر بعدم الأمن والطمأنينة على نفوسهم وحتى يتذكروا الماضي أيام نسف السينمات... إلخ. وليشعروا بأنهم في حاجة إلى من يحميهم على حد قوله.

وتقابلت مع كمال الدين حسين في اجتماع مجلس الوزراء يوم 24 مارس وأبلغني أنه كان قد حضر مقابلة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم لمحمد نجيب في صباح نفس اليوم. وأن جمال عبد الناصر قال لمحمد نجيب "اترك لنا البلد ونحن نلمها في 24 ساعة ونمشي بها كما كنا في الماضي". ولكن محمد نجيب رد عليه بأن البلد تريد الحياة النيابية، ومن أنه قد أعلن عن قيام الجمعية التأسيسية. فأجابه جمال بأن الذين يطلبون بذلك قلة وطلب منه أن يترك لنا الرجوع في هذا القرار وإذا فشلنا فيمكنه أن يحاكمنا على أننا قد خنا مبادئنا. ولكن محمد نجيب قال: طيب أنا سأسافر شهرين للخارج بحجة أني ذاهب للعلاج وافعلوا ما تشاءون. فبين له جمال أن سفره في هذه الظروف معناه إنهاء الثورة. فقال له محمد نجيب "سأترك لك منصب رئيس الوزراء وسأحتفظ برئاسة الجمهورية". ووافقه جمال على اقتراحه هذا ولكن محمد نجيب عاد وقال "هذا يصبح هدم لي أنا". ويقول كمال إن الحديث قد استمر على هذا المنوال ما يقرب من أربع ساعات دون إمكان إقناعه أو الاتفاق معه.

واجتمع مجلس قيادة الثورة في صباح يوم 25 مارس 1954 برئاسة محمد نجيب الذي بدأ الحديث بقوله: "إن البلد والرأي العام أصبحا مبلبلين ولابد من وضع نهاية لهذا".

فرددت عليه وكنت في حالة حنق شديد منه لما نحن فيه وقلت: ما الذي يسبب البلبلة؟ ألم تحدد لهم كل شيء؟ ألم تعلن عن انتخابات الجمعية التأسيسية في يونيو المقبل؟ وعن قيامها في 23 يوليو القادم أيضًا؟ كما أعلنت عن إلغاء الأحكام العرفية في 18 يونيه المقبل، وقد ألغيت الرقابة على الصحف – فما السبب إذًا في هذه البلبلة؟".

وتكلم جمال سالم من بعدي أيضًا في نفس هذا المعنى.

وتكلم محمد نجيب وأشار إلى اقتراح مقدم من سليمان حافظ وعبد الجليل العمري – وهو تأليف وزارة مدنية لتشرف على الانتخابات. وأنهما اقترحا عليه أن يرأس هذه الوزارة "السنهوري". واقترح محمد نجيب "الأستاذ نجيب الهلالي" بدلاً منه. كما اقترح أن يصبح مجلس الثورة مجلسًا استشاريًّا لرئيس الجمهورية. وأن تكون هناك محكمة دستورية من ستة قضاة حتى تكون حكمًا بينه وبين مجلس الثورة في حالة وجود أي خلاف بينهما.

واعترضنا على قيام هذا المجلس الاستشاري الذي يقترحه لأنه لا يمكن أن نفرض أنفسنا على رئيس الجمهورية الذي سينتخب. وربما يكون شخص آخر غير محمد نجيب. وربما هذا الشخص نفسه لا يرغب في التعاون معنا. كما اعترض أيضًا على المحكمة المقترحة منه؛ لأن معنى قيامها هو عدم قدرتنا على التعاون والتفاهم معًا. وبقاءنا بهذه الصورة من العلاقة فيه إضرار للبلاد. وأنه من المستحسن في هذه الحالة تصفية الثورة.

وعلى أثر هذا تقدم جمال عبد الناصر بالاقتراح الآتي:

1-يسمح بقيام الأحزاب.

2-مجلس الثورة لا يؤلف حزبًا.

3-لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا يكون هناك تأثير على حرية الانتخابات.

4-تنتخب الجمعية التأسيسية انتخابًا حرًّا مباشرًا بدون أن يعين أي فرد فيها وتكون لها سلطة السيادة وسلطة البرلمان كاملة.

5-حل مجلس قيادة الثورة يوم 24 يوليو القادم باعتبار أن الثورة قد انتهت وتسليم البلاد لممثلي الأمة الشرعيين.

6-تنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها.

ثم طلب جمال عبد الناصر الإفراج عن رشاد مهنا فورًا. ولكنه طلب فصل هذا الطلب عن اقتراحه الذي ذكره. وذلك خوفًا من أن يؤثر على اقتراحه ولا يحصل على أغلبية الأصوات. وأظن أيضًا أن طلبه في الإفراج عنه هو لإزعاج محمد نجيب الذي يخشى أن ينافسه رشاد مهنا في انتخابات الرئاسة – ومحمد نجيب كان يطالب بإعدامه عند محاكمته.

وبعد أن انتهى جمال من تقديم اقتراحه. تكلمت ذاكرًا أن الثورة – قامت لتحقيق أهداف معينة معروفة، والثورة لم تحقق بعد أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر البريطاني عن البلاد – وعلى هذا الأساس فالثورة يجب أن تستمر في طريقها وأن تتخذ كل الطرق والسبل لتحقيق تلك الأهداف، ثم تقدمت بالاقتراح التالي:

1-عدم إجراء أية انتخابات قبل تحقيق أهداف الثورة خاصة إجلاء المستعمر.

2-استخدام الشدة مع كل من تسول له نفسه الوقوف في طريق الثورة.

3-إعادة تطهير الجيش.

4-أن يخضع محمد نجيب لرأي الأغلبية وأن يتقيد بقرارات المجلس ويكون ملزمًا بتنفيذها.

إني أفرض رأيي:

ويظهر أن ذكره لاسمه مجردًا من لقب رئيس الجمهورية أثاره وأغاظه. فرد علي وهو حانق: "إنه من المستحسن أن تعتقلوني، من الآن ياسي عبد اللطيف – فأنا قد ارتبطت أمام العالم". وكان عصبيًّا. ورد عليه بعض الزملاء قائلين له إن هذا اقتراح ولم يصوت عليه بعد – وقال صلاح إن هذا اقتراح وليس فرض رأي. ولكنني رددت على صلاح قائلاً: "كلا إني أفرض رأيي ولابد أن تخضعوا له كما تخضعون لغيره من الآراء". وكنت أقصد بهذا محمد نجيب وجمال عبد الناصر. لأننا كثيرًا ما خضعنا لرأيهما تجنبًا للأزمات والخوف على وحدتنا وتماسكنا.

ودارت المناقشة بعد ذلك كالآتي:

محمد نجيب: ما دمنا متحدين والجيش كتلة واحدة فمن الممكن أن نسير.

جمال عبد الناصر: إحنا عايزين نسلم البلد لممثلي الأمة الشرعيين وسأتكلم في كل شيء بصراحة بعد 23 يوليو 1954 – وسأقول كل شيء.

عبد الحكيم: نحن نرغب في أن نوصل البلد إلى جمعية تأسيسية.

عبد اللطيف البغدادي: ما دمنا لم نحقق أهداف الثورة – فمن الأفضل أن نروح النهاردة.

زكريا: يجب أن ننسى أنفسنا والعوامل البشرية – ولا نفكر إلا في مصلحة البلد، وأي طريق يوصلنا.

كمال الدين حسين: يجب أن نفكر في أين المصلحة العامة – ونخضع لرأي الأغلبية.

جمال عبد الناصر: تكلمنا هنا عن رشاد مهنا. وأطلب ضم الاقتراح الخاص بالإفراج عنه إلى اقتراحي الأول.

جمال سالم: طالب بالتأجيل وعدم البت في الموضوع في نفس الجلسة، وحدد مدة التأجيل بأسبوع أو أسبوعين حتى يتمكن كل فرد من أن يفكر في أحسن الحلول.

وكان خالد محيي الدين ساكتًا لا يتكلم فطلب منه صلاح وعبد الحكيم أن يبدي رأيه.

خالد:

1-القرارات الخاصة بالجمعية التأسيسية تنفذ.

2-يحرم من الحقوق السياسية كل من حكمت عليه محكمة الثورة وكل من خالف الدستور.

3-تجرى الانتخابات في موعدها.

4-يبقى مجلس الثورة بعد قيام الجمعية التأسيسية ويكون له سلطة التصديق على القوانين مع رئيس الجمهورية.

5-تكون الأحزاب داخل الجمعية التأسيسية – أي بعد الانتخابات.

6-من الآن حتى تقوم الجمعية التأسيسية – إما أن يبقى الوضع كما هو، أو تؤلف وزارة مدنية وبجانبها هيئة استشارية وتكون وظيفتها إجراء الانتخابات.

7-الجمعية التأسيسية هي التي تقرر موعد الانتخابات ودعوة البرلمان.

8-مجلس الثورة له سلطة السيادة كما هي في الدستور المؤقت.

جمال سالم سأل "خالد": ما هي سلطة السيادة في هذه الحالة؟ وكان عصبيًّا جدًا عند توجيه هذا السؤال. وقد أجابه خالد: هي تعيين الوزراء وعزلهم والتصديق على القوانين. فسأل عبد الحكيم (خالد): عن طريقة انتخاب رئيس الجمهورية، فرد عليه خالد بأن تكون بواسطة الجمعية التأسيسية أو عن طريق البرلمان. ثم تناقش جمال سالم مع خالد عن أهداف الثورة وطرد المستعمر وكيف يمكن تحقيق ذلك بعد هذا الوضع الذي يقترحه. وأجابه خالد بأن الشعب يقوم بالكفاح المسلح. وتساءل جمال سالم عن من الذي سينظم هذا الكفاح؟ ورد عليه خالد بأن الشعب ينظم نفسه بنفسه.

وأخذت المناقشة وقتًا طويلاً بينهما وهي تدور حول هذا الموضوع. كما تدخل في هذه المناقشة كل من صلاح وعبد الحكيم. كان جمال سالم عصبيًّا فخرجت منه كلمة جارحة لشعور خالد. فما كان من خالد إلا أن رد عليه بأنه لن يناقش بعد ذلك. ولكن بعد فترة اعتذر جمال سالم عما بدر منه.

وتقدم حسن إبراهيم بالاقتراح الآتي:

1-حل مجلس الثورة اليوم.

2-كل عضو يصبح حرًّا في تصرفاته بعد أن يحل المجلس.

3-يترك لرئيس الجمهورية الحرية في تأليف وزارة مدنية – وتترك لها حرية التصرف وتفعل ما تشاء.

صلاح سالم: تكلم عن السودان وكيف سننفذ الاتحاد معه، وذكر المشاكل التي ستقابلها مصر مستقبلاً مع السودان – بعد أن كان قد أصبح مضمونًا قيام الاتحاد بين البلدين – وقد أطال في هذا الموضوع.

البغدادي: أمامنا عند اقتراحات فلنصوت عليها حتى ننتهي من هذا المشكل.

كمال حسين: سأل محمد نجيب: "أليس عندك اقتراح؟".

محمد نجيب: تقدم بالاقتراح الآتي:

1-بقاء مجلس الثورة حتى 23 يوليو 1954 – ويتغير اسمه بعد ذكل إلى مجلس لرئيس الجمهورية (وقد اعترض على هذا الشطر الثاني من الاقتراح الزملاء لأسباب قد سبق ذكرها).

2-في هذه الفترة تجرى انتخابات على أساس فردي وليس حزبي حتى نضمن أن تكون الجمعية التأسيسية غير حزبية.

3-تكون مهمة الجمعية التأسيسية وضع الدستور ومزاولة سلطة البرلمان حتى يقوم – ولها كل سلطاته فيما عدا سحب الثقة من الوزارة.

4-ليس من حق الوزارة حل الجمعية التأسيسية.

5-تعيين الوزارة من حق رئيس الثورة والمجلس بشرط موافقة الطرفين ويستمر المجلس مع رئيس الجمهورية بعد قيام الجمعية التأسيسية.

6-يعمل استفتاء خاص بقانون الإصلاح الزراعي مع الانتخابات.

7-باقي أعمال الثورة تبحث للاستفتاء على ما نراه.

8-العمل على بقاء الجيش سليمًا. وذلك بأن نتعاون معًا حتى لا يلعب أحد داخل القوات المسلحة.

9-رئيس الجمهورية برلماني (أي في جمهورية برلمانية) وتنتخبه الجمعية التأسيسية.

وبعد فترة من مناقشات فرعية عاد محمد نجيب وطلب إضافة النقط التالية إلى اقتراحه السابق وهي:

1-يستمر مجلس الثورة حتى بعد قيام الجمعية التأسيسية وله الحق في الموافقة على القوانين.

2-تجرى الانتخابات في مواعيدها.

3-حرمان بعض الأشخاص من حقوقهم السياسية.

عبد الحكيم: تكلم عن الأهداف التي قامت من أجلها الثورة – وكيف يمكن أن تتحقق مع قيام جمعية تأسيسية وقد حدد هذه الأهداف بالصورة الآتية:

الهدف الأول: الاستعمار والتخلص منه.

الهدف الثاني: السودان وقيام الاتحاد معه.

الهدف الثالث: الاصلاح الزراعي وضمان تنفيذه.

وذاكرًا أنه يقابل هذه الأهداف قيام جمعية تأسيسية يوم 23 يوليو 1954 – وبين أن قيام هذه الجمعية يتعارض مع تحقيق هذه الأهداف. وتساءل عما إذا كان من الممكن التوفيق بين الغرضين وذلك بأن يكون من ضمن أعضاء الجمعية أعضاء معينون والباقي منتخبون، مع بذل جهد في إنجاح المرشحين الذين نثق بهم. والعمل على حرمان أكبر عدد من الحقوق السياسية.

وقد طلب من كمال الدين حسين عبد ذلك بصفته سكرتيرًا للمجلس أن يقرأ علينا الاقتراحات المقدمة للتصويت عليها.

وقرأ كمال اقتراح جمال عبد الناصر – ونال ثمانية أصوات من اثنى عشر صوتًا. وكان المعترضون على اقتراحه: البغدادي – جمال سالمكمال الدين حسين- حسن إبراهيم.

ثم عرض الاقتراح المقدم مني فنال سبعة أصوات. الأربعة أصوات التي سبق واعترضت على اقتراح جمال عبد الناصر، وزاد عليهم أصوات كل من عبد الحكيم وزكريا وحسين الشافعي – ولكن عبد الحكيم ربط موافقته على اقتراحي بتحفظ. وهو أنه لو حصل هذا الاقتراح على الأغلبية فيكون كل الأعضاء في هذه الحالة ملزمين بتنفيذه حتى المعارضين له. ورددت عليه بأن هذا طبيعي لأن هذا الأمر هو أحد مبادئ المجلس وقد نص عليه في لائحته الداخلية المنظمة لأعماله.

وأخذت الأصوات على هذا التحفظ فلم يوافق عليه كل من صلاح وخالد وامتنع محمد نجيب عن التصويت. وكانت حجة صلاح في عدم موافقته على هذا التحفظ بأنه يخشى ألا تلتزم الأقلية غير المقتنعة بهذا الاقتراح بتنفيذ ما اتفقت عليه الأغلبية فيتسبب عن هذا ضرر بليغ بالبلاد. واتفق خالد معه في هذا الرأي.

وعلى أثر هذا الموقف من صلاح وخالد فقد طلب عبد الحكيم سحب موافقته على اقتراحي. وتبعه ذلك في كل من زكريا وحسين الشافعي وسحبا موافقتهما أيضًا. عند هذا طلبت من كمال الدين حسين أن يثبت في محضر الجلسة الآتي بعد – إثباتًا للتاريخ:

خضوع الأغلبية:

"تبين من التصويت على التحفظ أن المجلس قرر خضوع الأغلبية لرأي الأقلية – وحيث أن هذا لا يتفق مع المنطق ولا مع طبيعة الأشياء ولا مع مبدأ هذا المجلس سواء من قبل الثورة أو من بعد قيامها ولا يتفق كذلك مع لائحته الداخلية – لذا أقرر من اليوم أنني لن أخضع لرأي الأغلبية ما دمت غير متقنع برأيهم لأي ظرف من الظروف – بل وأرى أن يحل المجلس من الآن لأنه قد اختلف على أول مبدأ من مبادئ أية جماعة رأيهم شورى فيما بينهم – ولا يتفق كذلك مع الديموقراطية التي تنادون بها".

وعندما ذكر هذا التحفظ ودارت المناقشة حوله قبل التصويت عليه فلم يعرف محمد نجيب كيف يتصرف وأخذ يستفهم عما هو مقصود من هذا التحفظ – وشرح له عدة مرات ولكنه اعتقد أنه فخ قد نصب له – ولذا فقد أخذ يراوغ محاولاً التخلص منه –وهل يوافق عليه أولا يوافق، ولكنه في النهاية قرر أن يمتنع عن التصويت عليه – وعقب عن امتناعه بالآتي: أعتقد أن هذا التحفظ والشرط الذي ورد فيه مقصود به أنني دائمًا أحاول أن أعمل على أن يكون لي حق (الفيتو)". وطلب مني كمال أن يثبت في محضر الجلسة أنه لا يطالب بأن يكون له هذا الحق.

وعلى هذا الأساس فقد اعتبر الاقتراح الذي تقدم به جمال عبد الناصر ونال أغلبية الأصوات أنه قد أصبح واجب التنفيذ وأن يعلن عنه. وقد طلب خالد سحب اقتراحه بعد التصويت على اقتراج جمال عبد الناصر. ولم يصوت المجلس على اقتراح محمد نجيب ولا على اقتراح حسن إبراهيم.

ولقد أخذت الأصوات على الاقتراح الخاص بالإفراج عن رشاد مهنا فنال تسعة أصوات – ولم يوافق عليه كل من جمال سالم وحسن إبراهيم وأنا.

ثم طلب أن تعلن هذه القرارات فورًا وأن يقوم محمد نجيب بإعلانها ولكنه لم يوافق وطلب أن يقوم كمال بذلك. ودارت مناقشة حول – هل من المستحسن إعلانها فورًا أم تأجيلها. وطلب جمال سالم تأجيل إعلانها أسبوعًا أو أكثر – وطالب صلاح بإعلانها فورًا. وطالبت ومعي زكريا بتأجيل إعلانها حتى جلسة الأحد التالي. وأخذت الأصوات فكانت في جانب إعلانها فورًا. وأن يقوم كمال بإعلانها.

أربعة يطلبون الإعفاء:

وطالب جمال سالم بعد ذلك بإعفائه من عضوية المجلس. كما طالب كمال الدين حسين وحسن إبراهيم وأنا بإعفائنا أيضًا من الاستمرار كأعضاء في المجلس. ونوقش هذا الموضوع. وطلب منا الاستمرار في العمل كواجب وطني حتى لا نظهر أمام الرأي العام وكأن هناك انشقاقًا وانقسامًا داخليًّا في المجلس. وبعد مناقشة طويلة وافقنا على أن نعتبر أنفسنا معفون من عضوية المجلس ولكن علينا أن نستمر في عملنا بصورة مؤقتة.

وبعد اتفاقنا على إعلان هذه القرارات ألغي اجتماع المؤتمر المشترك لأن أعصابنا كانت متوترة نتيجة للمناقشات الحادة التي دارت في هذه الجلسة.

واجتمعت مع كمال في منزله بعد الانتهاء من الاجتماع. وتشاورنا معًا في حل نتقدم باستقالتنا رسميًّا من المجلس أو ننتظر بعض الوقت؟ ورأينا أنه من الأوفق عدم إثارة هذا الموضوع في تلك الظروف وأن نرجئها إلى حين. وحضر إلى منزل كمال بعض ضباط الجيش من سلاح المدفعية من زملائه. وتحدثنا إليهم بصراحة عن تلك القرارات. وأن مجلس الثورة كان فريقين – فريقًا منهم يؤيد هذا القرارات – وفريقًا آخر معارض لها، ويرى إلغاء كل ما سبق إعلانه عن الانتخابات... إلخ – وعلى الثورة أن تستمر في تحقيق أهدافها التي قامت من أجلها. وقال البعض منهم: "إننا قد فهمنا عندما علمنا بهذه القرارات أنكم تحرضوننا على القيام بثورة أخرى". وطلبنا منهم العمل على إعداد أنفسهم والاتصال بباقي الضباط تمهيدًا لقيام هذه الثورة في أقرب وقت. واتصلت بضباط القوات الجوية فوجدتهم ثائرين ضد هذه القرارات. فطلبت منهم أيضًا أن يستعدوا لقيام ثورة جديدة أخرى.

الإفراج عن الهضيبي:

ولقد صدرت الأوامر بالإفراج يوم الجمعة 26 مارس 1954 عن الأستاذ الهضيبي والإخوان المسلمين المعتقلين.

وقد تناولنا الغداء في ذلك اليوم على مائدة الملك سعود بقصر الطاهرة. وكان غداءً خاصًا دعي إليه كل من محمد نجيبجمال عبد الناصر – صلاح – عبد الحكيم – كمال – زكريا وأنا. وتحدث الملك سعود في هذا اللقاء عن التعاون واستعداده لمشاركتنا في السراء والضراء – وعن التعاون بين العرب وخاصة بين مصر والسعودية – وذكر ضرورة التعاون بيننا داخليًّا وذلك حتى نضمن أن يكون التعاون مع الدول الأخرى سليمًا وقويًّا.

وفي يوم السبت 27 مارس 1954 كانت هناك موجة سخط من أغلبية ضباط الجيش – وأخذت وفودهم ومندوبي الوحدات المختلفة من الجيش الاتصال بنا مطالبين بإلغاء هذه القرارات ومتباحثين معنا عن الطريقة التي يمكن اتباعها ضد تنفيذها. فأوضحنا لهم أن يجتمع ضباط كل وحدة لتأخذ ما تراه من قرارات ثم تبلغها إلى القائد العام للقوات المسلحة وهو بدوره يقوم بإبلاغها إلى محمد نجيب – وعلى محمد نجيب في هذه الحالة أن يخضع للقرارات الواردة من الوحدات المختلفة في الجيش – وإذا لم يخضع فيمكن التفكير فيما يجب عمله. كما ذكرنا لهم أيضًا أن الجيش في هذه الآونة لابد أن يكون كتلة واحدة متماسكة وأن نتفادى أي صدام يمكن أن يحدث بين وحداته المختلفة.

حديث بين نجيب والنحاس:

وننشر في جريدة أخبار اليوم في نفس يوم السبت 27 مارس حديث تليفوني كان قد جرى بين محمد نجيب ومصطفى باشا النحاس زعيم حزب الوفد. وكان رد فعل هذا الحديث في الرأي العام سيئًا مما أضعف مركز محمد نجيب. كما أن عمال النقل المشترك بالقاهرة قد أضربوا في نفس اليوم أيضًا. وقامت مظاهرات من الطلبة والعمال تهتف ضد عودة الأحزاب وضد قيام الانتخابات.

وفي ثاني يوم – أي يوم الأحد- 28 مارس علمت من جمال عبد الناصر تليفونيًّا في الصباح المبكر أن محمد نجيب عندما وصل إلى المطار بالقاهرة في اليوم السابق عائدًا من الإسكندرية مع الملك سعود فقد ذهب إليه الضابط أحمد شوقي – الذي كان قد أحيل إلى المعاش منذ فترة بسيطة وهو متعاطفًا معه وأبلغه بثورة ضباط الجيش ضد القرارات التي أعلنت أخيرًا. وأفهمه أن الضباط ينوون قتله – أي قتل محمد نجيب – وقتله هو كذلك. وبعد أن وصل محمد نجيب إلى منزله قام وذهب إلى الملك سعود وأبلغه بما سمعه. وطلب منه أن يصحبه إلى السعودية عند سفره يوم الاثنين 29 مارس. واتصل الملك سعود بجمال عبد الناصر وطلب منه أن يذهب إليه – فاصطحب جمال معه عبد الحكيم وتناقشا مع الملك في موضوع الخلاف بين محمد نجيب ومجلس الثورة. ويقول جمال إنهما هاجما محمد نجيب بشدة أمام الملك سعود، وكان محمد نجيب يقول لهما باللغة الإنجليزية "لا تعاملونني هذه المعاملة أمامه" وأبلغني جمال عن اجتماع سيعقد لمجلس الثورة في صباح نفس اليوم قبل أن نجتمع في المؤتمر المشترك.

وفي هذا الاجتماع بدأ جمال عبد الناصر يشرح الموقف بصورة عامة. وأنه يرى من المستحسن الإبقاء على محمد نجيب مع محاولة السيطرة عليه بحجة أن شعبنا عاطفي ويمكن أن ينقلب ضدنا في خلال 24 ساعة. كما أنه لا يضمن الجيش أيضًا لو أبعد محمد نجيب، وأن نضع في اعتبارنا الموقف من السودان في حالة إبعاده، وطلب من صلاح إبداء رأيه فيما يختص بالسودان فقال: "إن السودان ضايع ضايع" سواء أبعد محمد نجيبس أو لم يبعد".

نجيب سيظل كما هو:

وتكلم من بعده جمال سالم مطالبًا بإبعاد محمد نجيب وأنه لا يمكنه التعاون معه وأن محمد نجيب لن يتيغر وسيظل كما هو دون أن نتمكن من السيطرة عليه.

وتكلمت بعد جمال سالم مطالبًا أيضًا بإبعاد محمد نجيب مبينًا أن موقفه أصبح واضحًا للشعب. وأن قبول استقالته السابقة كانت بدون تمهيد للرأي العام. ولكن الموقف أصبح يختلف الآن عنه في المرة السابقة. وأن صورته الحقيقية قد اتضحت للشعب خاصة بعد حديثه التليفوني مع النحاس، وأن الإبقاء عليه ربما يترتب عنه هزة أخرى للبلاد نحن في غنى عنها – واعتبرت أن الثورة الأولى قد انتهت يوم 25 مارس 1954 – أي يوم صدور هذه القرارات الأخيرة – وأن المرحلة القادمة تعتبر كثورة جديدة يؤازرها الجيش والشعب. ومن واجبنا وضع خطة عامة تضمن استقرار الأوضاع.

وتكلم بعد أنور السادات مبينًا أن هذه ثورة جديدة بعد انتهاء الثورة الأولى – وأنه يجب انتهاز الفرصة والتخلص من محمد نجيب ومتاعبه المستقبلة.

وأما صلاح فكان ضد التخلص منه. وطالب بحل المجلس وبقاء محمد نجيب. ومن أنه لا يمكنه التعاون معه. وذكر أن الاتحاد مع السودان قد انتهى وأنه من الواجب التفكير في بلادنا قبل التفكير في السودان.

وكان زكريا يرى أيضًا إبعاده لأننا سنجد منه المتاعب في المستقبل شارحًا أخلاقه وتصرفاته.

وأما حسين الشافعي فقد ذكر أن مدة استمرار هذا النظام هي أحد العوامل الهامة التي يجب أن يبنى عليها قرار الإبعاد من عدمه – وتساءل عما إذا كان المجلس سيحل في 24 يوليو 1954 أم باقٍ حتى نهاية فترة الانتقال أو إلى مدة أطول منها – ولكنه لم يوضح رأيه في إبعاد محمد نجيب أو الإبقاء عليه.

تدفق الجماهير:

وعلمنا أثناء اجتماعنا بأن آلافًا من المتظاهرين قد تجمعوا عند مبنى مجلس الوزراء وأنهم يهتفون بسقوط الحزبية والانتخابات ومطالبين ببقاء المجلس –وكان لابد من تهدئتهم- فأنهينا اجتماعنا وتوجهنا إلى هناك. ووصلنا إلى المبنى بصعوبة شاقة بعد أن اضطررنا إلى النزول من السيارات محاولين شق طريق لنا للوصول من بين تلك الكتل البشرية – وعندما فتح باب السور الخارجي لمبنى مجلس الوزراء لنتمكن من الدخول – تدفقت الجماهير من ورائنا إلى ساحة المبنى – ولكني لاحظت في هذه اللحظة ما أثار دهشتي – لاحظت أن حرس مجلس الوزراء قد هرع إلى داخل المبنى محاولاً إغلاق أبوابه وهم خائفون وشاهرو السلاح. وقد علمت أن سبب هذا الخوف الذي انتابهم هو اعتقادهم بأن المتظاهرين قد تدفقوا إلى الداخل بقصد الاعتداء على محمد نجيب الذي كان قد سبقنا ودخل المبنى من بابه الخلفي خوفًا على نفسه من المتظاهرين.

واجتمعنا بعد ذلك في قاعة اجتماعات المجلس – وكان معي جمال سالم وعبد الحكيم وأنور – وأما جمال عبد الناصر وصلاح فكانا يخطبان في المتظاهرين الموجودين في داخل ساحة المبنى – ثم حضر محمد نجيب إلى مكان اجتماعنا وتساءل عن سبب زيارة جمال عبد الناصر للهضيبي الذي أفرج عنه من المعتقل مؤخرًا ومستطردًا في حديثه: "هل هي للاتفاق على شيء؟".

فما كان من جمال سالم إلا أن رد عليه في عصبية: "يتفق معاه على إيه؟".

فقال محمد نجيب: "إذا كنا سنتكلم بهذه الروح فليس هناك ما يدعو للكلام.".

فرد عليه جمال بقوله: "أنا أتكلم زي ما أنا عايز – هو انته بتخوفني ولا إيه؟"

ولم يكن أحد من الوزراء المدنيين قد حضر بعد. وجلسنا صامتين بعد هذه المناقشة لفترة – ثم قام محمد نجيب وغادر القاعة وتوجه إلى مكتبه.

وبدأ الوزراء المدنيون يفدون حتى استكمل عددهم. وظل محمد نجيب بمكتبه ولم يحضر، فذهبت إليه لأدعوه إلى الحضور حتى يمكن أن نبدأ الجلسة، فوجدت معه عبد الحكيم واللواء علي عامر مدير العمليات الحربية. وكانوا يتحدثون معه محاولين التفاهم لتسوية الخلاف فتدخلت في المناقشة الدائرة بينهم.


حق زيارة الجيش:

وكان مدار الحديث الذي استغرق ما يقرب من الساعتين حول شكه في زملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة. وتأثره من بعض الأشخاص المحيطين به رغم خوفنا عليه لأنه إن هدم سياسيًّا فهو هدم للثورة ولنا جميعًا أيضًا ولأنه يمثلنا وهو رمز للثورة – وهو كما يشتكي من أننا قد عملنا حاجزًا بينه وبين الجيش ويطالب بحق زيارة وحداته. وقد وافقناه على هذه الرغبة منه رغم عدم اقتناعنا بها. كما أوضحنا له موقف الشعب والجيش من تلك القرارات الأخيرة ومعارضتهما لها. ومطالبتهما باستمرار الثورة لتحقيق أهدافها. وهو كان يطلب أن يتنحى عن رئاسة الوزراء لجمال عبد الناصر على أن يكتفي برئاسة الجمهورية فقط حتى لا يقال عنه إنه قد "رجع في كلامه". ومرددصا "أودي وشي فين من العالم؟" وعندما نحاول أن نوضح له بأن ما يهمنا هو مصر وهي أولاً وقبل كل شيء – يكون رده على ذلك بالتهديد لنا بالانتحار. وفعلاً قام بتمثيلية البحث عن طبنجة لينتحر بها – وكانت حالته عصبية.

وكان جمال عبد الناصر قد حضر هذا الجزء الأخير من المناقشة وقال لي: "سأقبل أن أكون رئيسًا للوزاء – هل سنجبن؟"

ورددت بأن المسألة ليست جبنًا – إنما سيعتقد الرأي العام بأننا قد ضغطنا عليه ليكتفي برئاسة الجمهورية – والموقف الحالي يتطلب بعض الإجراءات الاستثنائية وسيلتصق بك لو توليت رئاسة الوزراء – وسيتحول كل الهجوم والكراهية ضدك- ولابد أن نظر أننا جميعًا متفقون على هذه السياسة حتى محمد نجيب نفسه – واستمراره ولو لفترة بسيطة ثم يعفى منها أفضل من تنازله حاليًا.

وفي النهاية وبعد جهد جهيد وافق محمد نجيب على أن يستمر رئيسًا للوزارة لمدة أسبوع فقط. وبعد ذلك ذهبنا ومعنا محمد نجيب إلى الزملاء المجتمعين. وكانوا قد ملوا الانتظار.

وبدأنا الاجتماع في صورة المؤتمر المشترك. ومضت فترة قصيرة دون أن يبدأ أحد بالحديث – ولا أذكر من الذي طلب سماع راي زملائنا من الوزراء المدنيين في الموقف بعد تلك الأحداث الأخيرة – وبدأ بالكلام الدكتور نور الدين طراف وزير الصحة وتسلسل الحديث كما يلي:

إلغاء القرارات:

قال د. نور الدين طراف: إن الموقف ظاهر الآن فالجيش الذي تعتمد عليه الثورة يعترض على قرارات 25 مارس الماضي ويطالب بإلغائها – والشعب ينادي كذلك ببقاء مجلس قيادة الثورة وعدم التخلي عنه – ولقد لوحظ أن العناصر الرجعية والسياسيين القدامى قد ذهبوا مرة واحدة مما أذعر الناس وتذكروا الماضي – وطلب أن يعرف بالضبط ما هي طلبات الجيش..

وتكلم عبد الحكيم عامر وقال: إن الجيش بكامله ثائر ضد قرارات 25 مارس ويطالب بإلغائها. وأنه يخشى إن لم نجد حلاً للموقف بسرعة فلربما يخرج الأمر من أيدينا لأن الجيش ثائر ضد القرارات التي اتخذتها نقابة المحامين والتي طالبت فيها بعودة الضباط إلى صفوف الجيش. وقرأ علينا عبد الحكيم بعضًا من تلك القرارات التي اتخذتها وحدات من الجيش – كما ذكر أيضًا أن الأسطول البحري قد حرج إلى عرض البحر مهددًا بأنه إن لم تلغ هذه القرارات فسيضطر إلى اتخاذ إجراءات عنيفة.

وأكد كمال الدين حسين هذا الموقف من الأسطول البحري لأنه كان بالإسكندرية في اليوم السابق وعلم بها وهو هناك.

وأبدى نور الدين طراف رغبته وزملائه في سماع رأي محمد نجيب.

وتكلم محمد نجيب عن خطورة الموقف ودقته –وأنه لما كانت تلك الجلسة جلسة تاريخية – على حد قوله – فهو يرى أنه من الواجب أن نعود إلى قرار المؤتمر المشترك في 20 مارس الماضي – وذكر مقابلته لجمال عبد الناصر وعبد الحكيم يوم الأربعاء 24 مارس. والاقتراحات التي عرضاها عليه ورأيه فيها والاقتراحات التي قدمت منه وهي نفس الاقتراحات التي تقدم بها في جلسة 25 مارس. ولما لم يتمكن محمد نجيب من سرد ما دار من حديث في هذه المقابلة كما حدث، فقد تولى جمال عبد الناصر أخبار المؤتمر بتفاصيله. وقال إن رأيه في الاقتراحات التي تقدم بها محمد نجيب كانت تعطيه سلطات دكتاتورية ولهذا فهو لم يوافق عليها.

وبعد أن انتهى جمال عبد الناصر من سرد ما دار في مقابلة 24 مارس – تولى محمد نجيب بعد ذلك شرح الاقتراحات المختلفة – وكذا المناقشات التي دارت في جلسة يوم 25 مارس – ولما لم يتمكن من سرد الحقائق كما حدثت بالجلسة خاصة بالنسبة للاقتراع كنت قد تقدمت به، وخشيت أن يفهم الوزراء الأمر على غير حقيقته – لذا طلبت منه أن يقرأ من المذكرة التي يحملها والتي كانت يدون بها ما يدور في الاجتماع – ولقد قرأه بالصورة التي كان قد عرض بها.

وتساءل نور الدين طراف عن الحل بعد أن تقدم الجيش بهذه المطالب.

وتحدث أحمد الشرباصي عن خطورة الموقف وحقيقته بعد دخول الجيش الميدان – وكذلك بعد إضراب الطبقة الكادحة. وما سيتسبب عنه من أضرار. ومطالبًا بأن نواجه الواقع. وطالب زملائه الوزراء المدنيين بالإدلاء بآرائهم وما لمسوه من التعليقات على قرارات 25 مارس.

وبدأ كل منهم يروي ما سمعه وما لمسه. وكل منهم يرى إلغاء هذه القرارات وبأنهم غير موافقين عليها. إلا الدكتور عباس عمار والدكتور علي الجريتلي فكانا يريان التمسك بها.

وتكلم صلاح سالم بإسهاب في أن هذه القرارات ما هي إلا تفسيرًا لتصريح محمد نجيب الذي كان قد أعلنه عن الجمعية التأسيسية بعد إعادته لمنصب رئاسة الجمهورية مباشرة – وكان صلاح عصبيًّا ويتصبب عرقًا أثناء حديثه.

أما عبد الحكيم فقد ذكر أن الجيش ثائر ضد هذه القرارات وأنه يخشى أن يفلت الزمام إن لم تنفذ طلباته.

وطالب البغدادي أن تحدد – هل هي ثورة أم لا- مبينًا أن الثورة قامت لتحقيق أهداف ولابد من استمرارها لتحقيقها – ويلزمها إجراءات استثنائية وحزم – ولا ترتبط بفترة انتقال ما دامت مقيدة بأهداف معينة. - وبين أن المشلكة الرئيسية ليست هي تلك القرارات – إنما المشكلة في تفكك مجلس الثورة. وتساءل عن وحدة المجلس وهل يمكن أن تعود إليه ثانية؟ - واقترح إلغاء قرارات 25 مارس. وأن تشكل الهيئة الاستشارية. وأن تؤلف وزارة مدنية بعد أن تعود الأمور إلى نصابها – وأن يصبح محمد نجيب رئيسًا للجمهورية فقط. ويتبعد مجلس الثورة عن السلطة التنفيذية – وتكون له سلطة السيادة في حدود الدستور المؤقت ليراقب تحقيق أهداف الثورة وذلك حتى يمكن وضع حد للتنافس الجاري بين محمد نجيب والمجلس لتستقر الأوضاع.

وأبدى جمال سالم موافقته على رأي البغدادي.

كما أبدى نور الدين طراف الرغبة في أن يتقدم البغدادي باقتراحه مكتوبًا.

أما عباس عمار فقد تكلم عن تصفية الجو بين الطرفين وإن لم يمكن فواحد من الطرفين يحكم – وتكلم عن الجيش كقوة وله طلبات ولا يمكن إغفالها. وتحت هذه الظروف التي تمر بها فالأمر يحتاج إلى شدة – وعلى هذا الأساس فهو يقترح تشكيل وزارة عسكرية كاملة.

وتكلم د. وليم سليم حنا عن الواجب في تصفية النفوس – وعن ضرر عودة الأحزاب ثانية بنفس السياسيين والأوضاع القديمة والأضرار التي ستقع على البلاد منذلك – وأشار إلى أنه من الممكن القيام بانتخاب جمعية تأسيسية لمناقشة الدستور الجديد وإقراره – وذلك بعد استبعاد من يرى استبعاده من الحياة السياسية.

أما فتحي رضوان فقد تكلم عن أن هناك "دمل يجب فتحه" وشاكي ومشتكى – وهذا هو الأساس – فالرئيس يشتكي من بعض النواحي – وأفراد المجلس يشتكون من تصرفات الرئيس – وأن هذا يجب تصفيته – وأطال في حدود هذا المعنى – وباختصار فهو يرى الحل في تصفية النفوس وعودة وحدة الصف إلى ما كانت عليه بين محمد نجيب والمجلس.

وذكر نور الدين طراف أنه متفق مع فتحي بالنسبة لهذه التصفية. وتكلم عن ضرر عودة الأحزاب وتخوف المخلصين من ذلك. ونشاط الأفراد المرتزقة على حساب الأحزاب. واقترح أن تقوم الجمعية التأسيسية ولا يحدد ميعاد قيامها بل يكتفي بالقول إنها ستقوم في خلال عام 1954 ودن أن يذكر 23 يوليو كموعد لها.

أما جمال عبد الناصر فقد تكلم عن وحدة المجلس. واعتقاد محمد نجيب بأنه يقود وحدة في الجيش. وأن أفراد المجلس أركان حربه. وعدم اعترافه بحقيقة الأمر. وهو أن كل فرد في الجيش له رأيه وصوته كمحمد نجيب نفسه. ثم تكلم عن قاعة التزام الأقلية لرأي الأغلبية. وخروج محمد نجيب عن هذه القاعدة. وسرد ما دار في جلسة 25 مارس بالنسبة لتحفظ عبد الحكيم على الاقتراح الذي كنت قد تقدمت به، وامتناع محمد نجيب عن التصويت عليه – وعدم موافقة صلاح وخالد محيي الدين، وسحب الأعضاء الآخرون موافقتهم على الاقتراح على أثر هذا الموقف – وموقفي من ذلك، ومن أن الأقلية أصبحت هي التي تفرض رأيها على الأغلبية ومخالفة ذلك لمبدأ الجماعة.

وبعد هذا حديثت مشادة كلامية بين جمال سالم ومحمد نجيب – ثم بين صلاح سالم ومحمد نجيب أيضًا – وكانت عنيفة بل وأشد من العنف نفسه. قيل فيها لمحمد نجيب: من الذي أتى بك قائدًا لهذه الثورة – ومن الذي كان يعرفك من قبل. بل قيل له أكثر من هذا.

ولما اشتدت العاصفة طلبت رفع الجلسة للاستراحة تهدئة للجو – ورفعت الجلسة – وبعد الاستراحة بدأت المناقشة كالآتي من جديد:

اقترح جمال سالم عمل استفتاء شعبي – هل هي ثورة أم لا؟

وتساءل البغدادي عن إمكانية التئام المجلس وعودته لوحدة الصف من جديد فإن أمكن كان خيرًا – وإن كان ذلك غير ممكن فتعطى السلطة كلها لمحمد نجيب ويحل باقي المجلس أو العكس – أي تعطى السلطات كلها للمجلس ويعفى محمد نجيب – لأنه لابد أن يحكم أحدهما فقط ولا يمكن أن تكون هناك قيادتان.

أما عبد الحكيم فقد اقترح إلغاء قرارات 25 مارس أو تأجيل تنفيذها حتى نهاية فترة الانتقال. واتخاذ إجراءات استثنائية حتى يمكن للثورة أن تسير لتحقيق أهدافها.

ثم دارت المناقشة بين الجميع عن الطريقة والوسيلة لتنفيذ هذا. ثم أخذت الأصوات على مبدأ الإلغاء لتلك القرارات التي صدرت يوم 25 مارس أو تأجيل تنفيذها. فوافقت الأغلبية على مبدأ الإلغاء وأخذت الأصوات أيضًا على تأجيل النظر في الوسيلة أو طريقة التنفيذ لثاني يوم – ووافق عليها الأغلبية أيضًا – أما الدكتور عباس عمار والدكتور عباس عمار والدكتور علي الجريتلي فكان رأيهما أن نتمسك بتلك القرارات. واتفق كذلك على إعادة الرقابة على الصحف. وعلى أن تبدأ من اليوم التالي لهذا القرار – أي يوم 29 مارس 1954.

انفضحت يا نجيب.. حاكموني:

وكان الملك سعود سيغادر أرض مصر صباح هذا اليوم أيضًا. وبعد أن تم توديع الملك بالمطار تحركت طائرته – تحامل محمد نجيب على أحد الضباط الطيارين عندما هممنا بالانصراف وأشار إلى أنه سيغمى عليه فأدخل إلى مكتب قائد المطار. وحضر الأطباء للكشف عليه وقيل إنه إجهاد. ولكن البعض منا كان يعتقد أنها ما هي إلا تمثيلية ليتهرب من الاجتماع الذي كان سيعقد في نفس اليوم لاتخاذ القرارات المنفذة لإلغاء قرارات 25 مارس السابقة. أو أنه يرغب في أن يستدر عطف الشعب عليه – خاصة أنه كان قد أخذ يبكي وبصوت مرتفع مرددًا: البلد حتروح في كارثة الانقسام – يا رب بتعذبني ليه – موتني – انفضحت يا محمد نجيب – حاكموني – أي حل – وأنا موافق على رأي الأغلبية – واعتقدت أنها حالة انهيار عصبي. وقد حاولنا تهدئته. ورأينا أن ينقل فورًا إلى منزله. وعلى أن يدعى المؤتمر المشترك للانعقاد هناك أيضًا حتى يمكن اتخاذ القرار لإعلانه لأن الأمر كان قد أصبح خطيرًا ولا يحتاج إلى تأجيل خاصة أن المظاهرات والإضرابات كانت قد عمت البلاد وأصبحت كل المواصلات معطلة بعد إضراب عمال السكك الحديدية بالإضافة إلى عمال النقل العام.

وانعقد المؤتمر المشترك في منزل محمد نجيب ودارت المناقشة كالآتي:

قال جمال عبد الناصر: إنه يعتقد أن محمد نجيب سيعود إلى الحظيرة كما كان في أول الثورة لأن انهزامه في هذه المعركة الدائرة وتأكده من عدم تأييد الجيش والشعب له كانت صدمة جعلته يفيق لنفسه. وذكر أيضًا أن هناك عاملاً جديدًا حاسمًا في الموقف وهو وعي العمال والفلاحين. وأن الطبقة الكادحة هي التي أصبحت تسير سياسة البلاد وليس الطلبة كما كان الحال في الماضي. وأشرا إلى أن عزل محمد نجيب اليوم سيقال عنه لأنه كان يدافع عن الدستور والحريات.

وذكر طراف. أنه وزملاءه الوزراء من المدنيين قد اجتمعوا اليوم يرون أن أحسن الحلول هو عزل محمد نجيب. وهو يرى ذلك أيضًا – ولكنه غير موافق عليه خوفًا من حدوث انقسام في البلاد – ولكنه يعتبر أن العامل الأول والمؤثر في هذا هو الجيش. وإذا كان من المضمون عدم حدوث أي انقسام أو فرقة داخله ففي هذه الحالة يعتبر أن عزل محمد نجيب هو أسلم الحلول – وترك للعسكريين- أي لأعضاء مجلس الثورة – تقدير هذا الموقف بالنسبة للجيش.

أما جمال سالم فقد ذكر أنه من الطبيعي أو عودة محمد نجيب إلى الحظيرة هو أحسن الحلول لو أمكن ضمان السيطرة عليه، وأوضح صعوبة هذا الأمر وذلك من التجارب السابقة معه. كما أن طبيعية محمد نجيب نفسه تجعل هذه السيطرة عليه مستحيلة.

وتكلم عبد اللطيف البغدادي وقال إنه يتفق على أن أحسن الحلول هو عودة محمد نجيب إلى الحظيرة ولكنه تساءل عن الضمان الذي يمنع تكرار الذي حدث – وبين تخوفه من العودة إلى هذا الموقف الذي نحن فيه الآن – ثانية في المستقبل – ومعنى هذا هو تأجيل المشكلة من اليوم إلى الغد – والبلاد لا تحتمل هزة أخرى. وإنه لذلك يتقدم باقتراح يمكن التوفيق به بين المجلس ومحمد نجيب وهو:

1-أن يكون محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وقائدًا للثورة – وتحدد اختصاصاته وأن تقتصر اتصالاته وزياراته على ما يحدد له والتي يرى لها أهمية.

2-أن ينسحب أعضاء مجلس قيادة الثورة من السلطة التنفيذية وتصبح مهمته الأساسية هو حماية الثورة وأهدافها – وأن تحدد اختصاصاته ومسئولياته في حدود الدستور المؤقت.

3-أن تؤلف وزارة مدنية لتقوم بتنفيذ السياسة التي ترسم لها بواسطة مجلس قيادة الثورة.

4-أن تشكل الهيئة الاستشارية لتقوم بمهمة دراسة المشروعات المختلفة بواسطة لجانها الفنية – ولمناقشة الوزراء وسؤالهم ويكون ذلك علنًا – وعلى أن تكون هذه الهيئة هي العنصر الذي سنعتمد عليه في المستقبل كبرلمان سليم – والغرض من ذلك هو أن تستقر الأوضاع وتهدأ النفوس.

وأبدى فتحى رضوان موافقته على اقتراح البغدادي بأن يكون محمد نجيب رئيسًا للجمهورية فقط. لأن هذه هي رغبته أيضًا – وقال إنه يرى عمل استفتاء على القرارات التي اتخذت يوم 25 مارس.

واعترض كل من نور الدين طراف والدكتور محمود فوزي وجمال عبد الناصر على اكتفاء محمد نجيب برئاسة الجمهورية فقط في هذه الظروف – ويرون أن الوضع القائم يجب استمراره كما هو.

واقترح صلاح سالم أخذ الأصوات على الاقتراح الخاص بتأجيل تنفيذ قرارات يوم 25 مارس حتى انتهاء فترة الانتقال – واتخاذ الإجراءات الاستثنائية الكفيلة بحفظ النظام والأمن في البلاد – وإعلان أن أعضاء المؤتمر المشترك جميعهم متضامنون في هذه الإجراءات وهذه القرارات.

واعترض جمال سالم على التصويت على هذا الاقتراح ويرى أخذ الأصوات على موقف محمد نجيب وما يجب اتخاذه حياله – وهل يبقى أم لا يبقى – وذلك بواسطة أعضاء مجلس قيادة الثورة فقط دون باقي أعضاء المؤتمر.

ولقد أخذت الأصوات على ذلك من أعضاء مجلس الثورة فقط وبحضور الوزراء المدنيين فوافق جميع أعضاء المجلس على بقاء محمد نجيب إلا جمال سالم وأنا – ثم تلا ذلك أخذ الأصوات على الاقتراح المقدم من صلاح فنال أغلبية الأصوات من أعضاء المؤتمر – وامتنعت مع جمال سالم عن التصويت. كما أن علي الجريتلي وعباس عمار لم يوافقا على القرار.

وبعد أن تم التصويت على هذا القرار المقدم من صلاح ونال الأغلبية طلبت أمام جميع أعضاء المؤتمر إعفائي من رئاسة محكمة الثورة في حالة عرض أي قضية عليها لها ارتباط بحوادث تلك الأزمة التي مرت بنا – لأني قدرت أن مهمة المحكمة في هذه الحالة ستكون ما هي إلا عملية انتقامية من بعض الأشخاص الذين كانوا قد عبروا عن آرائهم بعد إعلان حرية الصحافة وبعد إعلان قرارات 25 مارس وما دمنا كنا قد قررنا هذا وهم بدورهم قاموا بهذا النشاط بناءً على قراراتنا فليس هناك مبرر لمحاكمتهم وإلا كانوا وكأنه قد تقررت محاكمتهم مسبقًا. ولم أشا أن أكون أداة تنفيذ لهذا الانتقام منهم – ولذا قررت ألا أكون رئيسًا لهذه المحكمة.

وكان قد حضر أثناء انعقاد المؤتمر أحد الطيارين واسمه عبد الرؤوف عبد الحميد وأبلغني أن المتظاهرين قد اتجهوا نحو مبنى مجلس الدولة لاجتماع جميعتهم العمومية – فأفهمته بأن اجتماعها خاص بدارسة إجراء تنقلات داخلية بالمجلس وليس لأمر سياسي، فعرفني أنه قد علم بالأمر عندما أرسلت إدارة الشئون العامة الخاصة بالجيش أشخاصًا إلى القوات الجوية تطلب منها بترولاً كسلفة لسياراتها لأن محطات البنزين كانت مغلقة في جميع أنحاء القاهرة – وأنه قد فهم أن هذا النزول سيستخدم في اللوريات التي ستقوم بنقل المتظاهرين إلى مبنى مجلس الدولة – فأمرته بعدم صرف بترول لهم – ثم حضر من بعده أيضًا محمد صدقي محمود رئيس أركان حرب القوات الجوية وأبلغنا نفس الشيء. فطلبت منه كذلك إرسال البوليس الحربي الجوي فورًا إلى مبنى مجلس الدولة لمنع المتظاهرين من الاقتراب منه. ثم قام صلاح وتوجه إلى مبنى مجلس ليعمل على تهدئة المتظاهرين وإبعادهم منه، وذلك بعد أن اتصل الدكتور حسن بغدادي بالمجلس وعرف منه أن المتظاهرين قد اقتربوا من المبنى. ولقد عاد صلاح إلى الاجتماع ثانية بعد ساعتين من مغادرته لنا وأبلغنا أن المتظاهرين قد اعتدوا على رئيس مجلس الدولة الأستاذ السنهوري وأن إصاباته بسيطة وسطحية. وأن المتظاهرين هاجموا المجلس بعد أن وصفهم بعض المستشارين بالمأجورين مع نعتهم بصفات قبيحة أخرى. وقال صلاح إنه لازم السنهوري من مبنى المجلس حتى المستشفى لعلاج الإصابات التي أصيب بها – ولكن السنهوري لم يشكره على موقفه. وقد ضايق صلاح هذا التصرف منه.

وأخيرًا.. وافق جمال:

وفي يوم الثلاثاء 30 مارس 1954 كنت مع كمال الدين حسين بمنزله نناقش الموقف والمشاكل التي تواجهنا وأسلم الطرق إلى حلها – وفي أثناء ذلك تكلم صلاح في التليفون طالبًا منا أن نذهب إلى منزل جمال عبد الناصر، ووجدنا هناك زكريا وعبد الحكيم وصلاح غير جمال عبد الناصر –وكانت المناقشة حول موضوع طلبة الجامعة وإثارتهم للشغب ووقوفهم ضد إلغاء قرارات 25 مارس بعد صدور ذها القرار. وأن البعض منهم قد أخذ قرارًا وأعلن على الطلبة. وهو قتل أعضاء مجلس قيادة الثورة. وأعلنوا عليهم أيضًا أن لديهم السلاح والإمكانيات الكفيلة بتحقيق هذا الغرض. وكان يقود عمليات المعارضة هذه والشغب طلبة الإخوان المسلمين والشيوعيين والوفديين – وكان جمال عبد الناصر يرى اعتقال هؤلاء الطلبة – دون الطلبة من الإخوان المسلمين، أي قصر الاعتقال على الطلبة الشيوعيين والوفديين فقط –ولكن حدثت معارضة شديدة من أعضاء المجلس الموجودين وذلك لأنه كان معلومًا لكل طلبة الجامعة موقف الطلبة الإخوان وما صدر منهم من قرارات، وأن الذي أعلن تلك القرارات والخاصة بقتل أعضاء مجلس الثورة على الملأ كان طالبًا من الإخوان المسلمين وأخيرًا وافق جمال على اعتقال هذا الطالب الإخواني فقط مع باقي الطلبة الآخرين من الشيوعيين والوفديين.

ثم نوقف ما يجب عمله حيال رجال الأحزاب خاصة الذين ظهروا على المسرح في تلك الفترة الأخيرة ومهاجمتهم للثورة ووجوب محاكمتهم أمام محكمة الثورة – وأثير موقفي بالنسبة لهذا الاتجاه ورأيي فيه. وهو إن كان لابد من محاكمتهم فتشكل محكمة خاصة تكون مهمتها مثلاً حماية الثورة ومحاكمة كل من حاول أو يحاول أن يقف في طريق تحقيق أهدافها أو تهديد النظام القائم عليها. وقد حاولوا إقناعي بأن قيام محكمة أخرى لمحاكمتهم في وجود محكمة الثورة ستئول إلى معان مختلفة. ولكني كنت متمسكًا برأيي وهو أن محكمة الثورة قامت في ظروف غير تلك الظروف. وكانت تنظر في قضايا من تسببوا في إفساد الحياة السياسية في مصر، وكذا قضايا استغلال النفوذ بغرض الإثراء أو من كان يتجسس لحساب دولة أجنبية. وأن الظروف التي جدت تختلف عنها، هي محاكمة أفراد ظهروا على المسرح السياسي بعد إعلان عودة الحياة النيابية وقيام الأحزاب. إن كان من الضروري محاكمتهم فلماذا لم يحاكموا من قبل – والمحاكمة ستظهر وكأنها انتقام منهم. وضربت مثلاً بمحمود أبو الفتح الذي يودون محاكمته ومصادرة أمواله. وكيف يحاكم وقد كان بالخارج في هذه الفترة. ولماذا لم يحاكم من قبل – وموقفه منه اليوم وموقفهم بالنسبة لجريدة المصري التي هو صاحبها يوم أن صدر حكم محكمة الثورة عليها باسترداد مبلغ 22 ألف جنيه فروق ضرائب مستحقة عليها – وما الذي غير الموقف – أليس موقف جريدة المصري من الثورة في الفترة الأخيرة – أليس هذا انتقامًا – وهم كانوا يتكلمون عن الشعب والحريات والحياة النيابية. وهو كلام لا يمكن أن يؤاخذوا عليه.

ولما وجدوني متمسكًا بوجهة نظري انتقل الحديث حول سلاح الفرسان والعمل على تسوية حالة بضع الضباط فيه واحالتهم إلى المعاش. وأوضح عبد الحكيم أن ضباط هذا السلاح قد تكتلوا عندما شعروا أن أمنهم أصبح مهددًا. وأنه يعتقد أن أي إجراء معهم في هذه الظروف ربما تكون نتائجه وخيمة – لذا ترك له حرية التصرف معهم مع تقدير الوقت المناسب لاتخاذ ما يراه.

كما وافق المجلس على إحالة ثمانية من أساتذة الجامعة إلى المعاش لثبوت تحريضهم للطلبة بعد إلغاء قرارات 25 مارس 1954.

وكان موعد انعقاد مجلس الوزراء يوم الأربعاء 31 مارس. وطلب مني جمال سالم المرور عليه بمنزله لنذهب إلى الاجتماع معًا – وفي أثناء طريقنا إلى المجلس تكلمنا عن الموقف الداخلي بمجلس قيادة الثورة. وأن البعض من أعضائه ليس له رأي. ويصوتون دائمًا في جانب رأي جمال عبد الناصر، والذي أصبح بذلك هو رأي الأغلبية في أغلب الأوقات. ولم يحاول أحد من هؤلاء البعض أن يناقش أو يتفهم أي رأي آخر – ولم يتقدم أيضًا بأي رأي في يوم من الأيام. ولقد أصبح المجلس بذلك هو جمال عبد الناصر. ولا يمكن أن يستمر الوضع على هذا الأساس. وأنه يجب علينا أن نعترف بهذه الحقيقة ونحل مشكلة المجلس على ضوئها – كما أن جمال عبد الناصر نفسه قد أصبح كثيرًا ما يتصرف في مسائل تمس السياسة العامة دون الرجوع إلى المجلس – والمجلس لا يعترض على هذه التصرفات. واتفق رأينا على أنه من الأفضل أن يتحمل جمال عبد الناصر المسئولية كاملة حتى يصبح موقفنا سليمًا أمام أنفسنا وأمام التاريخ وأمام الشعب.

مذكرة في مجلس الدولة:

ولم نستكمل حديثنا لوصولنا إلى مبنى مجلس الوزراء. وانعقد المجلس. وقرأ علينا جمال عبد الناصر مذكرة مجلس الدولة المرسلة لرئيس مجلس الوزراء والخاصة باعتداء المتظاهرين على مجلسهم. وكانت مذكرة شديدة اللهجة عنيفة في تعبيراتها – ولقد دارت المناقشة حولها – ورئي في النهاية أن يكون الرد عليها بدبلوماسية – بمعنى أن نقول أن النيابة ستقوم بالتحقيق – وأن الحكومة منتظرة نتيجة هذا التحقيق.

ثم طلب جمال عبد الناصر من زكريا وزير الداخلية أن يعطي مجلس الوزراء صورة عن الحالة الداخلية خاصة فيما يتعلق بطلبة الجامعة. فتكلم زكريا عن العناصر المضادة للثورة. وعلى أنها تركز نشاطها في أوساط الطلبة والمدرسين خاصة جامعة إبراهيم باشا – (عين شمس حاليًا). وتحدث عن حوادث يوم 30 مارس وما جرى بالجامعات – وذكر أن قادة العملية هم من الوفديين والشيوعيين ثم انضم إليهم الإخوان المسلمين. كما ذكر أنهم هاجموا الثورة وأصدروا بعض القرارات وهي:

1-عودة الحياة النيابية والدستور.

2-تكوين جماعات سرية لاغتيال أفراج مجلس قيادة الثورة.

3-إعلان الكفاح المسلح ضد الحكومة القائمة.

وأقسموا على تنفيذ هذه القرارات. وقد اشترك معهم بعض الأساتذة الذين هاجموا الثورة أيضًا. كما ذكر زكريا بعض الشائعات التي ترددت في الجامعة – وهي ليست لها نصيب من الصحة – وفيها أنه قد صرف 2 مليون جنيه على المتظاهرين الذين قاموا بمطالبة إلغاء قرارات 25 مارس.

وتكلم جمال عبد الناصر وأشار إلى أن هناك فئة من الطلبة محترفة التهريج والشغب – وهو يرى فصل هؤلاء الطلبة المشاغبين حتى لا يكونوا مثار قلق باستمرار – وأن الجامعة لابد من تطهيرها من هؤلاء. وأنه كان لابد من عمل هذا من أول الأمر، وأنها فرصة لاتخاذ هذه الخطوة الآن.

كما ذكر زكريا أن بعض الصحفيين من جريدة المصري كانوا قد ذهبوا في يوم 30 مارس إلى الجامعة وخطبوا في الطلبة قائلين لهم إن جريدة المصري هي جريدتكم التي تدافع عن حقوق الشعب والحريات والحياة النيابية.

وتكلم جمال عبد الناصر عن الصحافة ووضع قانون لتطهيرها وكلف صلاح مع فتحي رضوان بوضع مشروع قانون يحقق هذا الغرض. كما كلف فتحي أيضًا بوضع مشروع عن الهيئة الاستشارية – والدكتور حسن أحمد بغدادي ليضع هو الآخر مشروع قانون عن الجمعية التأسيسية وذلك حتى تمكن مناقشة المشروعين في جلسة المؤتمر التالية.

وفي يوم السبت 3 أبريل اتصل بي عبد الحكيم وأبلغني عن اجتماع لمجلس الثورة في ذلك اليوم. وكانت المناقشة عند اجتماعنا تدور حول الموقف. وقد تكلم جمال عبد الناصر مشيرًا إلى أن هناك ناحية سوداء وأخرى بيضاء – وفسر السوداء بالمحاكمات والاعتقالات لبعض الأفراد من الشعب كمثل لغيرهم – وأما الناحية البيضاء. فتتمثل في عمل خدمات عامة سريعة لإرضاء الجماهير (الموظفين والفلاحين والعمال).

واجتمع مجلس الثورة في اليوم التالي – 4 أبريل- وكان كل الأعضاء متواجدين ما عدا محمد نجيب وخالد محيي الدين – وتولى جمال عبد الناصر رئاسة المجلس والتقط مصورو الصحف عدة صور لهذا الاجتماع. وبدأ جمال عبد الناصر كلامه عن مقابلته لمحمد نجيب في نفس اليوم. وكان يرافقه في هذه المقابلة عبد الحكيم – وذكر أن محمد نجيب موافق على كل شيء. وأن كل ما يطلبه هو أن يعود ضباط الجيش إلى محبته ثانية كما كانوا في الماضي. وأنه قد طلب من جمال أن يعمل له على تحقيق هذه الرغبة.

ثم بدأ في مناقشة الموضوع الذي اجتماع من أجله المجلس وهو نفس الموضوع الذي سبق وأثاره جمال عبد الناصر في الاجتماع السابق له.

وتكلم صلاح شارحًا ما يراه. وهو نفس ما سبق وذكره جمال عبد الناصر في اليوم السابق عن الناحية البيضاء والناحية السوداء – وتتخلص في الآتي:

الناحية السوداء:

1-تطهير الصحافة – ووضع قانون وشروط لمن يعمل بها – ومحاكمة محمود أبو الفتح ومصادرة جريدة المصري – وحدد بعض التهم الموجهة ضد محمود أبو الفتح. وكذا محاكمة بعض الصحفيين الذين كانوا يتقاضون مصروفات سرية في عهد الأحزاب والعمل على استردادها منهم وذكر أسماءهم – والعمل على سحب رخص بعض الصحف غير المنتظمة وهي من سلطة وزير الإرشاد القومي كما ذكر.

2-الطلبة: رفت بعض الطلبة نهائيًا من الجامعة – وحرمان البعض من دخول الامتحان النهائي لنفس العام.

3-الأساتذة: إحالة كل أستاذ ورد اسمه على أنه كان يعمل على تحريض الطلبة وإثارتهم إلى المعاش.

4-أفراد أسرة محمد علي: إعداد كشف بأسمائهم لطردهم من البلاد.

5-السياسيون القدامى: محاكمة البعض منهم أمام محكمة الثورة وحرمان البعض الآخر من الحقوق السياسية بقرار من مجلس قيادة الثورة.

6-نقابة المحامون: العمل على تطهيرها بواسطة المحامين أنفسهم – وإذا لم يستطيعوا القيام بهذه المهمة فيعمل على تطهيرها بأية طريقة أخرى.

الناحية البيضاء:

1-الموظفون: رد العلاوة إليهم وفتح باب الترقي أمامهم.

2-العمال: تأمينهم ضد البطالة وحل مشاكلهم والعمل على تنفيذ المشروعات حتى يمكن استيعاب أكبر عدد منهم.

3-الفلاحون: عمل خدمات عامة لهم.

4-الكفاءات: الاستفادة منهم في الجمعية التأسيسية حتى يرتبطوا بالثورة.

5-الإرشاد والتوجيه والدعاية: تقوم بها وزارة الإرشاد القومي.

كان الجو مكهربًا:

ثم بدأ بعد ذلك في مناقشة اقتراحات صلاح هذه نقطة نقطة، وقد بدأت باقتراح محاكمة محمود أبو الفتح أمام محكمة الثورة – واعترضت على ذلك مبينًا أنه إن كان ولابد من محاكمته فليبحث عن شخص آخر غيري على أن أعتكف في خلال فترة محاكمته بحجة أنني مريض وذاكرًا لهم نفس الأسباب التي تمنعني من رئاسة هذه المحكمة والتي سبق أن ذكرتها في اجتماعنا يوم 30 مارس. وكنت أتكلم بعصبية – والجو كان مكهربًا – والجلسة نفسها كان فيها توتر من بدايتها. وليس هناك من يناقش أو يتقدم باقتراحات لدرجة أن كمال الدين حسين تكلم معي أثناء الاستراحة عن جو الجلسة وعلى أنه غير مرتاح وخائف على المصلحة العامة وقال لي: "ما نفضها بأه ونروح".


وفي أثناء المناقشة ذكر جمال عبد الناصر أن هدف الثورة ليست هي قاعدة شعبية تعتمد عليها، وليس هناك من يؤيدها لا من الشعب ولا من الجيش. وأن الذين قاموا بهذه الثورة تسعين ضابطًا فقط وأنهم في تناقص حتى أصبح عددهم خمسين ضابطًا الآن.

وعلقت على كلامه هذا بقولي: "معنى هذا أننا نفرض أنفسنا على هذا البلد".

فرد علي بالإيجاب:

فقلت: "أعتقد في هذه الحالة يجب علينا أن نروح إذا كان هذا هو الوضع". واستطردت قائلاً إني أتقدم بهذا الاقتراح نتيجة لكلام جمال:

1-محمد نجيب رئيسًا للجمهورية.

2-مجلس قيادة الثورة ينسحب من السلطة التنفيذية – ويبقى كمجلس ثورة فقط وله سلطة السيادة في حدود الدستور المؤقت.

3-تشكل وزارة مدنية لتسير بهذه البلاد في حدود السياسة التي ترسم لها من مجلس قيادة الثورة.

4-تقوم الجمعية الوطنية مقام البرلمان في الفترة الباقية من فترة الانتقال.

ولكن هذا الاقتراح لم يناقش ولم يصوت عليه أيضًا. ولم ينته المجلس إلى شيء بالنسبة لمحاكمة محمود أبو الفتح والصحفيين الآخرين الذين كانوا يحصلون على مصروفات سرية في فترة قيام الأحزاب، وكذلك بالنسبة للسياسيين الذين يرى محاكمتهم أمام محكمة الثورة – وذلك لإصراري على الامتناع عن رئاسة محكمة الثورة في هذه الحالة.

ولما أخذت الأصوات على اقتراح صلاح – نقطة بعد نقطة – كان كل أعضاء المجلس يوافقون عليها عدا جمال سالم وأنا فقد امتنعنا عن التصويت وذلك لاختلافنا معهم في الأساس.

وبعد انتهاء الجلسة خرج جمال عبد الناصر من قاعة الاجتماع، وكان هو أول من خرج وذلك على غير عادته. وكان عصبيًّا. ولكنه حاول طوال الاجتماع أن يتمالك أعصابه حتى تمر الأزمة في هدوء وعلى أن يميتها الوقت.


استقالة خالد:

وكان جمال عبد الناصر قد عرض قبل نهاية الجلسة استقالة خالد محيي الدين من عضوية مجلس قيادة الثورة والتي كان قد تقدم بها في الاجتماع السابق للمجلس. وقد وافق عليها أعضاء المجلس على ألا تنشر. وعلى أن يسافر خالد يوم الثلاثاء التالي إلى الخارج مع بعثة مجلس الإنتاج. وأن يبقى هناك حتى يعين فيما بعد سفيرًا. وذلك على أمل أن يموت موضوع خالد مع مرور الوقت.

وكان مضمون استقالة خالد من عضوية المجلس هو أن موقفه من الحياة النيابية كان قد وضح للرأي العام في الفترة الأخيرة بعد تصريحاته المختلفة على صفحات الجرائد، وبعد إلغاء قرارات 25 مارس. وأنه يرى أن الأمر سيصبح محرجًا له لو بقي واستمر عضوًا بالمجلس. وهو لذلك يتقدم باستقالته. على أنه سيظل خادمًا لهذا الوطن وموضع ثقة المجلس.

وكان المؤتمر المشترك قد عقد اجتماعًا يوم الاثنين 5 أبريل للنظر في نفس المسائل التي سبق وعرضت على مجلس قيادة الثورة في الجلسة السابقة. وفي أثناء عودتنا إلى منازلنا بعد انتهاء الاجتماع أبغلني حسن إبراهيم وكان معي في نفس السيارة أن قرار مجلس قيادة الثورة الخاص بالأساتذة الثمانية والذين كانوا يحرضون الطلبة على الشغب، ووافق المجلس على إحالتهم إلى المعاش – لن ينفذ – ولما تساءلت عن السبب أوضح لي أنه قد سمع صدفة حديثًا كان يدور بين جمال عبد الناصر وصلاح سالم، وفهم منه أن هؤلاء الأساتذة الثمانية قد زاروا جمال في منزله وهو –أي جمال- يعتبر لذلك أن تنفيذ هذا القرار بعد قيامهم بهذه الزيارة سيكون هدمًا له. وكان تعليقي على ذلك أن المجلس لابد أن يعترف بالحقيقة، وهي أن العيب الأساسي فيه نفسه، وذكرت له الحديث السابق والذي كان قد جرى بين جمال سالم وبيني، والذي كان يدور حول جمال عبد الناصر وأعضاء المجلس. ومن أن المجلس أصبح هو جمال عبد الناصر.

وكان جمال سالم قد طلب مني المرور عليه بمكتبه يوم الثلاثاء 6 أبريل وتحدث معي عن وجود مدرستين بالمجلس ولا يمكن أن تتلاقى وجهتي نظريهما – وأن المجلس قد كسر مبدأ الأخذ برأي الأغلبية وذلك بعد طرد فاروق بأيام قليلة عندما ناقش عودة الحياة النيابية فورًا. وكان متزعمًا هذه الفكرة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم. وكانت هناك فكرة أخرى تعارضها وهي أن البلاد ليست مستعدة لهذه الحياة. وأنه يجب أولاً إصلاح ما فسد منها – وتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة مع إيجاد الناخب والنائب الصالحين للحياة النيابية السليمة. وكان يتزعم هذه الفكرة مجموعة الطيارين بالمجلس. وكان المجلس بعد مناقشات حادة وعنيفة وطويلة أيضًا بين أعضائه قد استقر رأيه عند التصويت على عدم عودة الحياة النيابية فورًا. وكان جمال عبد الناصر على أثر هذه القرارات قد لزم منزله. ولم يكن يحضر اجتماعات المجلس التي تلت الاجتماع الذي أخذ فيه هذا القرار. وخوفًا منا على وحدة المجلس التي تلت الاجتماع الذي أخذ فيه هذا القرار. وخوفًا منا على وحدة المجلس وعدم انقسامه فقد اضطررنا للنزول على رأيه مع إيجاد حل وسط – وكان هذا الحل الوسط هو أن تقوم الأحزاب بتطهير نفسها بنفسها. وكان هذا التنازل من المجلس عن تنفيذ قرار رأى الأغلبية هو طعنة لمبدأ رئيسي من مبادئ أي قيادة جماعية وهو خضوع الأقلية لرأي الأغلبية.

كما تناول حديثنا – في أثناء هذا اللقاء- تصرفات جمال عبد الناصر ومحاولاته الدائبة في إثبات أنه قوة ومركز ثقل إلى البعض من خارج مجموعة أعضاء مجلس الثورة. وأنه قد أصبح يتصرف أيضًا في حالات كثيرة تمس السياسة العامة، وسكون المجلس على هذا الوضع خوفًا على وحدته وتماسكه –وأن خوفنا على هذه الوحدة تسبب عنه إضعاف للمجلس، بل وتسبب في تفكك هذه الوحدة التي تخاف عليها، الأمر الذي يجب علينا معالجته بسرعة، وإلا فإن النتائج ستكون وخيمة.

وقد شمل حديثنا أيضًا موقف محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وكيف أن – محمد نجيب كان في البداية خاضعًا ولا حول له ولا قوة. ولكن محاولات جمال المستمرة بأن يظهر أنه المحرك الأساسي للثورة وأنه هو كل شيء –وأن محمد نجيب ما هو إلا صورة هي التي دفعته إلى القيام بهذه التصرفات التي أخذها المجلس عليه وهو –أي محمد نجيب – كان يحاول أن يظهر أمام الشعب ردًا – على ذلك بأن له كيانه كقائد للثورة، فأخذ يدلي بتلك التصريحات المختلفة، وأصبح الموضوع مزايدات سياسية بينه وبين جمال في خطبهم عن الدكتاتورية والحريات والحياة النيابية... إلخ.

ولقد تطور حديثنا إلى التفكير معًا في إيجاد حل لهذا المشكل القائم داخل مجلس الثورة – وكان جمال سالم يرى أن ينسحب الأعضاء المختلفون مع الأغلبية على أن يبقى الباقي منهم كمجلس للثورة – وكنت مختلفًا معه في هذا الرأي – رغم أنني ليست مستريحًا لتلك الأوضاع الجارية في المجلس، واعتقادي أن الحل الذي يراه سينتج عنه فقدان ثقة الشعب فينا لأنه لا يعلم الحقيقة ولن يعلمها – واقترحت عليه حلاً آخر – وهو أن يتولى محمد نجيب رئاسة الجمهورية مع تحديد اختصاصاته حتى لا يحيد عنها، وعلى أن ينسحب أعضاء مجلس قيادة الثورة من السلطة التنفيذية ويبقى كمجلس له سلطة السيادة في حدود الدستور المؤقت. وتكون مهمته الأولى الرقابة للمحافظة على أهداف الثورة ورسم السياسة العامة. وأن تشكل الهيئة الاستشارية وتحدد اختصاصاتها. وتشكل كذلك وزارة مدنية تكون مهمتها تنفيذ السياسة التي ترسم لها.

وكان لجمال سالم نقطة اعتراض على هذا الحل الذي اقترحته – وهو أن الوضع سيظل قائمًا كما هو ولن يتغير لأن الوزراء المدنيين سيلجأوون إلى جمال عبد الناصر في كل شيء – على حد قوله – فأجبته بأن الحل لذلك هو أن يعين جمال عبد الناصر رئيسًا للوزارة المدنية لتغطية هذه النقطة التي أثارها ويصبح هو أي جمال عبد الناصر كحلقة اتصال بين مجلس الثورة ومجلس الوزراء. فوافق جمال سالم على تلك الفكرة ومعلقًا عليها بقوله: "إن ذلك يحافظ على بقاء مظهر وحدة المجلس، وعليه أن يجتمع مرة كل أسبوع حتى يكون في الصورة بالنسبة لما يجري في البلاد – ونتجنب بذلك الحل الهوة التي نراها أمامنا، وتصبح المسئولية التاريخية واضحة".

مناقشة حال مجلس الثورة:

وفي اليوم التالي لهذا اللقاء مع جمال سالم – اتصل بي كمال الدين حسين وأخبرني أنه يرغب في لقائي ليناقش معي حال مجلس الثورة. وكان كعادته يتكلم بإخلاص ومن قلبه وفي حالة خوف على مصير المجلس، وبالتالي على مصير البلاد. والتقينا في نفس اليوم بمكتبي. وتكلمنا في نفس الموضوع الذي سبق ودارت حوله المناقشة مع جمال سالم في اليوم السابق – ومما قاله كمال إنه يشعر بخطورة الموقف، وأن البلاد لا تحتمل أكثر مما احتملته. وأنه كان سيرسل استقالته في اليوم السابق لاجتماعنا هذا – واقترح أن نجتمع في أقرب وقت لنناقش كل هذه المسائل ونعمل على تصفيتها نهائيًّأ. لأن بقاءها معلقة فيها كل الخطورة، ووافقته على هذا الرأي – واتفقت معه على أن نحاول أن نجتمع كمجلس ثورة بعد الانتهاء من اجتماع مجلس الوزراء في نفس اليوم.

وقام كمال من فوره وبنشاطه المعهود واتصل تليفونيًّا بجمال عبد الناصر وأخبره برأيه في ضرورة اجتماع مجلس الثورة ذاكرًا له نفس الأسباب التي تقلقه – والتي سبق ذكرها لي. ولكن جمال عبد الناصر أبلغه أنه سيسافر إلى الإسكندرية ف اليوم التالي. وأنه سيمضي بها يومين أو ثلاثة. ووعده بأن نتكلم في الموضوع بعد عودته. ولكن كمال ألح في ضرورة الاجتماع في نفس اليوم بعد الانتهاء من اجتماع مجلس الوزراء – ويظهر أن جمال عبد الناصر أراد أن يتخلص من ضغط كمال عليه فطلب منه الاتصال بعبد الحكيم في هذا الشأن – ووافق عبد الحكيم عندما اتصل به كمال ولكنه عاد واتصل به وهو بمكتبي ذاكرًا له "إنك استعجلت يا كمال والمسألة كانت تموت بالوقت". ومقترحًا تأجيل هذا الاجتماع لحين عودة جمال عبد الناصر من الإسكندرية – وكانت الروح المعنوية لكمال سيئة للغاية. فهو وطني متحمس ومخلص ويهمه البلد – وعلى ذلك لم يجتمع المجلس كما كان يرغب كمال.

واجتمع مجلس قيادة الثورة في يومه الأسبوعي – الأحد 11 أبريل 1954 – وكان الأعضاء موجودين إلا محمد نجيب. واستمرت الجلسة من الساعة الثامنة مساء حتى السادسة صباحًا من اليوم التالي – الاثنين – ويومياتي تقول:

تصفية الجو بيني وبين جمال:

كان محور المناقشة في هذه الجلسة هو تصفية الجو بين جمال عبد الناصر وبيني – هكذا جاءت على لسان بعض الزملاء – وكنت أعتقد أن المسألة أعمق بكثير من الخلافات الشخصية. ولكن جمال عبد الناصر أراد إبرازها بهذا الشكل وبهذا المعنى تغطية الموقف المائع والتفكك الظاهر في مجلس الثورة نفسه – ولقد بدأ الحديث في هذه الجلسة جمال سالم مشيرًا إلى أن في المجلس وجهتي نظر متباينتين – جمال عبد الناصر يمثل إحداهما ومعه الأغلبية – وجمال سالم والبغدادي يمثلان وجهة النظر الأخرى ومعهما الأقلية – وبين جمال سالم أن الأغلبية التي تتبع جمال عبد الناصر لا تفكر وإنما تثق في رأي جمال عبد الناصر باستمرار دون مناقشة أو تفكير في منطق ووجهة النظر الأخرى ودون أن تتقدم هي بوجهة نظر جديدة – وهو لهذا يرى حلا لهذا المشكل أن ينسحب مجلس الثورة من السلطة التنفيذية وأن تؤلف وزارة مدنية يرأسها جمال عبد الناصر، ويكون هو ممثل مجلس الثورة في الوزارة لضمان تنفيذ قرارات مجلس الثورة. وتقدم بباقي الاقتراحات التي كنا قد ناقشناها معًا عند اجتماعي به يوم الثلاثاء السابق لهذا الاجتماع.

وتكلم من بعده جمال عبد الناصر وبدل أن يناقش المشكلة الحقيقية فقد حول الأمر كله وكأنه خلاف شخصي بينه وبيني. ولقد شعرت بهذا عندما بدأ الكلام – ولذا رأيت أن أقابله بالمثل. وقال إنه سيتكمل بصراحة وأن هناك أفرادًا في هذا المجلس يعتقدون أن هناك "Click" محورًا داخل المجلس – ومستطردًا في القول. ولما كانوا بشرًا فلقد ثار هذا شيئًا في نفوسهم. ولم أشا أن تمر هذه الكلمة دون أن أعلق عليها فقلت له: "إنني من هؤلاء الأشخاص الذين شعروا بهذا في يوم من الأيام، وكنت أعتقد أنه ما دامت تجتمع مع جمال سالم وصلاح وعبد الحكيم كثيرًا فلابد في أثناء هذه اللقاءات تتحدثون وتناقشون كل ما يهم هذا المجلس من أمور – ولابد أنكم في النهاية تصلون إلى حل أو اقتراح ثم تتقدمون به للمجلس في اجتماعاته – ولما كان هناك بعض من أعضاء المجلس يوافقون دائمًا على كل ما تتقدمون به من اقتراحات دون محاولة مناقشة أي اقتراحات بديلة، لذا كنت غالبًا ما أحتفظ برأيي دون أن أتقدم به لشعوري بأنه ليس هناك من نتيجة في ابداء هذا الرأي. فرد علي بأنه كان يشعر بهذا وأنه كان يحاول معالجته. فسألته عن طريقة العلاج التي أتبعها. فأجابني بأنه كان يكلمني في التليفون ويطلب مني المرور عليه لنتكلم معًا في الموضوعات المختلفة – وهذا غير صحيح – إذ إن جمال عبد الناصر من طبعه أنه يحب أن يبين أنه هو كل شيء لكل فرد في المجلس أو خارجه. وهو يرغب في أن يلجأ إليه أعضاء المجلس في كل موضوع قبل البت فيه والاتصال به بشأنه أو زيارته لعرض الأمر عليه – ولم أكن أحب لنفسي أن أتخذ نفس السبيل.

ثم تكلم جمال عبد الناصر عن الحساسية ذاكرًا أنني حساس. وأنه كان يحتاط دائمًا لذلك. وضرب مثلاً بقوله أنه بالرغم من أن مجلس الثورة قد فوض له كل السلطة ولكنه لم يستخدمها (اقتراح جمال سالم وموافقة أغلبية المجلس عليه). ولو أعطى هذا الحق لشخص آخر غيره لاستخدمه دون الرجوع إلى المجلس. وأراد أن ينبين أنه قاسى الكثير في سبيل المحافظة على وحدة المجلس. وأنه ملاك وليس بشرًا.

ولكنني لم أشأ أن يمر ما أشار إليه من عدم استخدامه لهذه السلطة التي فوضها له المجلس دون أن أشير إلى بعض التصرفات التي صدرت منه وتدل على غير ما ذكر. فقلت له: "ألم تذكر لضباط المدفعية أنك كل شيء في هذا المجلس ومن أنك قادر على تمرير أي شيء فيه دون صعوبة؟ وأنك قلت لهم أيضًا لا يهمكم أعضاء هذا المجلس فما هم إلا صورة داخل المجلس".

وكان هذا الكلام قد أتى على ألسنة بعض ضباط المدفعية الذين حقق معهم في يناير 1953 (محسن عبد الخالق ومجموعته). فحاول جمال الرد ولكنه لم يعرف كيف يرد – هل ينكر- إن ذلك غير ممكن لأنه يعلم أن المجلس كله يعرف هذه الواقعة – أو يقول إن هذا صحيح فيصبح بذلك إحراجًا لأعضاء المجلس. لذلك كان رده علي: "إنه يمكن إضافة هذا إلى الاعتبارات المختلفة والتي تيسبب عنها ما في نفسك". وتساءل: هل هو يستجوب أم ماذا؟ وتكلم عبد الحكيم قائلاً: "هل أنت ما زلت متذكر هذا من يناير 1953؟" فأجبته بأني أذكرها فقط بمناسبة حديثه عن السلطة وعدم اهتمامه بها رغم أن الشواهد تدل على غير ذلك. فأراد جمال عبد الناصر أن يبين أن هذا الخلاف ما هو إلا لسبب دفين في نفسي – وربما يكون هذا صحيحًا- وذلك لاعتقادي بأنه هو الذي أوجد هذا الشقاق والخلاف – وليس هذا إلا بسبب سعيه الدائم وراء القوة ومركز الثقل – على حد قوله – وأن الناس عندما تشعر بهذه القوة تأتي إليه تسعى كما كان يردد – وذلك هو الذي دفع محمد نجيب إلى الاستماتة في سبيل الاحتفاظ بصورته كقائد ثورة وحتى لا يقال عنه أنه "فوزي سلو"<قائد انقلاب سوري فاشل> –وهو- أي محمد نجيب كثيرًا ما كان يدد هذا. وأصبح هناك تسابق بينهما ومزايدات في الخطب مما دفعني إلى أن أبتعد عن كلا الطرفين وأقف موقف الحذر في هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصر. وبعد ما كنت بجانب جمال عبد الناصر دائمًا في الزيارات الشعبية المختلفة – فقد ابتعدت عنها. وإني لأعتقد أن كل شخص حر في تكييف تصرفاته حسبما يتراءى له والظروف المحيطة به ما دامت هذه التصرفات لن تضر المصلحة العامة وتتفق مع الهدف الذي يرمي إليه. ولكن جمال عبد الناصر اعتبر أني قد أصبحت انفصاليًا عن المجلس. وقال إنه تكلم عن هذا مع جمال سالم – ولم أشأ أن أفتح موضوع محمد نجيب والانشقاق الذي حدث ومن المتسبب فيه، ولكني لمحت إليه وعن تدخله في اختصاصي ذاكرًا له بعض الحالات وهو ما كان يأخذه على محمد نجيب، وهو قد أخذها في رده علي والتي تؤثر علي نفسيًّا. وقارن بين موقفي هذا ونقدي له من تدخله في اختصاصي وموقف أحد الزملاء من المجلس وتدخل جمال في اختصاصاته دون أن توجد عنده هذه الحساسية وضرب مثلاً – بأنه يعقد مؤتمرات مع موظفي الأجهزة الخاصة بأمن الدولة التابعة لهذا الزميل ويصدر إليهم الأوامر دون علمه بل وتصادف أن ذهب هذا الزميل إلى مكتب جمال عبدالناصر فوججه مجتمعًا ببعض الأجهزة التابعة له والخاضعة لرئاسته. فاستأذن هذا الزميل ليذهب إلى السينما. وكان تعليق الزميل على هذا بأن موظفي وزارته والأجهزة الأخرى التابعة لرئاسته يعتبرونه ممثلاً للمجلس وليس وزيرًا لها. وأنه عندما يصدر جمال الأوامر إليهم فكأنه هو الذي أصدر هذه الأوامر. وأشار جمال إلى الفرق بين حساسيتي وحساسية هذا الزميل ونسي كل منهما أن الأوضاع لا يمكن أن تستقيم على هذه الصورة – وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك معنى لتحديد الاختصاصات ولو كان من حق كل فرد أن يصدر الأوامر لكل من يشاء لتضاربت الأوامر في هذه الحالة ونتج عنها فوضى وضياعًا للمسئولية.

الرواسب هي الأساس:

ثم تكلم جمال عن أن هذه الرواسب هي الأساس. فتساءلت باندهاش عما إذا كانت هذه الرواسب التي يشير إليها هي سبب تفككس هذا المجلس – وهل هي التي جعلته غير قادر على العمل بل وفقد الثقة بنفسه. ومستطردًا إ، كان الأمر كذلك فلا يسعني إلا أن أتقدم باستقالتي – ولكن أغلب الأعضاء أبدوا معارضتهم على هذا الاتجاه مني. فاستطردت قائلاً وهل أصبحت انفصاليًّا لأنني أرفض أن أتولى محاكمة محمود أبو الفتح. ورد جمال بأن هذا هو السبب – فذكرته بيوم الحكم على صاحب جريدة المصري – أي على محمود أبو الفتح- وكيف كان هو نفسه ثائرًا وغاضبًا لصدور هذا الحكم – وأنهم اليوم يريدون محاكمته مبينًا أنني ليست بآل تستخدم وقتما وكيفما يشاء المجلس. فقال جمال: "إنك تعلم لماذا أنا كنت في هذه الحالة العصبية لأني كنت قد سبق وتكلمت معك مرتين بخصوص قضية جريدة المصري، وكنت منتظرًا منك أن تتكلم معي قبل الحكم فيها ولكنك تصرفت بهذه الطريقة نتيجة للحساسية –وأنت لست بقاضٍ- وإنما تحكم باسم المجلس في قضايا سياسية – وإننا كنا قد اتفقنا هنا في المجلس على أن تعرض علينا كل قضية قبل صدور الحكم فيها والمجلس هو الذي يقرر الحكم. ولكنك اتخذت صفة القاضي ولم تعرضها على المجلس ولم نتكلم لأننا نعلم بحساسيتك" فرددت: "إننا لم نتفق من قبل على عرض كل قضية قبل الحكم فيها على المجلس ولأن هذا غير عملي ولا يمكن للمجلس أن يحكم في قضية لم يسمع فيها أقوال المتهم والشهود والمرافعات... إلخ ولي ضمير ولابد أن أحكم كقاضٍ" فقال: "إن هذه القضايا قضايا سياسية ولابد من تقدير الظروف السياسية للحكم فيها" فأجبته "أليس للمجلس ثقة في ثلاثة من أعضائه لتقدير هذه الظروف ويمكن الاعتماد عليها".

وذكرت من ضمن ما ذكرت أيضًا ما كنت قد سمعته عن إعطاء الصاوي محمد الصاوي رئيسًا نقابعمال النقل بالقاهرة مبلغ أربع آلاف جنيه تشجيعًا له ليدفع عمال النقل إلى الإضراب بعد أن صدرت قرارات 25 مارس 1954 ومنتقدًا هذا التصرف. ولكن جمال ذكر أنه أراد بذلك أن يسبق خالد محيي الدين ويوسف منصور صديق لأنهما كانا ينويان عمل نفس الشيء على حد قوله.

وبعد مناقشة طويلة بين جمال عبد الناصر وبيني بهذا التحدي وعلى هذه الصورة – فهو يحاول أن يجعلها مسألة شخصية بينه وبيني. وأن هناك عوامل نفسية هي التي تؤثر على تصرفاتي بالنسبة له – وقد ترك اللب والأساس وهو ثورتي على الحالة التي وصل إليها المجلس من تفكك وانفصال وضعف. واتجاهي هذا كان ظاهرًا في كلامي ومناقشاتي في كل الجلسات السابقة للمجلس.

فبالنسبة لاستقالة محمد نجيب كنت أول المعارضين لها، وبالنسبة للموقف الأخير بعد إلغاء قرارات 25 مارس كنت أحد اثنين يطالبان بإبعاده. وكنت أعتقد في كلتا الحالتين أن هذا في مصلحة عامة. وإذا كان هناك شيء في نفسي من جمال عبد الناصر كما يدعي كنت على الأقل أوافق على بقاء محمد نجيب لأنه هو المنافس له على قيادة هذه الثورة. فكيف يتفق هذا المنطق مع ذاك. ولكنه تفسير جمال عبد الناصر. فهو يريد أن يفهم أعضاء المجلس بأن ثورتي وغضبي ليسا إلا لعوامل شخصية.

لجنة ثلاثية:

وبعد أن هدأت هذه المناقشة الغربية. تكلم جمال سالم مقترحًا تكوين لجنة من ثلاثة أفراد من أعضاء المجلس هم: جمال عبد الناصر – عبد الحكيم – البغدادي، وعليها أن تتولى الدراسة وإصدار القرارات وباقي أعضاء المجلس عليهم التنفيذ. وأخذت الأصوات على تكوين تلك اللجنة فنالت أغلبية الأصوات. ولكن جمال عبد الناصر اعتذر بسبب فشله – على حد قوله- يود أن يكون عضوًا فقط في المجلس. واعتذر عبد الحكيم بحجة انشغاله. واعتذرت أيضًا خوفًا من أن يكون اسمي قد رشح ترضية لي عن الحساسية التي دارت المناقشة حولها – وفي النهاية لم يتفق على موضوع تلك اللجنة المقترحة.

واقترح جمال سالم أيضًا التخلص من كل ضابط في الجيش غير موال للثورة والإبقاء فقط على الموالين لها حتى لو أصبح عددهم 300 ضابط فقط. كما أعاد اقتراحه الذي يردده كثيرًا وهو عزل الأفراد الذين يهمهم عزل هذه الثورة عن الشعب مهما كان عددهم ووضعهم في الواحات – ولكن لم يوافقه أحد على كلا الاقتراحين.

إجراءات للتطهير:

وتكلمت عن وضع النظام الذي يكفل الاستقرار مبينًا أنه ما دامت هناك هيئة استشارية وسيعطى لها بعض سلطات البرلمان فلا يصح أن يكون أحد أعضاء مجلس الثورة في السلطة التنفيذية لأنه لا يصح منطقيًّا أن يكون له صفة السيادة ويناقشه ويحاسبه أعضاء هذه الهيئة – وأن نبقى كمجلس ثورة يقوم برسم السياسة لتحقيق أهداف الثورة ويتابع تنفيذها – وأن يكون محمد نجيب رئيسًا للجمهورية مع تحديد اختصاصاته – وتؤلف وزارة مدنية. ولم أشأ أن أقترح أن يكون جمال عبد الناصر رئيسًا لها؛ لأنه كان قد اعترض على ذلك عندما ذكرها جمال سالم في بداية الجلسة ومعلقًا – إن الغرض من هذا الاقتراح هو قتل جمال عبد الناصر سياسيًّا في حالة الفشل. وقد أساء الظن بالاقتراح مع أن الغرض الأساسي كان هو وضعه في الوضع الذي يتفق مع الواقع ومجريات الأمور – وحتى يكون مسئولاً مسئولية كاملة وواضحة أمام الشعب والتاريخ. وكانت الجلسة لا زالت مستمرة والساعة قد قربت من الخامسة صباحًا والمجلس لم يكن قد استقر على حل محدد يحدد خطوات سيره في المستقبل. عندما تكلم صلاح ذاكرًا أن ليس هناك من حل إلا أن نجتمع معًا وباستمرار ونناقش كل المشاكل حتى نصل إلى حل ثم نأخذ القرارات – ولكن أن نجتمع ثم ننفض ولا نجتمع ثانية إلا كل عدة أيام فهذا لن يأتي نتيجة – على حد قوله وطلب أن نجتمع بعد ظهر نفس اليوم – أي الاثنين 12 أبريل ليعرض علينا الإجراءات الواجب اتخاذها لتطهير الصحافة. وذاكرًا أنه توجد كشوفات بأسماء السياسيين الذين يجب حرمانهم من الحقوق السياسية. وكذا أسماء الطلبة الذين يجب فصلهم من الجامعات والأساتذة كذلك. وانفض الاجتماع على أن يجتمع المجلس بعد الظهر لإصدار هذه القرارات.

واجتمع مجلس الثورة كما كان متفقًا في موعده واستمر انعقاده لمدة ثلاث ساعات – ولكن ما هي نتيجة هذا الاجتماع- تكلموا في تطهير الصحافة واستبعاد أصحاب الصحف عن نقابة الصحفيين – أي تتكون النقابة من الصحفيين أنفسهم فقط- كما نوقش إصدار قرار من مجلس الثورة بحرمان كل شخص تولى الوزارة في الفترة من عام 1936 إلى 23 يوليو 1952، من تولي الوظائف العامة لمدة خمس سنوات – وأوضح جمال عبد الناصر أن الغرض من هذا القانون هو التخلص من السنهوري من مجلس الدولة بطريق غير مباشر لأنه سبق وتولى الوزارة.

ولم أتكلم في هذه الجلسة. وقد سألني حسن إبراهيم عن أسباب امتناعي عن الكلام فرددت عليه: "ما أنا أصلي انفصالي". ولم يتكلم حسن كذلك. ولما مال عليه عبد الحكيم وسأله عن سبب سكوته عن الكلام فقد أجابه: "أنه مستقيل من المجلس ولكنه يحضر فقط اجتماعاته محافظة منه على مظهر وحدته وتماسكه".

الانسحاب من المجلس:

وكان اجتماع مجلس الثورة يوم الأربعاء 14 أبريل. وكنت قد صممت في نفسي على الانسحاب من المجلس. وكتبت خطابًا. وقد وجهته إلى زملائي أعضاء المجلس –وكنت أعرف نتائج هذا الانسحاب وما سيترتب عليه. ولذا كنت أشعر بالضيق والقلق لا لشيء إلا لخوفي على بلدي من نتائج تلك الفرقة – ولهذا كنت أروح وأجيء في غرفة الاجتماع والفراندة الملحقة بها والمطلة على النيل – وشعر جمال سالم بما يدور في ذهني فهو يعرفني جيدًا. وسألني عما بي. فأجبته بأنني أبحث عن الرواسب التي في نفسي – فسكت وتأكد أني أنوي شيئًا. وعندما حضر جمال عبد الناصر وعبد الحكيم وصلاح انتحى بهم جمال سالم جانبًا في الفراندة وأعتقد أنه كان ينبههم إلى ما أنويه.

ثم بدأت الجلسة وكان متغيبًا عنها أنور وحسين الشافعي لوجودهما في طنطا – وكذا محمد نجيب لأنه كان لا يزال معتكفًا بسبب مرضه.

وكنت أول المتكلمين وأشرت إلى أني كنت أفضل أن يكون جميع الزملاء موجودين ذلك لأن الموضوع الذي سأتناوله يمس كيان المجلس وأنني مضطر إلى عرضه ولا يمكن لي تأجيله. وأخرجت من جيبي الخطاب الآتي نصه وسلمته إلى كمال الدين حسين بصفته سكرتيرًا للمجلس وطلبت منه قراءته عليهم:

الاستقالة:

وبدأ كمال في قراءته وكان السكوت مخيمًا علينا جميعًا – وكنت متأثرًا بما جاء في الخطاب أثناء تلاوته رغم أنني أعلم ما به، ولكنه هز كياني لشعوري بإخلاصي وإنكار ذاتي، وأن ما قيل في جلسة 11 أبريل كان كله تجنى علي. ولقد استخدمت في خطابي كثيرًا من الكلمات التي كان قد ذكرها جمال عبد الناصر. وقصدت أن تكون بطريقة استفهامية. كما أني لمحت فيه أيضًا إلى القوة والسلطات ومركز الثقل والانقسام متسائلاً هل سعيت إلى هذا أم لا – ومن الذي سعى إليه.

وهذا هو نص الخطاب:

إخواني أعضاء مجلس قيادة الثورة.

أتقدم إليكم كقضاتي لأنه لا يملك أحد بمفرده أن يتصرفي في أمري – فالأمر أمركم أنتم – وأقول إنني اتهمت في جلسة 11 أبريل 1954 بتهمة تبين لي منها أنكم كلكم رسل إلا أنا فبشر – ولاحظت سكوتكم ولم يعترض أحد منكم – أي أن ما كان يلمسه أحدكم كنتم جميعًا تلمسونه. فإذا كانت هذه حقيقة فيحق لكم ألا يتواجد هذا البشر بينكم. كما أنني لا أنكر عليكم أنني أخذت أبحث عن تلك الرواسب التي في نفسي وأحللها لأتبين حقيقة أمري ونفسي لأعمل على علاجها ما استطعت ولأحاول أن أعود إلى زمرتكم – وقلت لنفسي تذكري فإن الذكرى تنفع المؤمنين – ففتشت في ماضي من يوم قيام الثورة حتى الآن وقلت لنفسي:

هل سعيت يومًا وراء السلطة والسلطان؟

وهل وقفت يومًا موقفًا معيبًا من أحد أعضاء هذا المجلس؟

وهل سعيت يومًا وراء القوة وحاولت تركيز السلطة بين يدي لتأتي الناس إلي تسعى لأنهم يحبون القوة؟

وهل انحرفت عن مبادئ الثورة والمثل التي اعتنقتها من قبل قيامها؟

وهل لمت أحدًا لأنه يتدخل في اختصاصي وسمحن أنا لنفسي بهذا التدخل؟

وهل كنت سببًا في إيجاد خلاف أو انقسام داخل هذا المجلس أو سعيت إليه؟

كلا يا إخواني – والله لقد بحثت وفتشت فلم أجد ما يمس كل هذه المبادئ ولكني وجدت نفسًا طاهرًا نقية – عيبها أنها تكره الطغيان والاستبداد – وتعلمت الحرية واعتنقتها فآمنت بحرية الرأي والفكر والاستقلال في إبداء رأيها مهما كانت النتائج – تعلمت الصراحة فكانت سببًا في شقائي وتعب الآخرين مني وهناك ضمير يحاسب تلك النفس على كل ما تقوله أو تفعله – وهي تعلم أن هناك قاضيًا سيحاسبها في يوم من الأيام، ولكنه ليس بقاضٍ سياسي وإنما هو قاضي التاريخ الذي يسعى دائمًا وراء الحقيقة وهو الذي سيظهرها ويكشفها للناس مهما طال عليها الأمد – هذا القاضي ستقفون أمامه في يوم من الأيام لا مفر من ذلك. وكان هناك رادع آخر بجانب ضميري أعمل له حسابًا. هو ذلك القاضي العادل.. قاضي التاريخ.

وإذا كانت يا إخواني الصراحة في القول وحرية الرأي والفكر ومقاومة الطغيان والخوف من هذا القاضي الذي لا يحابي أحدًا – كل هذه رواسب يجب إزالتها – فأقول لكم إنه لا يمكنني أن أزيل تلك الرواسب من نفسي لأنها قد امتزجت بي وامتزجت بها وأصبح من العسير الفصل بيننا.

ولما كنت أصغ مصلحة الوطن فوق كل اعتبار – لذا أترك لكم حرية التصرف في أمري وأستحلفكم بالله أن تتوخوا الصدق والأمانة عندما تبررون تصرفكم معي ولا تذكروا إلا الحقائق وإلا فستقتلون أنفسكم بأيديكم – فالحقائق لابد لها أن تظهر في يوم من الأيام. واليوم لكم وغدا عليكم.

والله ولي التوفيق

البغدادي 14/4/1954

وبعد أن قرا كمال الدين حسين خطابي هذا الموجه إلى المجلس – أخذ كل منهم يتكلم في أن هذا الانقسام سيؤدي بالبلاد إلى الفوضى. وحاول البعض منهم إقناعي أن ما حدث في 11 أبريل قد صفي وانتهى، ولكنني لم أوافقهم على هذا الرأي، وطلبت أن أنسحب من المجلس. وقد لمست أنهم كانوا لا يجدون حلا لهذا الشكل والقلق ينتابهم.

اتركوني.. أنا مروح:

وأما جمال عبد الناصر فلم يتكلم بل قام محاولاً الخروج من غرفة الاجتماع وبطريقة عصبية – ولما حاولوا منعه من الخروج قال: "هو احنا جايين هنا علشان تلقحوا علينا بالكلام – ارتكوني أنا مروح". وأخيرًا وعدهم بأنه سينزل إلى مكتبه فتركوه. وأخذ كل منهم يكلمني عن الاتحاد ومظهره ومصلحة البلاد. وتركنا جمال سالم ونزل إلى جمال عبد الناصر في مكتبه. وذكرني كمال الدين حسين بأنني الذي أقنعته بعدم تقديم استقالته، وأقنعت جمال سالم كذلك. وكيف أطلب اليوم ترك المجلس. وأخذ يحاول تهدئتي مشيرًا إلى مصلحة البلاد وأن نضعها فوق كل اعتبار. ثم أخيرًا حضر جمال سالم وأخذ هو الآخر يتحدث معي عن الصالح العام وما سيترتب عن هذا الانقسام من نتائج. ولما لمست هذا الانزعاج من إخواني خضعت لرغبتهم في الاستمرار. واعتبرت المسألة منتهية عند هذا الحد – واتصل جمال سالم تليفونيًّا بجمال عبد الناصر وطلب منه أن يصعد إلينا وأن المسألة قد سويت. فحضر بعد هذه المحادثة وعانقي قائلاً إنه نزل إلى مكتبه عندما وجدني في حالة عصبية وتفاديًا للصدام.

المصروفات السرية:

وبعد فترة انصرفنا لحضور اجتماع المؤتمر المشترك. وقام صلاح بعرض موضع الصحافة وتطهيرها وحل النقابة لأنه قد ثبت بالأدلة أن سبعة من أعضائها كانوا يتقاضون مبالغ من الحكومات المختلفة من بند المصروفات السرية. واقترح وضع قانون جديد لتنظيم عملية الصحافة في مصر – وعمل نقابة من المحررين الصحفيين دون أصحاب الصحف. ثم عرض مشروع القانون المقترح لحرمان السياسيين من حقوقهم السياسية لمدة عشر سنوات. وقرأ جمال عبد الناصر مشروع القانون. وأخذ الوزراء المدنيون يناقشون الاقتراح – وتقدموا باقتراح آخر بديلاً له- وهو إعداد كشوفات بأسماء من يقع عليهم الاختيار بأنهم تسببوا في إفساد الحياة السياسية. وكان الاعتراض عليه من مجلس الثورة بأنه لن يتفق اثنان على شخص واحد، وأن اتخاذ قاعدة عامة أسهل في التنفيذ. واعترض الدكتور حسن أحمد بغدادي على مشروع القانون المقترح. مشيرًا إلى أنه سيطبق على السنهوري في هذه الحالة. وكان رد جمال عبد الناصر عليه بأن مجلس الثورة قد وافق على القانون وهو يعرضه عليهم للعلم فقط. فطلب الدكتور وليم سليم حنا أن يعيد مجلس الثورة النظر في قراره.

وفي نهاية الاجتماع تقدم الدكتور حسن أحمد بغدادي باستقالته. وصدر قرار الحرمان من الوظائف العامة ومباشرة الحقوق السياسية بتاريخ 15 أبريل 1954. وقد شملت القائمة أسماء 39 وزيرًا ورئيسًا للوزراء تولوا الحكم في الفترة من 6فبراير سنة 1942 إلى 23 يوليو سنة 1952.

وفي يوم الجمعة 16 أبريل اتصل بي جمال عبد الناصر وأبلغني أن الدكتور عباس عمار والدكتور علي الجريتلي قد تقدما باستقالتيهما أيضًا – وسألني عن الدكتور حسن مرعي وقد كان وكيلاً لوزارة الحربية ويعمل تحت رئاستي وكنت أقدره لخلقه وعلمه وكفاءته. وتم اختياره وزيرًا للتجارة بدلاً من حسن أحمد بغدادي. وأبلغني جمال عبد الناصر عن ضرورة اجتماع مجلس الثورة بعد الظهر لمناقشة الموقف واختيار وزراء جدد والعمل بسرعة. واجتمع المجلس ولكن المناقشة لم يتم استكمالها وأجل الاجتماع إلى اليوم التالي الذي تم فيه اختيار الوزراء الجدد.

ودخل الوزارة من أعضاء مجلس الثورة بالإضافة إلى من كانوا بها من قبل حسين الشافعي وحسن إبراهيم، وتولى الشافعي وزارة الحربية بدلاً مني وعلى أن أتولى وزارة الشئون البلدية والقروية – وكان الغرض كما قيل هو أن يشعر الشعب بأعمال الثورة في المدن والريف – وأن الاختيار قد وقع علي لهذا الغرض. ولكنني أحسست أن الغرض من توليتي هذه الوزارة هو العمل على إضعافي سياسيًّا لضمان فشلي بها فشلاً ذريعًا. وذلك لما كان يشاع عن فساد جهازها من الناحية الفنية ومن ناحية الذمة. وعدم ثقة الشعب فيه من قبل قيام الثورة. وكان يسبقني في هذه الوزارة الدكتور وليم سليم حنا وهو مهندس كفء ولكنه لم يتمكن من عمل شيء ملموس للجماهير – ولكنني لما أحسست بهذا الإحساس خاصة وأن هذا الاقتراح قد جاء بعد خلافي مع جمال عبد الناصر بأيام قليلة. لذا وجدت طبعي وقد غلبني وقبلت ولم أرفض لأن روح التحدي كانت قد ملأت نفسي.

أتعب سنوات حياتي السياسية:

ولقد ظللت مسئولاً عن هذه الوزارة حتى انتخبت رئيسًا لمجلس الأمة في أول مجلس نيابي من بعد قيام الثورة وذلك في 22يوليو سنة 1957. وكان جمال عبد الناصر قد اقترح أن أتولى وزارة التربية والتعليم بعد مرور عام من وجودي وزيرًا لتلك الوزارة، ولكني رفضت وتولاها كمال الدين حسين – وكانت تلك السنوات التي أمضيتها كوزير لتلك الوزارة من أتعب سنى حياتي السياسية وقد وقعت أثناءها تحت ضغط نفساني شديد – وحاولت الاستقالة عدة مرات ولكن ظروف بلدي التي كانت تمر بها كانت تمنعني وتحول دون ذلك. لأنه لم يكن قد تم جلاء القوات البريطانية عن أرض بلادنا بعد. وتلك الحرب الباردة والضغط الشديد الذي وقع علينا من الدول الغربية بعد شرائنا الأسلحة من الكتلة الشرقية وكسر احتكار السلاح – ثم تأميم قناة السويس وما تلاها من اعتداء انجلترا وفرنسا وإسرائيل على بلادنا.

وكان السبب الرئيسي في هذا التعب هو نجاح هذه الوزارة التي توليتها وقيامها بتنفيذ عدة مشروعات ضخمة والسرعة في تنفيذها وإعجاب الشعب الشديد بأعمالها، وجهود جهازها الفني وما كان يبذله لتنفيذ تلك المشروعات في فترة زمنية بسيطة. وبدل أن يكون ذلك موضع شكر وتقدير من جمال لأن ما تؤديه تلك الوزارة ونجاحها ما هو إلا تدعيمًا للثورة وإثباتًا لوجودها شن علي حملة محاولاً التشكيك في أهدافي عند إخواني أعضا المجلس موحيًا إليهم أنني أسعى إلى الحصول على شعبية عند الرأي العام بهذا الجهد الذي يبذل بغرض فرض إرادتي على المجلس. ومن أنني أعمل على تكوين حزب من أعضاء المجالس البلدية المختلفة على حساب هيئة التحرير – وقصص أخرى كثيرة واردة في يومياتي ولا محل لذكرها في هذا المجال.

محمد نجيب يوافق:

ومع هذا التشكيل الوزاري الجديد اقترح أيضًا في الاجتماع – يوم 17أبريل- أن يكتفي محمد نجيب برئاسة الجمهورية فقط. وأن يتولى جمال عبد الناصر رئاسة الوزارة بدلاً منه. واقترح أن أتوجه إليه بهذا الاقتراح ومعي كمال زكريا لمقابلته وإقناعه بذلك. وكان الاتجاه الغالب أنه سيرفض. ولكن عندما التقينا به رأينا أن نعرض عليه الموضوع من زاوية أخرى. وبدأنا حديثنا معه على أن مجلس الثورة ينوي أن يتخذ إجراءات شديدة وعنيفة في المرحلة المقبلة لمواجهة ميوعة الموقف الداخلي بالبلاد. وأنه بحكم توليه رئاسة الوزارة فمن الضروري عليه أن يتمشى معنا في هذه السياسة وأن يكون حازمًا. وأخذنا نضرب له على هذه النعمة. ولكن لما كان هو يسعى إلى التقرب من الناس عن طريق أنه رجل طيب – وضد سياسة الشدة والعنف – فقد رأى أنه من الأفضل له أن يبعد نفسه عن هذه المسئولية. واقترح بنفسه أن يكتفي برئاسة الجمهورية وقيادة مجلس الثورة. وعدما إلى إخواننا بسرعة لم تكن منتظرة، وقد توقعوا أن النتجية التي وصلنا إليها هي الرفض منه. وكنا قد اتفقنا في الطريق على أن نثل هذا الدور قبل إبلاغهم بالحقيقة وموافقته. وقد قمنا فعلاً بتمثيل هذا الموقف في البداية – ولكننا سرعان ما أبلغناه بالحقيقة عندما لاحظنا الضيق الذي انتاب جمال عبد الناصر. وذكرنا لهم الطريقة التي تقدمنا بها إليه تاركين إياه ليقدم الاقتراح بنفسه.

واستمرت الحالة هادئة بعد ذلك بين محمد نجيب والمجلس، وقد استسلم للأمر الواقع بعد معركة مارس ولم يحاول أن يسترد ما كان قد فقده. واستمر الأمر كذلك حتى تم توقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية في 19 أكتوبر سنة 1954. وكان جمال عبد الناصر قد ذهب إلى الإسكندرية ليخطب في المواطنين هناك شارحًا لهم المكاسب التي عادت على بلادنا من هذه الاتفاقية. وأثناء إلقاء جمال لخطابه في ميدان المنشية هناك أطلق عليه أحد الإخوان المسلمين المتعصبين الرصاص – واسمه محمود عبد اللطيف، ولكن لحسن الحظ لم يصب جمال بسوء من أي من الطلقات الست التي صوبت إليه. وقد أمكن إلقاء القبض على المعتدي ولكن في نفس الوقت كانت قد أصابت الجماهير المجتمعة في الميدان لسماع خطابه حالة من الذعر والفوضى على أثر سماعهم للطلقات النارية. وكان جمال عبد الناصر قد تمكن من السيطرة على نفسه وأخذ ينادي على الجماهير بالبقاء في أماكنهم. ومذكرهم بأن الثورة مستمرة حتى لو لقي هو حتفه. وأن كل فرد منهم هو جمال عبد الناصر – وليست انتهاء جمال عبد الناصر معناه انتهاء الثورة. واستمر في مناداته إليهم بصوت متهدج وبشيء من العصبية والانفعال مما أثر في كل من كان يستمع إليه في هذه اللحظة عن طريق الإذاعة – وقد نال جمال عبد الناصر عطف الشعب وإعجابه على إثر هذا الحادث. وكانت هذه هي نقطة تحول لصالحه. وبعد أن كانت أغلبية الشعب تنظر إليه نظرة عدم ارتياح منذ أزمة محمد نجيب إلا أنه بعد هذا الحادث انقلب الوضع ونال إعجابهم وتقديرهم.

استقبال الأبطال:

ولقد عاد جمال إلى القاهرة في اليوم التالي للحادث من الإسكندرية بالقطار واستقبلته جماهير الشعب في محطات السكك الحديدية المختلفة استقبال الأبطال – كما استقبل في القاهرة استقبالاً شعبيًّا حافلاً. وكانت هذه الخطوة من الإخوان سببًا في حل جمعيتهم وإلقاء القبض على الأستاذ الهضيبي أمين الدعوة وعدد من زعمائها والكثير من أعضائها خاصة أعضاء المنظمة السرية الخاصة بهم. ولقد وقعت عددة اشتباكات بينهم وبين البوليس في أثناء عملية التفتيش عنهم والقبض عليهم. كما وجدت لديهم كميات هائلة من الأسلحة النارية والذخائر. وشكلت محكمة خاصة لمحاكمتهم – سميت بمحكمة الشعب – وتولى رئاستها جمال سالم وعضوية كل من أنور السادات وحسين الشافعي. وحكمت بالإعدام على سبعة منهم ونفذ فيهم الحكم فيما عدا الهضيبي فقد خفف الحكم عليه إلى السجن مدى الحياة.

ولقد ساعد هذا الذي حدث أيضًا في التخلص نهائيًّا من محمد نجيب الذي قيل إنه كان على اتصال بالإخوان ومتعاونًا معهم وأن ذلك جاء على لسان بعض من المتهمين. وأخذ قرار من مجلس قيادة الثورة بإعفائه من منصبه في 14نوفمبر سنة 1954. وعلى أن يتولى مجلس الوزراء سلطات رئيس الجمهورية. وحددت إقامته بمنزل أعد خصيصًا له خارج القاهرة. كما صدر كذلك قرار بحرمانه من حقوقه السياسية لمدة عشر سنوات وذلك قبل الاستفتاء على الدستور وعلى رئاسة الجمهورية في يونيو سنة 1956. ولم يكن هناك أي رد فعل من الشعب نتيجة هذا القرار أو القرار السابق له. واستمر جمال عبد الناصر يرأس الوزارة إلى أن استفتى عليه كرئيس للجمهورية عند الاستفتاء العام على الدستور الدائم.

الباب الثالث: تحرير الإرادة المصرية من السيطرة الأجنبية

1-غارة عسكرية إسرائيلية على قواتنا قرب غزة.

2-تعنت الولايات المتحدة في بيع أسلحة لمصر.

3-توريد أسلحة إلى إسرائيل من دول التصريح الثلاثي.

4-محاولة إنجلترا والولايات المتحدة في قيام حلف عسكري دفاعي في المنطقة لسد الفراغ.

5-مقاومة مصر لقيام مثل هذا الحلف.

6-قيام حلف بغداد ومقاومته.

7-مهاجة مصر للأردن لمنعها من الانضمام إلى الحلف.

8-مهاجمة إسرائيل لمواقع سورية.

9-الفدائيون المصريون ومهاجمة الأراضي الإسرائيلية.

10-شراء أسلحة من الاتحاد السوفيتي وكسر احتكار الغرب للسلاح.

11-الضغط على مصر من الولايات المتحدة وإنجلترا لإلغاء التعاقد الذي تم.

12-احتلال إسرائيل لمنطقة العوجة.

13-الحرب الباردة لإلغاء الصفقة.

14-الاستعداد داخليًّا لمواجهة هذه الضغوط.

15-الإعلان عن إتمام الصفقة قبل وصول (مستر آلان) وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشرق الأوسط.

16-مقابلة جمال عبد الناصر (لمستر آلان).

17-تراجع الولايات المتحدة عن تهديداتها.

18-صدى كسر احتكار السلاح في الدول العربية.

19-سحب معونة السد العالي وتأميم مصر لقناة السويس.

20-تكاتف أعضاء مجلس الثورة لمواجهة هذه الضغوط.


عندما قامت ثورة يوليو سنة 1952 لم تكن قد حددت لنفسها أهدافًا غير تلك الأهداف الستة التي جاءت في منشوراتها السرية. وقد ظلت الثورة تنادي منذ بدء قيامها بتلك الأهداف وتعمل جاهدة على تحقيقها. وكانت تهدف من ذلك أن يصبح الشعب المصري هو المالك لإرادته. والمسيطر على مصير نفسه ومستقبله دون الخضوع أو الخنوع إلى أي ضغط من تلك القوى الخارجية والتي كان لها تأثيرها وسيطرتها على تلك الإرادة من قبل.

ولم يكن شعبنا في إمكانه أن يملك حرية إرادته في ظل استعمار أجنبي يحتل أرض بلاده. أو في ظل سيطرة أجنبية على مقومات اقتصاده. كما أنه يظل دائمًا يفتقد حريته في الحركة إن لم يكن هناك جيش وطني قوي يسانده ويؤازره وشعب يؤمن إيمانًا صادقًا بحقه في حريته.

وكانت الثورة منذ قيامها تحاول أن تتصرف وكأن مصر تملك حرية إرادتها رغم وجود المستعمر القابع على أرضها، والذي لم يكن قد رحل عنها بعد.. ولم يكن هناك من سند لها في استخدامها لتلك الإرادة الحرة غير شعورها وإيمانها أن هذا حق كل شعب حر له كرامته. وهذا الشعور منها كان يقويه ويغذيه إحساس القائمين على الثورة بأن شعب مصر يؤمن بثورته ويثق في قادتها.

وتلك القوى الأجنبية التي ظلت تسيطر على مصير ومستقبل بلادنا سنوات طوالاً قبل قيام الثورة كانت تحاول وتسعى من جانبها إلى فرض إرادتها على الثورة وتعمل على احتوائها بعد قيامها. ولما كانت الثورة لديها الإصرار الكامل على تحرير إرادة شعب مصر، وتثبيت حقه في التعبير عن تلك الإرادة بحرية كاملة وممارسة ذلك الحق، لذا فقد واجهت من بعد قيامها بقليل كثيرًا من الأحداث. وكان من وراء تلك الأحداث هذه القوى الأجنبية التي كانت تحاول استمرار فرض إرادتها على شعبنا. وكانت الثورة قد تصدت لتلك القوى رغم عدم توافر الظروف والإمكانيات التي تساعدها على اتخاذ هذا الموقف. ولكنها نجحت في التصدي لها.

وكنت قد سجلت في يومياتي بعضًا من تلك الأحداث وما تعرضت له الثورة من ضغوط تلك القوى. وقد جاء بها ما قامت به الولايات المتحدة وبعض من الدول الغربية بما يسمى "الحرب الباردة" عندما اضطرت مصر إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفيتي لتوفير احتياجات جيشها من السلاح بعد أن تعنت الغرب معنا وامتنع عن بيع السلاح لنا. وقد جاء بها أيضًا موقف مصر من حلف بغداد العسكري ومعارضتها له والتصدي للدول العربية التي كانت قد انضمت إليه أو في طريقها إلى الانضمام. كما اتخذت مصر موقفًا من تلك القوى عندما أرادت إذلالنا وإخضاعنا لإرادتها بسحب ما كانت قد وعدت به من المساهمة في تمويل مشروع السد العالي. وكان رد الثورة قد جاء على تلك الخطوة منهم قويًّا ومعبرًا عن إرادة شعب مصر في حقه في ممارسة حريته على أرضه وذلك بتأميم قناة السويس. ولم تجد تلك القوى من وسيلة أمامها لكسر تلك الإرادة غير شن الحرب على شعب مصر محاولة بذلك إخضاعه لسيطرتها والعودة به إلى ما كان عليه في الماضي. وهذا الاعتداء منها والذي سمي "بالاعتداء الثلاثي" لم يفت في عضد شعب مصر بل زاده إيمانًا بحقه وتصميمًا على الدفاع عن هذا الحق. ولم يستسلم لهذه القوة الطاغية بل قاومها وخرج منتصرًا وقد تدعمت إرادته وحريته. وحتى تتضح تلك الصورة من المعارك للقارئ العربي خاصة – أفضل أن يرى ماذا قالت يومياتي عنها.

غارة إسرائيلية:

لم يكن هناك ما يعوق اندفاعنا وانطلاقنا في العمل لخدمة بلادنا بعد تسوية المشكلة مع اللواء أ. ح. محمد نجيب إلا بعض المشاكل الداخلية داخل مجلس قيادة الثورة نفسه. واستمر الحال على هذا المنوال حتى يوم الاثنين 28 فبراير سنة 1955 حين فوجئنا بغارة عسكرية من الجيش الإسرائيلي على معسكر لنا بالقرب من مدينة غزة. وكان الهجوم عليه ليلاً، وبعد عودة بن جوريون إلى الحكم بعد أيام قلائل فقط. وكان عدد القتلى من جنودنا سبعة وثلاثين جنديًّا في مقابل ثمانية جنود إسرائيليين. وكانت تلك الغارة بداية لسلسلة من الغارات المتبادلة بين إسرائيل وبيننا، وقد دفعت كلا منا إلى السباق في التسلح.

ولما كانت تلك الغارة الإسرائيلية قد قام بها الجيش الإسرائيلي نفسه وضد قواتنا النظامية أيضًا – فقد جعلتنا نتصور ونعتقد أن الغرض منها هو العمل على إضعاف نظامنا الثوري الوليد. خاصة أنه كان لا يزال في بداية الطريق. وهناك مقاومة داخلية له من الأحزاب السابقة ومن جمعية الإخوان المسلمين ومن الشيوعيين أيضًا. وكذا من الذين أصابهم ضرر من قيام الثورة.

وحتى تلك اللحظة لم نكن قد اتجهنا إلى الإنفاق على تسليح جيشنا بالقدر الكافي لبناء جيش حديث قوي. لأن الثورة كانت في حاجة إلى كل الاستثمارات المتاحة لها لإنفاقها على مشروعات إنتاجية وخدما تعود بالنفع والخير على المواطنين. وكان قد أنشئ مجلسان لهذا الغرض – أحدهما للإنتاج والآخر للخدمات العامة. وكان قد شجعنا على هذا الاتجاه الهدوء النسبي الذي كان يسود الحدود المصرية- الإسرائيلية من يوم توقيع هدنة 1949.

وكان هذا الهجوم الإسرائيلي مؤشرًا لنا وعلامة هامة بضرورة إعادة النظر في موقفنا والعمل على تسليح جيشنا وإعداده بالقدر الكافي للتصدي لمثل هذه الهجمات وإلا اهتز موقف الثورة أمام الجيش والشعب معًا. والثورة كانت معتمدة أساسًا في خلال تلك الفترة على مساندة الجيش لها وحمايتها من أعدائها.

والحادث الوحيد الذي كان قد سبق هذه الإغارة الإسرائيلية من يوم قيام الثورة هو مهاجمة الإسرائيليين لأحد معسكرات اللاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة غزة ليلة 28 أغسطس 1953 – وكان أغلب القتلى من النساء والأطفال.

ولقد دفعتنا حاجتنا إلى السلاح في الالتجاء إلى الاتحاد السوفيتي للحصول منه على احتياجات جيشنا وذلك بعد أن تعذر علينا الحصول عليه من الدول الغربية الموردة له. وكانت إنجلترا وفرنسا في ذلك الوقت يقومان بتوريد السلاح اللازم لإسرائيل رغم وجود التصريح الثلاثي والذي هما عضوان فيه، والذي يحذر من توريد الأسلحة إلى إسرائيل وكذا إلى الدول العربية المواجهة لها.

وكانت الولايات المتحدة قد تعنتت في بيع بعض الأسلحة لمصر ووضعت في طريقها بعض العراقيل بعد موافقتهم في بداية الأمر على عقد صفقة سلاح معنا. وكانت بعثة عسكرية مصرية قد سافرت إلى الولايات المتحدة على أثر تلك الموافقة منهم لإتمام عقد الصفقة التي كانت قيمتها في حدود سبعة وعشرين مليونًا من الدولارات ولكنها عادت بخفي حنين.

وكان "إيدن" رئيس وزراء بريطانيا قد ضايقه في ذلك الحين موقفنا من حلف بغداد الذي كان يدعو إليه – وكانت فرنسا أيضًا يضايقها مساندتنا ومساعدتنا للثوار العرب في الجزائر ضد الوجود الفرنسي هناك. واستغلت إسرائيل هذا الموقف ووقعت عقدًا مع فرنسا يتيح لها الحصول منها على أسلحة متعددة الأنواع وبكميات ضخمة أيضًا.

وكانت الثورة في هذه الفترة تحاول وتعمل بكل جهدها بغرض الحصول على الاستقرار السياسي في البلاد خاصة بعد أزمة محمد نجيب وتلك الهزة التي قد أصابتها، وتجمع كل القوى المضادة لها حوله. ومعارضة بعض الهيئات لاتفاقية جلاء القوات البريطانية عن أرض مصر خاصة جمعية الإخوان المسلمين. وكان مرشدها الأستاذ حسن الهضيبي قد أعلن أن تلك الاتفاقية خيانة وطنية للبلاد.

يتبين من هذا أن تلك الغارة حدثت في وقت كانت الثورة تواجه فيه مشاكل متعددة داخلية وخارجية منها: الصراع مع محمد نجيب ومع الإخوان المسلمين، والضغط المتزايد علينا من دول الغرب لقيام حلف بغداد ومحاولة إشراكنا فيه مع العراق وتركيا. وكان وراء هذا الضغط كل من بريطانيا والولايات المتحدة. ولم نكن على استعداد للمشاركة في هذا الحلف بعد أن تخلصنا من الاحتلال البريطاني، بل وكنا ضد قيام مثل هذه الأحلاف العسكرية في المنطقة.

سد الفراغ:

وكان "إيدن" قد مر بالقاهرة في 26 فبراير 1954 وهو في طريقه إلى "بانكوك" لحضور اجتماع الحلف المركزي، واجتمع بجمال عبد الناصر ومعه عبد الحكيم على عشاء في السفارة البريطانية. وحاول "إيدن" إقناعهما بضرورة وأهمية قيام حلف عسكري دفاعي لمنطقة الشرق الأوسط بحجة سد الفراغ بعد أن يتم انسحاب القوات البريطانية عن مصر، وعلى أن يقوم الغرب بمساندة هذا الحلف بإدخال تركيا فيه. وكانت عضوًا بالحلف المركزي، وحتى يصبح هناك ارتباط بين الحلف الجديد المقترح وذلك الحلف. ولكن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم اعترضا على فكرة قيام هذا الحلف الجديد. وأوضحا أن الدفاع عن المنطقة لابد أن يستند أساسًا على دول المنطقة نفسها. وأن هذا يتأتى بأن تعمل دول الغرب على مساعدتها في تسليح جيوشها وتدريب قواتها، ومد يد المعونة إليها في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما اقترحا عليه أن تكون اتفاقية الأمن المشترك القائمة بين الدول العربية هي البديل لهذا الحلف المقترح.

وكان "دالاس" وزير خارجية الولايات المتحدة قد زار القاهرة أيضًا في 11مايو 1953 في رحلة إلى الشرق الأوسط والباكستان. وقد جاء موعد تلك الزيارة بعد أن بدأت المفاوضات بين بريطانيا وبيننا بغرض إجلاء قواتهم عن أرض مصر بأيام قلائل. وقد تحدث هو أيضًا عند التقائه بوفد المفاوضة المصري بالسفارة الأمريكية في القاهرة عن سد الفراغ كذلك بعد أن تنسحب القوات البريطانية عن أرض مصر. واقترح في هذا اللقاء قيام حلف عسكري بين دول الغرب ودول المنطقة لمقاومة أي غزوة شيوعي روسي. واعترض من جانبنا على قيام مثل هذا الحلف ذلك لعدم توافر ثقة شعوب المنطقة في الدول الغربية نتيجة احتلالهم لأراضيهم لفترات طويلة سابقة. كما أن عدم وجود حدود مشتركة بين روسيا وبلاد المنطقة مع بعد المسافة بينهما يجعل من الصعب على القادة السياسييين العرب إقناع الشعب العربي بقيام مثل هذا الحلف ولهذا الغرض. واقترح على "دالاس" في هذا اللقاء نفس ما اقترح على "إيدن" بعد ذلك.

وكان مجلس قيادة الثورة قد أوفد صلاح سالم إلى بغداد في النصف الثاني من شهر أغسطس 1954 لمقابلة "نوري السعيد" رئيس الوزراء العراقي لمناقشته في مشروع حلف بغداد المقترح والذي كان "نوري السعيد" متحمسًا له. وكانت مهمة صلاح هي محاولة إقناعه بعدم إشراك العراق فيه خشية أن انضمامها إليه ربما يجر دولاً عربية أخرى إلى عضوية ذلك الحلف مما يعرض المنطقة لأتون الحرب لو قوعت بين الشرق والغرب، خاصة وأن الحرب الباردة بينهما في ذلك الوقت كانت على أشدها. وكان قد استقر رأينا أيضًا على أن تنادي بسياسة الحياد وعدم الانحياز تجنبًا لهذا الموقف.

ولكن "نوري السعيد" لم يكن مؤمنًا بالحياد ولا مقتنعًا به. ولا يثق في إمكانية قيام قوة دفاع عربية في ظل اتفاقية الأمن العربي المشترك.

نوري يعد بالتشاور:

وكان قد تم اجتماع في القاهرة بين "نوري السعيد" وجمال عبد الناصر في 15سبتمبر 1954 لنفس هذا الغرض. ولكن لم تلتقيا وجهات النظر. وغادر "نوري السعيد" القاهرة بعد أن وعد أنه لن يتخذ أية خطوة إيجابية في هذا الاتجاه المتحمس له إلا بعد التشاور مع مصر، وأنه سيرجئ السير في هذا المشروع المقترح.

ولكن جاءت المفاجأة لنا في نهاية عام 1954 عندما كان "مندريس" في زيارة بغداد، وأعلن بيانًا مشتركًا بعد الانتهاء من المحادثات مع "نوري السعيد" وذكر فيه عن الإعداد لقيام اتفاقية دفاع مشترك بين العراق وتركيا في أقرب وقت. وعلى أثر ذلك قامت القاهرة بدعوة وزراء خارجية الدول العربية إلى الاجتماع في القاهرة يوم 22يناير 1955 لمناقشة "نوري السعيد" فيما هو مقدم عليه. ومحاولة إقناعه بالعدول عنه. وإقناع الدول العربية الأخرى بعدم الارتباط بمثل هذه الأحلاف الأجنبية. ولكن "نوري السعيد" حاول عن طريق وزير خارجيته "فاضل الجمالي" إقناع وزراء الخارجية المجتمعون بالتفاهم مع الغرب. وقام المؤتمر بإيفاد صلاح وعضوًا آخر إلى بغداد لمقابلة "نوري السعيد" ومحاولة إقناعه. ولكنه ظل متمسكًا برأيه. وانفض المؤتمر دون أن يحقق الغرض الذي اجتمع من أجله.

وفي يوم 25 فبراير 1955 تم توقيع الحلف الجديد في بغداد بين "مندريس" و"نوري السعيد"، وبارك هذا الحلف كل من إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية. وأما مصر فقد قامت بحملة إذاعية مكثفة ضده. ووصفت "نوري السعيد" بخائن العرب. وكانت تلك الحملة الإذاعية تهدف أيضًا إلى منع أية دولة عربية أخرى من الانضمام إلى الحلف المذكور. ونجحت مصر في تحقيق هذا الهدف لأن بريطانيا كانت قد حاولت ضم مملكة الأردن إلى الحلف حتى لا تشعر العراق بعزلتها العربية قامت بتوقيعه. وكان الملك حسين ملك الأردن على استعداد للانضمام إليه بعد زيارة رئيس جمهورية تركيا للأردن. وعلى أن تنضم إلى الحلف في أوائل شهر نوفمبر 1955. وقامت إنجلترا بإرسال الجنرال تمبلر إلى الأردن في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر حاملاً معه مسودة مشروع جديد ليحل محل الاتفاقية الموجود بين بريطانيا والأردن. وعلى أن يتم ذلك عقب توقيع الأردن على حلف بغداد. كما وعدتها بريطانيا أيضًا بمدها بكميات جديدة من الأسلحة الحربية إن تم توقيعها على ذلك الحلف.

وعندما كشفت مصر الغرض من زيارة "الجنرال تمبلر" إلى الأردن – قامت إذاعة صوت العرب بتركيز حملتها على الحلف وعلى بريطانيا وما تهدف إليه. ونتج عن تلك الحملة الإذاعية أن استقال الوزراء الفلسطينيون الأربعة من الوزارة الأردنية احتجاجًا منهم على اتجاه الملك حسين إلى الانضمام للحلف – وتبع هذا اضطرابات ومظاهرات ضخمة من الشعب الأردني والفلسطيني. وانتهت زيارة "تمبلر" دون أن تحقق غرضها. وكنا نخشى نجاح بريطانيا في ضم الأردن إلى الحلف. لأن ذلك كان سيشجعها إلى الضغط على سوريا أيضًا للانضمام إليه، وبذلك تصبح صمر في معزل عن الدول العربية المواجهة لإسرائيل.


غارة على سوريا:

وفي أثناء زيارة "الجنرال تمبلر" إلى الأردن. حاولت إسرائيل أن تقنع سوريا بأن اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته مع مصر في شهر أكتوبر سنة 1955 لا يمكن لها أن تعتمد عليه في الذود عن حدودها. وحتى تقنعها بذلك قامت بغارة عسكرية على بعض مواقع القوات السورية، وعلى بعض القرى القريبة من بحيرة طبرية في 11ديسمبر 1955، وفي هذه الغارة قتل ما يزيد عن خمسين شخصًا من السوريين. وقد جاء رد فعل هذه الغارة عند السوريين عكس ما كانت تتوقعه إسرائيل. فقد زاد اقتناع سوريا بأن أمتها ضد الهجمات الإسرائيلية يتوقف في الدرجة الأولى على مدى التعاون مع مصر لمواجهة مثل تلك الهجمات. وبدأت هي الأخرى تبحث عن مصدر لها تشتري منه ما تحتاج إليه من سلاح. وحذرت حذو مصر واتجهت هي الأخرى إلى الاتحاد السوفيتي.

ولما كانت الغارة الإسرائيلية على قواتنا بغزة قد وقعت يوم 28 فبراير سنة 1955 وكان قد تم توقيع حلف بغداد بين العراق وتركيا يوم 25 فبراير من نفس العام – لذا – فقد دار بخلدنا أن هناك ارتباطًا بين قيام ذلك الحلف وتلك الغارة الإسرائيلية. وكان لابد لنا من الرد على تلك الغارة رغم عدم توافر الأسلحة الحديثة والكافية لدينا. ولم يكن أمامنا من وسيلة غير دفع أكبر عدد من الفدائيين إلى التسلل داخل الأراضي الإسرائيلية للقيام بعمليات تخريبية بها. وعمل كمائن لدورياتها العسكرية. وكانت هذه العمليات الفدائية قد ازداد نشاطها على حدود قطاع غزة خلال شهري أغسطس وسبتمبر 1955.

غارة على قطاع غزة:

وفي 31 أغسطس 1955 قام الجيش الإسرائيلي بمهاجمة مركز البوليس في خان يونس بقطاع غزة كما هاجم مواقع مصرية أخرى. وكان عدد القتلى من جانبنا نتيجة لهذا الهجوم حوالي خمسة وثلاثين قتيلاً وخمسة وعشرين جريحًا.

وكان الاتفاق بين الاتحاد السوفيتي وبيننا على شراء ما يلزمنا من أسلحة منهم قد تم. وجاءت موافقتهم على ذلك في شهر يونيو 1955. وكان جمال عبد الناصر قد تحدث إلى رئيس وزراء الصين "شواين لاي" أثناء مؤتمر باندونج في أبريل 1955 حول شراء ما يلزمنا من سلاح من الصين. ولكن "شواين لاي" أبدى عدم قدرة بلاده على توفير احتياجاتنا من الأسلحة ووعد بالعمل على الاتصال بالروس في هذا الخصوص. كما وأن صلاح سالم كان قد سبق وطلب من السفير الروسي بالقاهرة نفس الطلب.

محاولة جديدة:

ولم نشأ اتخاذ خطوات عقد اتفاق مع روسيا بعد تلك الموافقة إلا بعد بذل محاولة أخرى مع الولايات المتحدة لشراء ما نحتاج إليه من سلاح منها. وقام جمال عبد الناصر بإبلاغ سفيرها في القاهرة "هنري بايورد" في يونيو 1955 بوجود عرض من روسيا لبيع سلاح لنا، وعلى أننا سنضطر لقبوله إن لم نتمكن من الحصول على احتياجاتنا من السلاح من الولايات المتحدة. ولكن حكومة أمريكا ظلت على موقفها وعدم موافقتها على بيع سلاح لمصر.

ولما كنا في حاجة ملحة وشديدة إلى تسليح جيشنا، لذا لم نجد بدًا من الاتفاق مع روسيا. واتخذت الخطوات الضرورية لإتمام الاتفاق معها. وأوفدنا بعثة عسكرية إلى تشيكوسلوفاكيا لهذا الغرض في أغسطس سنة 1955. وكانت تلك البعثة مكونة من الأميرالاي حافظ إسماعيل، وقائد الجناح محمد شوكت والصاغ عباس رضوان. وعلى ما يظهر أن خبر عقد اتفاق هذه الصفقة مع روسيا كانت قد تسرب إلى الولايات المتحدة لأن "مستر دالاس" وزير خارجيتها صرح في مؤتمر صحفي عقده في نهاية شهر أغسطس 1955 أن لديه معلومات وثيقة وأكيدة على أن روسيا قد عرضت بيع أسلحة على بعض الدول بالشرق الأوسط. وأن هذا العمل من جانب روسيا لا يساعد على تخفيف حدة التوتر الدولي.


احتلال العوجة:

وفي يوم 20 سبتمبر سنة 1955 قابل السفير الأمريكي بالقاهرة جمال عبد الناصر وتكلم معه عن تلك الصفقة والتي كان قد تم التعاقد عليها بين تشيكوسلوفاكيا وبيننا. وكانت أمريكا قد أوفدت أيضًا "كيرمنت روزفلت" إلى القاهرة لمقابلة جمال عبد الناصر وليتحدث معه بخصوص هذه الصفقة: وفي نفس اليوم تحركت قوة عسكرية إسرائيلية واحتلت منطقة العوجة المنزوعة السلاح والمتحكمة في عدة طرق وكلها تؤدي إلى داخل الأراضي المصرية.

وكان واضحًا أن الولايات المتحدة ستبذل كل جهد ممكن، وتسعمل بكل الطرق والوسائل للضغط علينا لإلغاء ذلك العقد الذي كان قد أبرم فعلاً. وكانت أول دفعة من السلاح الذي تم التعاقد عليه ستصلنا في شهر أكتوبر 1955. وكان أمامنا أحد طريقين – إما الخضوع للضغط الأمريكي وإلغاء التعاقد – أو مواجهتهم والصمود لضغطهم والاستمرار في تنفيذ ما تعاقدنا عليه. واخترنا الطريق الصعب وهو الصمود ومواجهتهم بالحقيقة والتصدي لضغطهم. ففيه تثبيت لإرادتنا وحريتنا وحقنا في اتخاذ ما نراه يحقق صالحنا. وكنا نقدر أن هذا الموقف منا، ونجاحنا في عقد تلك الصفقة معناه خروجنا من السير في فلك الدول العربية. وأن هذا بدوره سيشجع دولاً أخرى غيرنا على اتخاذ نفس الطريق. وقدرنا أيضًا أن روسيا من جانبها لابد أن تعمل جاهدة على إمدادنا بما نحتاج إليه من السلاح بغرض شد أزرنا وتشجيعنا على التمسك بموقفنا والاستمرار في السياسة التي كنا قد أعلناها وهي الحياد وعدم الانحياز.

كما قررنا أيضًا أن نتخذ سياسة متوازنة في التعامل مع الشرق والغرب. وأن يكون تعاملنا مع كل منهما في حدود 40% كم جدك تجارتنا الخارجية. أما نسبة العشرين في المائة الباقية فيتم التعامل فيها مع الدول الأخرى البعيدة عن كلتا الكتلتين. وكان الغرض من أخذ هذا القرار هو ألا يصبح هناك لإحدى الكتلتين فرصة السيطرة علينا اقتصاديًّا. وحتى نخفف أيضًا من قبضة الغرب الاقتصادية علينا وبالتالي السياسية.

وكان جمال عبد الناصر قد اجتمع بـ"كيرمونت روزفلت" يوم الأحد 25 سبتمبر، واجتمع مجلس قيادة الثورة في اليوم التالي لمعرفة الحديث الذي دار بينهما في هذه المقابلة. وكان جمال عبد الناصر قد طلب من محمد حسنين هيكل المحرر بجريدة أخبار اليوم. أن يتقابل مع "كيرمنت" قبل أن يلتقي به جمال عسى أن يعرف منه الغرض من تلك المقابلة. ولو بطريق غير مباشر. وذكر جمال أن هيكل أخبره أن "كيرمنت" في حالة ثورة وعصبية شديدة رغم الهدوء المعروف عنه. وأن ذلك بسبب إتمام تلك الصفقة. وأن "كيرمنت" يطالب بإلغائها.

كيرمنت روزفلت يهدد:

وسرد جمال ما دار من حديث بينه وبين "كيرمنت" ويقول جمال إنه كان قد صمم على ألا يكون هو البادئ في الحديث حول صفقة الأسلحة وأن يترك "كيرمنت" ليبدأ هو بالحديث عنها. وبدأت المقابلة ودار الحديث بينهما في موضوعات شتى ولمدة ساعة – دون أن يقترب "كيرمنت" أو جمال من الحديث حول صفقة السلاح. ثم بدأ "كيرمنت" يتساءل عما إذا كنا فعلاً قد تعاقدنا مع روسيا على شراء أسلحة منها. فأجابه جمال أن التعاقد قد تم منذ أسبوع سابق على هذا اللقاء. وأنه عقد تبادل تجاري بين مصر وتشيكوسلوفاكيا – وأنها ستحصل على قطن وأرز كثمن لهذه الأسلحة. فأشار "كيرمنت" إلى أن هذه الصفقة ستعمل على الإخلال بالتوازن العسكري الموجود بالشرق الأوسط. وأن إتمام هذه العملية تعتبر ضربة قاصمة "لمستر دالاس" نفسه. وأنه يجب إلغاء تلك الصفقة إنقاذًا لماء وجه "مستردالاس" –وإلا فإنه- أي "دالاس"- سيضطر لاتخاذ (Severe action) إجراء قاس ضد مصر. فاستفسر منه جمال عما يقصده بهذا الذي ذكره. ورد عليه "كيرمنت" إن الولايات المتحدة ستجد نفسها مضطرة إلى توقيع عقوبات على مصر كقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وعمل حصار اقتصادي عليها. وثار جمال وغضب لهذا القول منه. ورد عليه بقوله: "إن مصر ليست خاضعة لأي نفوذ لا لأمريكا ولا لإنجلترا ولا لروسيا ولا للسعودية ولا لأي بلد. وأن مصر ترسم سياستها وتحدد علاقتها مع الدول الأخرى حسب ما تقتضيه مصالحها". ومستطردًا "ربما تعتقدون أننا سياسيون محترفون ولكننا ثوار. وهذه السياسة منكم ستضطرنا إلى محاربتكم في المنطقة. وأننا سنعلن على العالم العربي والإسلامي ما ذكرته لي الآن، وسنقاتلكم حتى لو اضطررنا إلى النزل تحت الأرض (Under Ground) أي العمل بشكل سري".

ولما ذكر له جمال هذا تراجع "كيرمنت" قائلاً: "كلا – أنا لا أقصد ما فهمته، ولكن "مستر دالاس" جن جنونه (Getting Mod) من هذه العملية، وربما تدفعه الظروف إلى هذا التصرف الذي أشرت إليه.خاصة أن موقفكم ضعيف داخليًا. ومجلس الثورة منقسم علىنفسه. وأنك مقدر قوتك أكثر من حقيقتها. (Over estimated your power). ولذا فمن الواجب علينا أن نعمل على إنقاذ الموقف وأن تلغى هذه الصفقة؟" ورد عليه جمال: "إننا منذ عامين ونصف العام نحاول أن نحصل منكم على أسلحة ولكن دون فائدة، علمًا بأن إسرائيل في نفس الوقت تحصل منكم على أسلحة ولكن دون فادة، علمًا بأن إسرائيل في نفس الوقت تحصل منكم على احتياجاتها من السلاح. وأنكم دائمًا تتكلمون عن التوازن العسكري في منطقة الشرق الأوسط رغم أن صحفكم تذكر أن الجيش الإسرائيلي قادر على القضاء على جميع الجيوش العربية. وأن ما لديه من عتاد وأسلحة يفوق ما لدى الدول العربية مجتمعة".

كما قال له جمال: "إن موقفنا أصبح سيئًا للغاية أمام الجيش والشعب لأن إسرائيل تتحرش بنا كل يوم لعلمها بضعف تسليحنا. ونحن بتسليح جيشنا بهذه الصفقة لا نقصد الاعتدء على إسرائيل، وإنما هدفنا هو أن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا. وأننا كنا ننتظر منكم مدنا بالسلاح كما تفعلون مع إسرائيل. ولقد لجأنا إليكم عدة مرات وسافرت بعثة عسكرية إلى أمريكا في المرة الأولى ومعها كشف بالأسلحة المطلوبة ولكنها عادت دون أن تحقق شيئًا – وفي فبراير 1955 أعدنا الطلب لشراء أسلحة منكم ولكنكم لم تستجيبوا لهذا الطلب أيضًا. وفي يونيو عندما عرضت علينا روسيا موافقتها على بيع أسلحة لنا دون أية ارتباطات سياسية، طلبت سفيركم في القاهرة وأبلغته بهذا الأمر. ولكنه عاد إلي بعد الرجوع إلى حكومتكم وطلب أن نقوم بدفع ثمن هذه الأسلحة التي نطلب شرائها منكم بالدولارات وفورًا دون تقسيط. وحدد قيمتها بمبلغ سبعة وعشرين مليونًا من الدولارات. وكان هذا المبغ هو كل رصيدنا من تلك العملة. وأنكم تنسون أنكم لو أمددتمونا بالسلاح الأمريكي فإن هذا في حد ذاته سيكون أكبر دعاية لكم داخل جيشنا بصرف النظر عن الكمية".

إنقاذ ماء وجه دالاس:

ويقول جمال إن "كيرمنت" قد اقتنع بهذه الفكرة ولكنه أشار إلى أنه سيجد صعوبة لدى المسئولين في الولايات المتحدة لإقناعهم بذلك بحجة أنهم غير مقدرين الموقف ولا ظروف المنطقة. ويذكر جمال أن "كيرمنت" في النهاية قال له: "يجب أن نعمل على إنقاذ ماء وجه (دالاس) وذلك بأن تصدر بيانًا". ورد جمال بأنه لا يمكنه فعل ذلك ما دام لم يصله شيء منه رسميًّا. وأن كل ما يعلمه هو أن "دالاس" كان قد ذكر هذا الاقتراح في كلمة ألقاها مؤخرًا.

واستطرد جمال وذكر لنا أنهما قد اتفقا على أن يصدر جمال بيانًا يقول فيه أنه على استعداد للاجتماع "بمستر دالاس" لمناقشة الوسائل الكفيلة بتخفيف حدة التوتر في المنطقة. (Easing the tention in the erea) وأن يذكر كذلك أن شراءنا أسلحة من روسيا لا يربطنا بها بأية ارتباطات سياسية. ويقول جمال أنه أوضح لـ"كيرمونت" أنه لن يقوم بإصدار هذا البيان إلا بعد أن يتصل "كيرمنت" بـ"مستر دالاس" ويتعرف منه على وجهة نظره – وأن "كيرمنت" وافق على هذا الرأي.

نصيحة سوفيتية:

وأبدى لنا جمال أنه تخوف وخشي أن يكون وراء إصدار تلك البيان لعبة سياسية ولذلك طلب من علي صبري مدير مكتبه للشئون السياسية أن يتصل بالسفير السوفيتي في القاهرة ويخبره بالحديث الذي دار بين جمال و"كيرمنت" ليبلغه إلى حكومته ويسألها عن رأيها – في هل يقوم جمال بإصدار ذلك البيان أم لا – وقد نصحت الحكومة السوفيتية بعدم إصدار ذلك البيان. كما أن "كيرمنت" نفسه لم يبلغ جمال برأي "مستر دالاس" كما كانا قد اتفقا.

وفي يوم 27 سبتمبر أعلن أن (مستر آلان) وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط سيصل إلى القاهرة في غضون عدة أيام. وأن هذه الزيارة مرتبطة بصفقة السلاح التي تم التعاقد عليها مع روسيا. وكان لابد لنا والأمر كذلك من أن نعمل على إعلان إتمام تلك الصفقة قبل أن يصل (مستر آلان) إلى القاهرة حتى نضع الحكومة الأمريكية وكذا أنفسنا أمام الأمر الواقع. ويصبح لا أمل لهم ولا حيلة لنا في أن نتراجع عن العقد الذي أبرم وتم إعلانه على شعبنا وعلى العالم أجمع.


وقد رأى جمال أن يلقي خطابًا شعبيًّا يعلن فيه ذلك. ويذكر أيضًا قصة شراء السلاح كاملة من بداية تعنت أمريكا وامتناعها عن بيع سلاح لنا ثم التجائنا إلى تشيكوسلوفاكيا وموافقتها وإتمام العقد معها بشراء أسلحة منها دون أية شروط سياسية ومقابل تصدير سلع زراعية إليها.

وقد قام جمال بإلقاء هذا الخطاب في نفس يوم 27 سبتمبر ودون إعداد سابق له على زوار معرض كان قد أقيم بأرض المعارض بالجزيرة للشئون العامةللقوات المسلحة.

وكان جمال ومعه زكريا قد التقيا بـ"كيرمنت روزفلت" يوم الأربعاء 28 سبتمبر في منزل السفير الأمريكي "بايرود". واجتمع مجلس الثورة في اليوم التالي – الخميس 29 سبتمبر – ليبلغنا جمال بالحديث الذي جرى بينهم.

ستجرح في كبريائك:

وقال جمال إنه شعر أن هناك معركةحرب باردة. وأن "كيرمنت" كان يحاول هز أعصابهما. ومما قاله "كيرمنت" لهما أن "مستر آلان" موفد برسالة من "دالاس" نفسه. وأن يعتقد أن "دالاس" هو الذي أملاها بشخصه. كما يعتقد أيضًا أن الإنجليز هم الذين أشاروا إليه بهذا لأنهما عنيفة جدًا (Very severe) وأنه يجب عليك (يقصد جمال) أن تحزن ولكن لا تغضب (Be sorry but not be angry) وأن تمسك أعصابك حتى يمكننا أن نحل هذا المشكل فيما بعد". كما ذكر لهما أنه لو كان هناك في الولايات المتحدة عند كتابة هذه الرسالة لوقف بجانب "مستر دالاس" ومنعه من إرساله على هذه الصورة. وأنه مضطر لتأجيل سفره حتى يتواجد عند تقديم الرسالة. وهو كان ينوي السفر صباح الخميس إلى بيروت.

ومما قاله "كيرمنت" لجمال أيضًا "أنك ستجرح في كبريائك، ولست أقصد كبرياءك شخصيًّا بل كبرياء بلدك (Not your Pride but the pride of your country) وأرى حتى تمر هذه الأزمة دون اتخاذ أية إجراءات (Actions) من جانبنا أن تكون صبورًا. وأن تطلب منه أن يعطيك فرصة للدراسة. وأن تكون كأب جليم وهو كابن – أو أن تقبل ما في الرسالة". ولكنه لم يذكر لهما مضمون تلك الرسالة التي يشير إليها. وطلب "كيرمنت" من جمال مقابلة (مستر آلان) مساء يوم الخميس 29 سبتمبر، ولكن جمال أعلمه أن يومي الخميس والجمعة عطلة أسبوعية عندنا. وأنه لا يقبل أحدًا فيهما. وأشار إلى أنه من الممكن أن يقابله يوم السبت أول أكتوبر سنة 1955.

وبعد أن ذكر لنا جمال ما جاء على لسان "كيرمنت روزفلت"، بدأنا في استعراض الموقف – وذكرت أن ما أفهمه من جملة "جرح كبرياء بلدك" هو ربما دفع إسرائيل ومساعدتها على الاعتداء علينا حتى تحقق نصرًا عسكريًّا على جيشنا ليؤثر ذلك على موقف الثورة داخليًا وعربيًّا. وذكر جمال عبد الناصر أنهم ربما يطلبون عودة محمد نجيب كما حدث في 4 فبراير 1954. ولكننا استبعدنا هذا الاحتمال لاختلاف الظروف وعدم توافر قوة عسكرية لهم بالبلاد تساعدهم لاتخاذ مثل هذه الخطوة. ولما سألنا عبد الحكيم عن قوتنا الدفاعية ومدى إمكانياتها في الصمود أمام أي هجوم إسرائيلي وكذا إمكانية استمرارها في الدفاع إلى أن تصل إلينا الأسلحة الروسية ويقوم جنودنا بالتدريب عليها.

أجابنا – إلى الجيش قادر على الدفاع لوقت غير محدود. (unlimited) ولكن جمال قال: "إن خطتنا هي الانسحاب والدفاع عند أول حدود لنا".

وتناولت مناقشاتنا موقف القوات البريطانية التي كانت لا تزال متبقية في منطقة القناة. ولم يتم سحبها بعد توقيع اتفاقية الجلاء. وسألنا عن عدد تلك القوات وتسليحها وإمكانياتها في القيام بعمل عسكري مضاد لنا. وتبين أن القوات المتبقية لم تكن تزيد عن 30.000 عسكري. ولم يكن لديها أية قوات مدرعة غير أورطة دبابات من نوع السنتوريون أي حوالي عشرين دبابة. لذا استبعدنا استخدام تلك القوة في أي عمل عسكري ضدنا.

ولما قال جمال إن الولايات المتحدة تخشى من ذكر أي شيء في الصحف تشير إلى أنهم استعماريون تقدم زكريا باقتراح أن يقوم بالاتصال بالأمريكيين ويبلغهم أن جمال ينوي أن يعلن على العالم موضوع الرسالة التي أشار إليها "كيرمنت"، وعلى اعتبار أن هذه الخطوة من جانبنا والتي يقترحها هي محاولة في استخدام أسلوب الحرب الباردةم عهم. ولكن لم يؤخذ باقتراحه.

مصطفى أمين وهيكل يقابلان كيرمنت:

وذكر جمال إنه كان قد طلب من مصطفى أمين وهيكل محاولة معرفة مضمون هذه الرسالة من "كيرمنت" وأنهما قد أمضيا طوال الليل معه بعد أن تقابل مع جمال وتناولا العشاء معه. وأنه تحدث إليهما وذكر كل ما دار بينه وبين جمال من حديث. كما أخبرهما أن الرسالة فيها إنذار وأنه غالبًا محدد بوقت. ولكنه لم يقل لهما ماهية هذا الإنذار. وأنه قال لهما – إنه لم يشأ أن يخبر جمال بمضمون هذا الإنذار حتى لا يكون صادرًا منه – وفضل أن يقوم به (مستر آلان) بنفسه.

وتناولت مناقشاتنا أيضًا احتمال قيام دول الغرب بحصار بحري على الموانئ المصرية لمنع وصول الأسلحة الروسية إلينا. ولكننا استبعدنا هذا الاحتمال لأن روسيا كانت هي المسئولة عن تسليمه إلينا في ميناء الإسكندرية.

ورأينا أن نعد أنفسنا لأسوأ الاحتمالات فتقرر أن يعلن عن تخريج دفعة جديدة من طلبة الكلية الحربية يوم الأحد التالي حتى يتبين أننا جادون في الاستعداد لمقاومة أي ضغط منهم. كما تقرر أيضًا استدعاء ثلاثة لواءات من الحرس الوطني. وتم اتفاقنا على أنه في حالة دفعهم إسرائيل إلى الهجوم علينا أو أي تحرك منهم لتهديدنا أن نقوم بتقسيم جمهورية مصر إلى مناطق، وأن يتولى كل عضو من أعضاء مجلس الثورة قيادة منطقة ويصبح حاكمًا عسكريًّا عليها. وأن نعمل على تعبئة الشعب كله للمعركة. وقيل إن الأجهزة اللاسلكية اللازمة للاتصال بين المناطق متوافرة وجاهزة. وأن الأسلحة التي سنقوم بتوزيعها على الشعب متوافرة أيضًا. وأنه سيعمل على توزيعها على المناطق لو حدث ما نتوقعه. وقيل إنه أعد مليونين من الجنيهات للقيام بتوزيعها على مكانين أو ثلاثة لاستخدامها إذا اضطررنا للقيام بحرب عصابات ضدهم وذلك حتى نضمن استمرار المعركة.

ورأينا أن الإعلان عن تلك المناطق وحكامها العسكريين من أفراد المجلس سابق لأوانه. كما أجل الإعلان عن حالة الطوارئ بين قوات البوليس أيضًا لنفس السبب.

وكان جمال قد طلب من المجلس أن يترك له حرية الرد على الرسالة عندما يتقدم بها إليه (مستر آلان). وأن نترك ذلك لتقديره الشخصي للموقف بعد أن يطلع عليها ويعرف محتوياتها.

وكان الاتفاق بيننا شاملاً والإصرار كاملاً على ألا نخضع لأي تهديد أو ضغط حفاظًا منا على استقلالنا وحماية لحريتنا وإرادتنا.

وعاد جمال سالم من رحلته إلى الهند وأندونيسيا في يوم السبت أول أكتوبر 1955. وبعد أن التقينا به في المطار ذهبنا معه إلى منزل جمال عبد الناصر لنتعرف منه عما جرى من حديث بينه وبين كل من سفيري فرنسا وإنجلترا وكذا ما جري من (آلان).

ويقول جمال إن سفير فرنسا تحدث عن علاقة بلاده مع مصر. وأشار إلى محطة إذاعة صوت العرب واشتكى من مهاجمتها لبلاده. ورد جمال أن إذاعة فرنسا هي الأخرى تقوم بمهاجمة مصر. وأن الحكومة الفرنسية ممتنعة عن تنفيذ توريد الأسلحة إلينا المتعاقد عليها معهم. وطالبه جمال باسترداد المبالغ التي كان قد تم دفعها كمقدم ثمن لهذه الأسلحة إن لم يتم التوريد. وأبدى السفير رغبته في عمل اتفاق كتابي بين مصر وفرنسا لإيقاف الحملة الإذاعية المصرية ضد الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا نظير أن تستمر فرنسا في توريد الأسلحة إلينا. ورد جمال أن هناك اتفاق الجنتلمان بين مصر وفرنسا ولكن الحكومة الفرنسية قامت بنقض ذلك الاتفاق. ولم يوافقه على الاتفاق الكتابي الذي أشار إليه السفير ومبينًا له أن مثل هذا الاتفاق يمكنهم استخدامه في الإساءة إلى العلاقة بيننا وبين دول شمال أفريقيا. وانتهت الزيارة بينهما على أن توقف الحملة الإذاعية بين كلا الجانبين.

صفقة الأسلحة.. وأمن القاعدة:

وأما السفير البريطاني فقد قال لجمال إن اتفاقنا مع تشيكوسلوفاكيا على توريد أسلحة إلينا فيه تعارض مع اتفاقية الجلاء الواقعة بين إنجلترا وبيننا. وأن ذلك يهدد أمن القاعدة البريطانية في منطقة القناة.

ورد جمال – أنه شخصيًّا كان عضوًا في وفد المفاوضة المصري أثناء المفاوضات على هذه الاتفاقية ولكنه لا يتذكر أن هناك نصًا فيها يمنعنا من شراء أسلحة من أية جهة نريد. وأجاب السفير أن مقدمة الاتفاقية تشير إلى الصداقة والرغبة في التعاون الأكيد هي التي أملت هذه الاتفاقية. ولكن مع وجود أسلحة من بلد شيوعي في القاعدة وما يتبع ذلك من تواجد فنيين أجانب ومن بلد شيوعي فإن ذلك يهدد أمن القاعدة.

وأوضح جمال له أن عدد الفنيين سيكون قليلاً للغاية. وأن ذلك سيكون في بداية الأمر فقط حتى يتم تركيب الأسلحة وتدريب المصريين عليها. وذلك سيكون في أماكن أخرى غير القاعدة من بعيدًا عنها.

حديث لم نحط به علمًا:

وسأله السفير – عما إذا كنا على استعداد لإلغاء هذه الصفقة من الأسلحة التي تم التعاقد عليها. وأجابه جمال – هذا إذا كنت ترغب في أن تقوم ثورة في الجيش المصري. وقال السفير – لقد فهمت. ولكنه تساءل – عما إذا كنا على استعداد لإلغاء باقي الصفقة التي يتم توريدها بعد أن تعمل الحكومة البريطانية في مقابل ذلك على إيجاد اتصال أرضي بين قطاع غزة والمملكة الأردنية بإنشاء طريق كممر بينهما. وأجابه جمال: إن هذا العرض جاء مفاجأة له. وأنه ليس على استعداد للإجابة عليه لأن الأمر يحتاج منه إلى تفكير ودراسة. وعلى ما يظهر أنه كان هناك حديث سابق حول هذا الموضوع بين جمال وكل من إنجلترا وأمريكا ولكننا لم نحط به علمًا من قبل.

وتقابل جمال مع (مستر آلان) وكان يرافقه السفير الأمريكي بالقاهرة (هنري باريرود) ويقول جمال إن (آلان) بدأ حديثه عن مساعدة أمريكا لمصر في عقد اتفاقية الجلاء مع بريطانيا. كما ذكر المساعدات الاقتصادية التي تقدمها بلاده لنا، وشعور الصداقة المتبادلة بين البلدين. وأشار في حديثه إلى أن اتفاق مصر الأخير مع تشيكوسلوفاكيا لتوريد أسلحة لها يهدد أمن منطقة الشرق الأوسط ويخل بالتوازن العسكري بين إسرائيل والدول العربية. وبين أنهم على علم بالتكتيك الشيوعي وطريقة تغلغلهم في البلاد التي يرغبون في نشر مبادئهم بها. وأنهم – أي الأمريكان – لهم خبرة طويلة في هذا الشأن. وتكلم جمال موضحًا له أن هذا التوازن الذي يشير إليه لا يزال في صالح إسرائيل، وأطلعه على المستندات الإنجليزية والفرنسية التي تؤكد ذلك. وكان قد أمكن لمخابراتنا الحصول على تلك المستندات التي تشير إلى كميات الأسلحة التي وردت إلى إسرائيل من كل من أمريكا وإنجلترا وفرنسا – وتشير كذلك إلى تقدير المخابرات البريطانية الذي جاء به أن ليس لدى مصر أية نية في الاعتداء على إسرائيل. وأنها ليست مستعدة إلى ذلك بخلاف موقف إسرائيل واستعدادها. وقام جمال بذكر قصة السلاح ولوجئنا إليهم بعد قيام الثورة بنصف عام وموقفهم من ذلك. وإخطار السفير الأمريكي بالقاهرة عن استعداد روسيا لمدنا بما نحتاج إليه من سلاح واستمرار وقوف أمريكا جامدة دون حراك منها. وإغداق الدول الكبرى السلاح على إسرائيل. وأن موقفهم هذا قد دفعنا إلى الباب المفتوح أمامنا وتم التعاقد مع تشيكوسلوفاكيا على توريد بعض الأسلحة إلينا طبقًا لاتفاقية تجارية وليس لها أية صبغة سياسية.

جمال لا يزال ضابطًا:

وسأل (آلان) عن كمية السلاح التي تم تعاقدنا عليها. وأجاب جمال إنه على استعداد لإبلاغه بها ولكنه سيكون في نفس الوقت معرضًا للمثول أمام مجلس عسكري لأنه بجانب أنه رئيس الحكومة فهو لا يزال ضابطًا بالجيش. وقال جمال هذا كفكاهة طبعًا وتخلصًا من الإجابة على سؤاله. ويقول جمال إن (آلان) لم يتكلم كثيرًا وإنما هو الذي تولى الحدي طوال الوقت شارحًا له وجهة نظر الحكومة المصرية وقصة الأسلحة وتطورها.

وانتهى الاجتماع بينهما دون أن يقدم (مستر آلان) الرسالة التي كان قد أشار إليها "كيرمنت روزفلت" في أحاديثه المسبقة. واتفق جمال و(آلان) على أن يجتمعا مرة ثانية يوم الاثنين – 3 أكتوبر- وطلب منه جمال أن يكون الحديث بينهما في المقابلة التالية عن المستقبل وعلاقة البلدين ببعضهما بعد أن تكلما عن الماضي في تلك المقابلة.

وصرح (مستر آلان) بعد خروجه من الاجتماع مع جمال "بأن مصر دولة لها سيادتها. ولها مطلق الحرية في شراء السلاح من أي جهة تشاء".

وعندما التقيا ثانية – يوم 3 أكتوبر – لم يتقدم (مستر آلان) أيضًا بأية رسالة. وكان الحديث بينهما عامًا. وذكر (آلان) أنه قد تضايق عندما علم أن محطة إذاعة صوت العرب قد أذاعت في تعليقها حول موضوع السلاح "إن الولايات المتحدة تخرج من فيها الرغاوي كما يحدث للكلاب عندما تغضب". ولكن تبين أن ما جاء بتعليقها هو: "أن الولايات المتحدة ترغي وتزيد". وترجمت له خطأ بالمعنى السابق.

وكانت الولايات المتحدة على ما يظهر قد قدرت أن موضوع شراء الأسلحة من الاتحاد السوفيتي أصبح أمرًا واقعًا ومنتهيًا بعد أن أعلنا عن تعاقدنا على تلك الصفقة، والأمر قد خرج من يدها. وأن التهديد أصبح لا يجدي معنا. وأن أي إجراء منهم لن يترتب عليه إلا زيادة في تعقيد الهدف بينهم وبيننا. وسيزيد من سخط العالم العربي عليهم. لذا فقد رأوا أن اتخاذ موقف المهادنة هو أسلم الطرق. 60مليون جنيه:

وكانت قيمة العقود الأولى التي أبرمت مع تشيكوسلوفاكيا تقدر بستين مليونًا من الجنيهات وهي ثمن الأسلحة المشتراة من روسيا. وكان الاتفاق على أن نسدد تلك المبالغ على أربع سنوات وبفائدة قدرها 2%.

وكان لهذه الصفقة – وكسر احتكار الغرب للسلاح صدى واسع الانتشار في العالم العربي كله. وأدت إلى رفع شعبية جمال عبد الناصر إلى القمة عند الشعب العربي لإتمامه هذه الصفقة وعدم خضوعه ولا تراجعه تحت ضغط وتهديد الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

وكان الاعتقاد أن الغرب سيعمل على مهادنتنا فقط ولفترة ولكنه سيسعى إلى القضاء على نظامنا الثوري في مصر وبأية وسيلة ممكنة. لعلمه بأن سياسة مصر التي تتبعها ستشجع دولاً عربية أخرى على انتهاج طريقها واتباع خطواتها. مما يهدد المصالح الغربية في المنطقة ويعمل على تقلص نفوذها وضياع تلك المصالح.

وكان أكثر ما نخشاه هو أن يشجع تلك القوى الأجنبية في السعي إلى تحقيق ذلك الغرض. تلك الظروف التي كانت تحيط بمجلس قيادة الثورة والتفكك الواقع بين أعضائه والخلافات القائمة بينهم. وكانت مصلحة مصر هي التي دفعتنا من قبل إلى التكاتف والتآزر، ومحاولة الظهور دائمًا بمظهر الوحدة والتماسك تجنبًا لتلك الأخطار التي كانت تحدق ببلادنا من يوم قيام الثورة حتى تلك الفترة. وكان الواجب يحتم على كل فرد منا أن يعمل على تجنب الفرقة بيننا. وأن يضحي ويتقبل أوضاعًا لم نكن راضين عنها.

وكانت تلك القوى على علم بالانقسام الموجود داخل المجلس. وقد أشار إليه "كيرمنت روزفلت" في حديثه مع جمال. كما أن المجلس كان قد قبل استقالة صلاح سالم يوم 30 أغسطس 1955 بعد أن تأزم موقفه معه كما سيأتي في قصة استقالته.

ولم يكن قد مضى عام واحد على مواجهتنا لتلك الضغوط الأجنبية حتى واجهنا معركة جديدة ولكنها كانت أشد منها شراسة. ولم يكن هناك من سبب لتلك المعركة إلا أننا استخدمنا حقنا الطبيعي في تأميم مرفق من مرافق بلادنا ذلك المرفق هو – قناة السويس.

ولم تكن تلك القوى الأجنبية ترضى أو تسمح لنا باستخدام إرادتنا الحرة في تحقيق مصالحنا ولا ممارسة هذا الحق الطبيعي في تأميم ذلك المرفق لذا فقد استخدمت كل من إنجلترا وفرنسا قواتهما العسكرية وتآمرتا مع إسرائيل لضرب وإسكات تلك الإرادة، ومحاولين احتلال بلادنا. ولكن هذا الاعتداء الثلاثي منهم لم يفت في عضدنا ولم يضعف من تصميمنا ولا إيماننا في الذود عن بلادنا والدفاع عن حريتنا وإرادتنا.

وقصة تلك المعركة، والتي سميت بـ"معركة السويس". لأهميتها وملابساتها ونتائجها سترد في باب خاص بها.


الباب الرابع: تفكك في مجلس قيادة الثورة

1-سلاح الفرسان والتفكير في عمل انقلاب عسكري.

2-محاولة صلاح سالم الاستقالة وأسبابها.

3-صدام بين جمال سالم وكمال الدين حسين. واستقالة كمال وتسويتها.

4-سحب سلطات جمال سالم كنائب لرئيس الوزراء.

5-تنازل صلاح عن بعض اختصاصات وزارة الإرشاد القومي التي يتولاها.

6-التحقيق مع عم جمال عبد الناصر.

7-موقف الأعضاء المختلفين مع جمال عبد الناصر من مناقشات المجلس.

8-شكوى صلاح من جمال عبد الناصر.

9-شكوى جمال عبد الناصر مني لصلاح.

10-الشك في أن جمال عبد الناصر يحاول التخلص من المختلفين معه.

11-شك جمال عبد الناصر في أن المختلفين معه يرغبون في إثارة معركة في المجلس.

12- استقبال جمال عبد الناصر عند عودته من باندونج.

13-الاختلاف حول نظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال.

14-إحراج جمال سالم لجمال عبد الناصر.

15-محاولة جمال عبد الناصر الانفراد بالسلطة بعد انتهاء فترة الانتقال.

16-صدام بين جمال عبد الناصر وجمال سالم حول صحة قرار تفويض جمال عبد الناصر سلطة المجلس.

17-خطاب أنور السادات إلى مجلس الثورة بتفويض جمال عبد الناصر سلطته التي خولها له الدستور المؤقت – وخطاب استقالته من المجلس وما دار حولها.

18-مناقشة في المجلس حول نظام الحكم بعد فترة الانتقال.

19-تصفية الخلاف بين جمال عبد الناصر وبيني.


لم يكن قد مضى عام أو يزيد على قيام ثورة 1952 حتى بدأ الخلاف يدب بين أعضاء مجلس قيادة الثورة لسبب أو لآخر. وكانت تلك الخلافات قد بدأت تظهر وتتضح أثناء الصراع الذي كان قد حدث بين اللواء أ.ح. محمد نجيب وبين أعضاء المجلس. وكان قد ازدادت شدة وعمقًا بعد أن انتهى ذلك الصراع وأبعد محمد نجيب عن السلطة. ولم يكن الخلاف حول المبادئ الأساسية التي قامت الثورة من أجل تحقيقها، وإنما تركز حول أسلوب الحكم والطريقة التي كان يمارس بها في ذلك الحين.

ولقد كان واضحًا للبعض من أعضاء المجلس أن جمال عبد الناصر يسعى ويهدف إلى محاولة تركيز السلطة بيديه. ولقد اتضح هذا الاتجاه منه عندما اقترح تعيين عبد الحكيم قائدًا عامًا للجيش وترقيته من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء بدلاً من أن يتولى تلك القياد ضباط محترفون ومتفرغون لها وبعيدون عن ممارسة السياسة. وبهذا التعيين انتقلت السيطرة على الجيش من مجلس قيادة الثورة إلى عبد الحكيم وبالتالي إلى جمال عبد الناصر بحكم الصداقة والعلاقة الوثيقة التي كانت تربط بينهما.

وجاءت الفرصة لجمال عبد الناصر أكثر لتحقيق ما كان يهدف إليه عندما اقترح جمال سالم أن يفوض مجلس قيادة الثورة سلطته إلى جمال عبد الناصر أثناء الأزمة مع محمد نجيب وموافقة أغلبية أعضاء المجلس على ذلك التفويض. وكان جمال عبد الناصر من جانبه أيضًا دائم السعي في أن تصبح له السيطرة على أجهزة الأمن في الدولة وعلى وسائل إعلامها أيضًا، وكذا على كل الأجهزة التنفيذية التي لها علاقة بالسياسة الخارجية في البلاد – وقد نجح في مسعاه.

وكان البعض من أعضاء المجلس يرى ويعتبر أن هذا الذي يجري فيه خورج على مبدأ القيادة الجماعية والمتمثلة في مجلس قيادة الثورة. خاصة وأن أعضاءها متضامنون في المسئولية، وكل فرد فيها مسئول عما يتخذ من قرارات سواء اشترك في إصدارها أو صدرت دون علمه. كما أنهم كانوا يرون أيضًا أن تلك المسئولية الموكلة لمجلس قيادة الثورة مسئولية تاريخية وسيحاسبون عليها أمام التاريخ. كما أن إنفراد فرد بالسلطة له خطورته وأضراره على الاستقرار السياسي بالبلاد.

ولكن الأمر انتهى في النهاية إلى انتقال السلطة كاملة إلى جمال وبشكل دستوري أيضًا عام 1956 بعد أن وافق الشعب عليه كرئيس للجمهورية. وعلى الدستور الجيد في استفتاء شعبي عام. ومن ظل من أعضاء مجلس قيادة الثورة مشاركًا في الحكم بعد هذا الاستفتاء، لم تكن مسئوليته إلا مسئولية فردية وعن العمل المنوط به فقط.

وأما المسئولية الكاملة عن الدولة ككل فقد أصبحت بحكم الدستور الجديد المستفتي عليه مسئولية جمال وحده.

ولكن كيف انتقلت تلك السلطة إلى جمال، وما هي تلك الخلافات داخل مجلس قيادة الثورة التي تسببت في تفككه وإضعاف وحدته؟ - والإجابة على هذا التساؤل تتضح للقارئ من يومياتي وما جاء بها خلال تلك الفترة وهي تقول:

لم يكن قد مضى شهر على تسوية الخلاف مع محمد نجيب حتى واجهنا مشكلة أخرى جديدة يوم 27 أبريل 1954. ففي هذا التاريخ اجتمع بعض من ضباط سلاح الفرسان بمبنى السينما الموجودة داخل معسكرهم بالعباسية وقرروا القيام بانقلاب عسكري. على أن يبدأ في صباح يوم 28 أبريل. وكانوا قد قرروا أيضًا مهاجمة منزل جمال عبد الناصر ومبنى القيادة العسكرية بكوبري القبة وكذا مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة. والاكتفاء بمحمد نجيب كرئيس للدولة. مع إعادة الحياة النيابية في خلال ثلاثة شهور وإعلان بيان عن ذلك.

القبض على 26 ضابطًا:

وكان قد وصل إلى علمنا خبر اجتماعهم وما ينوون القيام به، فتم إلقاء القبض على ستة وعشرين ضابطًا منهم. وكانت المعلومات تفيد أيضًا أن هناك تعاونًا بينهم وبين البعض من المدنيين في هذا الأمر. لذا رئي إلقاء القبض على المدنيين المشتبه في أمرهم والعمل على محاكمتهم. وكذا محاكمة الضباط بمجالس عسكرية.

وظلت الحالة هادئة بعد ذلك حتى شهر أغسطس من نفس العام إلى أن ثار صلاح سالم طالبًا الاستقالة من وزارة الإرشاد لاعتقاده أن هناك خطة قد رسمت لهدمه سياسيًّا وإبراز عبد الحكيم عامر.

وفي يوم الأربعاء 25 أغسطس 1954 اجتمع به كل من جمال سالم وكمال وأنور وحسين الشافعي وأنا محاولين معه تسوية ذلك الموضوع. وكان ذلك بعد عودته من بغداد التي سافرا إليها لمقابلة "نوري السعيد" بغرض إقناعه بعدم الارتباط بالحلف الذي كانت تسعى بريطانيا جاهدة إلى إقامته والذي سمي فيما بعد بـ"حلف بغداد". ولما اجتمعنا به أخذ صلاح يشرح لنا وبإسهاب ما يحس به وما لمسه في خلال الفترة السابقة لهذا التاريخ. وكان من ضمن ما اشتكى منه هو تدخل جمال عبد الناصر في أعمال وزارة الإرشاد القومي التي يتولاها. وأن هناك ازدواجًا في الأعمال التي هي أساسًا من واجبات وزارته. ذلك لأن جمال يقوم بتكليف جهات أخرى بعيدة عن أجهزة وزارة الإرشاد بأعمال هي من اختصاص وزارته كالشئون العامة للقوات المسلحة وغيرها. وتناول صلاح عدة موضوعات أخرى لا محل لذكرها هنا. وطالب أن يحصل على إجازة إلى أن يتم توقيع الاتفاقية النهائية على الجلاء مع بريطانيا. وأن يستمر موضوع استقالته معلقًا إلى أن يتم ذلك التوقيع. واقترح صلاح أن ينسحب أعضاء مجلس قيادة الثورة من السلطة التنفيذية، وأن ينسحب عبدالحكيم من قيادة القوات المسلحة. وأن تتولى الحكم وزارة مدنية، ويبقى مجلس قيادة الثورة لمراقبة السلطة التنفيذية وكحكم بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء.

واجتمعت نفس المجموعة بعد انصرافها من عند صلاح للبحث عن حل لهذا المشكل الجديد. وكان الحل في نظرنا أن يتولى صلاح عملاً لا يكون فيه احتكاك بنشاط جمال عبد الناصر. وكانت وزارة الإرشاد القومي والتي يتولاها صلاح فيها احتكاك مع جمال عبد الناصر لاتصال تلك الوزارة بالصحافة. حيث إن لها الإشراف والهيمنة عليها. وفكرنا في أن يتولى صلاح وزارة الخارجية أو أن يصبح وزيرًا للشئون العربية وشئون السودان، ولكن وجد أن المشكل سيظل قائمًا لاهتمام جمال بالمسائل الخارجية. وكان صلاح قد التصقت به صفقة المشتغل بالمسائل العامة وخاصة الخارجية منها من بدء قيام الثورة. وإبعاده عن هذا المجال لن يرضى به. وحتى لو رضي فسيكون هذا الإبعاد له مثار القيل والقال وسيعتقد أن هناك انقسامًا داخل مجلس الثورة.

صداقة جمال ببعض الصحفيين:

ولم نجد إلا حلاً واحدًا هو أن يعد جمال عبد الناصر ألا يتصل لا بالصحافة ولا بالإذاعة إلا عن طريق صلاح. وإذا رغب في توجيه الصحافة فإن ذلك يكون عن طريق الوزارة المختصة. وأما عن صداقة جمال عبد الناصر ببعض الصحفيين واتصاله بهم – وكان صلاح ينتقد هذه العلاقة – فقد رأينا أن نترك الحرية لجمال في الاتصال بهم كيفما شاء وذلك بصفتهم الشخصية وليس كصحفيين – ولو أنه من الصعب الفصل بين الصفتين. وتم الاتفاق على أن يقوم جمال سالم بإبلاغ جمال عبد الناصر بهذا الرأي الذي توصلنا إليه.

وكان جمال عبد الناصر قد سافر يوم السبت 9 أبريل 1955 إلى الهند في طريقه إلى مؤتمر باندونج. وكان جمال سالم ينوب عنه في رئاسة الوزارة أثناء سفره. وتحدث إلي ذاكرًا أن مسئوليته كنائب لرئيس الوزراء غير محددة، وأنه لا يمارس سلطانه، وأن جمال عبد الناصر لم يطلعه على اتجاهنا في بعض المسائل الخارجية الهامة حتى تصبح الصورة واضحة له أثناء غيابه. رغم أنه قد طالبه عدة مرات قبل سفره ولكن دون فائدة. وأنه لهذا القصور في المعلومات عن تلك المسائل الهامة أصبح يخشى – على حد قوله- مقابلة السفراء الأجانب حتى لا تنكشف تلك الصورة لهم ولو تصادف وتناقش أحدهم معه في أحد هذه الموضوعات التي لا يعلم عنها شيئًا.

وكان قد حدث يوم الأربعاء 27 أبريل 1955 في اجتماع مجلس الوزراء مشادة كلامية بين جمال سالم الذي كان يرأس الجلسة لوجود جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونج وبين كمال الدين حسين، وذلك أثناء عرض كمال الدين لأحد موضوعات وزارته وهو إنشاء مبنى لتسجيل الآثار.

استقالة كمال:

وفي يوم الجمعة 29 أبريل وصلني خطاب من كمال يطلب فيه قبول استقالته من المراكز التي يتولاها. ووجه خطابه إلي بحكم أقدميتي في مجلس الثورة وهذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي قائد الجناح عبد اللطيف البغدادي عضو مجلس قيادة الثورة

بعد التحية.

أتشرف بأن أخطركم بأني أصبحت في صحة تجعلني غير قادر على القيام بأعباء العمل الذي أسنده المجلس إلي كوزير للتربية والتعليم. وإني حفاظًا لما أؤتمنت عليه، وإزاء عجزي هذا. أرجو أن يتفضل المجلس بقبول استقالتي من هذه المهمة.

مع جزيل شكري وتقدير،

المخلص

الصاغ أ.ح. كمال الدين حسين

28/4/1955

وعندما وصلني هذا الخطاب توجهت إلى منزله ومعي حسين الشافعي، وأمكن تسوية الخلاف وتم سحب خطابه.

تصرف ضايق جمال سالم:

وكان موعد عودة جمال عبد الناصر إلى القاهرة من مؤتمر باندونج يوم الاثنين 2 مايو. وكان جمال سالم بصفته رئيسًا للوزارة بالنيابة قد أصدر أوامره الخاصة بترتيبات استقبال جمال عند وصوله. ولكن هيئة التحرير والمسئولين بها "إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمه" لم يلتفتا إلى أوامره واتخذا ترتيبات أخرى مخالفة لتلك الأوامر بل وتم نشر تلك الترتيبات التي اتخذاها على صفحات الجرائد اليومية دون إذن منه. وكان جمال سالم يرى أن يكون استقبال جمال عبد الناصر الشعبي نابعًا من الجمهور نفسه دون تدخل من الأجهزة الرسمية للدولة. ولكن المسئولين عن هيئة التحرير قاموا بالعمل على نقل العمال إلى المطار وإلى مناطق أخرى متعددة بغرض التجمع بها. وعلى طول الطريق الذي سيمر به جمال عبد الناصر. وهذا التصرف ضايق جمال سالم كما ضايقته تصرفات أخرى من وجهات مختلفة جعلته يشعر أنه لم يكن هو رئيس الحكومة المسئول. وقد عبر لزكريا محيي الدين ولي عن رغبته في الاستقالة، ولكنه حفاظًا منه على شكل المجلس ومظهر وحدته – على حد قوله- فإنه سيعمل على تغطية هذا المظهر بحضور اجتماعاته دون أن يشترك في المناقشات التي تجري فيه.

ولما وصل جمال عبد الناصر إلى المطار وكان يرافقه صلاح سالم في رحلته، شعرنا من أول لحظة أن صلاح غير مرتاح لما جرى أثناءها. واشتكى صلاح أن جمال لم يشركه معه هناك لا في اللجان ولا في المؤتمر. وأنه لم يطلعه أيضًا لا على المذكرات ولا على خطته في العمل هناك قبل السفر. وأن جمال اعتمد على الدكتور محمود فوزي وعلى علي صبري فقط. وكما ذكر أن جمال قد خرج هناك على قرار مجلس الثورة الخاص بالعمل على مهادنة الغرب وعدم مهاجمته.

وكان حسن إبراهيم قد تقابل معي يوم 8 مايو 1955، وذكر أنه تقابل مع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم. وأن جمال أثار معه موضوع أعضاء مجلس قيادة الثورة وما وصلوا إليه من تفكك وعدم انسجام. وأنه يخشى أن يتطور الأمر وينفصل صلاح وجمال سالم من المجلس. ويقول حسن أنه ذكر له أنه هو الآخر يرغب في الانفصال وربما البغدادي أيضًا. ولما سأله جمال عن السبب ذكره حسن بموقفه منه والطريقة التي اتبعها معه في عدة مسائل حددها له وذكر أنه لم يشأ إثارتها ولكنها كامنة داخل نفسه. وأن عدم إثارته لها كانت مراعاة منه للصالح العام. وأن مستقبل البلاد كان يتطلب منه ذلك. كما ذكر حسن أنه أشار في حديثه معهم أيضًا إلى موقفي وعدم التحمس في الدفاع عن وجهة نظري كما كان الحال سابقًا وذلك لأنني أحاول أنا الآخر المحافظة على بقاء المجلس وحدة واحدة متماسكة خشية أن يؤثر أي انقسام فيه على مسيرة الثورة.

وتذاكرنا في هذا اللقاء صورة مجلس الثورة في الماضي عندما كان هناك توازن في الرأي داخله في الفترة الأولى بعد قيام الثورة. وكيف كانت الموضوعات التي تعرض عليه تناقض باستفاضة. ولم يكن هناك دكتاتورية في الرأي – ثم كيف تحول هذا – وكيف استخدم جمال سالم وصلاح ضد محمد نجيب.

الحد من اختصاصات جمال سالم:

وكان مجلس قيادة الثورة قد انعقد بعد ظهر نفس اليوم – 8مايو- وعندما اجتمع المجلس تكلم كمال وكان عصبيًّا. وأشار إلى أن أحد الزملاء قد سلم على زميل له كان يقف معه ولم يشأ هذا الزميل أن يسلم عليه. وكان يقصد جمال سالم بهذا الحديث. وكان جمال سالم هادئًا جدًا – على غير عادته- فاعتذر لكمال. وذكر أن غضبه منه ليس معناه أنه يعاديه. بل إنه أقرب إليه مما يتصور – وكان عتاب الأصدقاء.

ثم صمت المجلس بعد هذا الموقف لفترة ولم يتحدث أحد. وكان على جمال عبد الناصر أن يبدا الحديث بصفته رئيسًا للمجلس. وبدأ الحديث. ولكن صوته كان متهدجًا ويدل على ما يعتمل في نفسه علمًا بأنه قادر على التغلب على مثل هذه المشاعر. ولما تكلم أشار في حديثه إلى علاقة أعضاء المجلس بعضهم ببعض. وما وصلت إليه تلك العلاقة. وأن روح الجماعة قد أصبحت غير متوافرة بينهم. واعتقد جمال سالم أن الحديث موجه إليه. فتكلم وأشار إلى مركزه كنائب لرئيس الوزراء. ومسئوليته عن المسائل التنفيذية والاقتصادية. وأنه كان زاهدًا في هذا المنصب. ولكن ما دام أصبح مسئولاً عنه فلابد من أخذ اختصاصاته كاملة وأن يكون له رأي فيها. أو أن تصبح مسئوليته فردية كأي فرد آخر من أعضاء المجلس. ودارت مناقشة طويلة حول هذا الموضوع. وانتهت في النهاية إلى أن تصبح مسئوليته مسئولية فردية كباقي أفراد المجلس. ولم يحاول جمال سالم مقاومة هذا الاتجاه بل سلم به. وكان جمال عبد الناصر يحاول أن يحد من اختصاصات جمال سالم، ربما لأن أغلب أعضاء المجلس كانت تشتكي من طريقته في التعامل معهم. أو لغرض آخر.

وتكلم صلاح بعد ذلك عن الإذاعة المصرية الموجهة إلى الدول الأخرى ومن يتولى مسئولية هذا التوجيه. ومقترحًا أن يتولى ذلك مكتب رئيس الوزراء. ووافق جمال عبد الناصر على ذلك فورًا. وكان معنى ذلك أن صلاح قد سلب نفسه أهم اختصاص له في وزارة الإرشاد القومي خاصة أنه كان معلومًا أنه المتحدث الرسمي باسم الحكومة. ثم تكلم صلاح عن مركز نائب رئيس الوزراء ومقترحًا إلغائه بحجة أن هذا المنصب لم ينشأ إلا لغرض الترضية. وقد ثبت فشله. ووافقه جمال سالم على هذا الرأي. ولكن جمال عبد الناصر رد عليه ودون مقدمات "إن هذا المركز كنا قد أوجدناه للرجل الثاني من بعدي حلاً للمشكلة التي كانت قائمة من صلاح واعتقاده بأننا نعمل (Push.) دفع لعبد الحكيم إلى أعلى". وثار صلاح على هذا القول وانقلب جو الاجتماع. وحاول إقناع صلاح بأن المسألة قد انتهت وليس هناك داعٍ لإثارتها من جديد.

لينكولن واحد:

وكان جمال عبد الناصر قد ذكر أثناء إحدى المناقشات في ذلك اليوم قصة فحواها أنه كان قد عرض على "لينكولن" رئيس الولايات المتحدة وزملائه الثمانية أحد الموضوعات، وطلب "لينكولن" رأى كل منهم في الموضوع المطروح عليهم، ولم يوافقوا عليه جميعًا. ولكنه –أي "لينكولن" – كتب القرار بالموافقة. وعقب جمال سالم على ذلك بقوله: "بس فيه هنا تسعة (لينكولن)". فصمت جمال عبد الناصر لوهلة ثم رد بقوله: "لأ لينكولن واحد". ومشيرًا بذلك على ما أعتقد إلى القرار الذي كان قد سبق وأخذه المجلس بتفويضه لسلطته كاملة في اتخاذ القرارات دون الرجوع إليه وذلك أثناء أزمة محمد نجيب.

وبعد الانتهاء من الاجتماع علقت مع حسن على أن هذا الموقف السيء فقد أجل إلى حين لكنه سيتفجر ثانية: وأن صلاح سيكون أول من سيسقط منا ثم يعقبه جمال سالم وربما أعقبهما لأني أصبحت لا أحتمل هذا الوضع، فالدكتاتورية في الرأي والعمل أصبحت واضحة ولا غموض فيها. وأصبحنا نخشى الاعتراض والمناقشة الحامية للدفاع عن رأينا خوفًا من الانقسام. وكان ختام تعليقنا "وكأن ما نخشاه اليوم سيكون هو سبب بلاء هذه البلاد في المستقبل".

التحقيق مع عم جمال:

وكان قد حدث أثناء وجود جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونج أن علمت من مصطفى عبوده وكيل الوزارة التي أتولى شئونها أن حسين خليل عبد الناصر – عم جمال- قد تدخل لدى إحدى الشركات التابعة للوزارة لصالح أحد أصدقائه. ولما كان عم جمال موظفًا بوزارة الإصلاح الزراعي فقد قمت بإبلاغ هذا التصرف منه إلى جمال سالم لمسئوليته عن تلك الوزارة. وقد رأى جمال سالم إجراء تحقيق معه فميا هو منسوب إليه.

ولما عاد جمال عبد الناصر من المؤتمر وعرف موضوع التحقيق مع عمه تضايق من هذا التصرف وأخذه بمعانٍ أخرى بعيدة تمام البعد عن الحقيقة. وكنت قد علمت بهذا الأمر من زكريا وحسن إبراهيم فاصطحبت معي جمال سالم وتوجهنا إليه لتسوية هذا اللبس.وكنا متأثرين منه لحالة الشبك التي راودته وعاتبناه عليها. ومما ذكره جمال سالم له أنه كان يعتقد أنه بهذا الإجراء التي اتخذه إنما كان يحمي به جمال عبد الناصر. وأنه قد تصرف كما لو كان هو جمال عبد الناصر نفسه. كما أن هؤلاء الموظفين الذين يحقق معهم تابعين لوزارته وهو مسئول عن تصرفاتهم. وأما جمال عبد الناصر فقد أشار إلى أن هذا التصرف من عمه كان قد حدث من مدة ولكنه لم يثر إلا أثناء وجوده – أي جمال عبد الناصر – بالخارج حتى تفهم البلد – على حد قوله – أن عمه كان مستغلاً لنفوذه. وكان محميًّا منه. ولكنه فقد هذه الحماية بعد سفره إلى الخارج. وحاولت من جانبي أن أوضح أن الموضوع قد عرف صدفة. ولم أبلغ جمال سالم به إلا لكونه مسئولاً عن تصرفات موظفيه. وبعد حديث طويل أظهر لنا اقتناعه بملابسات الموضوع. وأن الشك الذي كان يساوره قد زال. ولكن تبين لي فيما بعد أنه كان لا يزال عالقًا في نفسه.

وفي مساء يوم الخميس 19 مايو 1955 كنت قد علمت أن جمال عبد الناصر ألقى كلمة في نادي ضباط الجيش بالزمالك وكان قد دعي لتناول الإفطار بمناسبة عودته من باندونج. وكنا في رمضان. وكانت الدعوة فجائية. ولم أحضرها لارتباطي من قبل على تناول الإفطار مع أصدقاء لي. وعلمت في نفس المساء أنه أعلن في كلمته التي ألقاها عن انتهاء فترة الانتقال في يناير 1956. وهي نهاية مدة السنوات الثلاث. كما أنه أعلن في كلمته أيضًا عن عودة الحياة النيابية. ولكنها ليست في شكل أحزاب. وإنما ستكون ممثلة في هيئات. ولم يكن المجلس قد ناقش هذا الموضوع من قبل. وكان الأمر مفاجأة لي – لا للخبر نفسه – بل لأن جمال عبد الناصر قد أعلن هذا القرار منفردًا وبهذه الصورة العلنية دون الرجوع إلى مجلس الثورة. وكانت هذه أول مرة يخطو فيها هذه الخطوة – وهل كان القصد منها ممارسة السلطة منفردًا وتثبيت حقه في إصدار مثل تلك القرارات وإعلانها تنفيذًا لقرار الأغلبية في مجلس الثورة أم أنه أراد أن يعطي الشعب انطباعًا بأنه هو الذي يعمل على عودة الحياة النيابية في أقرب وقت. كان هذا هو الذي خطر في ذهني على أثر سماعي هذا الخبر في نفس المساء.

ولكن بعد إعلان هذا بأيام قليلة اتصل بي عبد الحكيم ليهنئني بالعيد وفاتحته فيما أعلنه جمال عبد الناصر. وفسره لي بأن جمال عبد الناص قد اضطر لإعلان ما أعلنه بحجة أن هناك شائعات تدور في البلاد عن أن صلاح والبغدادي منقسمان على المجلس لرغبتهما في عودة الحياة النيابية. كما أن جمال سالم كان قد قام بزيارتي في نفس اليوم الذي تحدثت فيه إلى عبد الحكيم وأثير ما أعلنه جمال أثناء حديثنا. فأبلغني أنه شخصيًّا لم يعلم به إلا قبل قيام جمال عبد الناصر بإلقاء كلمته مباشرة. وذلك أثناء جلوسهم على مائدة الإفطار. وأن جمال عبد الناصر أبلغه أنه سيعلن ما أعلنه بحجة أن هناك شائعة عن أن جمال سالم وصلاح منقسمان على المجلس بسبب نظام الحكم ورغبتهما في عودة الحياة النيابية وبسرعة. وأن مجلس الثورة معارض في ذلك. وأنه بهذا التصريح منه يريد أن يقضي على هذه الشائعة – ولكنني لم أكن قد سمعت عن هذه الشائعة من قبل.

إعلان منفرد:

وفي أثناء زيارة جمال سالم لي دار الحديث بيننا حول حال مجلس قيادة الثورة، وقد أراد أن يوضح لي موقفه. والسبب الذي دفعه إلى الوقوف بجانب جمال عبد الناصر في المناقشات التي كانت تدور في المجلس. وتخليه عن موقفه السابق في المرحلة الأولى من الثورة. وعدم تقيده برأي جمال عبد الناصر، وكنت ألومه على هذا الموقف الجديد الذي اتخذه لأنه أخل بالتوازن في الرأي الذي كان موجودًا بالمجلس في بداية الثورة بل وكان من نتائجه أيضًا إضعاف شخصية المجلس نفسه. وفسر موقفه بأنه كان يثق ثقة عمياء في جمال عبد الناصر. وأنه لم يكن يظن أنه رسم لنفسه خطة تجميع كل السلطات بين يديه. وأن الدليل على ذلك أنه هو نفسه الذي تقدم باقتراح تفويضه بسلطة المجلس. وأنه تقدم بهذا الاقتراح عندما شعر – على حد قوله- أن المجلس كان قد أصبح عاجزًا عن أخذ القرارا اللازمة في المسائل التي كانت تعرض عليه. وأن هذا كان تعطيلاً للعمل.

ودارت المناقشة بيننا بعد ذلك في البحث عن الحلول حتى يبقى المجلس متماسكًا لمواجهة تلك الظروف الخارجية التي تمر بها البلاد. وكذا التصدي لقوى المعارضة الداخلية. وحتى لا تتسبب في الإضرار ببلدنا لو انقسمنا على بعضنا. ولم نجد أمامنا من حل غير الحل الذي كنت قد اتخذته لنفسي من فترة. وهو أن يعمل كل فرد منا في دائرة عمله قدر طاقته محاولاً أن يخدم بلده عن هذا الطريق. وألا نشعر أحدًا أن هناك انقسامًا داخل المجلس. وإذا عرضت علينا مسألة عامة نبدي فيها رأينا دون أن نصطدم بأحد وكأننا نقول: "اللهم اشهد فإني قد أبلغت". نظرًا لأن غالبية الأعضاء تصوت دائمًا في جانب جمال عبد الناصر. وأن تستمر على تلك السياسة حتى انتهاء فترة الانتقال. وذلك إرضاء لضمائرنا. وعلى أن نفكر في خطوتنا التالية بعد ذلك.

وفي مساء نفس اليوم الذي زارني جمال سالم، قمت بزيارة صلاح. وقد أبلغني أن جمال عبد الناصر اشتكى له مني بسبب التحقيق الذي جرى مع عمه. كما أنه –أي جمال عبد الناصر- يأخذ علي أيضًا عدم زيارتي له لا في مكتبه ولا في منزله منذ أن توليت وزارة الشئون البلدية والقروية. وأنني لا أعرض عليه مشروعات وزارتي. وأن ما يذكر في الصحف عن العصا السحرية هي من تدبيري. وأنني على اتصال بالصحافة. وحذرني صلاح أن بعض الشائعات ستطلق علي حتى يكون هناك المبرر للتخلص مني أمام الشعب الذي كان قد أصبح معجبًا بطريقة عملي في الوزارة التي أتولاها. واشتكى صلاح أن وزارة الإرشاد التي هو مسئول عنها أصبح وزيرها الحقيقي جمال عبد الناصر وليس صلاح. ذلك لأن مصلحة الاستعلامات التابعة لوزارته والتي يرأسها عبد القادر حاتم أصبحت تأخذ أوامرها مباشرة من جمال. وكذا التعليقات الداخلية والخارجية التي تقوم الإذاعة بإذاعتها. أما الرقابة على الصحف فيقوم الرقيب العام "موفق الحموي" بالرجوع فيها إلى جمال وليس إلى صلاح. ولم يتبق لصلاح في الوزارة من أجهزة غير إدارة السياحة –على حد قوله- وأن هذا الوضع الذي ذكره ليس مقصورًا على وزارة الإرشاد القومي فقط وإنما نفس الشيء قائم أيضًا في وزارة الخارجية، وكذا في وزارة الداخلية والقوات المسلحة والمخابرات العامة – بالإضافة إلى سيطرة جمال على العمال عن طريق الطحاوي وطعيمة في هيئة التحرير وأصبحت له بذلك السيطرة التامة على كل الأجهزة سواء المتصلة منها بالسياسة الداخلية أو الخارجية.

وبحث صلاح معي عن الحل أيضًا فلم يجد حلاً مناسبًا غير الحل الذي كنت قد توصلت إليه وذكرته لجمال سالم في صباح نفس اليوم. ولم نتصور أن نقف ضد بعضنا متصارعين. وأن الأسلم لبلادنا هو البعد عن هذا الصراع رغم أن ذلك الموقف منا ربما يسيء إلينا سياسيًّا في المستقبل.

وانصرفت من عند صلاح وذهبت إلى منزلي وأنا أشعر أنني مقدم على معركة وليس في يدي أي سلاح غير سلاح الحق وإخلاصي لبلادي وأبناء وطني – وساءلت نفسي ماذا أفعل؟ - هل أستسلم وأترك الحكم للتاريخ الذي سيظهر الحقيقة في يوم من الأيام مهما طال عليها الزمن؟ - أم تاريخ إيخ- على حد قوله صلاح- ومن أين سيعرف التاريخ هذه الحقائق؟- وكانت نفسي تنازعني وتحدثني ألا أستسلم بل عليًّ أن أقاوم مهما حدث. وأنه ليس من حقي الانسحاب من المعركة لأنها ليست معركتي إنما هي معركة بلدي – ولكني أعود ثانية وأحدث نفسي وأقول كيف أقاوم وأنا مجرد من كل سلاح؟. ولم يكن أمامي غير الصمود والدعاء إلى الله أن يلهمني طريق الصواب.. هذا ما سجلته في يومياتي بعد أن عدت من زيارة صلاح.

وفي يوم الخميس 26مايو 1955 طلب مني جمال سالم زيارته في منزله، وأبلغني عندما التقيت به أن جمال عبد الناصر موجودًا باستراحة برج العرب وقد اتصل بصلاح وطلب منه الذهاب إليه. وذكر جمال سالم أنه يعتقد أنهم هناك يرسمون الخطة للتخلص منا لأن جميع أفراد المجلس موجودين هناك فيما عدانا. وأنه يرى أن من ضمن خطتهم ضم صلاح إليهم في الوقت الحاضر. وتساءلت عندما ذكر لي ذلك عن الأسباب التي تدفعهم إلى هذا التخلص مستطردًا "هل انحرفنا عن مبادئ ثورتنا أو مبادئنا التي آمنا بها؟ أم أنهم يطلبون منا أن نكون أصنامًا في هذا المجلس لا أرى لنا ولا شخصية ولا كرامة؟ وأن ننافقهم ونكون تابعين لهم؟ وهم يعلمون أن هذه الصفات لا تتفق مع أخلاقنا ومبادئنا. وعشنا طوال حياتنا نحافظ على كرامتنا ونمقت النفاض ولنا رأينا وشخصيتنا. وكيف يطلبون هذا – أيرضيهم وهم ينادون كل يوم ويقولون للشعب أننا لا نحب المخادعين ولا المنافقين ويطالبون بأن يكون لكل فرد منهم كرامته وشخصيته – هل هم ينادون بمبادئ هم غير مؤمنين بها؟ وإن كان يطلب منا ونحن أعضاء المجلس أن نتمثل بهذه الأخلاق التي تتنافى مع مبادئنا ومبادئ الحرية التي نطالب بها – فماذا إذًا يطلبون من هذا الشعب المسكين!!".

ورد جمال سالم على هذا القول مني أن هناك أشخاصًا يحبون أن يلتفت حولهم أشخاص أقوياء ولهم شخصيتهم، بخلاف أشخاص آخرين يفضلون أن يكون من حولهم أشخاص ضعفاء أقزام. وضرب مثلاً بـ"لينين" على أنه من النوع الأول. و"ستالين" من النوع الآخر. ومستطردًا أنه على هذا الأساس فجمال عبد الناصر يرى أننا كأشخاص نعتز برأينا وكرامتنا ولنا شخصيتنا فهو يريد لذلك التخلص منا.

ثم حضر صلاح وأراد أن يتحدث إلينا قبل سفره إليهم، وذكر أنه يعتقد أن جمال عبد الناصر سيحاول التخلص منا فرادى لأنه منه الخطورة عليه أن يتخلص منا دفعة واحدة، وأنه سيبدأ في التخلص مني على أن يتبعني جمال سالم ثم حسن إبراهيم، ولكنه بالنسبة إليه –أي لصلاح- فإنه سيحاول- على حد قوله- الاحتفاظ به حتى تنتهي مشكلة الاتحاد مع السودان. وإن نجحت ينشأ لها مركز جديد ليشغله ويكون مقره السودان. وإن فشلت سهل التخلص منه لأن الأمر في هذه الحالة سيظهر للرأي العام وكأن هذا الفشل هو السبب المباشر لهذا التخلص.

وتركنا صلاح بعد هذا الحديث وسافر إليهم، ثم عاد في اليوم التالي وأبلغنا عن الحديث الذي دار بينه وبين جمال عبد الناصر. ويقول صلاح إن الحديث الذي دار بينهما في البداية حول التصور لنظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال، وأن جمال عبد الناصر سأله عن رأيي في هذا التصور بعد أن أخبره صلاح أننا تناولنا هذا الموضوع بالمناقشة أثناء زيارتي له. ولكن صلاح أبغله أنه يفضل أن يستمع بنفسه إلى رأيي بحجة أنني متأثر منه –أي من جمال عبد الناصر- لشكوكه الخاصة بموضوع عمه.

وذكر صلاح كذلك أن جمال عبد الناصر أخبره أنه كان يشعر بعد عودته من باندونج أن جمال سالم والبغدادي كانا يودان إثارة معركة ضده –أي ضد جمال عبد الناصر- وذلك عندما طلب جمال سالم انعقاد مجلس الثورة أراد تفويت الفرصة علينا فلم يدع المجلس للانعقاد. وهذا القول من صلاح أثار دهشتنا لأنه لم يكن في ذهن أحد منا شئًا من هذا على الإطلاق. وكل ما هنالك أن جمال سالم كان متأثرًا مما حدث بينه وبين كمال من سوء تفاهم في مجلس الوزراء. وكان طلبه لانعقاد مجلس الثورة بغرض تسوية هذا الخلاف قبل الاجتماع المقبل لمجلس الوزراء.

وقد ذكر جمال عبد الناصر أيضًا لصلاح أنه كان يراقب تكتيك البغدادي مع جمال سالم والدكتور حسن مرعي في أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد عودته من باندونج. ورغبتنا في إثارة المعركة عندما عرض كمال الدين حسين موضوع مبني تسجيل الآثار. وأنه كان يعتقد أن صلاح متفقًا معنا لأنه لاحظ سكوت صلاح طوال الوقت ولم يشترك بالمناقشة في أي موضوع غير هذا الذي عرضه كمال. وقال لصلاح أن خطتنا كانت قد بنيت على أساس أن صلاح سيثير موضوع سبب غضبه في باندونج، وأن هذه ستكون فرصتنا لإثارة المعركة – على حد قوله- ولكننا قمنا بتغييرها فجأة بعدما سكت صلاح ولم يثر ذلك الموضوع. وأن جمال سالم قام يطالب في اجتماع مجلس الثورة بأن يتولى مسئولية السلطة التنفيذية، ورغب في أخذ قرار من المجلس في هذا الأمر.

جمال سالم يريد استقبالاً طبيعيًّا:

كما أثار جمال عبد الناصر مع صلاح أيضًا موقف جمال سالم من ترتيبات استقباله عند عودته من باندونج، وذكر أن جمال سالم كان رافضًا في عمل أية استقبالات له. وأوضح جمال سالم أنه كان يرغب في أن يكون الاستقبال طبيعيًّا وبدافع من شعور الناس وليس مفتعلاً كما حدث. ويقول صلاح أنه سأل جمال عبد الناصر عن الفائدة التي ستعود علي في حالة نجاح جمال سالم في أخذ قرار من المجلس عن مسئوليته في المسائل التنفيذية – وأنه أجابه "أن البغدادي سيناله بالتالي شيئًا من هذه السلطة بصفته متجاوبًا مع جمال سالم". وتساءلت عن أسباب كل هذا الشك – وأجابني صلاح أنه سيفسر لي هذه النقطة – على حد قوله- لأن جمال عبد الناصر ذكرها له بصراحة – وهو يقول: "أن البغدادي يحاول أن يقوي ويحصل على تأييد الرأي العام بغرض فرض إرادته على المجلس – وله أجهزة خاصة تتصل بالصحف والإذاعة – وله شلة من الضباط اسمها "شلة البغدادي". فأثارني هذا الذي ذكره صلاح على لسان جمال عبد الناصر لأني لا أتصل لا بالصحافة ولا بالإذاعة – وليس لي أية علاقة بأي من الصحفيين، وعلاقاتي بزملائي الضباط هي نفس العلاقة القديمة بيننا – ثقة متبادلة واخاء متبادل.

وبعد أن استمعنا إلى كل هذه الشكوك تألمتا أشد الألم لأنها صادرة من جمال عبد الناصر – الشخص الذي وثقنا فيه تمام الثقة وعلاقتنا به علاقة الدم. وكنا سليمي النية في كل تصرفاتنا ولم نرسم الخطط كما يتوهم. بل ولم يخطر ببالنا أن يصل الحال بنا في يوم من الأيام إلى ما وصل إليه.

ولما كانت مصلحة بلادنا فوق كل اعتبار لذا رأينا أن واجبنا يحتم علينا أن نتجنب الصدام، وأن نتخذ لنفسنا طريق المهادنة حتى يناير 1956 – موعد انتهاء فترة الانتقال – وأن نقوم في خلال تلك الفترة بإبداء رأينا في المسائل التي تعرض علينا بكل هدوء ودون انفعال.

وكان مجلس الثورة قد اجتمع يوم الاثنين 6 يونيو 1955، وكانت مناقشاته تدور حول نظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال. وأثار زكريا مقال إحسان عبد القدوس في مجلة روزاليوسف وتصريح صلاح له عن نظام الحكم الذي يعتقده. وعلى أثر ذلك ثار صلاح وتكلم عن عدم توافر الثقة بين أفراد المجلس.

وفي مناقشة نظام الحكم شرح كل منا وجهة نظره. واستمر الاجتماع دون أن يبدي جمال عبد الناصر رأيه في الموضوع. ثم طلب تأجيل الاجتماع على أن ينعقد المجلس مرة أخرى لاستكمال المناقشة. ولكن صلاح طلب منه أن يبدي رأيه في نظام الحكم المطروح للمناقشة. واضطر جمال أن يذكر رأيه، ولكنه لم يتمكن من إيضاحه لأنه على ما يظهر لم يكن مستعدًا لهذه المفاجأة. وكان جمال عبد الناصر قد طلب من المجلس في هذا الاجتماع أن تمد فترة الانتقال حتى يونيو 1956 بدلاً من يناير نفس العام. وكانت حجته في ذلك أن تستمر حتى يتم جلاء القوات البريطانية عن مصر، وكان آخر موعد لهذا الجلاء هو يوم 13 يونيو 1956. ولكن المجلس لم يتناولها بالمناقشة.

وكان مجلس قيادة الثورة قد انعقد يوم الأحد 12 يونيو 1955 في استراحة القناطر الخيرية. وأخذنا نتحدث في شتى المواضيع قبل أن نبدأ في مناقشة الموضوع الذي من أجله اجتمعنا. وكان كل منا يحاول ألا يظهر ما في نفسه- وضع غريب وشاذ- لم أكن قد تعودت عليه من قبل، بل ولم أكن أقبل أن أضع نفسي فيه، ولكن هذه هي ظروفنا القاسية، وما نعتقد أن فيه صالح بلدنا. والتي تجعلنا نضحي بإحساساتنا ومشاعرنا ونضغط على أعصابنا حتى لا يفلت منها الزمام.

لمن يجبه على تساؤله:

وانتقلنا بعد ذلك إلى سطح الاستراحة لنبدأ في مناقشة نظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال، وكان من المفروض أن يفتح جمال عبد الناصر الجلسة ولكنه انتظر بعض الوقت ثم سأل إذا كان هناك أحدًا يرغب في الحديث. ولكن الكل ظلوا صامتين. وأصبح الموقف حرجًا. ولم ينقذه إلا طلب جمال سالم الكلمة. وأخذ جمال سالم يشرح وجهة نظره في نظام الحكم. وقاطعه جمال عبد الناصر في منتصف كلامه. وتكلم عن حرية الفرد وطمأنينته وركز على هذه النقطة. وتساءل جمال سالم تعقيبًا عن حرية الفرد – عن الإخوان المسلمين والشيوعيين المعتقلين. ولكن جمال عبد الناصر لم يجبه على تسؤاله. وإنما سكت. فسأل صلاح –زكريا عن عددهم. أجابه- إنهم حوالي ألفين وخمسمائة من الإخوان والشيوعيين.

واستمر جمال سالم في الاسترسال شارحًا وجهة نظره، ولكن صلاح طلب الكلمة قبل أن ينتهي صلاح سالم من استكمال رأيه فكانت لهفة جمال عبد الناصر على أن يتكلم صلاح ملفتة للنظر وملحوظة. وأعتقد أن السبب هو ظنه أن صلاح سيتناول الموضوع من وجهة نظره التي تتفق مع وجهة نظره هو. وتناقش على أنها رأي صلاح –ويتولى أيضًا الدفاع عنها. ويقوم هو –أي جمال عبد الناصر- بتأييدها وبالتالي يحصل على موافقة أغلبية أعضاء المجلس أي على ما يريد. وأخذ صلاح فعلاً يوضح وجهة نظره التي كان قد سبق وتناقش معهم فهيا عندما قام بزيارتهم في استراحة برج العرب. ولكن قبل أن ينتهي صلاح من حديثه تدخل جمال سالم موجهًا كلامه إلى جمال عبد الناصر. وذاكرًا أن أي حل من الممكن أن يكون صالحًا للعمل به ما دام هذا المجلس متماسكًا ومتحدًا ويثق أعضاؤه بعضهم ببعض كما كانوا قبل 23 يوليو 1952. وأوضح مدى إيمان مجموعة المجلس ببلدها، وأنه لهذا السبب يجب أن تستمر القياد في أيديهم. ولكن مع تواجد الشك وعدم الثقة بينهم يصبح تماسك المجلس غير مضمون. وحاول جمال عبد الناصر أن ينفي تواجد هذا الشك الذي أشار إليه جمال سالم بقوله أن التصرف يؤخذ على أنه ناقص دراسة أو فيه عدم ترو ولكن ليس عدم ثقة أو شك. ولكن جمال سالم استمر يضرب له بعض الأمثلة المتعلقة به شخصيًّا والتي أخذت منه موضع شك، وكذا المسائل الأخرى المتعلقة بي والتي كانت قد أثارها جمال عبد الناصر معه وهي أيضًا موضع شك أكيد. وحاول جمال عبد الناصر مداراة موقفه بالنسبة لهذه المسائل التي أشار إليها جمال سالم. كما أن عبد الحكيم حاول هو الآخر إنقاذ الموقف فتدخل في المناقشة ولكنهما لم يتمكنا من إيجاد تفسير لها. وأراد جمال عبد الناصر أن يقطع استمرار المناقشة حول هذا الموضوع فطلب أن ننزل من على سطح الاستراحة إلى غرفة الجلوس بحجة برودة الجو. ولكن سرعان ما عاد جمال سالم إلى نفس الموضوع ثانية. واستمر جمال عبد الناصر في محاولة العمل على الخروج من هذا الحرج الذي وضعه فيه جمال سالم وبدلاً من أن يوضح الشك الذي يساور والكلام الذي سبق وذكره لبعض أعضاء المجلس على البعض الآخر حتى يتضح موقف كل منهم فإنه قد آثر مداراة موقفه هذا بالسكوت.

وكان قد أثير أثناء تلك المناقشة موضوع التحقيق مع عمه. فذكر لجمال سالم: "أنك قد استخدمت في هذه المسألة – وهي تحدث للكثير منا- وأصلك طيب". وكان يقصد أنني الذي استخدمته في هذا الأمر. ولم أشأ أن أرد على ما ذكره وأضفتها إلى جانب الادعاءات الأخرى. وهي أنني أعمل بغرض فرض إرادتي عليهم. وإنني أعمل على تكوين حزب من أعضاء المجالس البلدية مهمته هدم هيئة التحرير. وأين هي هيئة التحرير هذه؟ - هل هي الطحاوي وطعيمة؟ كان جمال عبد الناصر يحاول مداراة حرجة بالابتسامة ليبين أن المسألة طبيعية وليس فيها ما يحرجه. وانتهى هذا الاجتماع في الساعة الثالثة صباحًا.

وعاود المجلس الانعقاد يوم الأحد 19 يونيو 1955 لاستكمال المناقشة وتغيب عنه كل من أنور وحسين الشافعي لوجودهما بالخارج وكذا عبد الحكيم لمرضه. وبدأ صلاح المناقشة بإعادة عرض وجهة نظره عن نظام الحكم. ولم تكن تختلف عما سبق وذكره في الاجتماع السابق. وتتلخص في أن يقوم بالإعلان عن الأسماء التي يرى استبعادهم من الحياة السياسية. ثم نترك الحرية للنقابات المهنية والعمالية لتقوم بانتخاب من ترى انتخابه من الذين يرشحون أنفسهم لانتخابات – المجلس النيابي. وعلى أن يكون ثلثي الأعضاء المنتخبين من بين أعضاء هذه النقابات. أما الجزء الباقي وهو الثلث فيعين من الأعضاء ذوي العصبيات في الريف. وأن تتوافر لهذا المجلس سلطة البرلمان كاملة حتى سحب الثقة من الوزير – ولكن مع استبعاد سحب الثقة من الوزارة بحجة أن رئيس الوزراء سيكون هو رئيس الجمهورية – أي أن يكون نظام الدولة جمهورية رئاسية وليست برلمانية. وأنه يرى كذلك حل مجلس قيادة الثورة بعد يناير 1956. مع ترك الحرية لكل عضو من أعضاء المجلس في الاستمرار في العمل السياسي أو الانسحاب منه.

وتكلم من بعده جمال سالم موضحًا أنه يرى أن تستمر القايدة (Lesd) في أيدي مجلس قيادة الثورة مع وجود السلطة التنفيذية والتشريعية. وفسر هذا بأن يحل مجلس قيادة الثورة. وأن يصبح جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية مع رئاسته للسلطة التنفيذية. وأن يكون في نفس الوقت مرتبطًا وملتزمًا أدبيًّا برأي أغلبية أعضاء مجلس الثورة. وأن يكون ذلك إلزامًا عليه خاصة فيما يتعلق بالمسائل الكبرى التي تمس السياسة العامة للبلاد. وإلا فعلى جمال عبد الناصر أن يعلن عن الملأ أنه هو المسئول مسئولية كلية. وأن أعضاء مجلس الثورة قد أخلوا مسئولياتهم. وأوضح أنه ليس من المعقول ألا يكون رأيهم إلزاميًّا ويصبح جمال عبد الناصر حرًّا في إصدار ما يراه من قرارات دون التقيد برأي الأغلبية منهم. ويكون في نفس الوقت مجلس الثورة مسئولاً أمام الشعب عن هذه القرارات والتصرفات. وأنه لا يرضى لجمال عبد الناصر أن يتحمل هذه المسئوليات بمفرده. كما أنه لا يرضى له أن يتصرف كما كان يتصرف محمد نجيب. أي أنه حينما يسأل عن تصرف من التصرفات ويكون أصلاً مخالفًا لرأيه فيجيب على من يسأله ما يفهم منه أنه كان ضد ما صدر من قرار أو تصرف لأن هذا إن حدث من جمال عبد الناصر سيكون ضرره بليغًا. ثم عاد جمال سالم وأكد في نهاية حديثه أنه إذا لم نكن مسئولين فيجب أن يعلن عن هذا حتى يعرف الجميع الأوضاع السياسية وتحدد المسئولية أمام الشعب.

اقتراح يعني تسليم الثورة:

وقام صلاح وكمال بالتعليق على ما ذكره بقولهما: "إن كان جمال عبد الناصر سيتحمل كل المسئولية وليس ملزمًا برأي الأغلبية، فكيف نناقش الآن النظام الذي ستبع بعد انتهاء فترة الانتقال – وأنه ما دام هو سيتحمل المسئولية وحده فلنترك له حرية اختيار النظام الذي يراه والذي سيكون هو المسئول عنه. وعلينا أن نخلي أنفسنا من هذه المسئولية". وأما جمال عبد الناصر فقد قال: "إنه لا يعقل أن أكون مسئولاً وفي نفس الوقت أكون مقيدًا برأي الأغلبية". وجاء الرد عليه: "إنه في هذه الحالة يجب أن نخلي مسئوليتنا". ورد جمال عبد الناصر بقوله إنه يرغب من أعضاء المجلس المشاركة في السلطة التنفيذية أو التشريعية وأن يكون رأي كل فرد منهم كرأي أي فرد آخر ممثل في هاتين السلطتين. ومن يكون منهم في منزله – أي لم يشارك في السلطة – فيصبح رأيه كراي أي مواطن عادي وأن يبعد عن فكره أنه أحد قادة هذه الثورة، وله من الحقوق ما لجمال عبد الناصر – على حد قوله- وكان المعنى الذي أشار إليه جمال عبد الناصر يعني أن نتخلى عن القيادة الجماعية، وأن نسلم له الثورة، وأن تنتقل البلاد من حكم الجماعة إلى حكم الفرد، ونسي أن الثورة ثورتنا جميعًا. وأننا مسئولون عنها أمام الله والوطن.

وحاول جمال سالم أثناء المناقشة أن يشرح اقتراحه الذي كان قد فوض به المجلس سلطته إلى جمال عبد الناصر. فذكر أنه كان قد تقدم باقتراحه عندما وجد أن المجلس يضيع وقتًا كثيرًا في المناقشات وكذا لتفادي الاجتماع مع محمد نجيب. وأن أساس اقتراحه هو أن يقوم كل عضو من أعضاء المجلس بالاتصال بجمال عبد الناصر في المسائل التي كان يرى ضرورة عرضها على المجلس مجتمعًا. وأن يقوم جمال عبد الناصر بأخذ القرار في تلك المسائل بعد الاتصال بباقي الأعضاء والتعرف منهم على رأيهم فيها. وأنه –أي جمال عبد الناصر- كان مقيدًا خلال تلك الفترة برأي الأغلبية من الأعضاء على ضوء اتصالاته بكل فرد منهم وما يتبين له من آراء.

السكوت أفضل:

ولكن جمال عبد الناصر رد عليه بقوله: "إن هذه ثالث مرة يثار فيها موضوع هذا القرار رغم أنني لم أستخدم هذا الحق في اتخاذ أي قرار دون الرجوع إلى أعضاء المجلس". ولكن جمال سالم اعترض عليه قائلاً: "إن هذا الاقتراح كان اقتراحي. وأنني أحب أن أوضحه وأشرحه. ورغبتي من شرحي هو أن أبين أن القرار لم يفوضك السلطة في اتخاذ أي قرار دون الرجوع إلى أعضاء المجلس وأنك ملزم برأي الأغلبية". ولما لم يرغب جمال عبد الناصر في إثارة المناقشة حول نص ذلك القرار فقد رأى أنه من الأفضل السكوت، واقترح فض الاجتماع خاصة وأن الساعة كانت قد قربت من الثانية والنصف بعد منتصف الليل.

عبد الناصر في جانب والأغلبية في جانب:

وفي هذا الاجتماع وضح موقف جمال عبد الناصر تمامًا –ولمس هو أيضًا موقف جمال سالم هذه المرة لأنه كان أكثر وضوحًا من أية مرة سابقة، كما وضح أيضًا موقف صلاح وكمال عندما علقا على كلام جمال سالم. أما حسن إبراهيم وأنا فموقفنا كان معلومًا من قبل. كما شعر جمال عبد الناصر في هذا الاجتماع أنه كان في جانب وأغلبية باقي أعضاء المجلس الموجودين في جانب آخر. ولم أحاول في هذا الاجتماع أن أتكلم كالاجتماع السابق له وفضلت أن أكون مستمعًا.

وفي مساء يوم الثلاثاء 21 يونيو 1955م تقابلت مع صلاح في منزل جمال سالم وأبلغنا صلاح أنه بعد انتهاء اجتماع مجلس الثورة يوم الأحد السابق فقد ذهب مع جمال عبد الناصر إلى منزله، وكذا زكريا محيي الدين. وأنهم ظلوا ساهرين حتى الساعة السادسة صباحًا. ثم عاد والتقى بهم صلاح ثانية في منزل عبد الحكيم يوم الثلاثاء. وكان عائدًا لتوه من هناك عندما التقى بنا. وذكر لنا صلاح ما قيل أثناء هاتين المقابلتين. وأني سأحالو أن أوردها هنا كما جاءت على لسانه بقدر الإمكان دون التعليق عليها أو الرد على ما جاء بها لأنها كلها خاطئة بالنسبة لي.

يقول صلاح أن جمال عبد الناصر علق على اجتماع يوم الأحد السابق بقوله أن الخطة واضحة. وهي اتفاق البغدادي مع جمال سالم. وأن جمال سالم طيب ومستخدم في هذه العملية. وأن جمال سالم حاول إحراجه. وعتب أيضًا على صلاح لأنه هو الآخر قد سبق وأحرجه في اجتماع سابق للمجلس عندما طلب منه صلاح أن يبدي رأيه في نظام الحكم، ولم يكن هو مستعدًا لذلك.

بغدادي كاتم في نفسه:

وقال جمال عبد الناصر لصلاح: "إنني لاحظت أن البغدادي قد تغير أكثر مما كان بعد مقابلتك لي في برج العرب – وهو ساكن ولا يثير مشاكل ولا يتشاجر، ولكنه كاتم في نفسه الكثير، وهو يحاول ألا يتكلم في الفترة الأخيرة".

كما ذكر صلاح أيضًا أن موضوع خضوع جمال عبد الناصر لرأي الأغلبية قد أثير أيضًا، وأنه –أي جمال عبد الناصر- مصر على أن يكون له الرأي النهائي. وأن عبد الحكيم يؤيده في هذا الاتجاه – حتى أنه قال: "إننا سبق ودخلنا معارك كثيرة ومررنا بها، ولتكن هذه معركة أخرى". ويقول صلاح أنه سأل عن وضع جمال سالم والبغدادي بعد انتهاء فترة الانتقال. فقيل له: "إننا ما زلنا نفكر". وأبدى لهما صلاح حلاً مقترحًا أن يتولى جمال سالم رئاسة مجلسة الإنتاج، والبغدادي رئاسة مجلس الخدمات العامة، حتى يتم إبعادهما –على حد قوله- عن السلطة التنفيذية ولا يصبحا أعضاء في المجلس النيابي. ولكن جمال عبد الناصر اعترض قائلاً: "إنك تريد بهذا الاقتراح. أن يصبح هناك ثلاثة رؤساء وزارات". كما اعترض عبد الحكيم أيضًا ذاكرًا أن معنى هذا أن يصبحا هما اللذين يؤديان الخدمات للشعب ويعملان على زيادة الإنتاج. كما قال جمال عبد الناصر أنه يحاول عدم جمع لجنة التخطيط، وأنه يعمل على إماتتها تدريجًا وذلك خوفًا من أن يحصل داخلها (Corner) محور بين جمال سالم والبغدادي.

اقتراح عزل البغدادي:

ويقول صلاح إنه بعد ذلك تساءل عن الحل، ومقترحًا عليهما العمل على تقريب جمال سالم إليهما حتى يتم بذلك عزل البغدادي لوحده. ويقول إن جمال عبد الناصر استجاب لهذه الفكرة قائلاً –على حد قول صلاح- أنها فكرة حسنة. وقال صلاح أيضًا إنه سألهما عما إذا كان لديهما حل آخر، وقد أجابه جمال عبد الناصر بأن الحل السعيد على ما يعتقد هو أن يكون حزبًا واحدًا يستمر عشر سنوات، وعلى أن يتم تعيين أعضاء الحزب ثم يرشح منهم أعضاء السلطة التشريعية. وأن يكون هناك مجلس أعلى للحزب. وأعضاء مجلس قيادة الثورة يكونون من ضمن أعضائه. وأن يحل مجلس الثورة. ويعطي المجلس التشريعي سلطات البرلمان كاملة حتى سلطة استجواب الوزير. وذكر صلاح أن اتجاههم أن تكون الدولة جمهورية برلمانية. وأن يتولى عبد الحكيم رئاسة السلطة التنفيذية على أن يظل في نفس الوقت القائد العام للقوات المسلحة.

وفي النهاية قال لنا صلاح أنه لم يكن يعتقد أنهما سيصلا إلى ما وصلا إليه. فهما قد أصبحا يتمنيان الفشل وعدم النجاح لمن نال النجاح من أعضاء المجلس. وأنه لم يكن يتصور هذا في يوم من الأيام.

وفي نهاية حديث صلاح، كنت أشعر بألم شديد وضيق نفسي زائد لهذه الافتراءات التي تلصق بي وأنا منها بريء. وكان جمال سالم يحاول أن يهون علي الأمر. واستأذنت لأنصرف لشعوري بالضيق ولكن صلاح تساءل عن الخطوة التالية التي ستخطوها. ومستطردًا القول: "أعتقد أنه يجب أن نركز على النقطة التي وصلنا إليها في اجتماع مجلس الثورة السابق. وهي إما أن يكون المجلس مسئولاً وجمال عبد الناصر يخضع لرأي الأغلبية، أو أن يكون غير مسئول ويعلن هذا على الرأي العام. وأن يتحمل جمال عبد الناصر مسئولية وضع نظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال. وأن يعلنه باسمه لا باسم المجلس –ذلك لأنه- أي جمال عبد الناصر- يود أن يكون القرار الخاص بنظام الحكم صادرًا من المجلس نفسه وليس منه. ولأنه بعد أن يصدر المجلس قراره سيصبح رأي جمال عبد الناصر هو النهائي في كل شيء. والمجلس سيكون أمام الرأي العام هو المسئول عن كل قرار يصدر. لأن حقيقة المسئولية لن تكون واضحة له. وطلب صلاح أن يبدي كل منا رأيًّا مخالفًا لرأي الآخر في اجتماع مجلس الثورة المقبل. ولكنني اعترضت –مبينًا أن رأي جمال سالم أصبح واضحًا. ورأي صلاح ورأيي معروفان من قبل عندما لم نوافق على اقتراح جمال سالم الخاص بتفويض جمال عبد الناصر سلطة المجلس واتفقنا على أنه من الأصوب أن يبدي كل منا رأيه وما يعتقد أنه الصواب وأن في اتباعه مصلحة – وانصرفت بعد ذلك.

شائعات منظمة ضدي!!

وفي يوم 26 يونيو جاء وجيه أباطة لزيارتي وأخبرني أنه يلمس في هذه الفترة أن هناك شائعات منظمة تطلق ضدي. وأنه يعلم تلك الشائعات المنظمة من غيرها. وذكر لي بعض هذه الشائعات. وكلها غير صحيحة. وطلب مني أن أسمح له بزيارتي من حين لآخر في هذه الآونة ليبلغني بما يسمعه أولاً بأول. وذاكرًا صداقتنا الطويلة وأنني السبب في إشراكه في هذه الثورة.

وكان قد حصل لي كثير من المضايقات خلال تلك الفترة. وليس هناك ما يدعو لذكر تفاصيلها هنا. وهي مسجلة في يومياتي. ونتج عن هذه المضايقات المستمرة أن شعرت في يوم الاثنين 11 يوليو عندما ذهبت إلى مكتبي لمباشرة مسئولياتي، أنني غير ميال للعمل إطلاقًا. بل إن عقلي قد توقف عن التفكير. وأنه غير قادر على التركيز. ولم أتمكن من حصر ذهني في الموضوعات التي عرضت علي. وقد تكرر هذا معي خلال تلك الفترة الأخيرة – وأعتقد أنه نتج بسبب ضغطي على أعصابي، وتحميلها أكثر من طاقتها، بدل أن أترك لها الزمام للانفجار حتى تستريح وترتاح نفسي كذلك. ولأنني لم أكن قد تعودت على أن أهاجم وأن آخذ موقفًا سلبيًّا من هذا الهجوم. وهذه ليست طبيعتي التي أعرفها. وكنت أعرف أني لو تركت لنفسي الزمام لتسبب عن ذلك ضررًا بالبلاد. وهو ما لا أرضاه لنفسي – ولذا كنت أجدني مضطرًا إلى الضغط على أعصابي وعلى نفسي. وما كان يشغل بالي هو إلى متى يكون أن تتحمل أعصابي لهذا الضغط. وكنت أدعو الله أن يشد من أزري ويجعلني صابرًا هادئًا. وفي هذا اليوم اضطررت أن أغادر مكتبي دون أن أستكمل عملي عندما شعرت بهذا الملل وعدم القدرة على التركيز.

لم أتحدث معه إطلاقًا:

وفي مساء ذلك اليوم – 26يونيو- حضرت العشاء بقصر الطاهرة تكريمًا لنهرو الذي كان يزور القاهرة – وجاء مكان جلوسي على مائدة العشاء بين جمال عبد الناصر وعبدالحكيم. وكان كل حديثي طوال الوقت موجهًا إلى صلاح وجمال سالم. وكانا يجلسان في مواجهتي. وكذا مع عبد الحكيم. أما جمال عبد الناصر فلم أتحدث إليه إطلاقًا. وكنت أخشى أن يلاحظ ذلك المدعوون. وكان المدعوون غير الوزراء هم أعضاء مجلس الإنتاج والخدمات –والطحاوي وطعيمه. وهذه كانت أول حفلة من نوعها قصرت فيها الدعوة على أعضاء مجلس الثورة والوزراء، ومجلس الإنتاج والخدمات وكذا الطحاوي وطيعمه. مما أثار كثيرًا من التكهنات والاستنتاجات. واعتقد البعض أن هؤلاء هم أعضاء اللجنة التأسيسية لحزب المستقبل.

استقالة أنور السادات :

وكان موعد انعقاد مجلس الوزراء مساء يوم الأربعاء 13يوليو 1955 –وفي أثناء الاستراحة ناولني كمال الدين حسين خطابًا وطلب مني قراءته ثم مناولته بالتالي لأعضاء مجلس قيادة الثورة ليطلع منهم عليه. وكان الخطاب من أنور السادات وموجهًا إلى إخوته أعضاء مجلس قيادة الثورة. وذكر بهذا الخطاب أنه بعد مرور ثلاث سنوات على قيام الثورة فهو يرى أن يخول سلطاته التي خولها له الدستور المؤقت إلى جمال عبد الناصر لأنه قد لمس بنفسه أثناء مروره ببلاد الشرق نجاح تلك البلاد التي يحكمها شخص واحد – وأنه مؤمن بهذا- كما أنه مؤمن كذلك أن جمال عبد الناصر يمكنه أن يحمل هذه الرسالة. وأنه يعتبر نفسه مستقيلاً أيضًا ابتداءً من يوم 23يوليو 1955 – ولكنه سيظل مؤمنًا بهذه الثورة وسيعمل على معاونتها وهو خارج الحكم.

وقد ألحق بهذا الخطاب خطابًا آخر موجهًا إلى إخوته أعضاء مجلس قيادة الثورة وتقدم في هذا الخطاب باستقالته من المجلس لأنه في حاجة إلى التأمل والتفكير. ومؤرخ هذه الخطاب بتاريخ 23 يوليو 1955. وبعد أن قرأت الخطابين ناولتهما إلى عبد الحكيم للإطلاع عليهما ولكنني شعرت أنه لم يفاجأ بما ورد فيهما بل وأخذ الموضوع ببساطة غريبة.

أسباب استقالة أنور:

وانعقد مجلس الثورة يوم الأحد 17 يوليو، وبدأت الجلسة بأن تلي كمال خطابي أنور الذي سبق وعرضهما علينا في جلسة مجلس الوزراء. وبدأ جمال سالم الكلام بعد الانتهاء من تلاوتهما. وأوضح أن مجلس الثورة لا يمكنه قبول هذه الاستقالة على أساس التاريخ الوارد بها وهو يوم 23 يوليو 1955 – لأن المجلس مرتبط بفترة انتقال مدتها ثلاث سنوات، وأن موعد انتهائها في يناير سنة 1956 وليس في 23 يوليو 1955. وطلب جمال سالم من أنور أن يوضح للمجلس الأسباب التي دفعته إلى أن يتقدم بهذه الاستقالة.

وتكلم أنور وقال إن ذلك لسببين- الأول: منهما شعوره بالخطورة من الخلافات الموجودة بين أفراد المجلس. وثانيهما: أن الثورة ستبدأ مرحلة أخرى جديدة. وأنه لهذا يرى أن يستقيل، ولكنه سيظل في نفس الوقت أمينًا على الثورة وسيمد يده إليها بالمساعدة إذا طلب منه ذلك.

وذكر جمال سالم أن المجلس كان من الممكن أن يقبل منه هذه الاستقالة لو أنها قدمت في يناير 1956، وليس بالتاريخ الوارد بها. وأن المجلس لذلك لا يمكنه قبولها.

وهنا تدخل عبد الحكيم قائلاً: "ما الذي يمنع من أن يقبلها أغلبية أعضاء المجلس؟".

وقلت لأنور أنه واضح أن الدافع لتقديم الاستقالة هما السببيان اللذان ذكرهما – وتساءلت عما إذا كان يعتقد أن في استقالته حلاً لهذا الإشكال الذي يرى خطورته، وأنني كنت أظن أن يتقدم باقتراح لحله لا أن يتقدم باستقالته. وجاء رده أنه يرى الخطورة وهو يحب ألا يساهم فيها ويفضل أن يكون بعيدًا عنها.

وتدخل جمال سالم ثانية في المناقشة مبينًا أن المشكلة الرئيسية هي في المجلس نفسه. وتساءل عما إذا كان المجلس مسئولاً أو غير مسئول وآخذًا في شرح وجهة نظره موضحًا أن (Lead) القيادة لابد أن تستمر في المجلس بأجمعه أو في مجموعة منه. وأن توكل إليهم هذه المسئولية بعد أن تنتهي فترة الانتقال.

وهنا تكلم جمال عبد الناصر مبينًا أن الثورة مقدمة على مرحلة جديدة ولابد أن يكون فيه فصل بين السلطات المختلفة. وأن توجد سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية وسلطة قضائية – وأن تكون لهذه السلطات كامل الصلاحيات التي تخولها له الدساتير.

الثورة مستمرة:

ولكنني تساءلت عما إذا كانت هذه الثورة مستمرة أو غير مستمرة؟ وذاكرًا بمعنى هل في يناير 1956 سنعلن عن انتهائها كما أعلن "بيرون" من عدة أيام عن انتهاء ثورة الأرجنتين – وأن ننتقل بالبلاد إلى الأوضاع الطبيعية. وهل سيمسح لأي فرد بعد يناير من القيام والمناداة بمبادئ أخرى غير مبادئ هذه الثورة.

ورد جمال عبد الناصر قائلاً: "إن الثورة مستمرة ولن يسمح لأحد بالمناداة بمبادئ أخرى غير مبادئها".

فقلت: "إن كان الأمر كذلك فيجب أن يكون هناك سيطرة. وهذه السيطرة لابد أن تتمثل في أفراد من هذا المجلس. وأن توكل إليهم المسئولية بعد يناير 1956. لأنهم هم أحرص الناس على ثورتهم – وأن هذا ما كان يقصده جمال سالم.

ورد جمال عبد الناصر بأنه متفق معي في هذا الرأي ولكنه يرى أن –يضم أفرادًا آخرين إلى المجلس ليزداد عدده. ووافقته بشرط أن نقرر أن الثورة لابد من استمرارها.

ولكنه عقب بقوله أن جمال سالم يريد أن تكون المسئولية مركزة في هذا المجلس.

قلت إنني قد فهمت أن جمال سالم يقصد أن تظل المسئولية في أيد أمينة. وهو يرى أن أفراد المجلس الذين ستوكل إليهم المسئولية بعد انتهاء فترة الانتقال هم أكثر الناس أمنًا على ثورتهم، وإني أعتقد أنه لا يمانع في زيادة عدد أفراد هذا المجلس بضم بعض الأفراد الآخرين إليهم. لأنه من المفروض أن يكون هناك حزب في المستقبل يعتمد عليه. وهذا المجلس بعد زيادة عدد سيصبح هو النواة له.

ولم يعترض جمال سالم على شرحي لوجهة نظره ولم يعلق عليها.

لم أطلب من المجلس تخويلك السلطة:

ثم تكلم جمال عبد الناصر مبينًا أنه رغم أن المجلس قد خوله السلطة كاملة إلا أنه لم يستخدمها. وأن عمله ما هو إلا سكرتير للمجلس. ومشبهًا نفسه بالدكتور إبراهيم حلمي عبد الرحمن سكرتير عام مجلس الوزراء. وذكر أنه كان في إمكانه أن يضع هذا القرار موضع التنفيذ وأن يتمسك به مهما حدث..

وتدخل جمال سالم قائلاً: "أنا كنت صاحب هذا الاقتراح، ولم أطلب من المجلس تخويلك السلطة كاملة. وكان اقتراحي أساسه هو التخلص من الاجتماع مع محمد نجيب، لأننا كنا لا تحل ولا نربط. وعلى ضوء اتصالاتك بالزملاء وأخذ رأيهم في الموضوع المطلوب أخذ قرار فيه تقوم بإصدار القرار بما يتمشى مع رأي الأغلبية منهم". فما كان من جمال عبد الناصر إلا أن رد عليه وبحالة عصبية: "هذا الموضوع أصبح يثار في كل جلسة. وأصبحت لا يمكنني أن آخذ أي قرار – وهناك قرار من المجلس إما يقره أو يسحبه".

وتكلم جمال سالم قائلاً: "إنني سأسلم بأن المجلس كان قد خولك هذه السلطة، ولكننا الآن نناقش مرحلة جديدة من مراحل الثورة، ويجب علينا أن نقرر ما إذا كان المجلس سيكون مسئولاً كله أو بعضه أو فردًا منه وبعد أن يقرر ذلك يمكن أن نناقش نظام الحكم لأن الأساس الذي سيبنى عليه الحل هو وضع المجلس بعد انتهاء فترة الانتقال".

وذكر عبد الحكيم أن اللجنة التي كانت قد شكلت منه ومني لوضع الأسسس لنظام الحكم كانت قد وضعت بعض المبادئ الأساسية، وأنه يمكن على ضوء تلك الأسس بحث وضع المجلس.

فذكرت أن أحد هذه الأسس هو أن يظل المجلس وحدة واحدة متماسكة، وأن بقاء الثورة واستمرارها يتوقف كثيرًا على استمرار هذه الوحدة. ومن الضروري البحث عن نظام الحكم الذي يكفل ويضمن استمرار الثورة.

ووافقني أنور السادات على ذلك.

لماذا أثار جمال هذا الماضي:

وتكلم جمال عبد الناصر عن الماضي – ما قبل الثورة – وكيف تكونت اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار. والخلافات التي حدثت بين أعضائها وأسبابها. ولماذا عمل تشكيل سري بين الضباط الأحرار بخلاف التشكيل العادي وذلك حتى نرضي عبد المنعم عبد الرؤوف بتوليه مسئولية هذا التشكيل. ولماذا هو –أي جمال عبد الناصر- طلب إعادة انتخاب رئيس اللجنة التأسيسية بعد أن أثار البغدادي موضوع محاولة اغتيال حسين سري عامر دون الرجوع إلى اللجنة. وأنه قد أعيد انتخابه. ولم أعرف لماذا أثار جمال عبد الناصر هذا الماضي وما الذي كان يهدف إليه.

ولكنه استطرد بعد ذلك قائلاً: "إننا مقدمون على مرحلة جديدة للثورة، وأننا عشرة قادة. وأنه يخشى أن يلتف حول كل فرد منا بعض من الأفراد، ثم نجد أنفسنا في النهاية وقد أصبح هناك عشرة أحزاب. لأن كل واحد في هذه البلاد – على حد قوله- سيحاول أن يكون له سند من أحد أفراد هذا المجلس. خاصة إذا أحسوا أن هناك خلافًا بين بعض أفراده وبين البعض الآخر". وقال: "أنا مثلاً إذا "زعلت" من عبد الحكيم أشتكي لجمال سالم. وإذا زعلت من جمال سالم أشتكي لعبدالحكيم. وكل منا إذا زعل من الآخر يشتكي لبعض أفراد المجلس".

وهنا رأيت أن أثير موضوع الخلاف الذي بينه وبيني حتى تتضح الحقيقة أمام باقي أعضاء المجلس لأني كنت أعلم أنه تكلم مع البعض منهم وهم لا يعرفون حقيقة الموضوعات التي ذكرها لهم. لذا قلت: "أنا سمعت كلامًا كثيرًا عني وقد صدرت منك، وأحب أن أناقش هذه المسائل حتى تتضح الحقيقة ويعرف كل منا موقفه منها". وتساءل هو عن هذه المسائل. ورددت أنه هو الذي يشتكي وعليه أن يحددها. وتدخل عبد الحكيم وزكريا قائلاً: إنه من المستحسن تصفية هذه المسائل بينكما. ورد عليهما جمال سالم قائلاً: إنه من المستحسن الانتهاء منها الآن. وقلت إن البعض منهم قد سمع هذه القصص، ورغبتي في ذكرها أمامهم هو بغرض أن يتضح موقفي منها. وطلبت من جمال عبد الناصر أن يحدد الموضوعات التي يشكو مني بسببها.

وبدأت المناقشة بينه وبيني وفي هدوء تام وكنت أتركه يتم حديثه حتى النهاية ثم أبدأ في ذكر حقيقة الموضوع وأساسه. فيسكت ولا يعقب على كلامي. حدث هذا في كل مسألة من المسائل التي أثارها.

مسألة التحقيق مع عم عبد الناصر:

وقد بدأ بمسألة عمه والتحقيق معه – وتلاه بموضوع محاربتي لتهيئة التحرير وأنني أقوم بتعيين أعضاء مجالس البلديات دون الرجوع إليه – وبعض المسائل الأخرى وكلها مرتبطة بالأعمال التنفيذية ولا أحب أن أشغل القارئ بها.

وانتهت الجلسة بهذه المناقشة بيننا والتي كانت تدور بهدوء دون أن يرفع أحدنا صوته على الآخر. وكل منا أوضح وجهة نظره دون أي انفعال. وحمدت الله على أن موقفي كان سليمًا وواضحًا وقويًّا. وكان كل ما يهمني أن يفهم زملائي موقفي على حقيقته من تلك المسائل التي كانت تذكرها لهم – ولقد وصلت إلى هذه النتيجة وشعرت بعدها براحة نفسية كبرى لم أكن قد شعرت بها من مدة.


الباب الخامس: انتقال السلطة إلى جمال عبد الناصر

1-اقتراح من صلاح بانتقال السلطة إلى جمال عبد الناصر بعد انتهاء فترة الانتقال.

2-الرأي في اقتراح صلاح.

3-مناقشة مجلس قيادة الثورة لنظام الحكم – ورأي كل عضو فيه.

4-اقتراح جمال سالم بقاء مجلس الثورة كمجلس استشاري بعد انتهاء فترة الانتقال.

5-حديث مع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم حول نظام الحكم.

6-اقتراح مني عن نظام الحكم ورأي جمال عبد الناصر فيه.

7-الاحتفال بنتهاء انسحاب القوات البريطانية من مصر.

8-الدستور الجديد واستفتاء الشعب عليه.


كانت فترة الانتقال والتي حددت مدتها بثلاث سنوات على وشك الانتهاء. وكان من الضروري على مجلس قيادة الثورة أن يصل إلى قرار في نظام الحكم الذي سيخلف تلك المرحلة. وقد دارت عدة مناقشات بين أعضاء المجلس حول هذا الموضوع في خلال عام 1955، بعضها في اجتماعات للمجلس، والبعض الآخر منها في جلسات خاصة بين بعض من أفراده.

وكان واضحًا أثناء تلك المناقشات أن جمال عبد الناصر يرغب في أن تنتقل السلطة إليه دون باقي أعضاء المجلس، وأن يحل مجلس الثورة بعد انتهاء فترة الانتقال. كما كان يهدف أيضًا بعد أن تنتقل السلطة إليه ألا يصبح ملتزمًا ولو أدبيًّا برأي الأغلبية من زملائه حتى في المسائل الهامة التي لها مساس بالكيان العام في البلاد. وكان يصر على أن تصبح مسئولية أي فرد من أعضاء المجلس – يظل مشاركًا معه في السلطة التنفيذية بعد انتهاء فترة الانتقال – أن تكون فردية وعن العمل المنوط به فقط. وكان يهمه أيضًا أن يقوم المجلس نفسه بالإعلان عن انتقال السلطة إليه وعن نظام الحكم الجديد.

وكانت أغلبية أعضاء المجلس تتفق معه في هذا الاتجاه وتؤيده. وأما القلة منهم فكانت تختلف معه في بعض النقاط، وترى أنه ما دامت المسئولية الكاملة ستنتقل إليه بمفرده فيصبح هو المسئول عن وضع نظام الحكم الجديد. وأن يعلنه أيضًا باسمه وليس باسم المجلس حتى تصبح المسئولية واضحة أمام الشعب. وقد أوردت في الباب الرابع ما دار من مناقشات حول هذه النقطة كما جاءت في يومياتي.

ولم يكن مجلس قيادة الثورة حتى يوليو 1955 قد استقر على رأي نهائي لنظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال، إلا أنه في يوم 7 أغسطس اجتمع ودارت بين أعضائه مناقشات، وأبدى كل منهم رأيه في نقاط محددة مرتبطة بنفس الموضوع. وانتهى الاجتماع ولم يكن واضحًا – على الأقل لنفسي- أن ما وصل إليه المجلس في تلك الجلسة يعتبر قرارًا نهائيًّا. وأنه لابد من معاودة الاجتماع للوصول إلى قرار وضاح ونهائي. ولكن بعد ذلك الاجتماع كانت قد أحاطت بنا بعض المشاكل، منها استقالة صلاح سالم من المجلس ومن السلطة التنفيذية قبل نهاية نفس الشهر، مما اضطر المجلس إلى عقد عدة اجتماعات لمناقشة ذلك الأمر – كما سيأتي في باب خاص- ولم يقتصر الأمر على مشكلة استقالة صلاح وإنما تلاها في الشهر التالي- أي في شهر سبتمبر صدام بيننا وبين الولايات المتحدة وبعض من الدول الغربية بسبب تعاقدنا على شراء أسلحة من الاتحاد السوفيتي – كما ذكر سابقًا في الباب الثالث- وأصبح كل اهتمامنا مع هذه المشاكل التي أحاطت بنا وتلك الضغوط التي ركزت علينا أن نعمل على التماسك، وأن نتجنب الخلاف والانشقاق. وأن نوحد صفوفنا حتى لا تجد تلك القوى الأجنبية أي منفذ للنفوذ منه لضرب ثورتنا.

ولم يعاود المجلس مناقشة تلك النقاط التي أخذ عليها الرأي في يوم 7 أغسطس 1955 والتي استقر فيها على انتقال السلطة إلى جمال عبد الناصر بعد انتهاء فترة الانتقال. وكذا حل مجلس قيادة الثورة، وكنت قد سجلت ما دار من مناقشات في يومياتي وهي تقول:

في يوم الثلاثاء 19 يوليو تقابلت مع صلاح في المطار أثناء انتظارنا لوصول "الرئيس سوكارنو"، وطلب مني صلاح أن أجتمع به في منزل جمال سالم بعد الانتهاء من العشاء مع "سوكارنو"، وعندما التقينا به أبلغنا أن جمال عبد الناصر كان قد طلب منه مقابلته، ودار بينهما حديث حول ما جرى في اجتماع مجلس الثورة الأخير. والتصفية التي تمت بين جمال عبد الناصر وبيني. والهدوء الذي شمل هذه التصفية، وإمكانية التعاون بينه وبيني –على حد قوله- وكان جمال عبد الناصر قد أشار أثناء حديثه مع صلاح إلى أنني أنوي الاستقالة بعد انتهاء فترة الانتقال، وأنه قد كون هذا الراي بعد أن علم بردي على "سيد يسن" –وهو صديق ل محمد حسنين هيكل – عندما علمت منه أن رئيس نقابة عمال النقل العام بالقاهرة قد تلفظ ضدي بألفاظ هجومية، وكان مدفوعًا من أحمد طعيمة أحد المشرفين على هيئة التحرير. وكان هيكل هو الذي نقل إلى جمال عبد الناصر هذا الرد الذي فسره على أنني أنوي الاستقالة. وكان قد جاء في هذا الرد مني: "أنني أعمل ما يرضي ضميري وأخدم به بلدي". ويقول صلاح أنه على أثر ذلك الحديث تقدم جمال عبد الناصر وعبد الحكيم الذي كان حاضرًا تلك المقابلة بالاقتراح الآتي:

1-حل مجلس قيادة الثورة بعد انتهاء فترة الانتقال.

2-التنازل عن السلطة التي خولها الدستور المؤقت للمجلس إلى جمال عبد الناصر.

فطلب منه جمال عبد الناصر أن يتقدم بهذا الاقتراح إلى كل من جمال سالم ولي، وأن يتعرف منا على رأينا فيه. واشترط عليه ألا يبلغنا أنه تقدم بنفس الاقتراح إليه. وغضب جمال سالم عندما سمع هذا من صلاح. وقال إنه سيتقدم إلى مجلس الثورة في الجلسة التالية باقتراح يطلب فيه سحب السلطة من جمال عبد الناصر وإعادتها إلى مجلس الثورة. وتناقشت مع جمال سالم في الاقتراح الذي ذكره صلاح. وحاولت أن أوضح أنه في مضمونه لا يخرج عن الاقتراح الذي ذكره صلاح. وحاولت أن أوضح أنه في مضمونه لا يخرج عن الاقتراح الذي سبق وتقدم به هو نفسه –أي جمال سالم- في عدة جلسات سابقة للمجلس.. وكان اقتراحه يطالب فيه مجلس الثورة أن يقرر أولاً من سيكون مسئولاً بعد انتهاء فترة الانتقال –هل المجلس بأجمعه أو مجموعة منه أو شخص واحدًا؟- والمجلس إن قرر إسناد المسئولية إلى فرد منه فستنتقل إليه بالتبعية السلطة كاملة. وحينئذ على المجلس أن يصدر قرارًا آخر بحل نفسه كذلك.

وأضاف جمال سالم كذلك ضرورة استقالة أعضاء مجلس الثورة المشتركين في السلطة التنفيذية أيضًا. حتى تعطي الحرية كاملة لمن ستؤول إليه السلطة لاختيار من يرى أن في إمكانه التعاون معهم. وطلبنا من صلاح أن يبلغ جمال عبد الناصر أن هذا الاقتراح ما هو إلا اقتراح جمال سالم الذي سبق وتقدم به إلى مجلس الثورة. والخاص بضرورة تحديد من ستقع عليه المسئولية كاملة بعد انتهاء فترة الانتقال –وهل هي ستكون جماعية أو فردية؟ وأن يذكر أيضًا أن ليس هناك ما يمنع من اجتماع المجلس لمناقشة هذا الاقتراح وأخذ قرار فيه.

وكان قد أقيم احتفال يوم الجمعة 22 يوليو 1955 بميدان الجمهورية بالقاهرة بمناسبة مرور ثلاث سنوات على قيام الثورة. وقام جمال عبد الناصر بإلقاء خطاب فيه عن الأعمال التي تمت خلال تلك المدة. وفي نهاية الخطاب تلقى جمال تحية الجماهير المحتشدة في الميدان بمفرده دون أن يطلب من أفراد المجلس الوقوف معه لتقبل تلك التحية كما جرت العادة من قبل في السنوات السابقة، وعلى أساس أن ما تم من أعمال فلكل منهم مجهود فيه.

السلام الوطني.. لأول مرة:

وبعد أن ألقى خطابه توجهنا كما جرت العادة إلى مبنى القيادة العسكرية بكوبري القبة لتناول العشاء معًا. وتأخر جمال عبد الناصر بعض الوقت لمرافقته "سوكارنو" إلى قصر القبة بعد أن حضر الحفل. وفجأة سمعت الموسيقى تصدح بالسلام الوطني داخل مبنى القيادة – ولأول مرة- فتساءلت عن السبب، فأجابني عبد الحكيم بقوله: "إن جمال لابد قد حضر" ولم يكن هذا التقليد متبعًا من قبل- وتناولنا العشاء مع بعض من الضباط الأحرار وقد فوجئت بوجودهم. وكان جمال قد قام بدعوتهم – وذلك لأول مرة أيضًا. وعند انصراف جمال عبد الناصر بعد العشاء – وكان هو أول المنصرفين على غير عادته – صدحت الموسيقى ثانية بالسلام الوطني.

وفي اليوم التالي سافر إلى الإسكندرية أغلبية أعضاء المجلس لمشاهدة بعض الاحتفالات بها كما جرت العادة منذ قيام الثورة.

وفي يوم الأحد 7 أغسطس 1995 دعى مجلس الثورة للانعقاد، وفي هذا الاجتماع طلب جمال عبد الناصر أن نناقش نظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال. وحددت النقاط المطلوب أخذ الرأي عليها وهي:

1-استمرار المجلس بعد انتهاء فترة الانتقال.

2-عدم استمرار المجلس بعد انتهاء فترة الانتقال.

3-إصدار القرار الخاص بنظام الحكم من المجلس نفسه أم من فرد.

4-السيطرة على النظام الجديد.

واقترح جمال سالم أن يؤخذ الرأي بالأحدثية بين أعضاء المجلس. وبدئ برأي حسن إبراهيم حيث أنه أحدثهم جميعًا.

حسن إبراهيم: يرى عدم استمرار المجلس بعد انتهاء فترة الانتقال وحله عند نهايتها. وأن تخول السلطة كاملة لجمال عبد الناصر. وعليه هو أن يختار الأشخاص الذين يرى أن في إمكانه التعاون معهم في السلطة التنفيذية. كما يرى ألا يكون هذا إلزامًا على أعضاء المجلس بل تترك لكل منهم حرية الاختيار في التعاون والمشاركة أو العكس. وأن يترك لجمال عبد الناصر الحرية في وضع النظام الذي ستبع بعد انتهاء فترة الانتقال ما دام سيكون مسئولاً عن تنفيذه. وعلى جمال عبد الناصر أيضًا أن يقوم بالإعلان عن هذا النظام باسمه وليس باسم المجلس. كما عليه أن يضع النظام الذي يكفل له السيطرة بحكم مسئوليته الجديدة.

كمال الدين حسين: يرى أن يحل مجلس قيادة الثورة بعد انتهاء فترة الانتقال. وأن يكون إلزامًا على كل فرد من أفراد المجلس أن يستمر مع النظام الجديد الذي سيتقرر. وأن تخول السلطة كاملة لجمال عبد الناصر. وأن تصدر القرارات الخاصة بنظام الحكم الجديد من المجلس نفسه.

صلاح سالم: ذكر أنه متفق مع كمال في الرأي وفي كل النقاط. وأشار في نهاية حديثه إلى اتحاد مصر مع السودان، وموقفه لو تحقق هذا الهدف. وموقفه لو فشل في تحقيقه. وأن مصيره حينئذ سيكون "راغي غنم" –على حد تعبيره.

عبد الحكيم عامر: يرى أيضًا أن يحل مجلس قيادة الثورة بعد انتهاء فترة الانتقال. وأن يكون لزامًا على كل عضو من أعضاء المجلس الاستمرار في التعاون والعمل مع النظام الجديد الذي سيقرر، وأن القرارات التي ستحدد النظام الجديد تصدر من المجلس نفسه وليست من جمال عبد الناصر. وأن يقوم المجلس بإعلانها باسمه كذلك. كما يرى أن تخول السلطة كاملة لجمال عبد الناصر، وأن يضع هو الأسس التي يراها كفيلة لتحقيق السيطرة.

حسين الشافعي: لم يوضح رأيه، وكل ما قاله تضامن من الأعضاء في المسئولية سواء كانوا مشتركين في النظام أو غير مشتركين.

أنور السادات: أوضح أنه كان قد سبق وأبدى رأيه، وذلك في الخطابين اللذين تقدم بهما إلى المجلس. وكان يقصد خطاب تفويضه السلطة لجمال عبد الناصر وكذا خطاب استقالته من المجلس. ويرى ترك الحرية لأعضاء المجلس ليختار كل منهم حسب رغبته إما الاستمرار في المشاركة في المسئولية أو التخلي عنها. وأن يصدر المجلس القرارات المتصلة بنظام الحكم الجديد. وأن يعلنها باسمه.

زكريا محيي الدين: يرى تخويل السلطة كاملة لجمال عبد الناصر بعد انتهاء فترة الانتقال. وأن يصدر المجلس نفسه القرارات المحددة للنظام الجديد ويعلنها كذلك. كما يرى ضرورة استمرار التعاون والتضامن بين أعضاء المجلس في النظام الجديد الذي سيقرر. وأن يحل مجلس قيادة الثورة.

البغدادي: بيَّن أن الثورة قامت على أساس من الصداقة والثقة المتبادلة، وأنها قامت بقيادة مشتركة ولكن ثبت فشلها خلال المدة الماضية لاشتراك البعض من أعضاء المجلس في السلطة التنفيذية مما أوجد الشك بينهم – وهو لهذا يرى أن تكون هناك قيادة واحدة وفي شخص واحد – وهو جمال عبد الناصر- ويكون مسئولاً عن النظام الجديد الذي سينفذ بعد انتهاء فترة الانتقال. وهو الذي يضعه ويعلنه باسمه لا باسم المجلس. وعلى أن يعلن هذا من الآن. كما يعلن أن مجلس الثورة سيحل عند أول انعقاد لمجلس النواب. ويرى أن تترك الحرية للشخص الذي سيتولى المسئولية في اختيار معاونيه من أعضاء المجلس. كما تترك الحرية أيضًا لأعضاء المجلس في قبول أو رفض العمل في أجهزة النظام الجديد. وأن كل عضو من المجلس أمين على صالح هذه البلاد. وعلى ضوء هذا الصالح سيقرر الاستمرار في التعاون من عدمه. وبين مسئولية جمال الذي سيكون مسئولاً عن النظام الجديد في وضع الخطة اللازمة للسيطرة وذلك عن طريق توزيع المسئوليات والاختصاصات والفصل بين السلطات بما يضمن نجاح النظام الجديد واستقراره واستمرار الثورة لتحقيق أهدافها. وبين أيضًا أنه كان يتمنى أن يستمر المجلس كوحدة واحدة متماسكة لأن قوة الثورة في هذه الوحدة – وأن أحسن الحلول في نظره أن يبقى المجلس في صورة مجلس جمهوري وأن يتولى جمال عبد الناصر السلطة التنفيذية.

جمال سالم: بيَّن أن من رأيه أن تخول السلطة إلى جمال عبد الناصر. وأن يعلن هو عن النظام الجديد المقترح. وقارن بين قوة إعلانه في الحالتين. وأنه أقوى لو أعلنه جمال عبد الناصر بامسه. وتقدم باقتراح أن يبقى أعضاء مجلس الثورة كمجلس استشاري بعد انتهاء فترة الانتقال. وأن تترك لهم الحرية إذا طلب منهم الاشتراك في السلطة التنفيذية أو التشريعية أو أي عمل آخر مع استمرارهم كمستشارين بجانب هذا العمل.

جمال عبد الناصر: قال أنه لا يحب أن يبني الحل على أساس الخلافات الموجودة بيننا. لأنها إن كانت موجودة بيننا اليوم لكنها ستنتهي بعد فترة. كما ذكر أنه لا يقبل أن تركز السلطة في يده ولا أن تخول له كاملة كما أشار أغلب الأعضاء. لأنه في هذه الحالة سيظهر وكأنه دكتاتورًا، كما أن الحكم سيصبح حكمًا أتوقراطيًّا. ثم قال: "ما دامت الأغلبية تخولني السلطة كاملة – فمعنى هذا أن يصبح لزامًا عليكم أن يقبل كل فرد منكم التعاون معي في العمل الذي أحدده له – ونحن بطبيعة الحال على (Level) مستوى واحد. وكل الناس تعلم ذلك. وأنه لن يقلل من شأن أي فرد منكم أن يقوم بأي عمل يطلب منه". وعند هذه النقطة قاطعه جمال سالم قائلاً: "بحيث لا يصبح الواحد منا يرى نفسه يتلقى الأوامر من أشخاص كان هو في مستوى وهم في مستوى أقل منه بكثير". وضرب مثلاً بذلك.

ولكن جمال عبد الناصر رد عليه بقوله: "كلا بل سيكون المستشار في نفس مستوى الوزير. وبنفس المرتب". وطلب أن يكون هذا إلزامًا على جميع أعضاء المجلس ولمدة خمس سنوات أخرى بعد انتهاء فترة الانتقال الأولى".

وكان واضحًا أن جمال عبد الناصر يحاول إقناع الأعضاء باقتراح جمال سالم الخاص بالعمل كمستشارين. وأن يستمر التعاون معه لمدة خمس سنوات جديدة. وانتهى الاجتماع ولم يستقر الرأي على موقفنا من الالتزام بالاستمرار في العمل لمدة خمس سنوات أخرى، وكذلك بالنسبة لاقتراح جمال سالم الخاص بالمجلس الاستشاري.

وبعد أن انتهى الاجتماع طلب جمال سالم من صلاح وحسن ومني أن نلتقي في منزله لاستعراض الموقف بعد هذه المناقشة.

الموت مع الحياة:

وأبدى صلاح ملاحظاته على أن جمال عبد الناصر قد ظهر بمظهر الضعيف في هذا الاجتماع لشعوره – على حد قوله- بأن هناك قوى أخرى في البلاد بدأت تتجمع. وهو يحاول كسبنا إلى صفه لهذا السبب. وقارن بين هذا الموقف منه وموقفه من وقت قصير مضى عندما كان يقول إنه مستعد لمجابهة البلد بمفرده. وأن يتحمل المسئولية وحده. وأن يقنع الشعب بذلك. كما أعاد صلاح ذكر قول عبد الحكيم إنهم على استعداد الاتحاد مع السودان إلى أن ينتهي منها بنجاح وعندها لن يتوانى عن محاربته – على حد قوله- لأنه لابد أن يتواجد في البلاد قوى أخرى لتوافر التوازن بها. كما أشار صلاح إلى اقتراح جمال سالم الخاص بالمستشارين، وأن جمال عبد الناصر وجدها فرصة فانتهزها لأنها تحقق أحلامه وأمله في أن نظل نظهر بمظهر الاستمرار والتماسك ولكن على أن نموت على الحياة – على حد تعبيره- كما تساءل عن طريقة التخلص من هذا الموقف الذي وضعنا فيه جمال سالم باقتراحه.

وأبدى حسن نفس الملاحظة بتراجع جمال عبد الناصر عن مظهر القوة ومحاولة الظهور بمظهر الضعيف.

وأما أنا فقد أحسست أنهم يكيفون سياستهم معنا حسب الظروف مراعين مصلحتهم فقط. وأنه يجب علينا أن نخرج بكرامتنا. وأن نعمل على إضعاف جمال عبد الناصر لأن غروره بقوته سيضر هذه البلاد في المستقبل، ولابد أن يشعر أن هناك قوى أخرى تناوئه حتى لا يشتط في تصرفاته.

وحاول جمال سالم أن يفسر لنا اقتراحه الخاص بالمستشارين فذكر أن انسحابنا بعد انتهاء فترة الانتقال لن تكون أسبابه واضحة الرأي العام؛ لأن رأينا السياسي غير معلن على الناس ولم نشرح لهم وجهة نظرنا ولا أوجه الخلاف بيننا. وأن انسحابنا على هذه الطريقة سيؤول تأويلات مختلفة تضر بنا سياسيًّا. وأن بقاءنا كمستشارين ولو لفترة بسيطة وبدون مرتب سيتيح لنا الفرصة للانسحاب عندما يصدر من جمال عبد الناصر أي تصرف ونرى ضرورة التصدي له والأمر سيكون في هذه الحالة واضحًا للرأي العام.

وكان نقاشنا معه –أي مع جمال سالم- عن اقتراحه الخاص بالمستشارين نقاشًا حادًا. وقد أخذنا عليه هذا الموقف الذي وضعنا فيه. وبعد نقاش طويل رأينا أنه ربما يكون من الأفضل الاستمرار ولو كمستشارين حتى يتم خروج آخر جندي بريطاني من على أرضنا. وتنتهي كذلك مسألة السودان وتقرير المصير. وذلك خوفًا من حدوث أي تحركات من الجانب البريطاني وإيقاف انسحاب قواته. أو تأثر قضية اتحاد مصر مع السودان لسبب أو آخر. وأن يلتصق هذا الأمر بانسحابنا ورتبط به على أننا أضعفنا قوة الثورة ونصبح في نظر الشعب في هذه الحالة خائنين لقضيتنا ما دام لا يعلم حقيقة موقفنا.

وكان عبد الحكيم قد اتصل بي تليفونيًّا يوم الثلاثاء 16 أغسطس 1955 – ومقترحًا السفر معه ومع جمال عبد الناصر إلى الإسكندرية في اليوم التالي (الأربعاء) بعد أن تأجل اجتماع مجلس الوزراء، كما وأن يومي الخميس والسبت التاليين له عطلة كذلك. ثم اتصل بي جمال عبد الناصر بعد ذلك مقترحًا نفس الاقتراح بعد أن تحدثنا في بعض الموضوعات. وأحسست أنهما يعملان على تحسين العلاقة بينهما وبيني.

هذا الشعب لم يمانع:

ولم يتحدث حديثًا ذا أهمية تذكر ونحن في طريقنا إلى الإسكندرية. ولكن عند عودتنا معًا يوم الأحد 21 أغسطس إلى القاهرة وبعد مرور ساعة من بدء مسيرتنا وأثناء حديثنا في موضوعات متنوعة سألني جمال عبد الناصر فجأة وبدون مقدمات: "ألم نفكر في نظام الحكم؟".

فأجبته إن من أهم النقاط التي تشغل بالي هو كيف يمكن أن نحقق حياة نيابية سليمة كهدف من أهداف الثورة. وأنه يجب أن تكون الفترة القادمة من مراحل الثورة فترة تدريب مع وضع تقاليد جديدة للحياة النيابية في بلدنا لأنها ستكون هي صمام الأمن في المستقبل لهذه البلاد. وأبديت خوفي أن يصبح المجلس النيابي القادم مجلسًا سلبيًّا وليس عنده إلا الموافقة على كل ما يعرض عليه. وإن أصبح كذلك مجلسًا سلبيًّا – فقد الشعب ثقته في النظام كله. وذكرت أنني أرى أن يعطي المجلس كل سلطاته كاملة من سؤال الوزير إلى استجوابه وإلى سحب الثقة منه فيما عدا سحب الثقة من الوزارة. وأن يشجع على أن يقوم بدوره كاملاً.

وقد أيدني عبد الحكيم في هذا الرأي ومبديًا نفس التخوف. كما وافق جمال عبد الناصر على إعطاء المجلس تلك السلطات التي أشرت إليها في حديثي. ثم رأى عبد الحكيم أن نحد النقاط الرئيسية في نظام الحكم. وأن نقوم بمناقشة كل نقطة منها على حدة. وبدأ يتكلم عن رئاسة الجمهورية كنقطة أولى، وبين أن هذا المنصب لابد أن يشغل حتى تأخذ الدولة شكلها... ولكن جمال قطع عليه حديثه قائلاً إنه كان يشعر أننا نعتقد أنه يريد التخلص منا. وأنه لا يمكنه أن يبني حلوله على العوامل الشخصية. وإن كان يبنيها على هذا الأساس لوافق على توليه السلطة كاملة كما اقترح أغلبية أعضاء المجلس في الجلسة السابقة ومستطردًا "وأن هذا الشعب لن يمانع".

قلت إنه من الطبيعي ألا يوضع نظام الحكم تحت تأثير العوامل الشخصية. كما أن التخلص من أي فرد من أفراد المجلس فيه إضعاف للنظام نفسه. أما بالنسبة لي – كما كنت أسمع- كانت مسألة شك. ولا يمكنني العمل في جو مثل هذا الجو. وقد فكرت في الاستقالة عندما سمعت ما كان يلصق بي. ولكن جمال سالم كان يشجعني على أن أتحمل وأن أضغط على أعصابي وعلى نفسي حتى يونيو 1956 –إلى أن يتم خروج القوات البريطانية من مصر وتنتهي مسألة السودان بإعلان تقرير المصير.

ورد جمال عبد الناصر بأنه كان قد تكلم مع صلاح سالم في برج العرب وأنه يعلم أن صلاح يلقي الكلام على عواهنه (ما ذكره يدش الكلام). وبدلاً من أن يصلح الأمر زاده سوءًا. وتكلم عن شعوره والجو الذي كان قد شعر به بعد عودته من باندونج. ومسألة التحقيق مع عمه. والاستقبال له. ومطالبة جمال سالم بمسئوليته عن المسائل التنفيذية. وبين إن كل هذا قد أوحى إليه بجو معين.

قلت: كنت تعتقد أن هناك خطة ولكن ما هدفها؟

فسكت جمال وتكلم عبد الحكيم قائلاً: "إن كل واحد في المجلس اشتكى لي من الآخر حتى أخلص الأصدقاء، ولم أحاول أن أنقل إلى الآخر الشكوى منه. وكنت أحاول أن أهدئ الحال باستمرار وأبسطها. ولقد ظهرنا في وقت من الأوقات وكأن في المجلس فريقين.

وسألني جمال عبد الناصر عن رأيي في مجلس قيادة الثورة. وهل أرى استمراره أو عدم استمراره بعد انتهاء فترة الانتقال.

أجبته: إن المجلس كمجلس له هيبته واحترامه عند الرأي العام. أما بالنسبة لأعضائه فقد أصبح الجزء الأكبر منه لا يبذل جهدًا ذهنيًّا في التفكير في المسائل التي تعرض عليهم وإنما ينتظرون رأي جمال عبد الناصر ليوافقوا عليه أو يردوه.

ووافقني جمال عبد الناصر وعبد الحكيم على هذا الرأي. ولكن عبد الحكيم سألني عن السبب فيما وصلوا إليه؟

أجبته: إنه في بداية الثورة كان هناك تطاحن في الآراء بين أعضاء المجلس، كل منهم يحاول إبراز وجهة نظره وشرح رأيه في الموضوع المعروض على المجلس. ولذلك كانت هناك نقاط كثيرة تثار. وكنا نخرج في النهاية بحلول جيدة للمشاكل أو المسائل المعروضة عليه. ولكن مع مرور الوقت أصبح البعض من أعضاء المجلس يتأثرون برأي جمال عبد الناصر، وأصبحت الأغلبية في جانبه وبصورة دائمة تقريبًا. وذلك دفع البعض الآخر من الأعضاء أن يكتفي بإبداء رأيه دون محاولة الدفاع عنه بنفس القوة والحماس التي كان يدافع بها من قبل لعلمه وتأكده أن الأغلبية ستكون في جانب جمال عبد الناصر مهما حاول في إبراز وجاهة فكرته وصوابها لأن النتيجة معروفة له مسبقًا مهما بذل من جهد.

ولكن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم ركزا في ردهما على هذه النقطة أن المتسبب في هذه الحالة التي وصل إليها البعض من أعضاء المجلس هو جمال سالم بسبب طريقته وعنفه أثناء الحوار الذي يدور حول الموضوع المطروح. وأن طريقته هذه دفعت هؤلاء البعض إلى الاحتفاظ برأيهم دون الإدلاء به تجنبًا من أن يهزأ جمال سالم بهم.

وحاولت أن أوضح أن جمال سالم لا يقصد الاستهزاء برأي الآخرين وإهانتهم، وإنما هذه هي طبيعته وطريقته في المناقشة، وهي معروفة لنا جميعًا وعلينا أن نتحمله.

وسألني جمال بعد الناصر أيضًا: هل تعتقد أن المجلس كله من الممكن أن يشترك في السلطة التنفيذية في المرحلة المقبلة بعد انتهاء فترة الانتقال؟

أجبته: إنه من الممكن أن يشترك الأعضاء الذين في إمكانهم التعاون معًا، أما الباقي منهم يمكن أن يصبحوا مستشارين كما اقترح جمال سالم. ولو أني أتساءل كيف سيمضوا أوقاتهم وهم بدون عمل كمستشارين – والفراغ قاتل، وهذا الفراغ لن يكون لشهر أو لعام ولكنه سيمتد لسنوات.

سألني عن الحل الذي أراه.

أجبته: إن هذه ستكون مسئوليته وعليه هو أن يبحث عن حل لها لشغل فراغهم.

قال: ولكنك وافقت على الاقتراح الخاص بالمستشارين.

أجبته: إنني لم أبد رأي في هذا الاقتراح لأنه لم يوضع موضع المناقشة عندما عرضه جمال سالم، وإنني شخصيًّا لا يمكن أن أوافق عليه، لأن معنى المستشار هو شخص دون عمل إلا إذا طلب منه الاستشارة في موضوع ما.

قال: ولكنك كنت قد اقترحت أن يكون هناك مجلس جمهوري.

أجبته: بالإيجاب. وأوضحت أن ذلك كان على أساس أن يتولى هو –أي جمال عبد الناصر- رئاسة الوزارة ويتكون من باقي الأعضاء مجلس جمهوري يتولى رئاسة الدولة، وعلى أن تكون رئاسة المجلس دورية بينهم كل عام. وأنه يريحهم نفسيًّا شعور كل فرد منهم أن الوضع واحد بالنسبة للجميع. وأني كأحد المساهمين في قيام هذه الثورة لا أتصور أن أبقى بدون عمل لعدة سنوات. وفي نفس الوقت أرى الآخرين وهم يساهمون بنشاطهم في بناء هذه الدولة. مع أن الثورة ثورتي كما هي ثورتهم.

وكان رد جمال عبد الناصر أن مساهمته هي أن يضحي ويتحمل هذا الوضع.

رددت: إن الإنسان بشر وهناك عوامل كثيرة تؤثر عليه.

واقترح جمال عبد الناصر أن يبقى مجلس اثورة وتحدد سلطاته بأن يتولى سلطات رئيس الجمهورية في حالة العجز الكلي أو الجزئي وعندما يتهدد البلاد خطر من الخارج أو الداخل، ولا ينعقد إلا بقرار من قائد الثورة. والبعض من أعضائه يشاركون في السلطة التنفيذية والبعض الآخر يظل عضوًا بالمجلس ويحضر اجتماعاته.

ولكنني ذكرت أنه يجب أن يكون لهذا البعض الآخر من الواجبات ما يشغل فراغهم.

ورد جمال عبد الناصر: يبقى يبحث المشروعات المختلفة ويبدي رأيه فيها. ومستطردًا وعلى العموم هذا اقتراح للبحث.

وعرض علي جمال عندما وصلنا إلى مبنى مجلس الثورة بالجزيرة أن أتناول الغداء معهما فيه وهما كانا يبيتان به وكذا زكريا. ولمح إلى أن أحذو حذوهم ولكنني اعتذرت بقرب موعد حضور عائلتي من الإسكندرية.

ولقد شعرت من كل هذا أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم يعملان على تحسين العلاقة بينهما وبيني حتى تعود المياه إلى مجاريها.

مناقشة حول مجلس الثورة:

وكان جمال عبد الناصر قد دعاني إلى تناول الغداء معه بمبنى مجلس الثورة في الجزيرة يوم الاثنين 12 سبتمبر 1955. واصطحبت معي حسن إبراهيم. وبعد تناول الغداء دار حديثنا حول عدة موضوعات ومن ضمنها نظام الحكم بعد انتهاء فترة الانتقال. ولم نكن قد تناولناه في المجلس بالمناقشة من مدة لانشغاله في موضوع استقالة صلاح سالم. وطلب منا جمال عبد الناصر أن نبدي له رأينا فيه ورأيت في هذا الحديث أن أثير موقف مجلس الثورة بعد انتهاء فترة الانتقال، وكيف يمكن الإبقاء على وحدته. فقلت إذا فرض واتفقنا على بقاء مجلس الثورة، وأن يكون له سلطة يمكن أن تحدد في الدستور الجديد... ولكن جمال عبد الناصر قطع علي الحديث قائلاً: "وألا يدعى إلى الاجتماع إلا بدعوة من رئيسه، وألا يجتمع إلا إذا حدث عجز كلي أو جزئي لرئيس المجلس، أو إذا كان هناك خطر خارجي أو داخلي يهدد أمن وسلامة البلاد".

فقلت: معنى هذا أن اجتماعاته ستكون نادرة وربما مرة واحدة في العام على أكثر تقدير –وإذا سلمنا أن البعض من أعضاء المجلس سيشتركون في أعمال السلطة التنفيذية والبعض الآخر منهم لن يقوم بهذه المشاركة – فكيف يمكن أن نشغل فراغ هذا البعض الذي لن يشارك مع التسليم أنه لن يزاول أي عمل آخر بطبيعة الحال.

فأجاب: "نتكلم بصراحة بصرف النظر عن العاطفة – يجب أن نبدأ الفترة الجديدة بأعضاء أقوياء يمثلون السلطة التنفيذية، ويمثلون الثورة الحقيقية". وأخذ يوضح رأيه في البعض من أعضاء المجلس وعدم اقتناعه باشتراكهم في السلطة التنفيذية بحجة عدم فعاليتهم أو لعصبيتهم في المناقشة. أما الباقون غيرهم فليس هناك ما يمنع من اشتراكهم.

وأبديت له أن لدي حلاً آخر. وآخذًا في شرحه موضحًا أن من مبادئ الثورة إقامة حياة نيابية سليمة. وأن الطريقة التي اقترحت لإيجاد هذا المجلس لن تحقق الهدف المنشود. فانتخاب أعضائه بالقائمة وبعد موافقة مجلس الثورة عليها – يعني هذا تعيينهم وليس انتخابهم من الشعب انتخابًا حرًّا مباشرًا. وإن نفذ هذا الاقتراح فغالبًا ما سيفقد أعضاء المجلس النيابي شخصياتهم بعد فترة، ربما بعد عام أو عامين على الأكثر. والمجلس بهذه الصورة سيصبح في النهاية مجلس الموافقين على كل ما يعرض عليه. وسيفقد الشعب ثقته فيه وبالتالي في النظام نفسه. ولكن إذا كنا نهدف إلى إقامة حياة نيابية سليمة وعلى أسس وتقاليد ثابتة فلابد أن نترك للشعب حرية اختيار ممثليه. وأن يعطى للمجلس النيابي كل السلطات. وأن تشكل السلطة التنفيذية من وزارة مدينة كاملة يرأسها أحد المدنيين. وأن يبقى مجلس الثورة كمجلس جمهوري. وله سلطات كافية لحماية أهداف الثورة وبعيدًا في نفس الوقت عن السلطة التنفيذية. وأن يترك لممثلي الشعب الحرية الكاملة في محاسبة السلطة التنفيذية ومراقبتها. وعلى مجلس الثورة (المجلس الجمهوري) أن يراقب الأمر عن بعد ويحاول إيقاف كل من يخرج أو ينحرف عن الصالح العام. وهذه المرحلة ستكون مرحلة انتقال لنا – يتعلم فيها ممثلو الشعب كيفية ممارسة حقوقهم – وتعرف في نفس الوقت السلطة التنفيذية أين حدودها – ويتعرف الشعب بذلك على ماهية الحياة النيابية السليمة. وبهذا يمكن أن نحقق عدة أهداف منها:

1-البقاء على وحدة مجلس قيادة الثورة وأن يتفرغ للدراسة ورسم خطة المستقبل وبرنامج الحزب والعمل على تكوينه والاستعداد به لدخول معركة الانتخابات المقبلة.

2-إتاحة الفرصة للشعب لتجربة أناس آخرين غيرنا فربما هذا يزيد من إيمانه وثقته في الثورة وقادتها.

3-بعدنا عن السلطة التنفيذية سيجعلنا الملجأ لكل مظلوم. ونعمل على رد كل اعوجاج أو انحراف.

4-من طبيعة شعبنا أن يمل الحاكم. واستمرارنا في الحكم لخمس سنوات جديدة تضاف على السنوات الثلاث المقبلة ستجعله يتمنى ألا يرى وجوهنا.

5-محاولة الاحتفاظ بهيبة أعضاء مجلس الثورة أطول فترة زمنية. واشتراكه في السلطة التنفيذية يعرضه للخطأ والمحاسبة من أعضاء البرلمان. والبعض منهم سيحاولون أن يكونوا أبطالاً شعبيين على حساب أعضاء مجلس الثورة المشتركين في السلطة التنفيذية. والرأي العام عندنا يتأثر بالكلام المنمق وليس بالوقائع. ونحن كلنا والحمد لله لا نعرف كيف نكسب هذا الرأي العام بالكلام المنمق.

6-إن هذه ستكون تجربة لنا للحياة النيابية السليمة وعلينا أن نعمل على مراقبتها من خارجها حتى نضع لها القواعد والأسس التي بها نضمن زيادة نجاحها عند إعادة تنظيمها. وأن نعمل على وضع تقاليد جديدة لها مكتسبة من عاداتنا وتقاليدنا.

7-إن تنازلنا عن السلطة وهي في أيدينا لها دلالتها وقوتها وبها نضرب المثل للأجيال القادمة.

القوة يجب أن تظل في أيدينا:

ويتلخص رد جمال عبد الناصر على هذا الاقتراح بأنه غير مستعد لأن توضع البلاد تحت تجربة. وأنه يخشى من السلطة التنفيذية المدنية المقترحة أن تخبط منه البلد – على حد تعبيره – وأن (Power) القوة هي دائمًا في يد السلطة التنفيذية. والناس دائمًا لا تسعى إلا إلى مكان هذه السلطة. وأن الناس ستنفض من حولنا في هذه الحالة عندما يرون أن مصالحهم أصبحت في أيدي أناس آخرين غيرنا. وضرب لنا مثلاً على ذلك حدث له شخصيًّا. وهو أنه كان قد طلب من اللواء الباجوري وكيل وزارة الداخلية بالمرور عليه بمكتبه وحدد له موعدًا لذلك. وكان جمال في ذلك الوقت يشغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء. ولكن تصادف أن طلب محمد نجيب وهو كان رئيسًا للوزراء اللواء الباجوري أيضًا. وحدد له موعدًا للمرور عليه بمكتبه وفي نفس الموعد الذي سبق أن حدده له جمال. ويقول جمال إن الباجوري ذهب إلى محمد نجيب ولم يسأل فيه –على حد قوله.

كما أن جمال تساءل في أثناء رده على اقتراحي عن وزارة الداخلية والقوات المسلحة ولمن تترك. وحاولت أن أبين له أنه من الممكن عمل السيطرة اللازمة على السلطة التنفيذية بأن يحضر هو اجتماعات مجلس الوزراء في بعض الأحيان وأن يتولى رئاسته في هذه الحالة. وأن يرسل لنا جدول أعمال مجلس الوزراء ليبدي كل منا ملاحظاته على المسائل الواردة فيه. وأن نناقشها معًا داخل المجلس الجمهوري المقترح. وأن يقوم جمال عبد الناصر بإيصال النتيجة التي نصل إليها إلى رئيس الوزراء.

واقترحت أيضًا أن نجعل فترة الانتقال الجديدة ثلاث سنوات بدلاً من خمس كما هو مقترح.

وتكلم حسن إبراهيم وأيد ما ذكرته من اقتراح. وأشار إلى أن الناس ستكون متأكدة من أن القوة (Power) الأساسية هي في مجلس الثورة – أي المجلس الجمهوري- وليست في مجلس الوزراء. وأن الوزراء أنفسهم سيرجعون إلى مجلس الثورة خاصة في المسائل ذات الأهمية، وعلى ذلك فليس هناك خوف لا على القوات المسلحة ولا على الداخلية كما ذكر جمال. وظهر من كلام حسن أننا متفقون في الرأي.

فأوضحت لجمال أنه سبق أن تناقشت مع حسن في هذا الحل الذي عرضته عليه. وأن حسن أصبح مقتنعًا به هو الآخر على أنه هو أسلم الحلول. وظهر لنا من مناقشة الموضوع مع جمال أنه مهتم بالسلطة ومركزها وهي أساسًا في أيدي السلطة التنفيذية، وهو يخشى أن يسلمها إلى شخص آخر.

ولقد كان متحمسًا ضد هذا الاقتراح الذي ذكرته في بداية الأمر. ولكن هذا الحماس أخذ يهبط أثناء المناقشة – ولم يكن واضحًا لي هل جاء هذا الهبوط نتيجة زيادة اقتناعه به أم أنه أراد عدم الاستمرار في خوض المناقشة لعدم اقتناعه. وأردت أن أتمشى معه لذا قلت إنه من المستحسن أن يأخذ وقتًا ليفكر في الاقتراح، وأنهينا بذلك المناقشة.

وكان تعليقي مع حسن على ما دار من حديث بعد انصرفنا من عند جمال أن الـ(Power) السلطة هي مشكلة المشاكل. وأن التنازل عنها يحل كل المشاكل ويبقى على وحدة المجلس. ولا يصبح هناك أي مظهر للانقسام بيننا ما دام كل أعضاء المجلس ستبتعد عن السلطة التنفيذية. وأن استمرار المجلس كقيادة جماعية وله سلطاته التي يقوم بتحديدها الدستور الجديد يحافظ على تماسكه وقوته، ويعطي انطباعًا عن استمرار الثورة.

ثلاثة حلول:

وبعد أن عدت إلى منزلي بعد هذه المناقشة مع جمال قمت كعادتي بتدوينها في يومياتي، وهي ما زالت حية في ذاكرتي وقبل أن تضيع مع مرور الزمن. وقد عقبت عليها أيضًا بالآتي:

والآن أصبح أمامنا ثلاثة حلول. وكل حل منها له مميزاته ومساوئه. وعلينا أن نقارن بين كل حل وآخر. وأن نختار أحد هذه الحلول الذي سيترتب عليه أقل الأضرار بالنسبة لمصلحة البلاد.

والحل الأول منها: هو هذا الحل الأخير الذي اقترحته على جمال عبد الناصر وبه نحافظ على بقاء مجلس قيادة الثورة متحدًا في شكل المجلس جمهوري يمثل القيادة الجماعية وله بعض السلطات يقوم بتحديدها الدستور الجديد. وأن يبقى هذا المجلس بعيدًا عن السلطة التنفيذية التي ستتولاها وزارة مدنية. وأن يكون هناك مجلس نيابي منتخب انتخابًا حرًّا مباشرًا من الشعب وله كل السلطات التي تعطي للمجالس النيابية الأخرى. وذلك لفترة انتقال جديدة مدتها ثلاث سنوات. وأن يكون نظام الدولة جمهورية برلمانية.

والحل الثاني: وهو الحل الذي يقترحه جمال عبد الناصر وهو حل مجلس قيادة الثورة واشتراك بعض من أعضائه في السلطة التنفيذية، والباقي منهم يظل خارجها دون مشاركة. ولن يكون له عمل يذكر تقريبًا طوال فترة الانتقال المقترحة في هذا الحل ومدتها خمس سنوات. والحياة النيابية بالصورة المقترحة أيضًا في هذا الحل لا يمكن أن توصلنا إلى تحقيق هدف هام من أهداف الثورة – كما أن نظام الدولة ستكون جمهورية رئاسية – أي من يتولى رئاسة الجمهورية يصبح هو مسئولاً أيضًا عن السلطة التنفيذية. وهذا الحل بالصورة المقترحة سيسير بنا إلى طريق الدكتاتورية الفردية مع مرور الوقت.

والحل الثالث: هو الاستقالة من مجلس قيادة الثورة ومن السلطة التنفيذية أيضًا. وهذه الخطورة ربما يقدم عليها أكثر من عضو من أعضاء المجلس وسيترتب عنها نتائج لها انعكاساتها على الصالح العام. وسينتج عن هذا الانشقاق زيادة نشاط المناهضين للثورة.

وإذا كانت هذه الحلول الثلاثة التي أمامي – وإذا استبعدت الحل الأول منها لموقف جمال عبد الناصر منه وعدم اقتناعه به – فأي من الحلين الآخرين يمكن أن يقع عليه الاختيار؟

وجاء الرد على ذلك في يومياتي أيضًا حتى تقول: "إن تفكيري عند هذا الحد قد توقف ولا أعرف أي من الحلين اختار – لأن أولهما بعد استبعاد اقتراحي الأخير فيه تسليم مني بالموافقة على مجلس نيابي لن يمكنه أن يحقق هدفًا نسعى إليه وهو إقامة حياة نيابية سليمة. كما أن فيه أيضًا تسهيلاً لقيام الدكتاتورية الفردية التي يلاحظ أن جمال عبد الناصر يسعى إليها ويرسم لها ويعمل على تحقيقها ولكن تدريجًا – خطوة بعد خطوة.

وأما الحل الثاني منهما ففيه إضعاف للنظام نفسه، وهذا الانشقاق الذي سيترتب عن انفصال بعض من أعضاء مجلس الثورة ربما يدفع كلاً من إنجلترا والولايات المتحدة إلى السعي للقضاء على نظامنا الثوري خاصة بعد أن تصدينا لحلف بغداد، وبعد أن توجهنا إلى روسيا وتعاقدنا معها على شراء الأسلحة التي نحن في حاجة إليها. وأنهما لابد سيعملان بعد هذا الموقف منا على إسقاط هذا النظام أو كسره قبل أن يستفحل أمره وتنتقل منه العدوى إلى دول أخرى في المنطقة مما يؤثر على مصالحهما الضخمة فيها.

وإنني لأجد نفسي اليوم عاجزًا عن البت في هذا الأمر وليس أمامي من مفر غير الانتظار. وعلى ضوء ما سيجد من أحداث فربما يتكشف لي الطريق الواجب علي أن أسلكه".

ولم يكن قد مضى عدة أيام قلائل على هذه المناقشة مع جمال عبد الناصر والانتهاء أيضًا من مشكلة صلاح سالم واستقالته وقبول المجلس لها حتى واجهتنا مشاكل أخرى جديدة.

ففي يوم 21 سبتمبر 1955 علمنا أن قوة عسكرية إسرائيلية قد قامت باحتلال منطقة العوجة المنزوعة السلاح وطردت مندوبي هيئة الأمم المتحدة منها. وكانت الولايات المتحدة في نفس الوقت قد أرسلت "كيرمنت روزفلت" لمقابلة جمال عبد الناصر بعد أن وصل إلى علمهم تعاقدنا على صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا. وكان قد سبق قبل حضوره أن قام السفير الأمريكي بمقابلة جمال عبد الناصر يوم 20 سبتمبر 1955 وتحدث إليه عن اعتراض الولايات المتحدة على إتمام هذه الصفقة. وقامت كل من الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا بشن حرب باردة علينا بغرض إلغاء هذه الصفقة التي كان قد تم توقيعها كما ذكرت سابقًا في الباب الثالث.

ونتيجة لهذا الموقف من هذه القوى والتي لا قبل لنا بها كان لابد لنا نحن أعضاء مجلس قيادة الثورة من أن نعمل على زيادة تماسكنا وتكاتفنا لمواجهة تحدياتهم. وأصبح لزامًا على كل عضو فيه أن يقدر هذه الظروف التي تمر بها بلادنا وأن يعمل كل منهم قدر استطاعته على تجنب الفرقة والخلاف.

ولم يكن مجلس قيادة الثورة قد دعي إلى الانعقاد مرة ثانية لمعاودة مناقشة نظام الحكم وأخذ قرار نهائي فيه بعد اجتماع يوم 7 أغسطس 1955 – وذلك حتى أول يناير 1956 عندما دعا جمال عبد الناصر المجلس لمناقشة مشروع الدستور الجديد المقترح الذي سيحل محل الدستور المؤقت ويتواءم مع المرحلة الجديدة للثورة بعد انتهاء فترة الانتقال. وكان جمال عبد الناصر قد شكل لجنة قانونية من عدد محدود من بعض القانونيين لإعداد هذا الدستور. وكان يرأسهم مستشاره القانوني محمد فهمي السيد. وقام مجلس الثورة بعقد عدة اجتماعات في أيام متتالية ابتداء من يوم الأحد أول يناير 1956 لمناقشة المشروع المقترح. حتى يمكن إعلانه على الشعب لإبداء الرأي فيه قبل الاستفتاء عليه.

وكان أهم ما يلاحظ على المشروع المقترح هو أن الجمهورية المصرية لا هي جمهورية رئاسية ولا هي برلمانية بالوضع المتعارف عليه ولكنها خليط من الاثنتين معًا. ورئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية. وقد حددت له سلطات واسعة. وأغلب تلك السلطات والحقوق التي كانت واردة في مشروع الدستور المقترح ينظمها القانون وذلك بغرض ضمان السيطرة. كما نص أيضًا فيه على أن يعين قائد الثورة – أي جمال عبد الناصر- رئيسً للجمهورية في الفترة الأولى- وذلك لضمان استمرار النظام والثورة. وفي الفقرات الأخرى من الدستور أعطى الحق لمجلس الأمة أن يقوم بانتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية الأصوات فيه ثم يقوم بترشيحه إلى الشعب للاستفتاء عليه. وأعطى أيضًا للمجلس من السلطات ما لا يقل عما هو وارد في دساتير بعض الدول من سؤال الوزير إلى استجوابه وسحب الثقة منه. كما أعطى له أيضًا الحق في محاكمة رئيس الجمهورية إذا فقد الثقة والاعتبار. كما أعطى لرئيس الجمهورية حقًا مقابله وهو سلطة حل مجلس الأمة. كما أنه ورد في مشروع الدستور أيضًا على انتظام الأمة في اتحاد قومي شعبي كتنظيم سياسي. وهذا الاتحاد هو الذي يتولى الترشيح لعضوية مجلس الأمة. وجاء به كذلك ألا يسمح بقيام الأحزاب إلا بعد أن يصدر القانون المنظم لها، وبناء على اقتراح من الحكومة وموافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة. كما أن أهداف الثورة الستة التي تسعى وتعمل جاهدة إلى تحقيقها ورد ذكرها في مشروع الدستور كأهداف مطلوب تحقيقها ولو تدريجًا. ونص أيضًا ولأول مرة على أن مصر دولة عربية وهي جزء من الأمة العربية. ودين الدولة الإسلام. كما ورد فيه أن للدولة الحق في أن تؤمم بقانون كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة مقابل تعويض عادل.

وقام الشعب المصري بالاستفتاء على هذا الدستور المقترح وعلى رئاسة جمال عبد الناصر للجمهورية في يوم 25 يناير 1956 ونال أكثر من 98% من أصوات الناخبين. وانتقلت السلطة إلى جمال دستوريًّا بعد هذا الاستفتاء. وأصبح هو أيضًا بحكم رئاسته للسلطة التنفيذية له حرية اختيار معاونيه من الوزراء سواء من المدنيين أو من زملائه أعضاء مجلس الثورة السابقين ليعاونوه في أعمال السلطة التنفيذية. وأصبحت مسئولية كل منهم طبقًا للدستور الجديد مسئولية فردية وعن العمل المنوط به فقط وليست تضامنية كما كان الوضع أثناء وجود مجلس قيادة الثورة والذي كان يمثل قيادة جماعية.

وكان قد سبق هذا الاستفتاء انتهاء سحب القوات البريطانية من أرض مصر في يوم 13 يونيو 1956. وتم الجلاء بعد أن ظلت بريطانيا محتلة بلادنا أكثر من سبعين عامًا. واحتفل بهذا الجلاء رسميًّا يوم 18 يونيو 1956 في مدينة بور سعيد برفع العلم المصري على سارية مبنى البحرية بها والذي كانت تشغله القيادة البريطانية. وقام جمال عبد الناصر برفع العلم بعد أن قبله. وبعد أن قام زملاؤه أعضاء مجلس قيادة الثورة بتقبيله أيضًا والدموع تترقرق في أعينهم فرحة بهذا الأمل الذي تحقق والذي طالما حلمنا به وضحى في سبيله الكثير من شهدائنا.


وكان من المفروض أن ينعقد مجلس الأمة طبقًا للدستور الجديد في نوفمبر 1956، ولكن أحداث تأميم قناة السويس وما تبع ذلك من حرب شنتها علينا كل من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل كان قد أجل انتخاب أعضائه واجتماعه حتى يوم 22يوليو 1957.

وكان قد اتفق في مجلس الثورة أثناء مناقشة مشروع الدستور على أن أقوم بترشيح نفسي لرئاسة مجلس الأمة في أول انعقاد له. وعندما تم انعقاده في يوليو 1957 رشحت نفسي لرئاسته. كما قام العضو بالمجلس محمد محمود جلال بترشيح نفسه أيضًا. وتم انتخابي رئيسًا له بأغلبية الأصوات.

الباب السادس: استقالة صلاح سالم وأسبابها

1-ضعف الأمل في اتحاد مصر مع السودان وأسبابه.

2-تقديم صلاح استقالته من مجلس قيادة الثورة ومن الوزارة.

3-مناقشة مجلس الثورة اقتراحين تقدم بهما صلاح.

4-موافقة المجلس على قبول استقالة صلاح من الوزارة فقط.

5-ادعاء صلاح أن هناك سياسة حكومية أخرى تدعو إلى استقلال السودان واتهامه لبعض المسئولين.

6-تمسك صلاح بأن استقالته مشروطة بإعلان استقلال السودان فورًا.

7-استماع مجلس الثورة إلى المسئولين الذين اتهمهم صلاح.

8-عدم موافقة المجلس على إعلان استقلال السودان فورًا.

9-عودة المجلس إلى مناقشة استقالة صلاح سالم ثانية.

10-قرار المجلس بإعطاء صلاح إجازة بدلاً من قبول استقالته.

11-اعتراض صلاح على قرار المجلس.

12-ادعاء صلاح بوجود مؤامرة من بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة لعدم إتمام اتحاد مصر مع السودان.

13-استقالة جديدة من صلاح بدلاً من الأولى.

14-مجلس النواب السوداني يقرر عمل استفتاء على تقرير المصير.

15-قرار مجلس الثورة باستقالة عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري.

16-مطالب صلاح سالم.

17-إفشاء صلاح سر التعاقد مع روسيا على شراء أسلحة منها لأحد الصحفيين المصريين.

18-قبول مجلس الثورة استقالة صلاح من المجلس ومن الوزارة.

19-مهاجمة قوة عسكرية إسرائيلية لمنطقة غزة.

20-ثمن الأسلحة المشتراه من روسيا.

21-عودة جمال سالم من زيارته للهند وأندونيسيا.


كان صلاح قد طلب انعقاد مجلس قيادة الثورة يوم الخميس 25 أغسطس سنة 1955 ليعرض عليه موقف مصر من الاتحاد مع السودان – وانعقد المجلس في ذلك اليوم وتواجد كل الأعضاء فيما عدا جمال سالم لوجوده بأندونيسيا وأنور لوجوده ببور سعيد. وكان المجلس قد استدعى كلا من اللواء صلاح حرب وزير الحربية الأسبق وكذا الأستاذ خليل إبراهيم لإعطائنا صورة عن الموقف في السودان فيما يتعلق بالاتحاد مع مصر – ولقد قاما بشرح الموقف موضحين أن قيام مصر برشوة كثير من السياسيين السودانيين والمشتغلين هناك كان له أثر سيء على أغلبية أفراد الشعب السوداني. حتى أصبح الشك يتناول كل شخص يتعاون مع مصر لاعتقادهم أن وراء هذا التعاون منه رشوة وقد حصل عليها من مصر. وهذه الصورة السيئة جعلت الكثيرين ممن يؤمنون بالاتحاد مع مصر يبتعدون عن التعاون معها درءًا لهذا الشك – كما وأن نور الدين رئيس الحزب الاتحادي هناك والذي تعتمد عليه مصر ضعيف وليست له شخصية، والملتفون من حوله قلة لا تذكر. وقد خلصا بعد سردهما لهذا الموقف إلى أن الأمل في اتحاد مصر مع السودان قد أصبح ضعيفًا للغاية وليس هناك من حل غير إعلان استقلال السودان.

وبعد أن انصرفا أخذنا نحن أعضاء المجلس قسطًا من الراحة، وفي أثنائها أخذ صلاح يبحث عن قلم ليكتب به استقالته – ولقد حاولت مع حسن إبراهيم إثناءه عن هذه الخطوة ولكنه كان مصممًا على كتابتها. وفعلاً قام بكتابة استقالته. ثم انفرد مع جمال عبد الناصر بمكتبه بعد إتمامها.

وعندما عاد المجلس إلى الاجتماع ثانية قدم صلاح استقالته التي كان قد كتبها إلى كمال الدين حسين بصفته سكرتيرًا للمجلس ليقوم بقراءتها علينا – وكانت استقالته تنص على الانسحاب من جميع الوظائف التي يشغلها وذلك لإيمانه – على حد قوله- بأنه لابد من تغيير السياسة المتبعة، حتى تكل اللحظة مع السودان. وبعد انتهاء كمال من قراءتها قال صلاح للمجلس إنه قد اتفق مع جمال عبد الناصر على قبول استقالته من الوزارة ولكن على أن يستمر عضوًا بمجلس قيادة الثورة. وذلك حفاظًا على وحدة المجلس – ثم تقدم بالاقتراحين التاليين ذاكرًا أن جمال عبد الناصر قد وافق عليهما. وهما:

أ-أن نعلن من جانبنا الموافقة على استقلال السودان فورًا.

ب-أن يقوم جمال عبد الناصر بالسفر باكر – أي اليوم التالي لاجتماعنا- إلى السودان ليعلن بنفسه هناك هذا الاستقلال عند اجتماع البرلمان السوداني.

وقام المجلس بمناقشة هذين الاقتراحين ورئي تأجيل مناقشة قبول المجلس لاستقالة المجلس من عدمه لوجوده بالاجتماع وعلى أن تناقش بعد أن يعطي صلاح للمجلس صورة عن علاقة مصر بالسودان. وبدأ صلاح يشرح الوضع هناك. فأعطانا صورة سوداء عما يجري في السودان وخاصة فيما يتعلق بثورة الجنوب هناك. والدم الذي أريق بين السودانيين الشماليين والسودانيين الجنوبيين. وبين أن ما حدث من إراقة للدماء قد التصق به على أنه هو المتسبب فيه – وكان يخشى أن يقوم السودانيون الشماليون بالانتقام من المصريين الموجودين هناك. كما بين أن غرضه من إعلان استقلال السودان فورًا من جانبنا هو أن يظهر وكأن هذا الاستقلال منحة منا بدلاً من أن يأخذه السودانيون قسرًا عند تقرير المصير. ولأن الكل هناك قد أصبحوا مجمعين على الاستقلال دون الاتحاد مع مصر – وهو كان يرى أن نحقق لهم ذلك فورًا لنتفادى الكرة الذي نشأ بسبب الدم الذي أسيل هناك – وباختصار فصلاح كان متأثرًا جدًا من هذه الناحية بالذات خاصة وأنها قد ألصقت به.

وتكلم صلاح أيضًا عن ضرورة سفر جمال عبد الناصر في اليوم التالي لاجتماعنا ليعلن بنفسه استقلال السودان في اجتماع البرلمان هناك – وأن يحمل النواب السودانيين هذه الأمانة ليصبح هو – أي جمال عبد الناصر- بذلك بطل استقلال السودان – على حد تعبيره- واعترضت على هذا الاقتراح منه مبينًا أنه لا يصح أن يذهب إلى هناك رئيس النظام هنا في مصر ليعلن بنفسه هذا الاستقلال لأن ذلك سيترتب عنه صدمة للرأي العام الداخلي في مصر. حيث إنه من المفروض أن يذهب جمال إلى هناك ليعود ويعلن أنه قد تم الاتفاق بينهم وبيننا على الاتحاد، لا على الاستقلال. خاصة أن الرأي العام في مصر معتقد بأن الاتحاد سيتم فعلاً كما تشير بذلك وسائل الإعلام عندنا.

وأما بالنسبة إلى إعلان استقلال السودان فورًا فقد اعترض كل من عبد الحكيم وأنا على اتخاذ هذه الخطوة من جانبنا دون القيام بعمل التمهيد اللازم لها، قبل إعلانها حتى لا يكون ذلك مفاجأة للشعب المصري وصدمة له. واقترح السعي إلى محاولة إيجاد جو من الثقة المتبادلة بين السودانيين وبيننا وأن نتركهم هم يقررون الاستقلال عند تقرير المصير، ذلك بأمل أن يتم أي نوع من التعاون أو الترابط بين البلدين – إن توافرت بينهما الثقة – ولقد اتفق معنا جمال عبد الناصر في هذا الرأي.

أبو نار يشرح الموقف:

وطلب صلاح من المجلس أن يستمع إلى مساعده في شئون السودان اليوزباشي محمد أبو نار – وطالبًا أن نستمع إلى رأيه بعد أن نصدر قرارنا في الموضوع حتى لا تتأثر بما سيقوله لنا – وذلك على حد قوله- ولكننا رأينا أنه من الأفضل الاستماع إليه أولاً. وشرح أبو نار الموقف بالسودان وأعطى للمجلس هو الآخر صورة سوداء عن الوضع هناك وموضحًا أن ليس هناك أي أمل في الاتحاد. ثم استأذن صلاح المجلس بعد ذلك في أن ينسحب من الاجتماع حتى يقرر المجلس ما يراه دون أن يسبب له حرجًا بوجوده فيه.

وبعد أن خرج صلاح من قاعة الاجتماع بدأ جمال عبد الناصر يبلغنا بما قاله صلاح له عندما انفرد به في مكتبه. وذكر أن صلاح قد صور له الموقف في السودان على أنه في غاية السوء. وأن المعلومات التي كان يقوم صلاح بإرسالها إليه لم تكن تمثل الحقيقة هناك. وأن اجتماع الهيئة التأسيسية للحزب الاتحادي برئاسة نور الدين والذي قرر فيه فصل الأستاذ إسماعيل الأزهري منها لم يكن صحيحًا أن عدد المجتمعين كان 198 من 236 عضوًا وهو العدد الكامل للهيئة كما جاء بالصحف، وإنما الحقيقة أن عدد الذين حضروا الاجتماع هم 89 عضوًا فقط. كما ذكر له صلاح أيضًا – على حد قوله- أنه كان كرتًا ولكنه قد حرق. ولابد من تغيير السياسة التي كانت متبعة حتى ذلك اليوم مع السودان. ومن أن صلاح قد طلب أن يستقيل من مجلس الثورة بالإضافة لاستقالته من السلطة التنفيذية، ولكن جمال عبد الناصر أقنعه أن يكتفي باستقالته من السلطة التنفيذية فقط، وعلى أن يستمر عضوًا بمجلس الثورة، وأن صلاح قد وافقه على هذا الرأي. وتكلم جمال عبد الناصر بعد ذلك عن سفره إلى السودان ليقوم من هناك بإعلان موافقة مصر على استقلاله وتحميل هذه الأمانة للنواب السودانيين ليصبح هو بطل استقلال السودان كما قال صلاح. وبين جمال معارضته لهذه الخطوة لما سينتج عنها من خسائر لشخصه داخل مصر. وعبر عن ذلك في نهاية حديثه بقوله إنه من الأفضل له في هذه الحالة أن يذهب إلى الكونغو ولا يعود إلى مصر بعد أن يعلن هذا الاستقلال.

الأغلبية تقبل استقالة صلاح:

ثم قام جمال عبد الناصر بعد ذلك بعرض طلب صلاح في الاستقالة من السلطة التنفيذية على المجلس، وكانت أغلبية أعضائه موافقة عليها فيما عدا كمال وحسن إبراهيم وكاتب هذه المذكرات. وكان وجهة نظرنا ترى أن يكتفي بتنحية صلاح عن الاشتغال بمسألة السودان وعن عمله كوزير لشئونها، وأن يتولى هذا الأمر شخص آخر بدلاً منه. وأن يظل صلاح وزيرصا لوزارة الإرشاد القومي. وقد بنينا هذا الرأي على أن صلاح لم يكن إلا منفذًا لسياسة المجلس في السودان، ولم تكن تلك السياسة سياسته هو، وإن كان قد أخطأ في التنفيذ فليس هناك داعٍ لأن يستقيل من كل مسئولياته التنفيذية. وأن انسحابه يجب أن ينصب فقط على تلك المسألة التي أخطأ في تنفيذها. وكان الغرض من ذلك هو ألا يشعر صلاح بأن المجلس قد تخلى عنه كلية رغم الجهد المضني الذي بذله في هذه القضية – وقددام هذا الجهد منه متصلاً لمدة ثلاث سنوات تقريبًا. وكان صلاح نفسه مؤمنًا إيمانًا قويًّا وعميقًا بالقضية. وكان علينا أن نراعى ذلك عند أخذنا القرار ومدى انعكاسه على حالته النفسية.

أما جمال عبد الناصر وعبد الحكيم فقد كانا يريان أننا حتى لو أخذنا هذه الخطورة فصلاح نفسه لن يوافق عليها، ولن يرضى بالاستمرار في العمل في وزارة الإرشاد – وكان الرد منا عليهما أننا نود أن نشعره بتمسكنا به وعدم التخلي عنه حتى نخفف الصدمةعليه، ولإراحته نفسيًّا. وكان زكريا يؤيد وبشدة بقبول استقالته بحجة أن وزارة الإرشاد متصلة بالإذاعة والصحافة.

وفي النهاية وبعد مناقشات طويلة كنا نحن الثلاثة في جانب وباقي المجلس في جانب آخر. ووافق المجلس بالأغلبية على قبول استقالة صلاح من السلطة التنفيذية. وأبدى جمال عبد الناصر رغبته في أن يتولى هو بنفسه مسألة السودان بدلاً من صلاح. ومعلقًا على ذلك بقوله رغم أنها مسألة فاشلة. واتفق المجلس على أن يعود إلى الاجتماع في اليوم التالي بعد أن نقوم بواجب العزاء في وفاة المرحوم القائمقام محمد الحسيني عبد الوهاب.

واجتمع المجلس يوم الجمعة 26 أغسطس وتواجد جميع الأعضاء فيما عدا جمال سالم وأنور لوجودهما خارج القاهرة. وكان صلاح قد ركب معي السيارة بعد أن اشتركنا في تشييع الجنازة ونحن في طريقنا إلى مكان الاجتماع، وكان يرافقنا أيضًا حسن إبراهيم. وسألنا عما تم في موضوع استقالته. فأبلغناه أن المجلس قد قبل استقالته من السلطة التنفيذية ولكنه لم يوافق على إعلان استقلال السودان فورًا. وكذلك لم يوافق على سفر جمال عبد الناصر إلى السودان. فلا مني على أنني كنت السبب في عدوله عن السفر وذاكرًا أن جمال عبد الناصر كان قد وافق على ذلك عندما انفرد به في مكتبه. ولكن جاء تردده عندما ذكرت أنه من المفروض أن يسافر جمال ليعود ويعلن عن قيام الاتحاد مع السودان لا استقلاله. وبين لنا صلاح أنه اشترط في استقالته عند قبولها أن يعلن عن تغيير السياسة المتبعة مع السودان، وأن يتم ذلك بإعلان استقلاله فورًا. وعند هذا الحد من الحديث كنا قد وصلنا إلى مبنى قيادة الثورة بالجزيرة.

صلاح يطالب المجلس بتوجيه الاتهام:

واجتمع ثلاثتنا مع جمال عبد الناصر وعبد الحكيم وزكريا ثم حضر بعد ذلك كل من كمال وحسين الشافعي. وكان صلاح قد بدأ يتكلم قبل حضورهما شارحًا لنا كيف أنه قد شعر ولمس بالأدلة الملموسة بأن هناك جهات حكومية أخرى وأشخاصًا مسئولين يعملون على استقلال السودان ويشجعون المسئولين السياسيين هناك على السير في هذا الاتجاه. وقد بين أن جمال عبد الناصر كان يعلم بهذا التصرف منهم ولكنه لم يتصرف معهم بالمؤاخذة. ولكن صلاح في أثناء حديثه هذا كان يحاول أن ينفي أن لجمال عبد الناصر بدأ فيما يجري. ولو أنه في نفس الوقت كان يحاول أن يوقع اللوم عليه. وكان يفهم من سياق حديثه أن جمال عبد الناصر نفسه يشجع هذه السياسة.

وما ذكره صلاح يتلخص في أن هناك سياسة أخرى تدعو إلى استقلال السودان، وأن جمال عبد الناصر يؤيد هذه السياسة. وأراد صلاح أن يثبت وجهة نظره هذه فأورد بعض الأمثلة متهمًا بها حسين ذو الفقار صبري عضو لجنة الحاكم العام بالسودان والقائمقام عبد الفتاح حسن نائب وزير الدولة لشئون السودان والقائمقام حمدي عبيد رئيس أركان القوات العسكرية بالسودان. وطالب صلاح المجلس بأن يوجه الاتهام إليهم. وأن يستمع إلى أقوالهم في هذا الشأن. وهو نفسه لن يحضر هذا الاجتماع أثناء مواجهتهم. وأن علاقته بمجلس الثورة ستحدد في المستقبل على ضوء ما سيتخذه من إجراءات ضدهم. وقد بين أن استقالته مشروطة بتغيير السياسة وذلك بإعلان استقلال السودان فورًا.

وانصرف المجلس بعد أن استمع إلى هذا الحديث من صلاح. على أن يجتمع ثانية في مساء نفس اليوم – أي الجمعة 26 أغسطس 1955 – وفي هذا الاجتماع الثاني حضر أنور السادات بعد أن عاد من بور سعيد. وطلب سماع الأستاذ أحمد قاسم جودة الصحفي بجريدة الجمهورية والذي كان قد زار السودان من فترة بسيطة.


جبهة عبد الناصر وجبهة صلاح سالم:

ولقد حضر وأعطى صورة للمجلس عما لمسه وسمعه في الخرطوم. وبادئًا حديثه بأنه عندما نزل من الطائرة في مطار الخرطوم وجد في انتظاره القائمقام حمدي عبيد، وقد ابتدره بقوله: "أظن أن الرئيس قد أرسلك لتعطيه صورة كاملة عن حقيقة الموقف هنا بعد عودتك؟" ولكنه أجابه على هذا التساؤل منه بأنه لم يوفد من قبل الرئيس، وأنه حتى لم يقابله قبل سفره – ولكنه قابل صلاح. ويستطرد قائلاً إنه شعر أن الناس هناك تعتقد أن هناك جبهتين خاصة بمسألة الاتحاد مع السودان – جبهة جمال عبد الناصر – وجبهة صلاح سالم. وأن – سمعة مصر هناك أصبحت سيئة للغاية بسبب الرشوة التي تعطى وتبذل لكل إنسان حتى في الشارع – على حد قوله- مما دعا الناس إلى الشك في كل من يتكلم أو يدعو إلى الاتحاد مع مصر على أن وراء دعوته رشوة قد دفعت إليه. وذكر أن المسئولين هناك يهاجمون مصر بأقسى الكلمات في الحفلات الرسمية وحتى في البرلمان السوداني نفسه. وأن كل المسئولين في السودان قد أساءهم مهاجمة مصر لإسماعيل الأزهري في الصحافة والإذاعة المصرية وقد أضر ذلك بالعلاقة بين البلدين. وأن الكل في السودان أصبح يدعو إلى الاستقلال. كما أوضح أن الصورة التي تعطيها الصحافة المصرية عن الموقف في السودان تختلف تمام الاختلاف عن الحقيقة هناك. وأن هذا ليس من الحكمة في شيء. ولابد أن تعطى صحافتنا الصورة الحقيقية للموقف. وذلك لإشراك الشعب في تلك المشاكل والتعرف عليها. وحتى لا يفاجأ مستقبلاً بالحقيقة وتكون صدمة له.

وذكر أن نور الدين والذي لا يزال واقفًا مع مصر. ويدعو إلى الاتحاد ضعيف ولا شخصية له. وأن جبهته في البرلمان السوداني لا تتعداه هو وشخص واحد آخر معه. وأن انتسابه إلى فكرة الاتحاد مع مصر تسيء إليها. وقد أشار من طرف خفي إلى أن السودانيين قد فقدوا الثقة في صلاح.

وفي النهاية خرج بنتيجة أنه لا أمل هناك يرجى في نجاح وتنفيذ فكرة الاتحاد بين مصر والسودان – نظرًا لتلك الظروف. ومقترحًا بأنه لابد من اتخاذ خطوة جريئة لإنقاذ الموقف. وهنا سأله زكريا: "ماذا تقصد بخطوة جريئة؟"، وقصد بسؤاله أن يفصح قاسم جودة عن فكرته ويوضحها. فرد قاسم جودة عليه بقوله: "أنه يرى مثلاً أن يصدر بيانًا من الرئيس يصرح فيه بأن مصر لن تتدخل في شئون السودان الداخلية. وأنه يهم مصر أن تكون على علاقة طيبة بإخوانهم السودانيين". وذكر لنا قاسم جودة أيضًا كل الأحاديث التي جرت بينه وبين بعض المسئولين هناك. وعما دار كذلك في المؤتمر الصحفي الذي كان قد عقده الأزهري وبعض الوزراء.

أسباب تحول الحزب الاتحادي:

واستدعى المجلس بعده عبد الفتاح حسن نائب وزير الدولة لشئون السودان وكذا حسين ذو الفقار صبري عضو لجنة الحاكم العام بالسودان وطلب منهما أن يشرحا للمجلس الأسباب والظروف التي جعلت الحزب الاتحادي السوداني يتحول من دعوته إلى الاتحاد مع مصر إلى الدعوةإلى الاستقلال. وهل لا يزال هناك أمل يرجى في الاتحاد – ولمن ستكون له الغلبة في المستقبل بعد تقرير المصير؟ وهل ستكون لحزب الأمة أم للحزب الاتحادي؟ وكذا موقف السيد أحمد الميرغني والسيد المهدي وإسماعيل الأزهري ومستقبل كل منهم السياسي وقوته في المستقبل في السودان، وذلك حتى يتمكن المجلس من أن يرسم السياسة المستقبلة مع السودان على ضوء هذه التعليمات.

وتكلم كل من عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري وكان كلامهما مسلسلاً ومرتبًا ويتفق مع المنطق ويخلصان من ذلك في النهاية إلى النتائج. ورأيهما كان واحدًا تقريبًا. وقد أثارا في كلامهما كل النقاط التي سبق وذكرها كل من اللواء صالح حرب وقاسم جودة عن ضعف نور الدين. والنتائج التي ترتبت عن فصل إسماعيل الأزهري من الهيئة التأسيسية للحزب الاتحادي. ومهاجمة وسائل إعلامنا له. والرشوة والضرر الذي نتج عنها. كما تكلما عن ماضي السودان وقوة المهدي واعتماده على قوة شعبية كبيرة منظمة ومدربة وذلك بخلاف الميرغني الذي يعتمد على الختمية وربما تكون أكثر عددًا من الأنصار التابعين للمهدي ولكنهم غير منظمين ولا مدربين. وأنهما لذلك يعتقدان أن النصر في النهاية بعد تقرير المصير سيكون للمهدي. وأشارا إلى أن الأزهري ليس من الختمية ولا من الأنصار ولذا فهو النقطة التي يلتقي عندها كل من المهدي والميرغني. وأن الميرغني لا يهمه السودان ولا أي شيء غير أن يكون الرجل الأول في السودان. وأن كرهه للمهدي شديد للغاية. وكانت النتيجة النهائية لاستنتاجهما ومعلوماتهما أنه أصبح لا أمل هناك يرجى في الاتحاد – بل سيطالب السودانيون كلا من مصر وإنجلترا بإعلان استقلال السودان بعد يوم 21 نوفمبر القادم مباشرة – وهو اليوم المحدد لجلاء كل من الجيش المصري والجيش السوداني عن السودان.

واقترح عبد الفتاح حسن إعلان مصر استقلال السودان فورًا حتى يصبح وكأن مصر هي التي أخذت بنفسها هذه الخطوة قبل تقرير المصير لإثبات حسن نيتها ولإعادة الثقة بين البلدين وذلك بدلاً من أن يحصل السودان على استقلاله رغم إرادتنا. وعلى أن تقوم مصر بعمل ميثاق وطني مع كل زعماء السودان يتم فيه الاتفاق على مياه النيل، وعلى عدم ارتباط السودان بأية معاهدات أو أحلاف عسكرية مع أية دولة أجنبية.

وقد تناقشنا معهما طويلاً حول فكرة إعلان استقلال السودان فورًا. ومدى تأثير ذلك على الرأي العام الداخلي في مصر. خاصة وأن الشعب المصري لا يعلم شيئًا عن حقيقة موقف الاتحاد مع السودان. والأمر يستلزم ضرورة القيام بعمل تمهيدي يسبق هذا الإعلان المقترح. حتى لا يصدم الرأي العام عندما يفاجأ بتلك الحقيقة.

وفي النهاية وجه إليهما جمال عبد الناصر الاتهامات التي كان صلاح قد ذكرها في اجتماع صباح نفس اليوم. وطلب منهما الإجابة على تلك الاتهامات، ولكنهما نفيًّا عن أنفسهما تلك التهم مؤكدين أنهما لم يعملا إلا لتحقيق الاتحاد مع السودان. ذلك لأن هذه هي سياسة الدولة وهما مرتبطان بها.

وبعد انصرافهما بدأ المجلس في استعراض الموقف ومناقشته.

ولقد وافق المجلس على عدم إعلان استقلال السودان. ورأى العمل فورًا على استعادة الثقة بين البلدين، مع السعي إلى إيقاف الحملة المضادة لنا هناك وترك مسألة إعلان استقلاله ليقررها السودانيون أنفسهم عند تقرير المصير.

ولما كان الأمل في الاتحاد قد أصبح ضئيلاً – لذا رؤي أن نسعى إلى تحقيق ولو جزء بسيط منه في شكل رابطة أو تعاون بين البلدين. مع ترك هذا الأمل المنشود في إقامة الاتحاد للأجيال القادمة لتعمل هي على تحقيقه.

وكان جمال عبد الناصر قد أبدى تراجعه عن رأيه السابق في أن يتولى هو مسألة السودان لأنه – على حد تعبيره- موضوع فاشل. وهو لا يحب لنفسه أن يصبح فاشلاً. كما ذكر أن الأمر أيضًا سيحتاج منه إلى الدفاع عن سبب فشل الاتحاد مع السودان – وهو لا يمكنه الدفاع عنه لو تولى تلك المسئولية. وذلك بخلاف الروح التي يمكنه أن يدافع بها لو كان بعيدًا عنها. ومحاولته إقناع الرأي العام في مصر أن انسحاب إنجلترا من السودان يعتبر في حد ذاته نجاحًا كبيرًا. وطلب جمال من المجلس أن يترك له حرية اختيار الشخص الذي سيكلف بهذه المهمة بدلاً من صلاح.

إجازة لصلاح سالم:

وقد بدأ المجلس بعد ذلك في مناقشة استقالة صلاح سالم ثانية. وكان رأي أنور السادات بعد عودته من بور سعيد هي قبول استقالته. كما كان هذا الرأي هو رأي زكريا كذلك. ولقد تحول رأي كمال إلى هذا الاتجاه أيضًا – وأما حسين الشافعي فلم يتكلم ويبدي رأيه. وكان رأي جمال عبد الناصر إما استمرار صلاح بدون أي تغيير في الوضع القائم أو قبول استقالته – وأنه ليس هناك حل وسط. وكان واضحًا من موقف عبد الحكيم أنه مع هذا الرأي أيضًا. وكنت أرى أن نأخذ حلاً وسطًا بحجة أنني لست متصورًا الهزة التي ستحدث للنظام داخليًا عندما ستعلن استقالة صلاح دون أية مقدمات. وأن ذلك سيكون إعلانًا عن فشل مسألة الاتحاد مع السودان. وأن هذه الخطوة من جانبنا لو اتخذت فإنها تعادل إعلان استقلال السودان تمامًا.

ولكن جمال عبد الناصر عارض هذا الرأي بحجة أنه ليس هناك حل وسط. وتمسك بوجهة نظره السابقة. وقد تكلم عبد الحكيم مؤيدًا للرأي الذي أبديته. وموضحًا أن استقالة صلاح ستكون تقوية للسودانيين وربما تزيد من تشددهم – على حد تعبيره- وأضفت على قول عبد الحكيم أنهم سيعتبرون استقالة صلاح اعترافًا منا ضمنيًّا بالموافقة على استقلال السودان. وهذا سيقضي على بقية الأمل الضعيف في إمكانية تحقيق الاتحاد. وذكرت أن استقالة صلاح مشروطة كذلك بضرورة تغيير السياسة المتبعة وذلك بإعلان استقلال السودان فورًا. وقد أعاد المجلس قراءة استقالته وتم تقليبها على أوجهها المختلفة ولكنها كانت تقبل هذا الشرط. وقد أيدني في هذا الموقف كل من عبد الحكيم وحسن إبراهيم.

ثم تكلم جمال عبد الناصر ثانية قائلاً إنه يعتقد أن ما قيل صحيح ولذا فهو يرى أن يأخذ صلاح إجازة. وذاكرًا أن السودانيين لابد سيعلمون بها وربما يسعون هم إلى الاتصال بنا – فإن رأينا منهم استعدادًا للتفاهم معنا فعلينا في هذه الحالة أن نسير معهم في اتجاه جديد محاولين استرداد الثقة بيننا وبينهم – وإن لم يكن فيعود صلاح ثانية ويستمر في مهمته.

ولقد وافق المجلس على هذا الرأي ثم أخذ في مناقشة الإجراءات التي يمكن اتخاذها مع كل من عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري لأن صلاح كان قد بنى أهمية على ما سيتخذ حيالهما. واتفق على أن يعطي لعبد الفتاح حسن إجازة هو أيضًا مع صلاح. وأما حسين ذو الفقار فلقد كان وضعًا خاصًا بحكم أنه عضو في لجنة الحاكم العام بالسودان. ولذا فقد رأى تأجيل اتخاذ إجراء معه.

وتساءل جمال عبد الناصر عن من الذي سيقوم بإبلاغ صلاح بهذه القرارات ومقترحًا أن أقوم بهذه المهمة ومعي حسن وأنور – ولكن أنور اعتذار. وانتهى الاجتماع حوالي الساعة الخامسة من صباح ثاني يوم لبدء الاجتماع.

وفي حوالي الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 27 أغسطس وكنت لا أزال بحجرة نومي، اتصل بي صلاح تليفونيًّا مستفسرًا عما تم في موضوع استقالته. فأبلغته أنني سأقوم بزيارته مع حسن ظهر اليوم نفسه لنذكر له ما تم. ولكنه ألح في الطلب وأصر على ضرورة إبلاغه. وحاولت أن أوضح أنه لابد له أن يعرف كل الظروف والمناقشات التي دارت وأحاطت بالموضوع، وكيف أمكن التوصل إلى القرار حتى تصبح الصورة واضحة وكاملة أمامه. ولكنه تمسك بضرورة معرفة القرار فورًا. واضطررت إلى إبلاغه أن المجلس يرى أن أعصابه مرهقة وهو في حاجة إلى فترة راحة. يحصل فيها على إجازة، على أن يتولى سلطاته التنفيذية أثناء إجازته شخص آخر بدلاً منه. وأنه على ضوء موقف السودانيين في أثناء هذه الإجازة سيتقرر هل سيعود ويستمر في سياسته الأولى أم لا. ولكن جاء رده على ذلك بقوله: "أبدا صلاح سالم يأخذ إجازة – لا يمكن أن أوافق على هذا". وحاولت تهدئته. وأن أبين له أن الغرض من هذا هو كسب الوقت. وأنني سأمر عليه ظهرًا للتحدث معه في هذا الأمر. فسألني عن من سيقوم بالعمل بدلاً منه أثناء الإجازة – فأبلغته أن جمال عبد الناصر طلب من المجلس أن يترك له حرية اختيار الشخص الذي يراه مناسبًا لهذه المهمة.

ولما ذهبت إليه مع حسن وجدنا عنده السفير الروسي. وكان يتكلم معه عن مسألة السودان. وقد أهداه السفير في نهاية الزيارة بعض الكتب عن روسيا والدستور الروسي. وكان صلاح مهتمًا بها أشد الاهتمام. وبعد أن انصرف السفير الروسي ذكر لنا صلاح أنه كان قد اتصل بجمال عبد الناصر بعد أن اتصل بي وأبلغه بمضمون القرار الذي ذكرته له. وأن جمال عبد الناصر أكد له أن ما قلته هو فعلاً القرار، ولكنه –أي صلاح- اعترض عليه أثناء حديثه معه.

وقمت مع حسن بإبلاغه عما قاله كل من قاسم جودة وعبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار، والقرار الذي توصل إليه المجلس، ولكنه اعترض عليه بحجة أن الإجازة معناها الاستقالة.وحاولنا إفهامه أن هذه الإجازة ما هي إلا فترة راحة له. وهو في أشد الحاجة إليها. وأن تلك الإجازة ستعطينا الفرصة لكسب الوقت والوصول إلى أحسن الحلول. ولكنه ظل مصرا على موقفه من الفرار. وأن استقالته مرتبطة بإعلان استقلال السودان فورًا.

وقام صلاح واتصل بجمال عبد الناصر تليفونيًّا وكان في حالة عصبية شديدة وقال له: "إن البغدادي وحسن موجودان عندي الآن ولكن لابد أن تعلم أن هناك مؤامرة كبرى تدبر لعدم إتمام اتحاد مصر مع السودان" ويشترك في هذه المؤامرة بعض المسئولين من داخل مجلس الثورة نفسه ومن خارجه. وأن الذي سيؤدي بالبلاد إلى التهلكة هو زكريا محيي الدين وعلي صبري (مدير مكتب جمال عبد الناصر للشئون السياسية) وبكره تعرف أنني قلت لك هذا. وأن علي صبري ينفذ سياسة الأمريكان والإنجليز بعدما طلبت اشتراك روسيا في لجنة تقرير المصير ورأوا أن يتخلصوا من صلاح سالم – وكيف تثقون في كلام صحفي لا يعرف شيئًا عن السودان. وكل ما أمضاه هناك 24 ساعة في الخرطوم – وكيف يبت المجلس في هذه المسألة وهو لا يعرف دقائقها؟" ومستطردًا قائلاً: أنه يلمس اتحاد السودان مع مصر كما يلمس جمال عبد الناصر نفسه تمامًا.

وقد اتهم أنور السادات أيضًا في الاشتراك في هذه المؤامرة المزعومة وذلك لإرساله قاسم جودة إلى السودان. وذاكرًا أن قاسم جودة قد أدلى بتصريح هناك على أنه موفد من قبل أنور السادات لمعرفة حقيقة الوضع بالسودان لإبلاغها إلى الرئيس جمال عبد الناصر.

وبعد أن انتهى صلاح من حديثه مع جمال أبلغنا أن جمال يطلب منا أن نذهب إليه. ولكن الصمت كان قد خيم علينا بعد حديث صلاح عن تلك المؤامرة المزعومة، والتي تحاك ضد اتحاد مصر مع السودان.

وبعد فترة قصيرة انصرفنا من عنده. وأخذنا طريقنا إلى مبنى مجلس الثورة. ووجدنا هناك جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين الذي دعاه جمال للحضور. ثم حضر عبد الحكيم. وطلب منا أن نقص عليهم ما حدث. فذكرت لهم حديث صلاح معي في التليفون في الصباح. ثم حديثنا معه بعد أن التقينا به، وقرار المجلس الذي اتخذ، وتعليق صلاح عليه بأن الإجازة معناها الاستقالة، ورفضه تنفيذ هذا القرار، وأن استقالته – كما ذكر- مرتبطة بإعلان استقلال السودان فورًا. ثم تكلم جمال عبد الناصر كذلك عن حديث صلاح إليه وتلك المؤامرة المزعومة.

وفي أثناء اجتماعنا هذا حضر صلاح فجأة ودون سابق علم عن حضوره. وبدأ يتحدث عن وجود تلك المؤامرة الكبرى – على حد قوله. ومن أن لديه المستندات التي تثبت ذلك. وأطلعنا على برقية من الصحفي اللبناني جبران حايك والذي كان بالسودان بدعوة من الحكومة السودانية. وقد تواجد هناك أثناء وجود قاسم جودة بها. وهذه البرقية التي أطلعنا عليها كانت مرسلة من جبران حايك إلى أحد وزراء إسماعيل الأزهري واسمه "يحيا الفضلي" ويبلغه فيها أنه – أي جبران – قد أطلع جمال عبد الناصر على وجهة نظرهم. كما ذكر أيضًا أنه قد أطلعه على حقيقة الموقف بالسودان، وأن مجلس الثورة قد اجتمع على أثر هذه المقابلة لمدة عشر ساعات. وطمأنهم في النهاية خيرًا. وأنه سيرسل إليهم التفاصيل فيما بعد. كما قرأ صلاح علينا أيضًا ما جاء بنشرة المخابرات المصرية والمرسلة من السودان. وقد جاء بها أنه قد سرت إشاعة في السودان عن أن صلاح سالم سيتنحى عن مسألة السودان وسيتولاها بدلاً منه أنور السادات . وكانت هذه المعلومات مؤرخة بتاريخ 24أغسطس 1955. وقد ربط صلاح بين هذه المعلومات وبين إرسال أنور لقاسم جودة إلى السودان. وحاول أن يبرز أن هذه المؤامرة المزعومة تهدف إلى إبعاده عن قضية السودان ليتولاها أنور بدلاً منه..

وبعد أن انتهى صلاح من حديثه فهذا سأله جمال عبد الناصر عن أسماء الذين يتهمهم من أعضاء مجلس الثورة في هذه المؤامرة.


صلاح يتهم السادات:

فأجاب بأنه يتهم أنور السادات وكذا علي صبري بحجة أنه يقوم بتنفيذ سياسة الأمريكيين والإنجليز في هدم صلاح وإبعاده عن مسألة السودان، بعد أن اقترح إشراك روسيا في لجنة تقرير المصير.

وسأله جمال عبد الناصر: "ألست أنت الذي اقترحت إعلان استقلال السودان، وذكرت أنك أصبحت كرتًا محروقًا، ومن أنك ستختفي نهائيًّا من عالم السياسة، كما صرحت لي بأنك كنت تخفي عني بعض المعلومات التي تشير إلى سوء الموقف في السودان".

وطلب منه جمال أن يعيد علينا ما سبق وذكره صلاح عندما انفرد به في مكتبه يوم تقديم استقالته. فأعاد صلاح ما كان قد سبق وذكره لنا جمال. ولكنه حاول أن يبين أن هذه كانت مناورة منه لكشف المؤامرة التي تهدف إلى إبعاده – على حد قوله.

وبعد ذلك تناولنا الغداء وأخذنا قسطًا من الراحة.. ثم اجتمع المجلس ثانية ولكن بدون صلاح.

وعرض على المجلس في هذا الاجتماع الاستقالة الثانية التي كان صلاح قد تقدم بها والتي يطلب فيها سحب استقالته الأولى لتحل هذه الاستقالة الجديدة محلها. وقد نوه في هذه الاستقالة الجديدة عن اتهامه لبعض الأشخاص بالعمل ضد اتحاد مصر والسودان. ولكنه لم يذكر أي اسم من الأسماء التي سبق واتهمهم بالتآمر.

وبعد أن قرأت استقالة صلاح على المجلس طلب جمال عبد الناصر من حسين الشافعي – وكان يجلس بجواره- أن يدلي برأيه في الموضوع للمجلس. وحاول حسين شرح وجهة نظره ولكنها لم تكن واضحة غير أنه في النهاية ذكر "ما هي الوسيلة لإرغام صلاح على الحصول على الإجازة؟".

وكان الذي يليه في إبداء الرأي حسن إبراهيم. وعلى ما يظهر أنه لم يكن هو الآخر قد كون رأيًّا بعد – ولكنه تساءل عن الكيفية التي يمكن بها عمل سيطرة على صلاح؟

وتليتهما في إبداء الرأي. وحاولت أن أوضح أن هناك نقاطًا لابد أن توضع في الاعتبار قبل أخذ القرار. وهي الرأي العام في مصر حيث إنه لا يعرف حقيقة الموقف في السودان. وكذا مدى رد فعل استقالة صلاح عند الشعب المصري. وأنه من الممكن التضحية بصلاح لو كانت هذه التضحية به تعطي لنا أملاً في الاتحاد مع السودان. ولكن ما أخشاه هو أن استقالته ربما تبعد هذا الأمل إن كان موجودًا. ذلك لأن السودانيين المعارضين لقيام الاتحاد سيزداد أملهم في الاستقلال أكثر من ذي قبل بعد إبعاد صلاح. وأن عامل الوقت ربما أيضًا له أهميته في هذه المشكلة، حتى يمكن التمهيد للرأي العام الداخلي في مصر عن حقيقة موقف اتحاد مصر مع السودان. وأن نعمل على أن يستمر صلاح في الإجازة خلال فترة التمهيد هذه. وأن يكون القرار بعد ذلك على ضوء ما يتبين لنا من موقف السودان. وكان يدور في ذهني في نفس الوقت وأنا أعبر عن هذا الرأي أنه قد أصبح من العسير التعاون بين صلاح وأعضاء المجلس بعد هذه الاتهامات المزعومة منه لبعضهم. والمصلحة كانت تدعو إلى عدم استمرار هذا الجو المشحون بعدم الثقة وصعوبة التعاون. ولكنني كنت أحاول الحفاظ على بقاء صلاح بقدر الإمكان مع محاولة كسب الوقت عسى أن يكون مساعدًا في شفاء تلك الجروح التي أصيب بها بعض الزملاء نتيجة اتهام صلاح. ولقد شعرت أن بعض أعضاء المجلس كانت قد بدأت تقتنع بالرأي الذي أبديته. وأحس جمال عبد الناصر بذلك. وأراد أن يعبر عن رأيه قبل دوره في الكلام. ولكن عبد الحكيم طلب منه أن لا يدلي به إلا بعد أن نستمع لوجهة نظر باقي الإخوان.

وتكلم من بعدي كمال. وكان متفقًا معي في الرأي تقريبًا. وكذلك عبد الحكيم غير أنه اقترح عمل (Board) مجلس ليتولى مسألة السودان. وأن يشترك في هذا المجلس المقترح صلاح. ويكون كعضو مجلس الإدارة المنتدب في الشركات المساهمة – هكذا شبهه عبد الحكيم – وذلك بغرض عمل سيطرة عليه. ولكن المجلس استبعد هذا الاقتراح ولم يوافق عليه.

وتكلم من بعده زكريا ثم أنور. ولم يذكرا رأيهما إنما اكتفيا بالقول أنهما متفقان معي في الرأي.

المسألة أجسم مما نتصور:

ثم تكلم في النهاية جمال عبد الناصر قال: "إن المسألة أصبحت أجسم مما نتصور، وهي اتهام لبعض من أعضاء المجلس بالخيانة. وكذلك مدير مكتبي ومعروف أنه مدير المكتب للشئون السياسية. ومعنى هذا أنني أيضًا أنفذ سياسة الأمريكيين والإنجليز. والمسألة أصبحت اليوم مسألة صلاح والمجلس. وليست مسألة السودان. لأن المسألة السودان أصبحت فرعية الآن بعد فقدان كل أمل في الاتحاد. ويجب أن نتحلل من العواطف ونبحث عن المصلحة. وأن رأيي لا يختلف عن رأي البغدادي، ولكنني أرى أن يكون الحل خطوة واحدة بدلاً من خطوتين كما يقترح البغدادي".

وأخذ جمال يشرح خطورة صلاح. بعد ذلك خاصة بعدما رأى فشل قضية السودان. ومن أنه أصبح ليس لديه مانع من هدم كل شيء فوق رءوسنا – وذلك على حد قوله.

ويستطرد ويقول: "كما وأننا مقدمون على معركة في يناير القادم، وكل العناصر المعادية للنظام متكتلة ضدنا، ويجب أن ندخل المعركة ونحن كتلة واحدة متماسكة نثق ونطمئن لبعضنا".

ولما سألته عن موقف جمال سالم بعد عودته من أندونيسيا إزاء هذا القرار سكت لفترة ثم قال: "والحقيقة كذلك أنني أريد أن ننتهي من هذه المسألة الآن لأن أخشى حدوث صعوبات أكثر (More complications) بعد عودة جمال سالم من السفر".

وكان جو المجلس مشحونًا ضد صلاح لأنه جرح كل شخص فيه بهذه الاتهامات. وكان المجلس على استعداد لأخذ قرار قبول استقالته من مجلس الثورة ومن السلطة التنفيذية. وكان زكريا وأنور ثائرين وفي حالة غضب شديد؛ لأن صلاح قد ألصق بهما تهمة التآمر ضد الاتحاد مع السودان. وكذا جمال عبد الناصر لموقف صلاح من علي صبري واتهامه أيضًا في هذا التآمر وكنت أحاول دائمًا في اقتراحاتي كسب الوقت لأني كنت أعتقد بأن الوقت كفيل بحل هذه المشكلة عندما يهدأ الجو. وكان هذا اتجاه حسن إبراهيم أيضًا. أما عبد الحكيم عامر فكان رأيه مائعًا بخصوص هذه المشكلة – وكان كمال يرى أن اتهام صلاح لزملائه بهذه الصورة جريمة منه لا تغتفر – وأما حسين الشافعي فكان متأثرًا بالجو العام واتجاهه مع الأغلبية.

إن اتهام صلاح لزملائه بهذه الصورة جريمة منه لا تغتفر – وأما حسين الشافعي فكان متأثرًا بالجو العام واتجاهه مع الأغلبية.

وحتى لا يؤخذ قرار في هذه الجلسة المشحونة ضد صلاح طلبت التأجيل بحجة أن المسألة تحتاج منا بل وتستحق التفكير. وقد أيدني حسن في هذا الطلب. وعليه أجلت الجلسة لثاني يوم على أن نجتمع بعد تناول العشاء مع وزير خارجية لبنان الذي كان موجودًا بالقاهرة. واعتبر أن صلاح مستمر في الإجازة.

مسئول أم غير مسئول!!

وفي ثاني يوم – الأحد 28 أغسطس – لم أذهب إلى مكتبي لشعوري بالإرهاق وفضلت البقاء بالمنزل. ولكن حوالي الظهر اتصل بي صلاح تليفونيًّا. وسألني عن النتيجة التي توصل إليها المجلس في اليوم السابق بعد مناقشة الموضوع. فحاولت أن أوضح له أن المجلس لم يصل بعد إلى قرار نهائي.

فسألني "طيب من المسئول عن السودان الآن؟ والحوادث هناك تتغير من ساعة إلى ساعة... والسفير البريطاني طلب مقابلتي".

وحاولت أن أبين له أنه متعب، وفي حاجة إلى الراحة، وأن يعتبر نفسه في إجازة.

ولكنه رد علي "كيف؟- لابد أن أعرف – هل أنا مسئول أم لا؟".

فأجبته بأنني قد سمعت جمال عبد الناصر في اليوم السابق يقول لعبد الحكيم: "ابقى شوف المسائل الخاصة بالسودان حتى ننتهي ونصل إلى قرار".

فما كان من صلاح إلا أن قال: "معنى هذا أنه قرار – ويجب أن يعلن حتى لا أكون مسئولاً عن السودان أمام العالم".

وحاولت إفهامه أن هذا ليس بقرار ولكننا نشعر أنه مجهد. ومن أن عبد الحكيم سيرجع إليه بطبيعة الحال في المسائل الهامة التي يرى ضرورة استشارته فيها..

قال: "إذا لم يكن هذا قرارًا – فهل هي وصاية؟" ولكنني أجبته بالنفي ومبينًا أن ذلك قد اتخذ حتى لا تتعطل الأعمال الخاصة بالسودان. وأن هذه الخطوة اتخذت فقط عندما شعرنا بتعبه وإرهاقه.

قال: "يجب أن أعرف هل أنا مسئول أم غير مسئول؟ ويجب إعلان ذلك وإلا فسأضطر أن أتصل بالسفير البريطاني وأعتذر له عن عدم مقابلته مبلغًا إياه أنني أصبحت غير مسئول منذ يومين".

فوعدته بأنني سأعيد الاتصال به ثانية وأنهيت الحديث معه.

وقمت بإبلاغ جمال عبد الناصر عما حدث من صلاح. فطلب مني الاتصال بعبد الحكيم وأن نتفق معًا على أي حل نراه – ولما اتصلت بعبد الحكيم وأبلغته بما حدث سألني عن رأيي – فطلبت منه أن يتصل بصلاح ويبلغه أننا كنا نعتقد أنه مجهد. ولكن إذا كانت له الرغبة في الاستمرار في نظر المسائل الخاصة بالسودان فليس هناك ما يمنع ذلك. وأن يعرض عليه مساعدته في هذا الأمر.

عايزين تذبحوني!!

ثم عاد صلاح واتصل بي ثانية. وأبلغني عن اتصال عبد الحكيم به، وأنه –أي عبد الحكيم – قد أخذ يفسر له ويحلل – على حد قوله- ولكنه غير مقتنع بما قال له. وأشار إلى أن عبد الحكيم سيذهب إليه ولكنه –أي صلاح- لا يود أن يرى أحدًا من أعضاء المجلس لأنه – على حد تعبيره- أصبح لا يتصور أحدًا منهم بعدما طعنوه من الخلف. وكان لا يزال مصرا على معرفة هل هو ما زال مسئولاً أم لا؟ وأنه لابد من إعلان اسم المسئول بدلاً عنه. وأنه لا يرضى لنفسه – على حد قوله – أن يكون برافانًا لجمال عبد الناصر – وعليه أن يواجه الحقيقة أمام البلد والعالم. ومستطردًا: "إللي عامل لي أحزاب داخل المجلس. ومجمع كل شيء ومركزها تحت إيده" – ومن أنه يتهمهم بالخيانة، ويجب محاكمتهم.

ورددت عليه بأن إن كان متأكدًا مما يقول فلماذا لا يعرض هذه الاتهامات على المجلس حتى يحقق فيها.

فقال: "المجلس مين؟!" وأخذ يتهكم على البعض من أعضائه.

ولما طالبته بأن يكون واقعيًّا. رد علي بقوله: "تنازلوا عن السلطة وجيبوا هيئة تأسيسية لتحكم البلد".

ولما أعدت عليه قولي السابق من ضرورة أن يكون واقعيًّا، وألا يلقى التهم جزافًا.

أجابني: "ألم تسمع قاسم جودة – وما قاله عبيد له؟ ألم تتطلع على البرقية المرسلة من جبران حايك – أليست هذه مستندات ولا عايزين شهود؟ أنتم عايزين تدبحوني ولا إيه؟"

فأخذت أعمل على تهدئته حتى انتهت المحادثة.

وفي المساء حوالي الساعة السابعة مساءً اتصل بي صلاح لثالث مرة. وكان موجودًا عندي حسن إبراهيم. وكان صلاح في هذه الحادثة هادئ الأعصاب ويتكلم بهدوء. وسألني عما إذا كان عبد القادر حاتم قد تولى ركن السودان في الإذاعة. فأجبته بأن ليس لدي علم بذلك. فطلب مني أن أسأل وأخبره. ثم أخبرني أن عبد الحكيم ذهب إليه. وقد أبلغه أنه لم يؤخذ أي قرار بقبول استقالته، أو تنحيته عن مسألة السودان. ولا حتى إعطائه إجازة. ولما وجدته هادئًا طلبت منه أن يريح نفسه ولا يجهدها وأن لا يفكر في شيء. وذكر أن عبد الحكيم نصحه بمقابلة السفير البريطاني باكر – أي في اليوم التالي لهذه المحادثة – فقلت له إن شعرت في نفسك الرغبة والقابلية للعمل فاعمل على مقابلته. فشكرني وانتهت المحادثة.

ولكن بعد نصف ساعة أعاد طلبي تليفونيًّا. وقال لي: "أخبرهم أن ليس لدي أي مانع من أخذ إجازة أو العودة إلى العمل، وكل ما أود معرفته هو – هل أنا مسئول أم لا؟ - وإن كنت مسئولاً فأحب ألا يتدخل أحد في عملي – لا في وزارة الإرشاد – ولا في الإذاعة – ولا في وكالة الوزارة لشئون السودان. وإن لم أكن مسئولاً فأحب أن أعرف، وليس مهمًا إعلان هذا من عدمه – وأنا على استعداد لمعاونة من سيتولى العملية من بعدي إن كان يرغب في أخذ رأيي في أي شيء – وهو حر يأخذ به أو لا يأخذ". فسررت لأن حالته أصبحت هادئة لهذا الحد. وشجعته على أن يريح أعصابه. وألا يهتم بالعمل في هذا الوقت وهو مجهد.

وبعد أن انتهينا من العشاء مع وزير خارجية لبنان – اجتمع مجلس الثورة في مبنى القيادة العسكرية بكوبري القبة. وكنت مع حسن إبراهيم قد تنبأنا أن قرار المجلس في تلك الليلة ربما يكتفي بتنيحة صلاح عن مسألة السودان فقط.

وتكلمت مع كمال وأنور وزكريا وحسين عن اتصالات صلاح بي التليفونية وعن تأثري لحالته التي وصل إليها. وأنه يجب النظر في الموضوع على ضوء أن التصرف الذي صدر منه لا يجب أن يؤخذ منا الجد لأن هذه هي طبيعة صلاح ونحن نعرفها جميعًا. ولكنني وجدت أن زكريا لا يزال ثائرًا ضد صلاح ومتشددًا. كما شعرت أن كمال الدين حسين يعطف عليه هو الآخر، وأما أنور فكان لا يزال متأثرًا من اتهام صلاح له.

ولما بدأت الجلسة، أبلغت المجلس باتصالات صلاح التليفونية معي، والحديث الذي دار بيننا، وشرحت للمجلس ما كنت قد شعرت به وأنا أستمع لصوت صلاح وهو يحدثني وحالة الإعياء الشديدة التي هو عليها. أن ما صدر من صلاح ليس بجديد علينا وأن هذه هي طبيعته. كما بينت لهم رأيي في ردود الفعل التي ستحدث داخليًا نتيجة استقالة صلاح. وتخوفي كذلك من التكتلات التي ستحدث بين أعداء النظام. ومن أننا في غنى عن هذا كله. خاصة أن المدة الباقية على نهاية فترة الانتقال – وهي يناير قصيرة، وشكل النظام سيتغير بعدها، وأنه من المستحسن الإبقاء على وحدة المجلس حتى يناير المقبل.

وقد تكلم من بعدي عبد الحكيم مبلغًا المجلس كذلك ما جرى بينه وبين صلاح من حديث أثناء زيارته له. ولكن جمال عبد الناصر قاطعه مطالبًا إياه بأن يذكر كل الكلام الذي كان صلاح قد قاله، وألا يخفى شيئًا منه لأنه – أي جمال عبد الناصر- قد علم به من أحمد أنور الذي رافق عبد الحكيم عند الزيارة. واستطرد جمال عبد الناصر ذاكرًا ما كان صلاح قد قاله عن بعض أعضاء المجلس من تهكم واستهزاء بهم، مما جعل هذا البعض يثور على قول صلاح. وذاكرين أنهم لا يمكنهم أن يتعاونوا معه بعد الذي حدث منه.

ولقد كان واضحًا في البداية أن اتجاه المجلس هو أن تمر تلك الأزمة دون ضجة كبرى.

وبعد أن هدأت ثورة بعض الإخوان على صلاح – تكلم جمال بعد الناصر قائلاً: "مسألة السودان قد انتهت لأن مجلس النواب السوداني سيجتمع باكر في الساعة العاشرة صباحًا ليقرر عمل استفتاء على تقرير المصير ومعنى هذا استقلال السودان. وقد طلب السفير البريطاني مقابلة صلاح ليتكلم معه في هذا الشأن لأن هذا يعتبر تغييرًا في الاتفاقية ولا بد من أخذ موافقة كل من مصر وبريطانيا. وقد أذاعت لندن أن مصدرًا مسئولاً من الحكومة البريطانية قد صرح أن إنجلترا ليس لديها مانع من الموافقة على مبدأ الاستفتاء". ومستطردًا "وإذا كان هذا هو موقف إنجلترا فلن يمكننا المعارضة. والمشكلة الآن أصبحت مشكلة صلاح وهي تحتاج إلى حل".

إجازة لصلاح سالم:

واقترح جمال عبد الناصر أن تؤخذ الأصوات على إعطاء صلاح إجازة من عدمه. ولقد وافقة المجلس بالإجماع على الإجازة. ثم أخذ قرارًا من المجلس أيضًا بالإجماع على عدم إعلان هذا القرار. ثم نوقش الإجراء الذي سيتبع مع عبد الفتاح حسن وحسين ذو الفقار صبري. فتم الاتفاق على أن يستقيل عبد الفتاح حسن وتعلن استقالته. وأما حسين ذو الفقار صبري فقد وافق المجلس على مبدأ استقالته أيضًا ولكن نظرًا لأنه عضو في لجنة الحاكم العام فلقد ترك الأمر لجمال عبد الناصر ليختار من سيحل محله، كما اتفق الأعضاء على أن يتولى جمال عبد الناصر مسألة السودان. وطلب هو أن يعاونه أحد أعضاء المجلس في هذا الأمر. فرشح له المجلس عبد الحكيم. ولكنه اختار زكريا بحجة أن لديه في المخابرات العامة جهازًا خاصًا بالسودان. ولقد حاول زكريا الاعتذار عن هذه المهمة ولكن المجلس وافق على أن يقوم بهذه المعاونة.

وقبل أن ينصرف المجلس طلب مني جمال أن أقوم بإبلاغ صلاح بهذه القرارات. وعلى أن يجتمع المجلس يوم الثلاثاء التالي لبحث قضية السودان والسياسة الواجب علينا اتباعها مستقبلاً.

وعندما وصلت إلى منزلي وكانت الساعة الثانية صباحًا، طلبني صلاح تليفونيًّا. وسألني عن سبب امتناعي عن الاتصال به وإبلاغه بقرار المجلس. فأجبته أنني قد وصلت توًّا من عدة دقائق فقط. فطلب مني أن أبلغه بالقرار. فحاولت إقناعه بأن الوقت متأخر، وأنني سأقوم بزيارته في الصباح. ولكنه ألح في ضرورة إبلاغه بما تم الاتفاق عليه. ولما أبلغته أن المجلس يرى أنه مجهد، وأنه في حاجة إلى إجازة، سألني عن من سيتولى المسئولية الموكولة إليه بدلاً منه، فأخبرته من أنه جمال عبد الناصر. فتساءل عما إذا كان هذا القرار سيعلن من عدمه. ولما أجبته بالنفي ومن أنه لن يعلن – رد علي بأنه لابد من إعلانه حتى يخلي مسئوليته – على حد قوله- أمام العالم من قضية السودان. ولكني ذكرته بما كان قد سبق وقاله لي قبل انعقاد الجلسة من أنه ليس لديه مانع من حصوله على إجازة، وأنه موافق على ما يتخذه المجلس من قرار، وليس لديه أي اعتراض أيضًا على إعلان تلك القرارات أو عدم إعلانها إلى آخر هذا الحديث. ولكنه رد علي بقوله: "تبقى لم تفهمني – وأخي جمال بس هو إللي كان يفهمني". فطلبت منه إيضاح ماذا كان يمكن لجمال أخيه أن يفعل لو كان موجودًا. فقال إنه كان يوافق على استقالته من مجلس الثورة ومن السلطة التنفيذية كذلك.

وأصبحت لا أعرف ماذا يريد صلاح، وأعتقد أنه هو نفسه لم يكن يعرف ماذا يريد، ولكنني أخذت في تهدئته. وكان مصرا على ضرورة القيام بإعلان القرار في نفس الليلة وإلا فإنه سيعمل على الاجتماع بالصحفيين ويعلن هو بنفسه هذا القرار. وطلبت منه مهلة على أنني سأعاود الاتصال به ثانية. واتصلت بجمال عبد الناصر وأبلغته بما حدث. والحديث الذي جرى بيني وبين صلاح. وكان رده بأن هذا قرار المجلس ولابد من عرض المسألة عليه ثانية. وذكر حتى لا يقال بأننا نأخذ قرارات دون الرجوع إليه. ورفض أن يدعو المجلس إلى الانعقاد في نفس يوم هذه المحادثة – أي يوم الاثنين- للنظر في طلب صلاح – بحجة أ، المجلس سيجتمع في اليوم التالي – أي الثلاثاء – وأنه يمكنه النظر في تلك المسألة عند اجتماعه. واقترح علي أن أبلغ صلاح بأنني لم أتمكن من الاتصال به.

واتصلت بصلاح ثانية وأخبرته بعدم تمكني من الاتصال بجمال، كما أن الساعة قد قربت من الثالثة صباحًا. والصحف قد تم طبعها وفي طريقها إلى التوزيع. ولكنه طالب بإصدار طبعة ثانية ملحقة. وقد أخذت أعمل على تهدئته. وهو كان ثائرًا في كل هذه المحادثات وبصورة عنيفة. وكنت أرى أنه من واجبي أن أتحمله ولا أغضب منه تقديرًا مني لظروفه.

صلاح يطلب إعلان الاستقالة:

وعند الظهر من يوم الاثنين 29 أغسطس ذهبت إلى صلاح ومعي حسن إبراهيم وكان في استراحة القناطر الخيرية – ولما تقابلنا معه كان هادئًا ومستسلمًا لما حدث ثم أخذ يضحك كعادته من كل قلبه وهو يذكر لنا ما كان قد قاله لعبد الحكيم عن رأيه في بعض أعضاء المجلس وهو ما سبق وذكره جمال عبد الناصر أمام أعضاء المجلس جميعًا بعد أن علم به من أحمد أنور الذي رافق عبد الحكيم عند زيارته لصلاح.

وقد لخص لنا صلاح مطالبه في الآتي:

1-أخذ قرار من المجلس بقبول استقالته من مجلس الثورة ومن الوزارة، وأن تعلن لأن الخبر لابد سينتشر وليس هناك داعٍ لإخفائه.

2-أن تتخذ الإجراءات لصرف معاشه – وأنه لا يرغب أن يظل يتقاضى مرتب الوزير.

3-أن يسمح له مؤقتًا بالاحتفاظ بمسكنه في قشلاق العباسية وكذا الاحتفاظ بالسيارة الحكومية.

4-أن يسمح له بالبقاء في استراحة القناطر الخيرية بعض الوقت. وعلى أن يسمح لأولاده أيضًا بأن يظلوا معه بها بعد عودتهم من الإسكندرية. وأن يدفع عنه ثمن الوجبات التي يتناولها بالاستراحة لأنه مدين بمبلغ 2500 جنيه.

5-أن تمنع الناس من زيارته لأن لسانه فالت على حد قوله – ولأنه سيتكلم وليس هناك من داع لأن يضار أحد بسببه.

6-لا يرغب في أن يقوم بزيارته أحد من أعضاء مجلس الثورة فيما عدا حسن إبراهيم وأنا.

وبعد عودتي من عند صلاح أبلغت جمال بمطالبه تليفونيًّا. فقال: "نعلن أنه في إجازة باكر" وانتهى حديثنا حول هذا الموضوع عند هذا الحد.

واجتمع مجلس الثورة في الموعد المحدد من قبل – أي يوم الثلاثاء 30 أغسطس 1955 – ولم يحضره عبد الحكيم لسفره إلى غزة وجمال سالم لاستمرار وجوده بالخارج. وطلب مني جمال أن أخبر المجلس بالحديث الذي كان قد دار بين صلاح وبيني وبين حسن إبراهيم في أثناء زيارتنا له بالقناطر – فأبلغتهم أن صلاح هو الذي بدأ بالكلام عند التقائنا به، وقد تركناه يقول ما عنده. فذكر أن عبد القادر حاتم قد جمع الصحفيين الأجانب وصرح لهم بأنه هو الذي أصبح مسئولاً عن وزارة الإرشاد القومي – ولما سألوه عما إذا كان الصاغ صلاح سالم قد استقال أجابهم بأنه لا يؤكد هذا الخبر ولا ينفيه. وأن كل ما يعرفه أنه قد أخذ إجازة طويلة (Long leave abscence) كما ذكرها صلاح نصًّا.

وقد ذكر صلاح أيضًا أنه رغم أن حاتم مديرًا لمصلحة الاستعلامات وهي خاضعة لإشرافه – أي لإشراف صلاح- كوزير للإرشاد إلا أن حاتم اعتبر نفسه مستقلاً عن الوزارة، وأخذ يعمل لنفسه دعاية في الصحف، ويكتب بها أن مصلحة الاستعلامات قد استنت لنفسها سنة جديدة، كما أن حاتم صرح أيضًا أن هذه المصلحة يجب أن تكون وزارة مستقلة بنفسها. وقال صلاح إنه اشتكى من هذا الوضع ومن تصرفات حاتم لجمال عبد الناصر ولكنه لم يتخذ معه أي إجراء. وهو –أي حاتم- يقوم بالاتصال بجمال عبد الناصر ويأخذ منه تعليماته مباشرة وليس من صلاح.

ذقت الأمرين في مسألة السودان:

وذكرت لهم أيضا ما قاله صلاح عن خدماته التي أداها للسودان، ومن أن الولايات المتحدة وبريطانيا قد نجحتا في سياستيهما، وتمكنتا من إبعاده، وأنه قال معلقًا على ذلك أن هذه مسألة سهلة بالنسبة إليهما – فإذا كانت مصر (المفعوصة) – على حد تعبيره- بتأثيرها بتعيين رئيس جمهورية سوريا – ويقصد به شكري القوتلي – وبتأثيرها أيضًا بتسقط رئيس وزراء لبنان – ويقصد بذلك عبد الله اليافي – وأنه ليس من الصعب عليهما إسقاط صلاح سالم. وأنهما لا يمكن أن يسكتا عليه بعدما طالب هو بإدخال روسيا وأوكرانيا في لجنة تقرير مصير السودان. وبعدما عمل أيضًا على الإفراج عن الشيوعيين المسجونين بمصر وترحيلهم إلى السودان. وبعدما اتفق مع السفير الروسي على بيع أسلحة لنا مقابل تصدير قطن وأرز لروسيا، والدفع على آجال. وذكرت أنه قال في النهاية. "على العموم لقد ذقت الأمرين في مسألة السودان، وما قاسيته في الشهر الأخير لا يمكن لأحد أن يتصوره. وأنني لم أكن أترك مكتبي يوميًّا قبل الثالثة أو الرابعة صباحًا. ولم أكن أرى أولادي حتى في العيد رغم بكائهم رغبة منهم في رؤيتي". كما تكلم عن ابنه المريض الذي يعالج بسويسرا. وصرح بأنه سيعود إلى مصر يوم 10 سبتمبر 1955. وسترافقه ممرضة للقيام بتمريضه، وأنه سيقوم بدفع أجر لها شهريًّا قدره 36 جم.

تم في النهاية حديثي أبلغت المجلس بطلباته والتي سبق ذكرها.

اتصال من مصطفى أمين:

وتكلم من بعدي جمال عبد الناصر مبلغًا المجلس أن مصطفى أمين كان قد اتصل به تليفونيًّا في مساء اليوم السابق – أي 29 أغسطس 1955 – حوالي منتصف الليل. وأخبره أنه يود أن يبلغه مسألة خطيرة علم بها – وذهب إليه مصطفى أمين. وأبلغه أن صلاح هلال الصحفي بدار أخبار اليوم كان قد زار صلاح سالم صباح نفس اليوم في القناطر الخيرية. وعلم هذا الصحفي من صلاح أن هناك بعثة عسكرية من الجيش المصري قد سافرت إلى روسيا لشراء أسلحة منها وذلك بعد أن تم الاتفاق معها. وأن أول شحنة من طائرات الميج والدبابات قد شحنت فعلاً إلى مصر. وأن مصطفى أمين قد علق بعد أن أبلغ جمال بهذا الحديث بقوله إنهم يتهمونه – أي مصطفى أمين – بأنه أمريكي ولكنه مصري أولاً وقبل كل شيء. وأن الإدلاء بمثل هذه المعلومات لها خطورتها.

ويقول جمال أنه قد طلب مصطفى أمين تليفونيًّا بعد أن غادره وطلب منه أن يعيد عليه ثانية الحديث الذي سمعه الصحفي صلاح هلال من صلاح – وكان ذلك بغرض أن يقوم جمال بتسجيله أثناء إعادة ذكره.

وعلق جمال على ذلك بقوله أن هذه خيانة من صلاح ويجب أن يحاسب عليها. ومستطردًا ذاكرًا أن (مستر دالاس) وزير خارجية أمريكا قد أدلى بتصريح اليوم في مؤتمره الصحفي، وأشار فيه إلى أن لديه معلومات وثيقة من أن روسيا قد عرضت بيع أسلحة إلى بعض الدول بالشرق الأوسط. وأن هذا العمل من جانب روسيا لا يساعد على تخفيف حدة التوتر الدولي – وحاول جمال بذلك أن يربط بين هذا التصريح وبين إفضاء صلاح لهذا السر والذي لا يعلمه أحد غير أعضاء مجلس الثورة وعلي صبري وأفراد البعثة العسكرية.

وبعدما ذكر جمال هذه الواقعة شعرت أن الموقف بالنسبة لصلاح قد تغير. وأنه قد أصبح من الصعوبة محاولة تهدئة الجو لتمر الأزمة بسلام.

وطلب جمال من زكريا أن يستدعي الصحفي صلاح هلال وأن يأخذ أقواله في هذا الخصوص.

ثم انتقل المجلس بعد ذلك إلى مناقشة الموضوع استقالة صلاح وقبولها من عدمه. وطلب مني جمال فجأة أن أقول رأيي، وضحك ضحكته تلك التي تخفى وراءها ما يدور في ذهنه من أفكار، وشعرت أنه يريد إحراجي. فسألته عن السبب الذي دعاه أن يطلب مني أن أكون البادئ بشرح وجهة نظري. رغم أن العادة جرت أن يبدأ بأخذ الرأي من الذي يجلس بجانبه سواء عن يمينه أو يساره أو بأحاديثه الأقدمية بين أعضاء المجلس – ولكنه لم يجيبني على تساؤلي.

وإنما ضحك وسكت. وسكت أنا كذلك لوهلة. ولكن سرعان ما قبلت بيني وبين نفسي هذا التحدي في الإحراج. وأن أتولى الدفاع عن قضية خاسرة.

وبدأت أشرح وجهة نظري بالنسبة لمشكلة صلاح واستقالته فقلت: "إنني إزاء عاملين: عامل العاطفة. وعامل المصلحة العامة. وعامل العاطفة يذكرني بتضحيات صلاح وخدماته رغم عصبيته، ولكنه تحمل مشاكل السودانيين لمدة ثلاث سنوات طوال – وكان كل هذا على حساب أعصابه. وأنه لم يكن في مقدور أي فرد من أفراد المجلس أن يتحمل ما تحمله صلاح. وما صدر من صلاح ليس بجديد علينا بل هذه هي طبيعته وكلنا نعرفها جيدًا. وعلينا أن نتقبل كل واحد منا بعيوبه، حفاظًا على وحدة المجلس. وليست متصورًا رد فعل استقالة جمال سالم عند الرأي العام بمصر وخاصة عند المخلصين للثورة – وهل في خروجه اليوم وقبول استقالته فائدة ترجى على قضية السودان؟".

وقلت: "أما عامل المصلحة يجعلني أتساءل هل يمكن التعاون بين صلاح وبين البعض من أعضاء المجلس بعد أن اتهمهم بالخيانة والتآمر؟ وهل في بقائه استمرار لوحدة هذا المجلس أم أنه ستحدث هزة أخرى جديدة في المستقبل ونحن في غنى عنها من الآن بعدما حدثت الهزة فعلاً وبعد تلك الشائعات التي تسري في البلاد؟".

واقترحت أن يظل صلاح في إجازة حتى يناير القادم إلى أن تنتهي فترة الانتقال، وذلك لأن اجتماعات المجلس بعد انتهائها ستكون نادرة وربما لا تزيد على مرة واحدة في السنة أن رئي استمراره. وأنه يمكن في هذه الحالة أن يستمر صلاح عضوًا بالمجلس حتى نبقي على شكل وحدته.

وتكلم من بعدي أنور السادات مبينًا عدم القدرة على التعاون مع صلاح لأن هذه الجروح التي أصابهم بها عميقة. ومن أنه أصبح لا يمكنه الجلوس معه بعد ذلك. وأن صلاح أصبح (Unfit) غير قادر على العمل على حد قوله – وذكر أنه يجب أن نكون رجالاً نواجه بعضنا بالحقائق المرة – وأنه أيضًا من حق أي فرد منا اتهام الآخر إذا كان عنده ما يدينه به، ولكن متى ثبتت براءته أمام المجلس فخرج أصدقاء وكأنه لم يحدث شيء.

وتكلم من بعده حسن إبراهيم قائلاً: "لماذا لا نحل مسألة المجلس كله دفعة واحدة بدلاً من أن نحل مشكلة صلاح فقط؟" وشرح ذلك بأن يختصر عدد أعضاء المجلس إلى العدد الذي يمكنه أن يتعاون وأن يتفاهم سويًّا. أما الباقي منهم فعليهم أن يستقيلوا. وقد شبه حسن ذلك بعمارة ضخمة ولكنها آيلة للسقوط، وبدلاً من تركها تسقط على من فيها فإنه يفضل أن تهدم ويبني محلها فيلا – على حد قوله.

ولكن جمال عبد الناصر علق على كلام حسن بقوله: "وإذا لم يكن عنده رأس مال لبناء هذا الفيلا – ماذا يفعل؟ - هل يسكن في خيمة ويطلب من الناس أن تسكن معه فيها وتشرب من الزير".

فأجابه حسن "أليس هذا أفضل أم الاستمرار وظهور صلاح سالم ثان من حين إلى آخر أفضل؟"

فسأله جمال عن من هو صلاح سالم الآخر؟، وكأنه يقول له قل جمال سالم. ولكن حسن سكت ولم يجبه على تساؤله.

وتكلم بعد حسن – حسين الشافعي موضحًا أن التعاون مع صلاح أصبح غير ممكن. وأن في بقائه ضررًا. وطالب بألا يكتب عنه شيئًا كتكريم له بمناسبة استقالته حتى لا يستغلها صلاح مستقبلاً – وذلك على حد قوله.

أما آراء باقي الزملاء فلم يدلوا بها لأن جمال اقترح أن توضع نقاطًا محددة وعلى كل عضو من أعضاء المجلس الإجابة على كل نقطة على حدة.

وحددت هذه النقاط بالآتي:

أ-هل يمكن لأعضاء المجلس التعاون مع صلاح أم لا؟

ب-هل في بقاء صلاح بالمجلس وحدة أو في بقائه عدم وحدة؟

ج-هل تقبل استقالته أم لا؟

وكانت إجابة الجميع على نقطة (أ) أنه لا يمكن التعاون مع صلاح بعد الذي حدث مه.

وعن (ب) أن في بقائه عدم وحدة لأنها مبنية على النقطة الأولى.

وعن (ج) قبول استقالته من مجلس الثورة ومن السلطة التنفيذية.

المجلس لا يوافق على استمراره بمسكنه:

ثم قام المجلس بعد ذلك في النظر في طلبات صلاح والتي كان قد أبلغنا إياها عندما قمنا بزيارته في القناطر الخيرية والتي سبق ذكرها وقد وافق المجلس على صرف معاش وزير له وقيمته 125 جم. وعلى بقاء السيارة الحكومية في خدمته وأن يستمر مقيمًا بالاستراحة كيفما شاء مع دفع الدولة ثمن الواجبات اليومية بدلاً منه. ولكن المجلس لم يوافق على استمراره في مسكنه الموجود داخل قشلاق العباسية وفضل أن يسكن بالمدينة.

ثم اقتراح جمال أن أقوم بإبلاغ صلاح بهذه القرارات ولكني طالبت أن يتولى هذا الأمر شخص آخر غيري. ولكن أعضاء المجلس أصروا على أن أقوم بهذا التبليغ.

وفي ثاني ويم – أي الأربعاء 31 أغسطس – قمت بزيارة صلاح. وأخذت أخبره بالقرارات التي اتخذها المجلس تدريجيًّا. فأبلغته بأن المجلس قد وافق على جميع طلباته فيما عدا استمرار سكنه بقشلاق العباسية. وأن المجلس قد قبل استقالته ما دام هو مصرا عليها. وكذا عدم إمكانية التعاون بينه وبين أعضاء المجلس بعد هذا التهكم والاستهزاء الذي حدث منه لهم. وسألته عما إذا كان قد قابل صلاح هلال الصحفي، فأجابني بالإيجاب. ولما استفسرت منه عما إذا كان قد ذكر له شيئًا خاصًا بصفقة الأسلحة مع روسيا. كان رده علي: "وهل هذا سر – إن جمال عبد الناصر نفسه قد أبلغ "بايرود" السفير الأمريكي بأن روسيا على استعداد لمدنا بالسلاح". ولكنه شعر أنه قد أخطأ بتصريحه عن هذا السر لهذا الصحفي ولذلك قال: "أنا آسف أنا قلت لكم إن لساني "فالت". وطلبت منكم أن تمنعوا الناس عن زيارتي". وطلبت منه أن يختار الأصدقاء الذين يثق بهم ويقابلهم. وأن يتحكم في نفسه. ويتحفظ في كلامه معهم؛ لأن منع الناس عن زيارته سيشعره بالضيق، وكأن إقامته قد حددت – ولكنه استطرد قائلاً: "إنكم لا يمكنكم حرماني من حق الدفاع عن نفسي، وأنا لا أقدر على السكوت. ومن المستحسن إبعاد الناس عني". وسألني عما إذا كانت استقالته ستعلن من عدمه. فأخبرته بأن المجلس يعتبر إعلانها أو عدم إعلانها من حق المجلس نفسه. فرد علي بأن هذا صحيحًا. ولم يعقب على ذلك. ثم انصرفت من عنده بعد أن تحدثنا في عدة موضوعات أخرى.

وكان مجلس الوزراء سينعقد في نفس اليوم – وذهبت لمقابلة جمال عبد الناصر قبل انعقاد المجلس لأبلغه بنتيجة مقابلتي لصلاح – فوجدت عنده زكريا. وذكر جمال أنه علم من شخصية كبيرة في السفارة الأمريكية أن إسرائيل تنوي القيام بعمليات حربية في تلك الليلة وعلى مدى واسع في منطقة غزة، بقوة ثلاث كتائب. ومن أنه قد اتصل بعبد الحكيم في مطار العريش وكان على وشك العودة إلى القاهرة وأبلغه بالخبر. وأن عبد الحكيم قد فضل البقاء هناك. ثم علمنا بعد أن انتهى اجتماع مجلس الوزراء أن إسرائيل قد قامت بهجوم مخادع على خان يونس في الساعة التاسعة مساءً ولكن في الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل بدأت بالهجوم على غزة.

وفي يوم الاثنين 5 سبتمبر وكنت قد عدت صباحًا من الإسكندرية وجدت أن جمال عبد الناصر كان قد سأل عني تليفونيًّا. ولما اتصلت به طلب مني المرور عليه بمكتبه وذلك حتى ننفي تلك الشائعات التي تملأ البلاد – على حد قوله- من أنني قد تقدمت باستقالتي ومعي حسن إبراهيم وأنور. وأن جمال سالم سيبقى بالخارج. ولن يعود إلى مصر. وأن جمال عبد الناصر قد ذهب لمفاوضة محمد نجيب في العودة ليتولى السلطة في البلاد.

وعلمت منه عندما التقينا أنه قام بزيارة صلاح دون سابق اتفاق بينهما. ورافقه عبد الحكيم في هذه الزيارة. وقد وجداه هادئًا. وذكر لهما صلاح موقفي منه أثناء أزمته، ومن أنني كنت أعمل على تهدئته وإعطائه صورة دائمة عن عطف المجلس عليه وتمسكه به. ويقول جمال أنه ذكر له أن هذه العلاقة التي بيننا قد قامت من قبل الثورة على أساس من الاتفاق على المبادئ والمحاربة من أجلها وقد تولد عن هذا صداقة متينة بين المجموعة.

روسيا وافقت على زيادة عدد الطائرات:

وقد دار الحديث أيضًا بيننا عن الأسلحة المشتركة المشتراه من روسيا، وأخبرني جمال أنها وافقت على زيادة عدد الطائرات الميج المشتراه منها من 60طائرة إلى 80طائرة. كما وافقت أيضًا على زيادة عدد طائرات قذف القنابل من 30 إلى 45 طائرة أليوشن. ولكنها رفضت أن تبيع لنا دبابات من نوع ستالين بحجة أنها سرية. وأن الدبابات التي وافقت على بيعها لنا من نوع "ت 34" – كما أنها وافقت أيضًا على مد قسط ديون هذه الأسلحة إلى خمس سنوات بدلاً من ثلاث، وأن نقوم بتصدير قطن وأرز لها مقابل هذه الديون.

وفي أول أكتوبر 1955 عاد جمال سالم من الهند وأندونيسيا بعد انتهاء رحلته هناك. واجتمعت به، وسردت عليه قصة استقالة صلاح، وكل ما جرى حولها سواء من صلاح أو من أعضاء مجلس الثورة وذلك حتى يصبح في صورة كاملة تجنبًا لزيادة المشاكل. وقد أسف جمال لموقف صلاح من بعض زملائه.

وكان أول انعقاد لمجلس الوزراء يحضره جمال سالم بعد عودته من رحلته هو يوم الأربعاء 5 أكتوبر 1955 – وقد تكلم في هذا الاجتماع مبينًا موقفه من استقالة صلاح، ومن أنه لا يربط بين الأخوة والمصلحة العامة – وأنه يشرف عائلة سالم تضحية صلاح.

واجتمع أعضاء مجلس الثورة بعد انتهاء مجلس الوزراء في مكتب جمال عبد الناصر وتكلم جمال سالم إلى زملائه قائلاً إنه قد عرف تفاصيل كثيرة مني عن موضوع استقالة صلاح. وأنه يأسف أشد الأسف لموقف صلاح من اتهامه لبعض من أعضاء المجلس وبتلك الاتهامات التي ليس لها نصيب من الصحة. وأنه يعتذر لهم نيابة عنه. كما ذكر أنه لا يحب أن تترك تلك الاتهامات المزعومة أي أثر في نفوس الزملاء. ولم يرد عليه منهم غير زكريا الذي قال: إنه الدافع في اتخاذ قرار قبول استقالة صلاح لم يمليه علينا غير الصالح العام. وأن هذه الاتهامات لم يكن لها أي تأثير في اتخاذ هذا القرار. ورد عليه جمال سالم ذاكرًا أنه مطمئن تمام الاطمئنان إلى هذا.


الباب السابع: تأميم قناة السويس

1-عقد اتفاقية عسكرية ثنائية مع سوريا، ومع المملكة العربية السعودية.

2-مهاجمة الجيش الإسرائيلي لمواقع عسكرية سورية.

3-شراء سوريا السلاح من الاتحاد السوفيتي.

4-تمويل مشروع السد العالي.

5-استعداد روسيا لتمويل وتنفيذ المشروع.

6-مساهمة البنك الدولي والولايات المتحدة وإنجلترا في تمويل المشروع.

7-مفاوضة "يوجين بلاك" رئيس البنك الدولي جمال عبد الناصر في قيمة القرض وشروطه.

8-سفر جمال عبد الناصر إلى يوغوسلافيا في يوليو 1956.

9-سحب الولايات المتحدة وإنجلترا والبنك الدولي مساهمتهم في تمويل المشروع.

10-قرار جمال في تأميم قناة السويس.

11-صدى قرار التأميم.


كان جمال عبد الناصر قد دعى عبد الحكيم كما دعاني لتناول العشاء بمنزله يوم الاثنين 10 أكتوبر 1955 مع الأمير فيصل بن عبد العزيز رئيس وزراء المملكة العربية السعودية ووزير خارجيتها الذي كان بالقاهرة لحضور اجتماع الجامعة العربية. وفي هذا اللقاء مع الأمير فيصل طلب – أي الأمير- تشكل لجنة عسكرية مشتركة من الجيش السعودي والجيش المصري لتقوم بشراء أسلحة للمملكة العربية السعودية من دول الكتلة الغربية. وكانت هذه الأسلحة المرغوب في شرائها هي التي التزمت بها الحكومة السعودية لتوفيرها لقواتها العسكرية لاستخدامها عند نشوب أي قتال بيننا وبين إسرائيل تطبيقًا للإتفاقية العسكرية الثنائية التي كان قد تم الاتفاق عليها مؤخرًا بين المملكة العربية السعودية ومصر.

وكان جمال عبد الناصر قد ذكر للأمير أثناء الحديث أن الوزير اللبناني لحود وزير خارجيتها قد قام بإبلاغه رسالة من كميل شمعون رئيس جمهورية لبنان ويطلب من جمال فيها أن يتوسط لدى الأمير أن يعمل من جانبه على تخفيف حملة الصحف اللبنانية عن كميل شمعون. ولكن الأمير تساءل عن دخل السعودية في هذا الأمر؟ وأجابه جمال: "إنهم يقولون أنكم قد اشتريتم هذه الصحف بإغداقكم المال عليها". فضحك الأمير وقال معلقًا: "إذا كان هذا في مقدورنا – فلنا أن نفخر به".

شمعون.. إنجليزي:

ثم تكلم الأمير عن كميل شمعون ذاكرًا: "أنه إنجليزي ويعمل على تنفيذ سياستهم، وأنه قد أصبح مكروهًا من الشعب اللبناني".

وانتقل الحديث بعد ذلك إلى مشروع "جونستون" لاستغلال مياه نهر الأردن، ومن أنه كان موضوع البحث والمناقشة في اجتماع الجامعة العربية المنعقد. وتساءلنا عما إذا كان تنفيذ هذا المشروع بالصورة المقترحة له، واشتراك إسرائيل فيه مع بعض الدول العربية الأخرى التي ستستفيد من مياه النهر، ألا يعتبر هذا اعترافًا ضمنيًّا بوجود إسرائيل كدولة – وهو ما تعترض عليه الدول العربية ولا تعترف به. ورد الأمير على هذا التساؤل بأن هذه النقطة كانت إحدى نقاط البحث التي تناولها الاجتماع بالمناقشة. وأنه قد ذكر أن هذا لا يعتبر اعترافًا من الناحية القانونية.

وجاء التساؤل الثاني – عما سيكون عليه الموقف لو لم توافق الدول العربية على هذا المشروع، وقامت إسرائيل بتنفيذه منفردة وبالقوة لحسابها وبمساعدة أمريكا – ذلك أن الدول العربية في هذه الحالة ستصبح أمام أحد أمرين إما العمل على منعها بالقوة – ويعني هذا الحرب بين العرب واليهود أو السكوت وعدم التعرض لها وذلك يعيد إلى أذهاننا مأساة مشروع تقسيم فلسطين عام 1947. عندما وقفت الدول العربية موقف عدم الموافقة عليه – وهي الآن تطالب هذا التقسيم الذي سبق رفضه.

أما التساؤل الثالث فكان حول قدرة العرب على القيام بتنفيذ مشروع "جونستون" لجسابهم دون إسرائيل وبدون المساعدة المالية أيضًا من أمريكا – والمشروع يحتاج إلى حوالي مائتي مليون من الدولارات لتنفيذه.

ورد الأمير على تلك التساؤلات منا بأن كل هذه النقاط هي محل بحث في اجتماع مجلس الجامعة العربية. وأنه قد طلب التأجيل حتى يقوم بدراسة تفاصيل المشروع المقترح الذي لم يكن لديه علم به.

ثم حضر بعد ذلك إلى منزل جمال عبد الناصر كل من سعيد الغزي رئيس وزراء سوريا ووزير خارجيتها ومعه اللواء شوكت شقير رئيس هيئة أركان حرب الجيش السوري، وكانا هما الآخرين مدعوين لتناول العشاء معنا. وبعد حضورهما دار الحديث بيننا حول موضوعات عامة إلى أن انتقل بقول جمال لهما: "لو أن إسرائيل أرادت التوسع أو القيام بعمليات حربية فإنها في هذه الحالة تفضل أن يكون ذلك التوسع على حساب سوريا أو لبنان، فهل قام السوريون بإعداد أنفسهم لذلك؟".

ورد عليه شوكت شقير بقوله: "إن إسرائيل لن تقوم بمثل هذه العمليات إلا لهدف. وهذا الهدف هو إجبار الدول العربية على الصلح معها. وهي إن قامت بعمليات ضد سوريا أو لبنان أو حتى لو احتلت دمشق نفسها فهي تعلم أن هذا لن يجبر الدول العربةي على الخضوع لها وطلب الصلح معها ولكنها تعلم أنها لو هاجمت مصر ودحرت جيشها – وهو أقوى جيش عربي- ففي هذه الحالة فقط يمكنها فرض شروطها على الدول العربية".

إسرائيل لن تقامر:

ورد عليه جمال عبد الناصر بقوله: "إن إسرائيل اليوم تفكر بدلاً من المرة عشرات المرات قبل أن تقدم على مهاجمة مصر لعلمها بقوة جيشها ومدى استعداده وهي الآن لن تحاول أن تقامر على كيانها".

وذكرت أن هناك احتمالاً في قيام إسرائيل بعمليات ضد سوريا بغرض احتلال المنطقة التي تؤمن بها إمكانية تنفيذ مشروع وادي نهر الأردن إن قررت القيام بتنفيذه منفردة لصالحها دون باقي الدول العربية، وهذا الاحتمال قائم لأهمية المشروع بالنسبة لاقتصادها. وعقب شوكت شقير على ذلك بقوله: "إن هذا محتمل".

ثم أوضح جمال أن الغرض من إثارته لهذا الموضوع هو الوصول إلى نقطة أساسية وهي أن نضع هذا الخطر نصب أعيننا. وأن نعمل له حسابه. وأن –ننسق خططنا حتى لا نفاجأ بهذا الموقف كما حدث للدول العربية عام 1948 – عندما بدأت الحرب بين العرب واليعود، وأن موقف الدول العربية لا يزال شبيهًا حتى تلك اللحظة بموفقها عندما قامت الحرب بينها وبين إسرائيل ذلك لعدم تنسيق خططها وعدم توافر التعاون بينها. وأن هذا القصور منها كان السبب الرئيسي في هزيمتها أمام إسرائيل.

ورد شوكت على جمال عبد الناصر بقوله: "إن سوريا ترى أن من المصلحة عمل اتفاقية ثنائية مع مصر على أن تقتصر على الناحية العسكرية فقط دون السياسية والاقتصادية" وذكر أنه أعد مشروعًا يحقق هذا الغرض، وأنه قد ناقش فيه في صباح اليوم مع اللواء محمد إبراهيم رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري. وقد طلب شوكت من عبد الحكيم أن يطلع عليه حتى إذا ما تم الاتفاق على ما هو مقترح فيه أمكن توقيعه من البلدين.

وأبدى الأمير فيصل اهتمامًا بالموضوع، وطلب إبلاغه إن تم الاتفاق على المشروع حتى يبلغ الأمر لشقيقه الملك سعود.

وعندما سأل جمال، سعيد الغزي عن موقف البرلمان السوري ومجلس الوزراء من هذا المشروع – أجاب بأنه قد حصل على موافقة مبدئية عليه من مجلس الوزراء السوري، ومن أن البرلمان لن يعارضه لأن الرأي العام في سوريا أصبح يطالب بمثل هذه الاتفاقية. وعلى أثر ذلك صرح له جمال أن مصر وقعت اتفاقية ثنائية مماثلة لما يقترحه مع المملكة العربية السعودية.

وعلق شوكت على ذلك بقوله: "إنه سصبح من السهل في المستقبل تحقيق حلف ثلاثي يربط الدول الثلاث مع بعضها – مصر والسعودية وسوريا- باتفاقية عسكرية واحدة" وذكر أنه من الممكن أن تتلوها بعد ذلك اتفاقية اقتصادية لزيادة الارتباط بين الدول الثلاث. واقترح إدخال لبنان في هذه الاتفاقية. ولكن جمال اعترض بحجة أنه لا يطمئن إلى لبنان تخوفًا من أن تقوم بإفشاء أسرارنا العسكرية. فذكرت أن سوريا ربما تهدف إلى إدخال لبنان عضوًا فيها لتمؤن بذلك الجناح الأيمن لجيشها نظرًا لاشتراك الحدود بين إسرائيل ولبنان. وأمن شوكت على ذلك – وأن هذا هو السبب الرئيسي في رغباتهم إلى إدخالها عضوًا في الاتفاقية. وأوضح أن وسوريا ستعمل من جانبها على عقد اتفاقية ثنائية مع لبنان. وأنه في حالة رفضها ستضطر سوريا عند نشوب أي قتال بينها وبين إسرائيل إلى احتلال تلك المنطقة المشتركة في الحدود مع إسرائيل حتى يمكن لها حماية جناح جيشها الأيمن. ولم يعترض أحد على قيام مثل هذه الاتفاقية بينها وبين لبنان.

ولم يكن قد مضى فترة طويلة على توقيع تلك الإتفاقية العسكرية بين سوريا ومصر، حتى أراد بن جوريون – على ما يظهر- أن يشكك سوريا في قيمة هذه الاتفاقية، فدفع بقوة عسكرية من الجيش الإسرائيلي لمهاجمة بعض مواقع عسكرية للجيش السوري قرب بحيرة طبرية – حوالي منتصف شهر ديسمبر 1955. وقد قتل في هذا الهجوم حوالي خمسين جنديًا سوريا. وقامت مصر بإبلاغ سكرتير عام هيئة الأمم أن أي اعتداء على سوريا مستقبلاً سيضطرها إلى مقابلته بتدخل من الجيش المصري. وأما سوريا فقد أكد لهم هذا الهجوم مدى أهمية هذا الاتفاق العسكري بينها وبين مصر. كما أنها شعرت أيضًا باحتياجها الشديد للسلاح لتزويد جيشها به. ولم يكن هناك من باب مفتوح أمامها لتوفير احتياجاتها منه غير روسيا. فاتجهت هي الأخرى إليها، كما سبق واتجهنا.

إعارة الأسلحة لإسرائيل:

وفي يوم الخميس 13 أكتوبر 1955 كان رئيس وزراء ليبيا في زيارة لمصر وبعد أن تناولنا العشاء معه في منزل جمال عبد الناصر ذهبنا إلى دار الأوبرا لمشاهدة حفلة فرقة الباليه الروسي. وكان السفير الروسي في استقبالنا هناك. وقد أردنا بذهابنا ومشاهدة هذا العرض أن نشعر الغرب بمدى العلاقة بين روسيا وبيننا. وأنها في ازدياد. وذلك بغرض دفعهم إلى تحسين العلاقة معنا. وعدم اتخاذ أية خدوات منهم أخرى تساعد على زيادة التباعد بينهم وبيننا. وكان يهمنا، بل وكنا حريصين على الاحتفاظ بعلاقات طيبة معهم خاصة بعد أن علمنا أن هناك عددًا من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي يطالبون حكومتهم بمساعدة إسرائيل، والعمل على مدها بالأسلحة اللازمة لها متعللين بحجة حفظ التوازن العسكري في المنطقة. وكان الأمر قد وصل بهم إلى حد مطالبة حكومتهم بإعارة تلك الأسلحة إلى إسرائيل دون دفع ثمن لها كرد من الحكومة الأمريكية على تلك الصفقة التي كان قد تم التعاقد عليها بين مصر وتشيكوسلوفاكيا مؤخرًا..

واجتمعنا بعد أن عدنا من مشاهدة هذا الاستعراض بالأوبرا لمناقشة تمويل مشروع السد العالي الذي كان سيقام على نهر النيل جنوب خزان أسوان. وكانت المعركة والتنافس بين الشرق والغرب قد انتقلت بينهما بالنسبة لمصر من موضوع السلاح إلى التنافس على تمويل مشروع السد العالي. وأصبح هذا المشروع بالنسبة إليهما في المرتبة الأولى خاصة بعد أن أعلنت روسيا على لسان سفيرها في القاهرة عن استعدادها لتقديم قروض اقتصادية لمصر أو لأي دولة عربية أخرى، هذا بالإضافة إلى استعدادها أيضًا – كما جاء على لسانه – إلى مد مصر بالمهمات والفنيين اللازمين لها لبناء السد وتمويله كذلك – على أن تسدد هذه القروض على مدى طويل من السنين. كما أعلن أن الحكومة الروسية ستتقدم بذلك رسميًّا إلى الحكومة المصرية. وعلى أثر هذا التصريح من السفير الروسي تحرك البنك الدولي وأعلن هو أيضًا عن استعداده لتمويل المشروع رغم المماطلة السابقة منه عدة مرات.

وكان حجم الاستثمارات المطلوبة لهذا المشروع تقدر بحوالي 450 مليونًا من الجنيهات، وثلث هذا المبلغ مطلوب توافره من العملات الحرة، وهي لم تكن متوافرة لدينا. وكان التفكير في طريقة تمويل هذا المشروع قد بدأ مع بداية عام 1954. وكان الاتجاه في بداية الأمر أن نعتمد على أنفسنا في توفير التمويل من النقد المحلي والأجنبي. وكان الدكتور عبد الجليل العمري وزير المالية يرى أن هذا ممكن عن طريق تصدير فائض انتاجنا من الأرز إلى الخارج مع استخدام الفرق بين سعره العالمي وسعره المحلي في تمويل المشروع دون أن نعتمد على أية دولة أجنبية أو الالتجاء إليها لتمويله، والفرق بين السعرين العالمي والمحلي للطن الواحد كان حوالي سبعين جنيهًا. وكان جمال سالم رئيس مجلس الإنتاج قد اقترح أن نقوم باستخدام احتياطي الذهب الموجود لدينا في هذا الغرض ذلك لعدم اطمئنانه إلى البنك الدولي. ولكن هذا الاقتراح منه استبعد لضرورة استمرار المحافظة على هذا الاحتياطي لاستخدامه عند الظروف الطارئة، وكذا عند النكبات إن حلت بالبلاد.

وكانت هناك بعض شركات من ألمانيا الغربية تبدي اهتمامًا بالمشروع منذ أن بدأنا في دراسته ولكنها لم تكن جادة بالقدر الكافي – لذا أعطى جمال سالم مهلة ثلاثة أشهر – من يناير حتى مارس 1954 – للقيام بالاتصال بهذه الشركات ومعرفة موقفها النهائي من المشروع. وأن يقوم الدكتور العمري في حالة عدم الوصول إلى اتفاق مع تلك الشركات بالاتصال بالبنك الدولي كمحاولة أيضًا لمعرفة مدى استعداده على المشاركة في تمويل المشروع.

وكان الهدف من هذه الاتصالات هو العمل على توفير النقد الأجنبي اللازم في تمويل المشروع من جهات أجنبية حتى يمكن لنا أن نستخدم فائض الدخل من تصدير الأرز في تمويل مشروعات أخرى لها أيضًا أهميتها وحيويتها لزيادة دخلنا القومي ورفع مستوى معيشة شعبنا وتوفير الخدمات اللازمة له.


البنك الدولي يوافق:

ولم يكن البنك الدولي حتى ذلك الوقت مهتمًا بالمشاركة في تمويل المشروع بحجة عدم وجود استقرار سياسي في مصر. ولكن بعد أن أعلن عن استعداد روسيا في مدنا بما نحتاج إليه من القروض وعن استعدادها لتمويل المشروع وتنفيذه فقد تحركت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكذا البنك الدولي. وقام البنك بإرسال بعض الفنيين لدراسة اقتصاديات المشروع وإمكانية مصر الاقتصادية، ووافق على المساهمة في التمويل اللازم للتنفيذ. كما قام البنك بدعوة وزير مالية مصر في نوفمبر 1955 لزيارة واشنطون لمفاوضة مندوبي الحكومتين الأمريكية والبريطانية اللتين وعدتا أيضًا بالمساهمة في التمويل اللازم للمشروع.

وفي 17 ديسمبر 1955 قام البنك الدولي وكذا كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بإعلان أنهم سيعملون على توفير قيمة النقد الأجنبي اللازم للمشروع في مرحلته الأولى من التنفيذ. كما أعلنوا أنهم يضمنون أيضًا المساعدة فيتمويله في المراحل الأخرى لإتمام تنفيذه. وتقدمت الولايات المتحدة بمنحة مالية منها مقدارها عشرون مليونًا من الجنيهات، وكذا بريطانيا بمنحة مقدارها خمسة ملايين من الجنيهات أما البنك الدولي فقد تقدم بقرض قيمته سبعون مليونًا من الجنيهات. وقد كان على مصر أن تقوم بتوفير النقد المحلي اللازم لتكملة التمويل للمشروع.

وحضر إلى القاهرة في يناير 1956 "يوجين بلاك" رئيس البنك الدولي لمفاوضة جمال عبد الناصر في قيمة البنك وشروطه. وكان البنك يطالب بأحقيته في مراقبة ميزانية الدولة المصرية، وكذا ميزان مدفوعاتنا متعللاً بضرورة اطمئنان البنك على استقرار الاقتصاد المصري، وليضمن بذلك حصوله على استحقاقاته من الديون الممنوحة منه لنا. كما أنه طلب أيضًا ألا نعمل على الحصول على أية قروض أخرى أجنبية إلا بعد الحصول على موافقة منه. وكان "يوجين" رئيس البنك يحاول إقناع جمال عبد الناصر بأن هذه الشروط طبيعية، وأنها متبعة مع كل الدول التي يقوم البنك بإقراضها.

ولكن هذه الشروط التي كان البنك يطالب بها كانت تخيفنا وتذكرنا بالماضي عندما استدان الخديوي إسماعيل من بعض الدول الأوروبية، وكيف تحول الأمر في النهاية بحجة ضمان حصولها على استحقاقاتها من هذه الديون أن أصبح لها الإشراف الكامل على المالية المصرية.

وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان أيضًا للحصول على موافقة منا برفض أية مساعدات اقتصادية لمصر من دول الكتلة الشرقية، وذلك مقابل هذه المنحة منهما. وأن يعطي مشروع السد أولوية أولى على كل المشروعات الأخرى مع تخصيص ثلث إيرادات الدولة لتمويل هذا المشروع لمدة عشر سنوات. ولكن لما كان تمسكنا شديدًا باستقلالنا وحريصين في المحافظة على حريتنا لذا رفضت هذه الشروط وتمسكنا بعدم ارتباط تلك القروض منهما بأية شروط سياسية.

وانتهى الأمر في النهاية على الاتفاق مع البنك الدولي على أن من حقه بحث الإجراءات الاقتصادية التي تتخذها مصر لمواجهة التضخم المالي فيما لو حدث. وأعلن الاتفاق مع البنك في فبراير 1956 على أنه سيقوم بتقديم قرض لمصر قيمته سبعون مليونًا من الجنيهات.

تحرك لإبعاد روسيا:

ولم يكن الدافع وراء تحرك كل من الولايات المتحدة وبريطانيا هو صالح مصر وإنما الذي دفعها إلى تقديم هذه المعونات وحث البنك الدولي أيضًا على إقراضنا هو محاولة إبعاد الاتحاد السوفيتي عن المساهمة في تمويل وتنفيذ المشروع. وذلك لعلمهما أن إتمام تنفيذه يحتاج إلى عشر سنوات. وأن روسيا سترتبط بمصر طوال هذه المدة الطويلة. وستقوم بتقديم الفنيين اللازمين لتنفيذه. وأنها ستستفيد من الدعاية التي ستحصل عليها داخل المنطقة العربية بعد إتمامه. خاصة بعد أن تظهر نتائجه الاقتصادية، من زيادة في رقعة الأرض المزروعة بحوالي المليون فدان وكذا تحويل ثلاثة أرباع المليون فدان أيضًا إلى ري دائم طوال العام بدلاً من أن تروى ريًّا حياضيًّا موسميًّا. وكذا القوة الكهربائية التي ستتولد من محطة الكهرباء التي ستقام على السد نفسه والتي تقدر بعشرة مليارات كيلووات سنويًّا. كل هذا كان كفيلاً بهما أن يسارعا في التحرك لإبعاد روسيا عن القيام بتنفيذ المشروع خوفًا من أن يتيح لها ذلك فرصة التغلغل داخل المنطقة العربية – ومصالحهما فيها ضخمة لا حد لها.

وبعد أن وافقت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي على المساهمة في تمويل المشروع وتم إعلان ذلك، حدثت بعض أحداث. وهذه الأحداث دفعتهم إلى سحب هذه الموافقة منهم ثانية – وكان ذلك مفاجأة لنا. ولكن ما هي تلك الأحداث التي أثارتهم إلى هذا الحد من العصبية حتى يتخذوا هذه الخطوة التي دفعت جمال عبد الناصر إلى أن يصدر قراره بتأميم قناة السويس كرد فعل منه على التصرف منهم؟

كان "مستر لويد" وزير خارجية بريطانيا قد قام بزيارة للقاهرة في أول مارس 1956 وذلك أثناء رحلته إلى بلدان الشرق الأوسط. وكان قد تصادف أن أصدر الملك حسين ملك الأردن أثناء تلك الزيارة لمصر قرارًا بطرد اللواء جلوب الإنجليزي من خدمة قواته المسلحة. وقد جاء إعلان هذا القرار أثناء تولي "سلوين" والسفير الإنجليزي العشاء بقصر الطاهرة بدعوة من جمال عبد الناصر. ولما أصدر الملك حسين هذا القرار وعلمت به السفارة البريطانية في القاهرة، أوفدت أحد موظفيها إلى قصر الطاهرة لإبلاغ السفير "تريفليان" بالخبر. وهمس الموظف في أذن السفير بالخبر الذي أبلغه بدوره إلى "سلوين لويد" همسا كذلك. وعلى أثر ذلك استأذنا في الانصراف وكانا قد فرغا توًّا من العشاء.

إيدن يستشيط غضبًا:

وعاد جمال عبد الناصر إلى منزله ولم يكن لديه علم بهذا الخبر أيضًا. ولم يعلم به إلا بعد أن وصل إلى منزله، وكان الخبر نفسه مفاجأة لجمال، لأنه لم يكن يتصور – على حد قوله – أن يقدم الملك حسين على هذه الخطوة. وبعد أن علم بالخبر وضح له سبب انصراف كل من "سلوين لويد" والسفير، والحالة العصبية التي كانت قد انتابتهما. وقدر جمال عبد الناصر أن "سلوين لويد" لابد أنه سيعتقد أن طرد جلوب وعلى تلك الصورة جاء بتدبير منه. وأنه قد أحكم تدبير طرده حتى يتم أثناء تناوله العشاء على مائدته. وقد اعتقد فعلاً "سلوين لويد" هذا، كما اعتقد "إيدن" نفس الاعتقاد كذلك. وهذا الذي حدث جعل "إيدن" يستشيط غضبًا من جمال. بالإضافة إلى غضبه السابق منه لمقاومته المستمرة ومهاجمته حلف بغداد. وقد بدأ "إيدن" يهاجم جمال بعد ذلك في خطبه وكلماته ويصفه بالدكتاتور الصغير الذي يعمل على هدم المصالح البريطانية في منطقة الشرق الأوسط.

وبدأت بريطانيا تسعى جاهدة في العمل على عزل مصر عن باقي الدول العربية، وكذا العمل على هدم نظامنا الثوري متعاونة في ذلك مع فرنسا ورئيس وزرائها "جي موليه" الذي كان يضايقه أيضًا موقف مصر من مساندة ومساعدة الثوار الوطنيين العرب في الجزائر. وانضمت إليهما كذلك الولايات المتحدة بعد أن أعلنت مصر اعترافها بالصين الشيوعية في 16 مايو 1956، وقطعها أيضًا لعلاقاتها الدبلوماسية مع فرموزا التي كانت تؤيدها وتساندها أمريكا ضد الصين الشيوعية.

وكان خلف قرار الاعتراف بالصين الشيوعية سببين:

الأول منهما أن مصر في ذلك الوقت كان لابد لها أن تتخذ طريقًا في علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأخرى يتفق مع تلك السياسة التي أعلنتها عن موقفها من الصراع والحرب الباردة التي كانت مستمرة في ذلك الحين وعدم الانحياز إلى أي من الكتلتين في ذلك الصراع. ولما كانت الصين الشيوعية، وتعداد سكانها يمثل ربع سكان العالم بأجمعه، وهي التي تمثل في الحقيقة الشعب الصيني، وليست فرموزًا التي تحضنها الولايات المتحدة، لذا كان لابد من أن تعترف مصر بها كممثلة للشعب الصيني.

والثاني منهما هو أن "خروشوف" و"بولجانين" كانا قد قاما بزيارة لبريطانيا في شهر أبريل 1956 وصرح "خروشوف" في مؤتمر صحفي هناك أن روسيا على استعداد للمشاركة في قرار هيئة الأمم المتحدة الخاص بحظر تصدير الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط ذلك لو أصبحت روسيا عضوًا رابعًا مع دول التصريح الثلاثي المرتبطة بهذا الحظر – وهي الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا – وخشيت مصر أن يوضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ في المستقبل. وأن يغلق بذلك في وجهنا الباب الوحيد الذي فتح أمامنا والذي نستورد منه احتياجاتنا من السلاح. وقد رأت مصر أن الاعتراف بالصين الشيوعية يضمن لها استمرار توريد الأسلحة من روسيا عن طريق الصين كطرف ثالث.

وهذه الخطوة التي اتخذتها مصر واعترافها بالصين الشعبية قد زادت من غضب "دالاس" وزير خارجية أمريكا على جمال عبد الناصر. بالإضافة إلى غضبه السابق الخاص بصفقة الأسلحة التي كان قد تم التعاقد عليها مع تشيكوسلوفاكيا. وكذا استمرار مصر في مقاومة ومهاجمة حلف بغداد الذي كان هو شخصيًّا يسانده ويؤيده. وكان قد سبق وأعلن في أبريل 1956 عند اجتماع مجلس حلف بغداد في طهران أن الولايات المتحدة ستعمل على التعاون مع هذا الحلف عسكريًّا واقتصاديًّا.

وجاء شهر يوليو 1956 بعد أن انتخب جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية وكان قد بدأ يعد نفسه للقيام بزيارة يوغوسلافيا زيارة رسمية بدعوة من المارشال تيتو، تبدأ عند منتصف الشهر. وكانت هذه الزيارة هي أول زيارة له لبلد خارج مصر بخلاف رحلته إلى الهند وأندونيسيا وهو في طريقه إلى مؤتمر باندونج في أبريل 1955 ذلك غير السودان التي كان قد خدم بها ثلاث سنوات تقريبًا في أوائل الأربعينيات بعد تخرجه من الكلية الحربية. وكنت أحد أعضاء الوفد الذي رافقه في هذه الزيارة. وكان الغرض الرئيسي منها هو اجتماع زعماء دول الحياد الثلاث – نهرو وجمال عبد الناصر وتيتو – في جزيرة بريوني وقد عقدت بينهم عدة اجتماعات دارت أثناءها المناقشة حول علاقة دول العالم الثالث بتكتلات الدول الكبرى. كذا القتال الدائر في الجزائر بين قوات الاحتلال الفرنسية والثوار العرب الجزائريين. وأيضًا القضية الفلسطينية، والحد من التسلح النووي.

سحب تمويل السد العالي:

وعدنا إلى القاهرة من هذه الرحلة يوم 19 يوليو 1956، وعلمنا بعد أن وصلنا إلى أرض الوطن مباشرة بما أعلنته الولايات المتحدة من سحبها لوعدها بالمساهمة في تمويل مشروع السد العالي بحجة ضعف الاقتصاد المصري وعدم قدرته على تحمل أعباء تنفيذ المشروع. وقام جمال عبد الناصر بإبلاغ نهرو الذي وصل معنا إلى القاهرة في طريقه إلى الهند بهذا التصريح الذي أدلى به "دالاس" وزير خارجية الولايات المتحدة. وكان الغضب قد انتاب جمال عبد الناصر من هذا التصريح خاصة مما جاء فيه عن وضع الاقتصاد المصري. ولم يمض أربع وعشرون ساعة على تصريح "دالاس" حتى أعلنت بريطانيا أيضًا هي الأخرى سحبها لمعونتها التي سبق وأعلنتها. وسقط بالتالي قرض البنك الدولي بعد انسحاب الدولتين لارتباطه بمساهمتها في تمويل المشروع.

وكنت قد ذهبت في مساء يوم 21 يوليو 1956 لمقابلة جمال عبد الناصر في منزله، والتقيت مع علي صبري في حديقة المنزل أثناء مغادرته له. وعلمت منه أن جمال عبد الناصر قد استقر رأيه على تأميم قناة السويس كرد منه على موقف الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي من تمويل مشروع السد العالي. وقد أكد لي جمال عبد الناصر هذا الاتجاه بعد أن التقيت به. وعلى أننا سنقوم ببناء السد العالي من دخل القناة الذي سيئول إلينا بعد التأميم. ولم يكن تفكير جمال عبد الناصر في تأميم القناة وليد الساعة، ولكن فكرة تأميمها كانت مختمرة في أذهاننا من فترة طويلة من بعد قيام الثورة. ولم يكن قد حان الوقت المناسب لاتخاذ هذه الخطوة لوجود قوات بريطانية في منطقة القناة حتى 13يونيو 1956.

وكانت إدارة التعبئة العامة بالقوات المسلحة المصرية قد كلفت منذ عام 1954 بالعمل على الحصول على البيانات اللازمة والمعلومات الكافية عن نشاط شركة قناة السويس وإدارتها.

طلب مد الامتياز:

وكانت امتياز الشركة ينتهي في عام 1968. ولكن وجودها على تلك الصورة التي كانت عليها، لم تكن إلا دولة مستقلة داخل دولة مصر. ومصر كدولة تحترم نفسها وإرادتها ولها استقلالها لم تكن ترضى لنفسها بمثل هذا الوضع. كذا لم تكن مصر تحصل من عائد الشركة الضخمة والمقدر بخمسة وثلاثين مليونًا من الجنيهات سنويًّا إلا على نسبة ضئيلة لا تزيد على 7% من هذا الدخل. ولما طلبت الحكومة المصرية من الشركة في عام 1955 ضرورة زيادة نصيب مصر من عائدها والعمل على زيادة عدد المصريين المشتغلين بالإدارة والملاحة بها أيضًا – كان رد الشركة على هذا الطلب هو طلب مد فترة الامتياز لها مقابل هذا الذي تقدمت به الحكومة المصرية.

وقد بدأ في دراسة موضوع تأميم قناة السويس من جميع جوانبه المختلفة بعد أن غادر نهرو القاهرة مباشرة. وكان عبد الحكيم بالإسكندرية واتصل به جمال عبد الناصر وأبلغه بالاتجاه إلى تأميم القناة ولكنه –أي عبد الحكيم- كان يرى أن نعمل بالضغط على الشركة حتى تزيد من نسبة حصتنا من دخلها السنوي. ولم يكن لدينا الوسيلة لإرغامها على تنفيذ ما يقترحه. كما وأن ردها على ذلك كان معلومًا لدينا من العام السابق.

وكان من المهم أن نتأكد من موقف روسيا ومدى استعدادها في تمويل وإنشاء السد بعد هذا الموقف الذي اتخذته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وذلك دون أن نخطرها باتجاهنا إلى التأميم. وما كنا نخشاه هو أن يمتنع الغرب عن القيام بتنفيذ المشروع حتى لو توافر لدينا النقد الأجنبي المطلوبة من عائدات القناة بعد تأميمها. وقد أجابنا الروس عن مدى استعدادهم برد شفهي من سفيرهم بالقاهرة "مستر كيسيليف" بأن الحكومة الروسية على استعداد من جهة المبدأ إلى مساندتنا.

وكان من الأمر الطبيعي والضروري أن نناقش مدى رد الفعل الذي سيحدث عند كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة بعد إعلان قرار التأميم ذلك للأضرار التي ستصاب بها مصالحهم في المنطقة وتأثرها بهذا القرار. وكان جمال عبد الناصر يستبعد استخدامهم القوة العسكرية ضدنا لاعتقاده أن فرنسا مشغولة بمعركتها مع الوطنيين الجزائريين داخل الجزائر نفسها. وأن إنجلترا ستخشى من تدمير مصالحها في العالم العربي، خاصة المنتجة منها للبترول لو قامت بالاعتداء علينا عسكريًّا. وأما الولايات المتحدة فليس لها مصلحة من قيام مثل هذه الحروب خاصة أن انتخابات الرئاسة فيها كانت على الأبواب في نهاية نفس العام.

وكان هناك رأي آخر يعتقد أن بريطانيا ستخشى من ضياع هيبتها وبالتالي مصالحها في المنطقة لو تم تأميم القناة دون تحرك منها. ولأن هذه الخطوة من مصر ستشجع دولاً أخرى عربية على اتباع نفس السياسة. وأما فرنسا فربما تحاول العمل على حل مشكلتها داخل الجزائر بضرب مصر وإسقاط النظام بها الذي يمد المساعدة للثوار الجزائريين ويوفر لهم احتياجاتهم من الأسلحة.

تحويل الأرصدة:

ولكن جمال عبد الناصر كان يرى أن كل ما يمكنهم فعله هو الضغط علينا اقتصاديًّا، ومحاولة تجميد أرصدتنا من النقد الأجنبي الموجود في البنوك لديهم. لذا طلب من الدكتور عبد المنعم القيسوني أن يعمل على تحويل أكبر قدر ممكن من هذه الأرصدة من بنوك كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكا إلى دول أخرى كسويسرا وعلى أن يتجنب إثارة الشبهات حول هذا التصرف منا. ولكن لضيق الوقت لم يتمكن القيسوني من تحويل كل أرصدتنا التي كانت لدى بنوكهم ولأنه خشي أن يلفت النظر إن قام بتحويل مبالغ ضخمة دفعة واحدة. ولقد عملوا على تجميد القدر الأكبر من أرصدتنا التي لم يتمكن من تحويلها بعد أن أعلن جمال قرار التأميم في 26 يوليو 1956.

وكانت قد اتخذت ترتيبات الاستيلاء على مكاتب الشركة في كل من مدن القاهرة وبور سعيد والإسماعيلية والسويس، وعلى أن يتم ذلك بصورة مفاجأة ودون أن تتسرب أية معلومات إلى إدارة الشركة الأجنبية تجنبًا من حدوث مقاومة أو تخريب لمنشآت من بعض العاملين الأجانب بها، أو العمل على إخفاء مستنداتها والتي كان لابد لنا من الاستيلاء عليها. لذلك فقد استدعى جمال عبد الناصر المهندس محمود يونس. وكان ضابطًا سابقًا بالجيش المصري وعلى قدر كبير من الكفاءة الإدارية. وقام بتكليفه يوم 24 يوليو 1956 بمسئولية الاستيلاء على منشآت الشركة ومكاتبها والعمل على إدارتها بعد إعلان قرار التأميم.

وكان عليه أن يقوم بدراسة وعمل الخطة التنفيذية لتحقيق هذا الغرض. وقد ترك له جمال حرية العمل واتخاذ ما يراه من خطوات مع مراعاة السرية التامة وعدم إباحته لهذا السر إلى أي شخص كان إلى أن يتم إعلان قرار التأميم.

وفي اليوم التالي لهذا التكليف عاد محمود يونس وتقدم بكشف به بعض الأسماء من الفنيين المصريين الذين يرغب في استعارتهم من جهات العمل التابعين لها ليعاونوه في مهمته. وقد أجيب إلى طلبه. وصدر القرار اللازم بهذه الإعارة. وقام جمال بإبلاغه أن كلمة السر هي "دي ليسبس" وعليه عند سماعه لها أثناء إلقاء جمال لخطابه يوم 26 يوليو 1956 بالإسكندرية أن يقوم على فوره – بتنفيذ خطته في الاستيلاء على مكاتب الشركة ومنشآتها والعمل على تأمينها. وكانت قد أعدت أيضًا بعض من الوحدات العسكرية ووضعت تحت تصرفه لاستخدامها وقت الضرورة إن استدعى الأمر ذلك. وقد كلف بإعداد هذه الوحدات الصاغ عباس رضوان مدير مكتب عبد الحكيم وبأمر من جمال نفسه لوجود عبد الحكيم في الإسكندرية.

موتو بغيظكم:

وكان حفل افتتاح مشروع خط أنابيب البترول من السويس إلى مسطرد شمال القاهرة في يوم 24 يوليو 1956. وقام جمال عبد الناصر بإلقاء كلمة عند افتتاحه له. وأشار فيها إلى مشروع السد العالي وسحب تلك الدول تمويلها للمشروع. وأكد في كلمته على أننا سنقوم بتنفيذه. وأننا سنعتمد على أنفسنا في ذلك. وقال كلمته المشهورة "موتوا بغيظكم". والتي أخذت محطة صوت العرب ترددها بعد ذلك باستمرار في حملتها الإذاعية على تلك الدول.

وكان مشروع قانون التأميم قد أعد يوم 25 يوليو قبل أن نغادر القاهرة إلى الإسكندرية والتي توجهنا إليها في صباح اليوم التالي. ولم يكن الوزراء المدنيون يعلمون بهذا القرار إلا بعد ظهر يوم 26 يوليو بعد أن وصلنا إلى الإسكندرية. وقد علموا به بعد أن استدعاهم جمال إلى منزله وقبل أن نتوجه منه مباشرة إلى ميدان المنشية الذي كان جمال سيلقى منه خطابه. وقد طلب منهم الاحتفاظ بسريته للأهمية القصوى حتى الانتهاء من إلقاء الخطاب.

وهذا الخطاب أخذ من الوقت ما يقرب من الساعتين والنصف ساعة. وندد جمال فيه بالاستعمار البريطاني في مصر قبل الثورة. وذكر موقف الحكومات المصرية منه. كما أشار إلى موقف الثورة من هذا الاحتلال وقارن بين الموقفين. وأشار كذلك إلى قرار مصر بشراء السلاح من روسيا بعد تعنت الغرب معنا. وأوضح أن مصر قد رسمت لنفسها سياسة حرة مستقلة، ومن أن هذا السلاح ليس بسلاح شيوعي ما دام هو في أيد مصرية، وأنه قد أصبح سلاحًا مصريًّا. كما أشار إلى قضية فلسطين والجزائر ورغبة الغرب في أن نخضع لسياسته التي تملى علينا منه. وأن مصر ترفض هذه السياسة وترغب في أن تكون لها شخصيتها المستقلة. وبين أن الاستقلال الاقتصادي له نفس أهمية الاستقلال السياسي. وشرح أيضًا قصة تمويل السد العالي، وأنه قد توصل إلى نتيجة وهي أن الشروط التي تقدم بها كل من البنك الدولي وبريطانيا والولايات المتحدة كان الغرض منها هو السيطرة على استقلالنا الاقتصادي. وأن السبب في سحب أمريكا تمويلها للمشروع هو أن الغرب يرغب في عقاب مصر لرفضها الاشتراك في أحلافهم العسكرية. ثم تدرج في خطابه بعد ذلك إلى مفاوضاته مع "يوجين بلاك" رئيس البنك الدولي. وأنه كان يذكره وهو جالس أمامه "بفرديناند دي ليسبس" عندما جاء إلى مصر سنة 1854 لإقناع الخديو بشق قناة السويس.

دي ليسبس:

وكان ذكره لاسم "دي ليسبس" هو الإشارة المتفق عليها مع محمود يونس لبدء تنفيذ عملية الاستيلاء على مكاتب الشركة في المدن الأربع. وقام جمال بتكرار اسم "دي ليسبس" عدة مرات حتى يطمئن أن محمود يونس ومجموعته قد سمعوها جيدًا.

وبعد أن أعلن جمال قانون تأميم القناة قال للمستمعين إلى خطابه أن هناك أخوة لهم يقومون في نفس اللحظة التي أعلن فيها ذلك القرار التاريخي بالاستيلاء على مباني الشركة ومنشآتها وإداراتها المختلفة لنقوم نحن بإدارتها بأنفسنا ولنستعيد بعض أمجادنا الماضية.

وقد هب مباشرة كل المجتمعون من أفراد الشعب في ميدان المنشية بعد أن أعلن جمال قانون التأميم، وأخذوا يصيحون صيحة الفرح والسرور والشعور بالقوة والكبرياء. ودام هذا فترة طويلة والحماس يملؤهم جميعًا. كما قام في نفس اللحظة أيضًا جميع الوزراء المدنيين منهم والعسكريين وقد تعانقت أيديهم إلى أعلى مؤكدين وحدتهم وتماسكهم ضد تلك القوى التي تستعدينا وترغب في إملاء إرادتها علينا.

ولقد كان لقرار تأميم قناة السويس صدى واسع في العالم كله، وفي العالم العربي خاصة. وأصبح جمال عبد الناصر بعد هذا القرار بطل القومية العربية وزعيم العرب دون منازع. وكان قد سبق ونال إعجاب الجماهير العربية عندما كسرت مصر احتكار الغرب للسلاح واتجهت نحو روسيا وتبعتها من بعدها سوريا في أوائل عام 1956. وأصبح جمال بذلك أمل الملايين من العرب في كل مكان من الأمة العربية. وسيزداد هذا وثوقًا وتعلقًا به بعد معركة السويس كما سيأتي ذكره.


الباب الثامن: حرب السويس

1-محاولة تفادي الصدام العسكري مع إنجلترا وفرنسا.

2-مهاجمة "إيدن" لجمال عبد الناصر في تصريحاته.

3-تحركات عسكرية بريطانية وفرنسية.

4-حق مصر القانوني في تأميم القناة.

5-تصريح "دالاس" أن القناة مؤسسة دولية.

6-انسحاب المرشدين البحريين الأجانب.

7-نجاح الإدارة المصرية في إدار الملاحة بالقناة.

8-عقد مؤتمر بلندن للدول البحرية المستخدمة للقناة.

9-لجنة "مانزيس" واجتماع مع جمال عبد الناصر في القاهرة.

10-تصميم إنجلترا وفرنسا على استخدام القوة العسكرية.

11-اقتراح "دالاس" قيام جمعية من المثقفين بالقناة.

12-اقتراح مصر بتكوين مجلس دولي استشاري للقناة.

13-الأسس التي سميت بالمبادئ الستة.

14-الاعتداء الإسرائيلي على مصر.

15-الإنذار البريطاني الفرنسي.

16-قرار الانسحاب الشامل لقواتنا من سيناء.

17-اشتراك الطائرات البريطانية والفرنسية في المعركة.

18-شلل في القيادة العسكرية المصرية.

19-روح الاستسلام.

20-انعزال جمال عبد الناصر عن القيادة العسكرية المصرية.

21-قرار جمال عبد الناصر بالذهاب إلى مدينة بور سعيد.

22-غزو إنجلترا وفرنسا لمدينة بور سعيد.

23-مقاومة شعب بور سعيد للغزاة.

24-قرار الأمم المتحدة بوقف القتال.

25-انتقاد عبد الناصر للجيش وعبد الحكيم.

26-توتر العلاقة بين جمال وعبد الحكيم.

27-استقالة عبد الحكيم.

28-تسوية الخلاف بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر.

29-نتائج تأميم القناة.


لقد كان هدفنا بعد تأميم قناة السويس هو العمل على كسب الوقت ومحاولة تجنب الصدام بقدر الإمكان مع إنجلترا خاصة، وكذا فرنسا والولايات المتحدة. وكان تقديرنا أن الوقت لابد سيكون في صالحنا ما دام الرأي العام الدولي سيقتنع بأحقيتنا في التأميم – وكنا نرى أن بريطانيا وهي أكثر الدول احتمالاً لاستخدام القوة العسكرية ضدنا – أنها ستحتاج إلى فترة من الوقت حتى يمكنها تعبئة قواتها التي ستكون في حاجة إليها لاستخدامها، وهذه الفترة كانت هي فرصتنا لمحاولة كسب الرأي العام الدولي إلى جانبنا، ولم يكن يخطر بذهننا أن بريطانيا من الممكن أن تتعاون مع إسرائيل في الاعتداء علينا ظنًا منا أنها لا يمكن أن تقدم على هذه الخطوة لردود فعلها العنيفة في العالم العربي كله. وما سيصيب مصالحها من أضرار كنتيجة حتمية لهذه الخطوة منها.

وكانت القيادة العسكرية المصرية في تقديرها للموقف العسكري ترى أن بريطانيا في حالة استخدامها القوة العسكرية فإنها ستتقدم أساسًا بقواتها نحو مصر من ناحية الإسكندرية ورشيد. ولذا فقد بنيت الخطة الدفاعية على أساس هذا الاحتمال – حتى أنه عندما أبلغ خالد محيي الدينجمال عبد الناصر بمعلومات كان قد حصل عليها من أحد أصدقائه بباريس وتشير إلى أن فرنسا تعمل متعاونة مع إسرائيل لمهاجمتنا – لم يأخذ جمال هذه المعلومات التي أبلغه بها مأخذ الجد. بل اعتقد هو وعبد الحكيم أن الغرض من إيصال تلك المعلومات إلينا هو لدفعنا إلى حشد قواتنا الدفاعية تجاه إسرائيل وتاركين الإسكندرية ورشيد وهي طريق تقدم القوات البريطانية – كما قدر- دون قوات دفاعية كافية للتصدي لها.

ولتفادي أي احتكاك أو صدام مع تلك القوى فقد أمر جمال عبد الناصر بانسحاب الفدائيين المصريين الذين كانوا بقطاع غزة في مهمة الغرض منها التسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية والقيام بعمليات تخريبية بها – وعمل على وقف تلك العمليات – واتخذنا موقفًا سلبيًّا كذلك إزاء تجميد كل من بريطانيا وفرنسا لأرصدتنا التي كانت مودعة في بنوكهما. كما كنا نؤكد باستمرار أن حملة أسهم القناة سيعوضون عن أسهمهم وسيحصلون على قيمتها بقيمة السهم عند إغلاق بورصة لندن في اليوم السابق للتأميم. وأعلن كذلك أن العاملين بالشركة من الإنجليز والفرنسيين لهم كامل الحرية في البقاء أو الانسحاب من العمل بالشركة بشرط إخطار الإدارة الجديدة بشهر مسبق عن موعد انسحابهم. كما صدرت الأوامر لمحمود يونس بأن تبذل كل الجهود الممكنة في عدم تعطيل أية سفينة ترغب في المرور في القناة حتى لو امتنعت عن دفع رسوم المرور المستحقة عليها. وكانت السفن الإنجليزية والفرنسية تقوم بدفع تلك الرسوم لمكاتب الشركة القديمة في لندن وباريس. ولم نكن نحاول خلق مشاكل حول هذا التصرف منها تفاديًا لأي صدام. ومنعًا من تعطيل تلك السفن من المرور بالقناة حتى لا تؤخذ ذريعة ضدنا أو مبررًا أمام الرأي العام العالمي للاعتداء علينا.

وكان "إيدن" دائم الهجوم على جمال عبد الناصر في كل تصريحاته. وذاكرًا أنه ليس بالرجل الذي يمكن أن يوثق به للمحافظة على أي اتفاق معه. وكان يحاول استعداء الشعب البريطاني ضده. ومصرحا بأن جمال عبد الناصر لو نجح في السيطرة على قناة السويس فإن كل فرد من الشعب البريطاني سيصبح تحت رحمته وخاصة بالنسبة لما يحتاجونه إليه في حياته اليومية من المواد الغذائية التي تقوم إنجلترا باستيرادها من بلاد العالم المختلفة وتمر عبر القناة.

وكانت الحكومة البريطانية قد أمرت باستدعاء جزء من قواتها الاحتياطية. وأخذت ترسل من هذه القوات إلى القواعد البريطانية الموجودة في جزيرتي مالطة وقبرص. وتعمدت أن تتسرب معلومات عن هذه التحركات بغرض إخافتنا وإضعاف صمودنا ضد حملتهم.

ولكن قضيتنا وحقنا في تأميم القناة كان واضحًا كل الوضوح من الناحية القانونية. كما أن لمصر الحق أيضًا في ممارسة سيادتها على أرضها بتأميم أية شركة مصرية. وشركة قناة السويس لم تكن إلا شركة مصرية وخاضعة للقانون المصري كأي شركة أخرى. بل والقناة نفسها جزء من الأراضي المصرية. والعلاقة التي كانت قائمة بين الحكومة المصرية والشركة محددة بعقد امتياز ولمدة معينة، كأي عقد آخر بين الحكومة المصرية وأية شركة أخرى خاصة. ولم يكن لهذا العقد أي صفة مميزة عن مثل تلك العقود.

ولما كان هذا الحق واضحًا فقد حاول "مستر دالاس" وزير خارجية الولايات المتحدة إيجاد مخرج لتبرير تصرفات تلك الدول. فأعلن أن شركة القناة مؤسسة دولية. وأن حقوقها تتعدى عقد امتيازها. ومدللاً على ذلك بأن اتفاقية القسطنطينية التي وقعت عام 1888 قد تضمنت حرية الملاحة في القناة وفي كل الأوقات. وقد اعتبر أن الشركة المذكورة هي الجهاز الأول في تحقيق هذا الغرض. وكان في هذا مغالطة منه – لأنه لا توجد أية صلة بين تشغيل القناة وهي مسئولية الشركة الفعلية وذلك الإلزام الذي كان قد ورد في اتفاقية القسطنطينية والخاص بضمان حرية الملاحة بها. ولأن الضامن الحقيقي لهذه الحرية هي حكومة مصر، وليست الشركة والأدلة على ذلك كثيرة وواضحة.

دالاس يغالط:

كما أن كلا من إنجلترا وفرنسا قد أرادتا إقناع الرأي العام الدولي بعدم قدرة مصر على إدارة القناة فنيًّا، ولذلك فقد شجعنا المرشدين البحريين الأجانب الذين يعملون بالشركة على الانسحاب وعدم الاستمرار في العمل. وأرسل المدير العام السابق لها خطابات إليهم بعد التأميم يعدهم فيها بمنح كل من ينسحب منهم مرتب ثلاث سنوات مقدمًا. ومهددًا أيضًا كل من يستمر منهم في العمل بحرمانه من مكافأة الخدمة التي يستحقها.

وكان عدد كل المرشدين الذين يعملون لدى الشركة يزيد قليلاً عن المائتي مرشد - منهم 165 مرشدًا من الأجانب، و40مرشدًا مصريًّا. وفي يوم 15 سبتمبر 1956 انسحب جميع المرشدين الأجانب فيما عدا سبعة مرشدين من اليونانيين لم ينسحبوا بأمر من حكومتهم.

ولما كانت مصر تتوقع قيام المرشدين الأجانب بهذه الخطوة لذا أعلنت في نهاية شهر أغسطس التالي عن احتياجها لمرشدين بحريين ومن أي دولة من دول العالم. وقد تقدم عدد كبير من المرشدين من روسيا والهند ويوغوسلافيا وبعض من الولايات المتحدة بالإضافة إلى زيادة عدد المرشدين المصريين، وبذلك أمكن تغيطة النقص الذي حدث في عدد من المرشدين بل وقد أمكن للإدارة المصرية أن تدير القناة بكفاءة ممتازة رغم عدد السفن الضخم الذي كان قد دفع إلى كل من بور سعيد والسويس بغرض إرباك تلك الإدارة الجديدة. ولكن نجاحها في العمل الذي أنيطت به فاق كل تصور – ونالت تقدير الكثيرين من العالم حتى تقدير المدير العام السابق لشركة القناة نفسها – فقد أشاد بهذه الكفاءة والقدرة.

ولم يكتفوا بهذا بل حاولوا أيضًا إثارة أن مصر ستعمل على رفع رسوم المرور في القناة. وأنها ستنفق كل الدخل منها من النقد الأجنبي على احتياجاتها الداخلية دون القناة. لذا فقد صرح جمال عبد الناصر عن استعداده للتفاوض مع المنتفعين من القناة أو المستخدمين لها لعمل اتفاقية معهم يحدد فيها رسوم المرور وكذا بالنسبة التي يمكن أن تخصص من دخلها السنوي لعمل التحسينات اللازمة بها لمقابلة احتياجات السفن التي ستقوم بعبورها في المستقبل.

هيئة المنتفعين:

وفي يوم 5 أغسطس 1956 صدر بيان مشترك من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة أعلنوا فيه احترامهم الخاص بإيجاد هيئة دولية لإدارة القناة وداعين في نفس الوقت لعقد مؤتمر بلندن يوم 16 أغسطس للدول البحرية المستخدمة لها، وقد أعلنوا أسماء تلك الدول. وكان عددها 24 دولة منها ثماني دول كانت قد وقعت على اتفاقية القسطنطينية عام 1888. وست عشر دولة أخرى بحرية مستخدمة للقناة أيضًا. وكانت قد اختيرت تلك الدول بعناية. وذلك لضمان أن تكون أغلبية الأصوات في جانبهم عند التصويت على القرارات التي يتخذها المؤتمر.

وقد رد جمال على هذا الاقتراح بتصريح منه يوم 12 أغسطس وأوضح أن هذه الإدارة الدولية المقترحة ما هي إلا استعمار دولي ولكن بصورة مهذبة فقط. وأن الدعوة لهذا المؤتمر قد قامت تحت التهديد بمؤامرة دولية ضخمة بغرض تجويع الشعب المصري وإرهابه – وذلك بتعبئة الجيوش والأساطيل البحرية ضدنا وكذا تجميدهم لأرصدتنا التي لديهم. وأكد جمال في تصريحه رغبة مصر الأكيدة في ضمان حرية الملاحة بالقناة. واقترح عقد مؤتمر من الدول التي كانت قد وقعت على اتفاق القسطنطينية عام 1888، وكذا الدول الأخرى كلها المستخدمة للقناة وعددها 45 دولة، وذلك بغرض إعادة النظر في اتفاقية القسطنطينية القائمة وتعديل ما هو ضروري منها. ولكن إنجلترا وفرنسا لم تعطيا هذا الاقتراح أية أهمية لعدم ضمانهم أغلبية الأصوات على القرارات في حالة انعقاد المؤتمر بتلك الصورة المقترحة.

وكان جمال قد قرر حضور مؤتمر لندن بنفسه. ولكنه عاد وعدل عن هذا الاتجاه عندما اتضح له أنه لن يترك يعود وهو منتصر. بل إن كل الجهد سيبذل من جانبهم هناك للتقليل من شأنه وإهانته حتى يعود خاسرًا المعركة. ولذا عدل عن السفر وأرسل علي صبري مدير مكتبه للشئون السياسية لحضور المؤتمر كمراقب، وحتى يكون على اتصال دائم هناك بمندوبي كل من الهند وروسيا ليقوما بالدفاع عن وجهة نظرنا في المؤتمر. وقد بذل "كريشنا مينون" المندوب الهندي جهدًا كبيرًا في الدفاع عن حقنا داخل المؤتمر.

وقد انتهى مؤتمر لندن هذا باقتراح كان "دالاس" قد تقدم به. وهو أن تدار القناة بهيئة دولية، ويسقط حقنا في ملكية القناة. وذلك بحجة ضمان إدارتها بكفاءة وبدون تمييز بين الدول المختلفة. وعلى أن يتكون مجلس إدارة لإدارتها من تلك الدول المستخدمة لها – ومصر تكون عضوًا به، ومع ضمان عائد عادل لها من دخل القناة واحترام سيادتها. وشكل المؤتمر لجنة تمثل تلك الدول التي كانت قد وافقت على هذا الاقتراح، وعددها 18 دولة لعرض الاقتراح على مصر. ولم يكن لهذه اللجنة الحق في مفاوضة أو مناقشة أية اقتراحات بديلة تتقدم بها مصر. وحضرت اللجنة إلى القاهرة وكان يرأسها "مانزيس" رئيس وزراء استراليا. ويرافقه ممثلو كل من الولايات المتحدة والسويد وإيران وأثيوبيا. واجتمعت هذه اللجنة بجمال يوم 23 سبتمبر 1956 – وتقدم "مانزيس" بالاقتراح. وأوضح بأن علينا أن نقبل الاقتراح كما هو أو نرفضه كما هو. أي أنه ليس لنا الحق في مناقشته أو المفاوضة معهم بشأنه. وقد أشار "مانزيس" في حديثه إلى جمال أيضًا على أن تحركات القوات البريطانية والفرنسية ليس الغرض منها التهويش ولكنها جادة في تسوية الأمر مع مصر. واعتبر جمال هذا القول منه تهديدًا سافرًا – فطوى الأوراق التي أمامه، وأعلن على أعضاء اللجنة عدم استعداده في الاستمرار تحت هذا التهديد. وأعلن انتهاء الاجتماع. ولكن مندوب الولايات المتحدة وزملاءه من الأعضاء بذلوا جهدًا في إقناعه بعدم إنهاء الاجتماع.

وبعد أن تبادلت اللجنة مع جمال عدة خطابات لم يجد بعدها بدًّا من رفض ما تقدمت به تلك الدول. وذلك لأن الموافقة على الاقتراح كان معناه تدويل القناة والاستسلام لهم والتفريط في سيادتنا وحقنا. وما سيترتب عن ذلك من ضرورة السقوط الحتمي للنظام القائم في مصر وبالتبعية جمال. وهذا هو –على ما يظهر- ما كان يهدف إليه "إيدن" من الاقتراح إذا تم خضوعنا لهم وقبوله. وأما في حالة رفضنا له وعدم الخضوع لرغبتهم فكان ذلك يعطي لكل من إنجلترا وفرنسا المبرر الكافي من وجهة نظرهما للاعتداء علينا لإعادة سيطرتهم على القناة.

وكان "مانزيس" قد حضر إلى القاهرة في ظل تحركات عسكرية وتجميع قوات هاتين الدولتين. وبدون سرية لهذه التحركات. بل إن فرنسا قد أعلنت يوم 28أغسطس 1956 عن انضمام قواتها إلى القوات البريطانية الموجودة بجزيرة قبرص. ومن جانبنا لم نكن نملك التفريط في حقنا ولا في سيادتنا على أرضنا. وفي ظل هذه الصورة أصبحنا نتوقع الحرب رغم تصريح "الرئيس إيزنهاور" والذي كان قد أدلى به في مؤتمر صحفي يوم 5 سبتمبر بعد أن غادر "مانزيس" القاهرة. وكان قد جاء في تصريحاته أو الولايات المتحدة مرتبطة بإيجاد حل سلمي لمشكلة القناة، وأنه لن يفقد الأمل في الوصول إلى تسوية عن طريق المفاوضات مهما اعترضها من صعاب. وكان "دالاس" نفسه في نفس الوقت قد نصح الدكتور محمود فوزي وزير خارجيتنا والذي كان موجودًا في نيويورك بأن نعمل بكل الطرق على الاستمرار في المحادثات مع بريطانيا وفرنسا لأنهما – حسب قوله- رغم اعتراض الولايات المتحدة فإنهما ينويان استخدام القوة. وأن فرنسا مصممة على حل مشكلتها في الجزائر على حساب مصر. وأن "إيدن" يشجع "موليه" على اتخاذ هذا الاتجاه.

وأخذا منا بنصيحة "دالاس" للدكتور محمود فوزي فلقد أعلن جمال أن مصر على استعداد لحجز جزء من دخل القناة بغرض إنفاقه على تحسين الملاحة بها والعمل على تطويرها. وأن مصر مستعدة للدخول في مفاوضات لتحديد الرسوم المناسبة للمرور بالقناة. وتقدم بمذكرة يوم 10سبتمبر 1956. واقترح فيها عقد مؤتمر من الدول المستخدمة للقناة لا لإعادة النظر في إتفاقية سنة 1888 بالنسبة لحرية الملاحة بها فقط ولكن للنظر أيضًا ومناقشة وسائل تطويرها لمقابلة احتياجات المستقبل للسفن التي ستمر بها. وكذا وضع الأسس التي بمقتضاها ستحصل الرسوم. ولكن هذه الاقتراحات التي تقدما بها جمال رفضتها بريطانيا وذلك بتصريح جاء على لسان أحد المسئولين في الحكومة البريطانية.

وكان "مستر دالاس" قد تقدم في مؤتمر لندن الثاني باقتراح قيام جمعية من الدول المستخدمة للقناة. ولكن معالم هذا الاقتراح الذي تقدم به لم تكن محددة ولا واضحة. وكل ما فهم منه أن الغرض من قيام تلك الجمعية هو أن تعمل على توفير المرشدين البحريين اللازمين لقيادة سفن الدول المشتركة في الجمعية لإرشادها عند عبورها للقناة. وأن تقوم الجمعية بالعمل على تحصيل رسوم المرور المقررة من أعضائها. وعلى أن تدير تلك الجمعية القناة بطريقة لا تتعارض مع سيادة مصر. ورغم عدم وضوح فكرة قيام الجمعية إلا أن "إيدن" قد أعلن موافقته عليها. وذلك حتى يجد لنفسه المبرر للاعتداء على مصر والسيطرة على القناة وإدارتها في حالة رفضنا أو عدم تعاوننا مع تلك الجمعية المقترحة. وكان "إيدن" قد أعلن عن اتجاهه هذا بصراحة وأوضح أن إنجلترا ستشق طريقها بالقوة إلى القناة في حالة عدم تعاون مصر مع تلك الجمعية.

وعلى أثر ذلك التصريح منه طلب من سفيرنا في الولايات المتحدة إبلاغ "دالاس" أننا سنعتبر استخدام تلك الجمعية المقترحة القوة لشق طريقها إلى القناة اعتداء على سيادة مصر، وأننا سنقاومه بالقوة.

ولقد أعلن "دالاس" في تصريح له بعد إبلاغه بتلك الرسالة – أو الولايات المتحدة ليس في نيتها شق طريقها إلى القناة بالقوة. ومن أن سفنها في حالة منعها من المرور في القناة فإنها ستقوم بالدوران حول رأس الرجاء الصالح. وكان "إيزنهاور" قد صرح أيضًا قبل ذلك بعدة أيام قلائل في مؤتمر صحفي بأن الولايات المتحدة لن تدخل في أية عمليات عسكرية في ظل الظروف الحالية.

كما أن جمال عبد الناصر كان قد ذكر في كلمة ألقاها في مطار بلبيس يوم 15سبتمبر أثناء حفلة تخريج دفعة جديدة من طلبة كلية الطيران، بأن الغرض من قيام جمعية المستخدمين أو المنتفعين بالقناة هو السيطرة الدولية على قناتنا وسلب مصر حقها في رسوم المرور، والاعتداء على سيادتها. وأن مصر ليس أمامها من طريق إلا استخدام القوة في مقاومة أي اعتداء يقع على استقلالها أو سيادتها.

وبعد انتهاء مؤتمر لندن الثاني يوم 21 سبتمبر اتفقت كل من بريطانيا وفرنسا على عرض موضوع الخلاف على مجلس الأمن لينظر فيه عند انعقاده يوم 3 أكتوبر 1956.

وقبل انعقاد مجلس الأمن كان جمال قد طلب من الدكتور فوزي الذي كان موجودًا بنيويورك أن يعمل على الاتصال بوزراء خارجية كل من إنجلترا وفرنسا عن طريق "همرشولد" سكرتير عام هيئة الأمم ومفاوضتهما في أن مصر تقبل تكوين مجلس دولي استشاري ليقوم بالتشاور مع الهيئة المصرية المسئولة عن إدارة القناة في كل ما يهم مستخدميها من تحديد للرسوم إلى مشروعات التحسين وتطوير القناة وكذا ضمان حرية الملاحة بها.

المبادئ الستة:

وكان "سلوين لويد" وزير خارجية بريطانيا قد سبق وتقدم لـ"همرشولد" بعدة أسس كان يرى ضرورة أن تتضمنها أية تسوية لمشكلة قناة السويس، وقد سميت فيما بعد هذه الأسس "بالمبادئ الستة" وهي احترام السيادة المصرية. وأن يكون تشغيل القناة مستقلاً وبعيدًا عن سياسة أية دولة. وألا يكون هناك تفرقة في المعاملة بالنسبة لحرية المرور بالقناة. وأن يتم تحديد الرسوم بالاتفاق بين مصر ومستخدمي القناة. وأن يخصص جزء من دخل القناة لاستخدامه في تطويرها وتحسين الملاحة بها. وأن تقبل كل من مصر وشركة القناة السابقة قبل التأميم التحكيم في نقط الخلاف التي لا يتم الاتفاق عليها بينهما.

وانعقد مجلس الأمن يوم 5 أكتوبر 1956 وتقدمت كل من بريطانيا وفرنسا بهذه المبادئ الستة للتصويت عليها – وأعلن الدكتور فوزي موافقة مصر عليها. وأضاف أن مصر توافق أيضًا على تكوين هيئة استشارية دولية تمثل مستخدمي القناة على أن تكون مهمتها التأكد من أن إدارة القناة المستقبلة تسير طبقًا لهذه المبادئ الستة.

وقد وافق مجلس الأمن بأغلبية الأصوات على هذه المبادئ. واتفق كل من وزراء خارجية الدول الثلاث – بريطانيا وفرنسا ومصر – على عقد اجتماع ثان في جنيف يوم 29 أكتوبر لمناقشة التفاصيل المرتبطة بهذه المبادئ. ولكن سرعان ما عاد "سلوين لويد" و"بينو" وزير خارجية فرنسا إلى مجلس الأمن مطالبين بالتصويت على حل آخر – وهو لم يكن يختلف في مضمونه عما كان قد تقدم به "مانزيس" لجمال في القاهرة. واضطرت روسيا إلى استخدام الفيتو ضد هذا الحل الجديد المقترح والذي سبق أن رفضته مصر، ويظهر أن هذا كان هو الهدف لأنه باستخدام روسيا للفيتو وسقوط هذا الحل المقترح منهما كان ذلك يعطي كلا من إنجلترا وفرنسا المبرر من وجهة نظرهما أمام الرأي العام الدولي في استخدام القوة العسكرية ضد مصر.

الحرب:

وفي مساء يوم الاثنين 29 أكتوبر عام 1956 وحوالي الساعة العاشرة والنصف اتصل بي ياور جمال عبد الناصر الصاغ محمود الجيار وأبلغني أن الرئيس – أي جمال عبد الناصر- يود مني أن أذهب إليه فورًا في القيادة العسكرية المشتركة بمصر الجديدة، وهي قريبة من منزلي. وسرعان ما كنت هناك، فوجدت جمال عبد الناصر وعبد الحكيم، وعلمت منهما بأن إسرائيل قد قامت بالهجوم على قواتنا. وأن المعلومات تفيد أنه قد أسقط بعض من جنود المظلات الإسرائيلين عند ممر تلا بصحراء سيناء في تلك الليلة، ولم يكن الموقف على حقيقته قد عرف بعد حتى تلك اللحظة. وقد أخذنا نراجع بعض الخرائط وفي أثنائها حضر زكريا ثم كمال ثم حسين الشافعي. وبعد أن تم استعراض الموقف وتقدير نية الإسرائيليين تقرر مقابلة هذا العدوان منهم بالقوة – أي بالحرب- خاصة بعد أن تأكدنا من إنزالهم هذه القوة عند ممر متلا، ولأنه اتضح لنا أيضًا أن العملية أكبر من أن تكون غارة من قوات عسكرية إسرائيلية على موقع من مواقعنا كما كانت العادة قد جرت من قبل.

وقد رئي أنه من الضروري استخدام قواتنا الجوية في نفس الوقت لقذف قوات العدو التي أنزلت عند الممر. وأن تقوم أيضًا في الصباح الباكر بتركيز ضرباتها على مطارات العدو وطائراته. وأن تعمل قدر طاقاتها للحصول على السيطرة الجوية حتى نتمكن بعد ذلك من العمل ضد قوات العدو الأرضية بمرونة وحرية.


غير مستريح لصدقي محمود:

ثم حضر بعد ذلك محمد صدقي محمود رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية. وصدرت إليه الأوامر بقيام قواتا الجوية بضرب تلك القوات التي أنزلت عند الممر، وكذا مطارات العدو فورًا. ولكن ظهر عليه الاضطراب والارتباك وأبدى أن هناك بعض الصعوبات التي تعترض قيام الطائرات القاذفة بعملياتها فورًا – بحجة عدم توافر الوقود اللازم لها بمطار غرب القاهرة- القاعدة الخاصة بقذف القنابل – ولما كانت القاعدة العامة المأخوذ بها هي ملء خزانات الطائرات بالوقود يوميًّا بعد انتهاء طيرانها اليومي – لذا اقترحت عليه بعد أن ذكر هذه العقبة أن تقوم الطائرات بالمهمة المطلوبة منها في تلك الليلة بما تحمله في خزاناتها من وقود على أن يتخذ الإجراءات اللازمة في نفس الوقت. ليتم توافر تكميات الوقود الضرورية بالقاعدة في الصباح. وانصرف بعد ذلك.

وبعد انصرافه تكلم معي جمال مصرحا لي أنه غير مستريح لصدقي للاضطراب الذي ظهر عليه. وطلب مني مساعدة عبد الحكيم في الإشراف على القوات الجوية. وانصرف الجميع بعد أن صدرت الأوامر لعدة وحدات من الجيش بالتحرك وتاركين عبد الحكيم ليتولى أمر مقابلة هذا العدوان. وبقيت معه بعض الوقت وذكرت له ما طلبه مني جمال. ولكنني أحسست من حديثه أنه لا يرغب في أن أقوم بهذه المساعدة لأنه قال: "اعمل على أنك رأيت أن تمر عليهم بالقوات الجوية كزيارة لهم عند ذهابك إلى منزلك". ففهمت أنه لا يرغب في أن أتدخل بصورة فعلية عكس ما كنت قد فهمته من جمال. وقد فضلت عدم إحراج نفسي ولا إيجاد مشاكل في هذه الظروف. خاصة أنه ليس هناك قرار واضح يحدد مسئوليتي المباشرة بالنسبة لهذا الشأن. والقائد العام المسئول الأول عن هذه العمليات ليس عنده الاستعداد في قبول هذه المعانة مني – لذا فقد رأيت أن أكتفي بالمرور على رئاسة القوات الجوية كزيارة لهم ولأطمئن على الموقف. وقد ظللت معهم حتى الساعة الرابعة صباحًا.

يجب أن يتفرغ للأمور الهامة:

وفي ثاني يوم الثلاثاء 30 أكتوبر 1956 ذهبت إلى القيادة المشتركة في الساعة التاسعة صباحًا فوجدت كمال الدين حسين موجودًا مع عبد الحكيم. ولكني لاحظت أن عبد الحكيم يدير المعركة بحالة عصبية، ويتولى إصدار الأوامر في كل كبيرة وصغيرة. والقادة في الميدان لا يملكون التصرف إلا بعد الرجوع إليه. وهذا عيب كبير في إدارة المعارك الحربية. وهو كقائد عام كان يجب عليه أن يتفرع للأمور الهامة أثناء المعركة. وقد لاحظت أيضًا أنه كان يدفع بقوات كثيرة إلى أرض المعركة دون مبرر واضح يدعو إلى هذا التصرف، ولكن –على ما يظهر- أنه كان يرغب في تحقيق نصر سريع، لأنه كان عندما يمر بعض الوقت دون سماع أخبار عن تحقيق النصر الذي يأمله يقوم بقذف قوات جديدة إلى أرض المعركة.

وفي مساء نفس اليوم اجتمع مجلس الوزراء – وفي أثناء اجتماعه أبلغنا بإنذار بريطاني فرنسي، ويطالب فيه الجانبين المتحاربين مصر وإسرائيل بإيقاف القتال برًّا وبحرًا وجوًّا، وسحب كل منهما لقواته بعيدًا عن قناة السويس، وبمسافة عشرة أميال عن كلا جانبيها. أي أنه على مصر أن توقف قواتها على مسافة عشرة أميال غرب القناة، وإسرائيل أيضًا نفس المسافة ولكن شرق القناة. ومعنى هذا أن الإنذار يعطي الحق لإسرائيل في احتلال جزء من الأراضي المصرية – ويتمد من غزة حتى عشرة أميال من الضفة الشرقية للقناة. وعلينا أيضًا أن نسحب قواتنا العسكرية من تلك الأراضي حتى عشرة أميال غرب القناة. كما جاء بالإنذار أيضًا أنه على مصر أن توافق على احتلال القوات البريطانية والفرنسية مؤقتًا للنقط الرئيسية في كل من بور سعيد والإسماعيلية والسويس لضمان حرية الملاحة في القناة لجميع سفن العالم. وإن لم ينفذ هذا في خلال 12 ساعة من وقت إبلاغ الإنذار فإنهما ستضطران للتدخل العسكري.

لم يأخذ الإنذار مأخذ الجد:

وعند مناقشة فحوى هذا الإنذار في المجلس لاحظت أن جمال عبد الناصر لم يأخذه مأخذ الجد. وكان يعتقد أن الغرض منه هو أن نعمل على الاحتفاظ بالجزء الأكبر من قواتنا دون تحريكها إلى أرض المعركة في سيناء، حتى تعطي الفرصة بذلك لإسرائيل لتحقيق النصر نتيجة ضعف وقلة قواتنا المواجهة لها. وكان هذا هو ما يعتقده جمال رغم المظاهر السابقة وصورة الجدية في تحريك إنجلترا وفرنسا لقواتهما إلى جزيرتي مالطة وقبرص، ومواقفهما من الحلول السلمية المختلفة.

وبعد مناقشة مجلس الوزراء للموقف تقرر رفض الإنذار وعدم قبوله. واتخذت إجراءات استدعاء سفراء الدول الأجنبية لمقابلة جمال في نفس الليلة لوضح الموقف لهم. وحتى يقوم كل منهم بإبلاغ حكومته عن الاعتداء الإسرائيلي الذي شنته علينا. وكذا الإنذار الموجه إلينا من كل من إنجلترا وفرنسا، وتهديدهما لنا بالتدخل العسكري من جانبهما. وكان غرض جمال من هذا التحرك السياسي هو محاولة منه لكسب الرأي العام الدولي لصفنا.

وبعد انفضاض اجتماع مجلس الوزراء قمت بزيارة قاعدة غرب القاهرة الجوية ومكثت هناك فترة من الزمن. وكانت طائراتنا من قاذفات القنابل تقوم بعملياتها الليلية. وكانت الروح المعنوية للطيارين ولكل من يعمل بالقاعدة عالية جدًا. ثم غادرتها إلى القيادة العسكرية بكوبري القبة حوالي الساعة الثانية صباحًا. وعلمت في القيادة أن الموقف العسكري لقواتنا كان قد تحسن عن ذي قبل.

وفي صباح اليوم التالي – الأربعاء 31 أكتوبر 1956 – ذهبت إلى القيادة العسكرية. ثم حضر زكريا وكمال وجمال عبد الناصر وأخذنا في بحث الموقف العسكري على ضوء المعلومات التي كانت ترد من أرض المعركة. ولكنني لاحظت استمرار عبد الحكيم في دفع قوات إلى الميدان أكثر من اللازم – حسب تقديري – وذلك لرغبته في تحقيق النصر السريع. وفي أثناء مراجعتنا لسير المعركة على الخرائط أبدينا تخوفنا من احتمال إنزال الإنجليز والفرنسيين لقواتهما في منطقة القناة، وبغرض عزل قواتنا الموجودة في سيناء، ولكن جمال استبعد هذا الاحتمال، ولم يقتنع بهذا الرأي.

وحوالي الظهر حضر صلاح سالم إلى مبنى القيادة العسكرية ودخل علينا غرفة الاجتماع وعيناه تدمعان وأخذ يقبل كلا منا. الانسحاب:

ثم انصرفنا لتناول الغداء، ثم عدنا عند الغروب إلى القيادة – وحضر صلاح سالم وأبلغني أنه كان قد ذهب إلى جمال عبد الناصر في منزله وأقنعه بالانسحاب من سيناء، ولكني لم آخذ كلام صلاح مأخذ الجد لمعرفتي بموقف جمال من هذا الرأي في ظهر نفس اليوم. ولأنه حتى تلك اللحظة كان لا يزال يعتبر أن الإنذار غير جدي. ثم حضر جمال الساعة السابعة مساءً، وبعد حضوره مباشرة أعلنت غارة جوية على القاهرة. ثم تبين لنا أن الذي قام بتلك الغارة هي طائرات السلاح الجوي البريطاني. كما كان قد تبين لنا أيضًا من المعارك الجوية في سماء سيناء أن عدد طائرات الميستير المشتركة في المعركة أكثر بكثير مما لدى السلاح الجوي الإسرائيلي. وكان التفسير الطبيعي لهذا هو أن سلاح الطيران الفرنسي مشترك هو الآخر في هذه العمليات بسيناء. ولقد أصبح واضحًا لنا هدف إنجلترا وفرنسا من إشراك إسرائيل معهما، وأن ذلك بغرض أن تقوم بدفع جيشنا إلى سيناء. ثم بحجة حماية القناة وضمان حرية الملاحة بها تتدخلان ويقومان بإنزال قواتهما في منطقة القناة، ويتم بذلك عزل جيشنا في صحراء سيناء شرق القناة، ثم تقومان بالعمل بعد ذلك على تدميره والقضاء عليه. وعلى أساس هذا التصور نوقش سحب الجيش كله من سيناء – وحتى في قطاع غزة ورفح والعريش وشرم الشيخ. وصدر قرار الانسحاب الشامل لقواتنا من تلك المناطق في الساعة العاشرة والثلث مساءً – وبدأ عبد الحكيم في إصدار أوامره بالتنفيذ.

وفي حوالي الساعة الحادية عشرة مساءً كانت قد أعلنت غارة جوية ثانية على القاهرة ونزلنا إلى المخبأ الموجود بمبنى القيادة. ثم أبلغنا أن هناك عملية إنزال جنود مظلات معادية في أرض السباق بمصر الجديدة، القريبة من مبنى القيادة العسكرية ومن منزل جمال أيضًا. ولقد حدث على أثر سماع هذا الخبر ما لا كنت أتوقعه من الانفعال والعصبية. وتكلم عبد الحكيم قائلاً: "اختفوا جميعًا واتركوني مع الجيش". واضطرب جمال وفكر في أولاده. وطلب العمل على نقلهم فورًا إلى القناطر الخيرية، ولكنه عاد بعد فترة وطلب نقلهم إلى منزل في وسط القاهرة خوفًا من كلام الناس، وحتى لا يقال إنه هرب أولاده وترك الناس معرضين للخطر. وأما صلاح سالم فإنه كان يصر على قيامنا فورًا بمغادرة مبنى القيادة والاختفاء. وطلب منا أن نذهب إلى منزله لنناقش الموقف في هدوء وبعيدًا عن الخطر. وزكريا تكلم عن ثلاث شقق كان قد سبق تجهيزها لاستخدامها عند الطوارئ وذلك في حالة ما إذا اضطررنا إلى العمل سرًّا (Under ground) تحت أي ظرف من الظروف.

وكان هذا الانفعال قد نتج على أثر تقدير خاطئ من بعض ضباط القيادة واعتقادهم أن إنزال هؤلاء الجنود كان الهدف منه هو اقتحام مبنى القيادة ومنزل جمال عبد الناصر للإمساك به. وقد نسوا أن مثل هذه العملية الانتحارية مقضي عليها بالفشل الذريع. ولا يمكن لقيادة عسكرية التفكير فيها. ولما كان قد حدث هو أن بعض الطائرات المغيرة كانت قد أسقطت بعض المشاعل (Flares) فوق منطقة السباق بمصر الجديدة لتضيء لها الأهداف العسكرية التي ترغب في قصفها بقنابلها. واعتقد بعض الأفراد من الدفاع الجوي الموجودين في المنطقة أنه قد تم إنزال هؤلاء الجنود. فأبلغوها إلى القيادة. وانتشر الخبر على أنه حقيقة واقعة مما نتج عنه هذا الارتباك والانفعال.

مصير بلادنا:

ولكن جمال بعد فترة كان قد استرد أعصابه. وكان الموقف في هذه اللحظة له خطورته، وسيتقرر مصير بلادنا وربما لأجيال قادمة على تصرفات جمال عبد الناصر شخصيًّا. كما أنه سيتوقف عليه أيضًا شرفنا وشرف هذا الجيل.

وكنت أقد أحسست أن هناك اضطرابًا قد حدث فجأة وشللاً للكثيرين عندما تأكد لنا دخول إنجلترا وفرنسا المعركة. وكان موقفًا عصبيًّا حقًّا لأن نتيجة المعركة معروفة مسبقًا. ولأنه ليس من المعقول أن ننتصر عليهما وعلى ربيبتهما إسرائيل. وكان السؤال الذي يدور في ذهن كل منا في تلك اللحظة – هل نستمر في المعركة ونتحمل نتائج التخريب والتدمير. أم نجنب البلاد هذا الدمار بالاستسلام والاختفاء لمقاومة هذا الاحتلال الذي سيفرض علينا وذلك عن طريق المقاومة السرية؟ وكان الاتجاه الغالب هو الاختفاء والقتال – وأما جمال فكان مضطربًا ولكنه لم يبد رأيه فورًا ولم يظهر اتجاهه.

وكان قد بحث عن قوات عسكرية بالقاهرة لاستخدامها في التصدي ومقاومة هؤلاء الجنود المزعومين والهابطين بالمظلات كما كان يعتقد. ولكنه تبين أن ليس هناك أي قوات بالقاهرة غير الكتيبة "13" المكلفة بحراسة منزل جمال عبد الناصر.

وكان في تقديرنا أن سلاح الطيران الإنجليزي لابد أنه سيقوم بتركيز ضرباته على مطاراتنا في الصباح المبكر من اليوم التالي محاولاً بذلك القضاء على طائراتنا حتى تتم له السيطرة الجوية. وبناء على هذا التقدير فقد طلب اتخاذ الإجراءات بحماية هذه المطارات وما بها من طائرات والعمل أيضًا على تقوية الدفاعات عنها.

وحوالي الساعة الثانية صباحًا غادرنا القيادة العسكرية متوجهين إلى منازلنا وركبت مع جمال سيارته وكذا زكريا. ودار حديثنا ونحن في السيارة حول الدول الصغيرة التي لم تفرط في شرفها وكرامتها. وقاتلت دولاً كبيرة خلال الحرب العالمية الثانية. وخسرت المعركة في النهاية. ولكنها احتفظت بشرفها وكرامتها. ونالت تقدير شعوب العالم لها واحترامها. وبعد أن وصلنا إلى منزل جمال وعند انصرافنا طلب مني جمال أن أمر عليه في الصباح.

وفي يوم الخميس أول نوفمبر 1956 صحوت من النوم مبكرًا على صوت انفجار قنابل الطائرات المهاجمة لمطاري ألماظة ومصر الجديدة القريبين من منزلي. وغادرت منزلي وتوجهت إلى منزل جمال. وقد وجدته أحسن حالاً بكثير من مساء اليوم السابق بل وجدته أيضًا نشطًا. وكان قد أخذ يعد في البيان الذي سيلقيه على الشعب عن طريق الإذاعة ليفسر لنا السبب الذي دفعنا لاتخاذ قرار سحب قواتنا من سيناء وكنا من حين لآخر نخرج إلى حديقة منزله لنشاهد الطائرات المغيرة على المطارات المجاورة لمنزله. وبعد ذلك ذهبنا إلى القيادة العسكرية بكوبري القبة. وألقى جمال بيانه من هناك. وتناولنا الغداء بمكتب عبد الحكيم ثم انصرفنا. وذهبت مع جمال إلى منزله. وتكلم معي عما إذا كان من المستحسن دعوة مجلس الوزراء إلى الاجتماع أم لا. وأيدت فكرة الدعوة ولكنه كان مترددًا. وأخيرًا اقتنع وطلب من محمود الجيار الاتصال بالوزراء ودعوتهم إلى الاجتماع في الساعة السابعة مساءً. ولقد طلب مني أن أظل معه بالمنزل وأن أستريح فيه. وظللنا نتكلم معًا عن ضرورة الاستمرار في المقاومة حتى ولو خسرنا المعركة. لأن في هذا استمرارًا لرسالتنا التي ننادى بها. ثم ذهبنا إلى القيادة العسكرية قبل أن نتوجه إلى اجتماع مجلس الوزراء. ثم توجهنا إلى الاجتماع أثناء إحدى الغارات الجوية على القاهرة.

بتنا معًا:

وفي اجتماع المجلس تكلم جمال عن خطة العدو وأهدافه. والأسباب التي دفعتنا لسحب قواتنا من سيناء. ولكن أعضاء المجلس كانوا في سكون تام. وبعد الانتهاء من الاجتماع طلب مني جمال أن أبقى معه للمبيت بمبنى مجلس الوزراء في مخبأ هناك تحت مبنى المخابرات العامة الملاصق لمبنى مجلس الوزراء. ولكننا عندما ذهبنا اليوم وجدناه مكانًا غير مناسب، "واستعيب" جمال أن يلجأ إلى هذا المكان وأمام موظفي المخابرات، فعدنا إلى منزله. وأردت الانصراف إلى منزلي ولكنه طلب أن أبيت معه بمنزله. ولم تكن أسرته بالمنزل. وكانت قد نقلت إلى مسكن آخر بوسط المدينة. وقد رغبت في أن أنتقل إلى حجرة نوم أخرى غير حجرة نومه. ولكنه طلب أن أبيت معه في نفس الغرفة. وقد أخذنا نتحدث قبل النوم عن الموقف وما يجب عمله. وأبديت له ملاحظاتي على إدارة عبد الحكيم للمعركة وحالته النفسية السيئة بعد الذي حدث وطلبت منه أن يتكلم معه.

وفي يوم الجمعة 2 نوفمبر صحونا من النوم على أصوات الانفجارات الناتجة عن غارة جوية وأصوات المدافع المضادة للطائرات. وبعد انتهاء الغارة طلب جمال – عبد الحكيم عن طريق التليفون. ودعاه إلى الحضور ليتناول معنا الإفطار. وحضر عبد الحكيم وتكلم معه جمال طالبًا منه الذهاب لزيارة الوحدات العسكرية بمنطقة القناة حتى يجدد في نفسه روح القتال وحتى يراه الجنود بينهم فترتفع روحهم المعنوية. ووافق عبد الحكيم على القيام بتلك الزيارة. وأنه سيقوم بها بعد يومين متعللاً بأنه إن ذهب في نفس اليوم فسيجد القوات هناك في غير انتظام وفي هرج ومرج نتيجة لانسحابها. وسأله عن رأيه في إرسال كمال الدين حسين إلى الإسماعيلية ليتولى قيادة الدفاع عنها – فلم يعترض على ذلك. واتصل جمال بكمال تليفونيًّا وطلب منه الحضور. وبعد حضوره عرض عليه جمال فكرة أن يتولى الدفاع عن منطقة الإسماعيلية فرحب بها كمال. وقام لتنفيذها في نفس اليوم.

وخرجنا بعد ذلك من منزل جمال، وقد توجه هو إلى مكتبه بمجلس الوزراء لمقابلة أحد السفراء الأجانب، ولكنه لم يذكر لنا اسمه. وتوجهت مع عبد الحكيم إلى القيادة العسكرية. ثم علمت بعد ذلك أن جمال قد ذهب إلى الجامع الأزهر. وخطب في المصلين هناك. وشرح لهم أهداف العدو وما كانوا ينوونه. وأن انسحاب قواتنا أفسد عليهم خطتهم. وأعرب لهم عن إصرارنا على القتال.

ولقد ظللت بمكتب عبد الحكيم حتى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. وكان صلاح سالم موجودًا. ثم تركتهما بعض الوقت وانتقلت إلى الحجرة المقابلة لمكتب عبد الحكيم ليقص الحلاق شعري. ولكنني عندما عدت لم أجدهما. ولما سألت البكباشي توفيق عبد الفتاح مدير مكتب عبد الحكيم عنهما أبلغني أن عبد الحكيم قد توجه إلى جمال عبد الناصر في رئاسة مجلس الوزراء. وكان الاتفاق أن جمال هو الذي سيحضر إلى القيادة العسكرية. فاتصلت به لأسأله عن عبد الحكيم، وهل سيعودان إلى القيادة أم سيظلان برئاسة مجلس الوزراء حتى أذهب إليهما. وفهمت منه أن عبد الحكيم لم يكن قد وصل إليه بعد، ومن أنهما سيحضران إلى القيادة.


شيء يضايقه:

وبعد هذا الحديث رأيت أن أذهب لرؤية أولادي ولأني لم أكن قد رأيتهم من عدة أيام. ولأتناول الغداء معهم في المنزل الذي كانوا قد نقلوا إليه بالدقي عند أحد الأقارب. ولكن بعد وصولي بعدة دقائق اتصل بي جمال وطلب مني الذهاب إليه في مكتبه بمجلس الوزراء، وأخبرني أن عبد الحكيم موجودًا معه. ولكنني شعرت من نبرات صوته أن هناك شيئًا يضايقه وله خطورته. لذلك فقد نزلت مباشرة دون أن أتناول غدائي. ولما وصلت إلى هناك لم يكن بالمكتب غير جمال وعبد الحكيم. وقد أخذت أتحدث إليهما عن روح الشعب وتصرفاته أثناء الغارة الجوية التي شاهدتها عندما كنت متوجهًا من القيادة إلى الدقي – واستهتار الشعب بهذه الغارات، ومعنوياته المرتفعة. ثم حضر زكريا، واتصل صلاح سالم تليفونيًّا بجمال عبد الناصر. وطلب مقابلته فحدد له جمال موعد المقابلة بعد ساعة من حديثه التليفوني. ثم قام جمال واستأذن في الذهاب إلى دورة المياه. وطلب من عبد الحكيم أن يتحدث معنا في الموضوع الذي سبق وذكره له أي لجمال.

وقد بدأ عبد الحكيم الحديث قائلاً: "إن الاستمرار في المعركة سيترتب عليه تدمير البلاد وقتل الكثيرين من المدنيين. والشعب سيكره النظام والقائمين عليه. وأنه يفضل تفاديًا لهذا التدمير أن نطلب إيقاف القتال". هذا كان باختصار مضمون حديثه.

ولما لم أكن أتوقع منه هذا الحديث فقد صدمت. ولذا فقد جاء ردي عليه بانفعال وبتحمس شديد. وذاكرًا أننا لابد سنخسر المعركة. ولكن لابد لنا أن نخسرها بشرف. وتسليمنا الآن سينتج عنه احتقار الشعب لنا، والكره الذي يخشاه أخف وطأة من الاحتقار. وأن ما خسرناه حتى الآن ليس إلا بعض الأشياء المادية، وحتى لو قتلت بعض الأرواح فما هي إلا تضحيات في سبيل الشرف والرسالة التي ننادى بها. والأمر يستلزم منا الاستمرار في المعركة حتى تسقط العاصمة وبعدها نقدر موقفنا، ولا أقول أن نركب رؤوسنا كهتلر. ولا نستسلم أبدًا حتى تدمر البلاد نهائيًّا – ولكن أرى أن نستمر في المعركة حتى لا نسقط من أعين الشعب ونفقد احترام الشعوب الأخرى.

وكان جمال قد عاد وسمع قسطًا من حديثي، وجلس ولكنه لم يتكلم. وكان مقطب الجبين. ولم أكن أعرف ماذا كان رده على عبد الحكيم عندما تحدث معه في هذا الموضوع. وأما زكريا فكان يرى أن نستمر في المعركة ولو إلى حين. وفي أثناء هذه المناقشة حضر صلاح، وكان حضوره بعد نصف ساعة من مكالمته التليفونية. وذكر عند دخوله غرفة المكتب أنه لم يقدر على الانتظار مدة الساعة التي كان من المفروض عليه أن يحضر بعدها بحجة أن لديه كلامًا يود أن يقوله لنا.

وبدأ حديثه: "إننا يجب أن نجنب البلاد ويلات التدمير والتخريب". وذاكرًا ما سبق أن قاله عبد الحكيم. واقترح على جمال أن يعلن بيانًا على الشعب يخبره فيه بأنه رأى أن المصلحة تستدعي تجنيب البلاد الدمار والخراب. وأن يعلن أنه سيطلب وقف القتال والاستسلام. وقد زاد على هذا بقوله: "ونقوم نسلم أنفسنا لـ"تريفليان" السفير الإنجليزي".

الانتحار أشرف:

وطلب من زكريا إحضار عدد من زجاجات السم "سيانور البوتاسيوم" تكفي لعددنا لاستخدامها عند اللزوم.

وأكد كلامه بقوله: "إنني جاد فيما أقول".

وهنا قال صلاح إنه يسحب هذا الاقتراح.

واستمرت المناقشة محاولين إيضاح أن دواعي الشرف تستدعي منا الاستمرار في القتال حتى تسقط العاصمة. وحتى نصل إلى الحد الذي نعتقد أنه بعد ذلك يكون من الجنون الاستمرار في القتال. وبعد هذا نختفي ونعمل على استمرار القتال عن طريق المقاومة السرية. وعلى أن يقوم جمال بتكليف شخص قبل اختفائنا ليعمل على التفاوض مع تلك القوى المعتدية لإيقاف القتال، وحتى لا نترك البلاد دون قيادة بعد اختفائنا. وأبدى صلاح موافقته على هذا الرأي. كما ذكر عبد الحكيم أن هذا هو ما كان يقصده. وهو موافق عليه. وبعدها لم تفتح المناقشة حول الموضوع ثانية.

مقابلة مع سليمان حافظ:

وفي أثناء اجتماعنا حضر البكباشي صلاح نصر وأبلغ جمال أن الأستاذ سليمان حافظ يرغب في مقابلته أي مقابلة جمال – الليلة لأمر هام. وقال جمال: "لا يمكنني مقابلته لأنني لا أرغب في أن يراه أحد وهو يقابلني". وطلب مني مقابلته بدلاً منه. ولكن صلاح نصر عاد ثانية وأبلغنا أن سليمان حافظ يرغب في أن يتواجد عبد الحكيم معي في هذه المقابلة. واتفقنا على أن تكون المقابلة بالمنزل الذي كانت به عائلتي بالدقي. وأن يكون موعد المقابلة الساعة الثامنة والنصف مساءً.

وتوجهت مع عبد الحكيم إلى المنزل بالدقي ومعنا الصاغ علي شفيق سكرتير عبد الحكيم. ثم أرسلناه لإحضار سليمان حافظ فحضر بعد مدة.

وسألنا سليمان حافظ عن الأحوال. ومستطردًا: "أنا طلبت مقابلة جمال لأعرض عليه اقتراحًا سبق أن ذكرته لأحمد حسني – وزير العدل- فهل هو لم يخبركم؟".

فسألناه عن هذا الاقتراح الذي نشير إليه.

فقال: "أن نتقدم بطلب للدول المعتدية بجعل مصر دولة محادية كسويسرا وكذا قناة السويس. وأن تضمن هذه الدول حياد مصر وذلك حتى نجنب البلاد ويلات الحرب والدمار والخراب والاحتلال. وأن يقوم بتقديم هذا الاقتراح شخص آخر غير جمال عبد الناصر – وليس هناك أصلح من محمد نجيب لهذه المهمة".

فرد عليه عبد الحكيم بقوله: إن هذا الاقتراح سبق وتقدم به جمال للجنة "مانزيس" ولكنه رفض.

فقال سليمان: "إذن الموقف الآن قد تغير" وسأل: "ماذا تنوون أن تفعلوا؟".

فأجبناه استمرار المقاومة الشعبية.

على جمال أن يعود للكتيبة السادسة:

فقال: "إن المقاومة الشعبية تحتاج إلى تنظيم وإلى معنويات. والتنظيم يحتاج إلى وقت طويل. وأنتم لم تقوموا بعمل هذا التنظيم، وليس أمامكم إلا الاعتماد على المعنويات. وهذه المعنويات لن تتوافر إلا إذا تولى قيادة المقاومة الشعبية شخص محبوب من الشعب كمحمد نجيب. وعلى جمال عبد الناصر أن يعود إلى الكتيبة السادسة المشاة".

ولما سألناه لماذا يعود جمال إلى الكتيبة السادسة المشاة. قال: "لأن الناس بتقول هو جمال عبد الناصر بيخلط بين مجده الشخصي وبين مستقبل البلاد".

فقلت له: "من هو محمد نجيب؟ لقد نسيه الشعب. وأعمال جمال في الفترة الماضية جعلتهم ينسون محمد نجيب".

فقال: "أنا أقول لكم الحقيقة والناس لا تصارحكم بها. وجمال مكروه وغير محبوب".

فسأله عبد الحكيم: "وكيف تفسر نتيجة الاستفتاء التي حصل عليها جمال؟ وهي تثبت عكس ما تقول".

فرد عليه: "إننا نعلم جميعًا كيف تجري مثل هذه الأمور خاصة أن الشخص المستفتي عليه هو الذي يتولى زمام الحكم في البلاد".

فقلت: "إن الكل يعلم مدى الحرية المطلقة التي كانت مكفولة لكل من كان له حق الاستفتاء".

فقال: "هذا صحيح. ولكن الخوف دفعهم لتجنب المشاكل التي ستقع على كل منهم لو لم يصوت في جانب جمال".

فقال له عبد الحكيم: "أنت تعرف محمد نجيب وأنا أعرفه. وهو لا يصلح لهذه المهمة".

رد سليمان حافظ أن هذا صحيحًا – ولكنه سيكون رمزًا للكفاح الشعبي، ومن الممكن أن يكون جمال عبد الناصر نائبًا له ليتولى القيادة الفعلية لهذا الكفاح تحت شعار محمد نجيب".

ولكننا أوضحنا له في النهاية أن الكفاح سيستمر ولكن بدون محمد نجيب. وأقفل الحديث معه في هذا الموضوع. وتحدثنا عن الماضي عندما كان يتعاون معنا في بداية الثورة. ثم شعر بأننا على عجلة من أمرنا فاستأذن، وغادرنا المنزل معه.

وتوجهت بعد ذلك إلى القيادة العسكرية بالزمالك أمام نادي الجزيرة الرياضي. وكانت القيادة السعكرية بكوبري القبة قد نقلت إليها في نفس الليلة. وذلك تجنبًا لمخاطر ضربها بطائرات العدو بحكم أنها غرض ظاهر. وأما عبد الحكيم فكان قد توجه إلى المنزل الذي كانت عائلته قد انتقلت إليه لرؤية أسرته.

وعندما دخلنا مقر القيادة الجديد، وجدت مدير مكتب عبد الحكيم البكباشي توفيق عبد الفتاح يصدر أوامره بتحريك كتيبتين عسكريتين إلى مطار القاهرة الدولي. وكان قد أبلغ إليه أن العدو أسقط به عددًا من جنود المظلات. وكان الخبر غريبًا لأن العدو لم يكن قد أنزل بعد قواته العسكرية على أرض مصر – حتى يتمكن من أن يرسل قوة لتساند هذه القوة التي أنزلت بالمطار. ومثل هذه العملية مقضي عليها بالفشل. ولا يمكن لأية قوة عسكرية تعرف مسئولياتها أن تقدم عليها. خاصة أن دفاعات تلك المنطقة كانت من القوة بحيث تقضي على أية محاولة من هذا القبيل. والعدو لابد أنه يعلم ذلك. وكان التساؤل عن هدف العدو من إسقاط مثل هذه القوة؟ هل للاستيلاء على المطار وتأمينه حتى يتمكن في الصباح من إنزال طائراته وهي محملة بالجنود لمهاجمة مدينة القاهرة – وهل يمكنه ذلك والمدينة بها ثلاثة ملايين نسمة؟ إنه لأمر مستبعد، ورئي للتأكد من صحة الخبر.

وتبين لنا عدم صحته. وأن ما حدث هو أن بعض الطائرات المغيرة كانت قد ألقت في هذه اللحظة بعض فوانيس الاشتعال (Flares). واعتقد بعض أفراد الدفاع الجوي خطأ أنه قد أسقط بعض المظليين – نفس الخطا الذي سبق وحدث عندما اعتقد بأنه تم إنزال قوات من المظليين في أرض السباق بمصر الجديدة.

ولقد حضر عبد الحكيم بعد فترة. ومكثت معه حوالي ساعة ثم انصرفت بعد ذلك وتوجهت إلى منزلي بمصر الجديدة. ولم أذهب إلى جمال للمبيت معه في مبنى قيادة الثورة كما كان الاتفاق بيننا. ولم أذهب كذلك للمبيت مع عائلتي بالدقي وفضلت منزلي بمصر الجديدة رغم علمي بأنه مهدد تمامًا بأن يصاب إصاب مباشرة من إحدى الطائرات المغيرة وذلك لقربه الشديد من مطار ألماظة ومطار مصر الجديدة، وكذا المنطقة العسكرية بألماظة، وهي المناطق التي كانت تقوم طائرات العدو بالإغارة عليها وضربها بقنابلها ومدافعها. وقد أقدمت على هذا التصرف متمنيًا أن يحدث خطأ من أحد الطيارين ويصيب منزلي بإحدى قنابله حتى أنتهي معه. وحتى لا أشاهد المأساة القادمة، والتي كانت صورتها تطوف بذهني بعد تلك الأحداث التي مرت بي طوال اليوم. وقضيت تلك الليلة بمنزلي، وكان يهتز كلما انفجرت قنبلة من تلك القنابل التي تسقطها طائرات الأعداء. ولكنني رغم هذا لم أكن أشعر بالخطر.

هذا ما جاء بيومياتي عن هذا اليوم. وهي تعبر عن الظروف الصعبة والقاسية التي مررنا بها في خلال تلك الأزمة. وهي طبيعية مع الصراع والحرب مع دولتين عظميين، ونتائجها التي كانت متوقعة والصورة السوداء التي كانت تدور بمخيلتنا عن المستقبل، والأضرار التي ستصاب بها بلادنا وشعبنا.

شاهدت ضرب مطار ألماظة:

ولم أنم في تلك الليلة إلا النذر القليل. وصحوت مبكرًا يوم السبت 3نوفمبر 1956 على أصوات طلقات المدفاع المضادة للطائرات والمجاورة لمنزلي. وشاهدت طائرات الأعداء وهي تقوم بضرب مطار ألماظة وقشلاقاتها العسكرية بالقنابل والمدافع الرشاشة. وكانت الغارات الجوية في هذا اليوم شديدة ومركزة.

واتصلت تليفونيًّا بجمال عبد الناصر بمجلس قيادة الثورة أثناء إحدى تلك الغارات. وكانت الساعة قد قربت من العاشرة صباحًا. وسمع هو أصوات الانفجارات والمدافع عن طريق التليفون واستفسر مني عن تلك الأصوات. فأجبته بأنني في أرض المعركة. وكنت أضحك وشر البلاء ما يضحك. وطلب مني أن أذهب إليه. ومن أنه كان قد بحث عني في الليلة السابقة. ولما ذهبت إليه وجدت معه الصاغ صلاح دسوقي أركان حرب وزارة الداخلية. وكان جمال واقفًا بالحمام وقد انتهى من حلاقة ذقنه. وأخذت أصف له تلك الغارات وتصدى مدفعيتنا لها. وإسقاط إحدى طائرات العدو قرب مطار مصر الجديدة. ومروري لمشاهدة حطامها وأنا في طريقي إليه. وكنت في الحقيقة أكذب عليه لأن ما كان قد سقط قرب هذا المطار لم يكن إلا الخزانات الإضافية لإحدى الطائرات. وكانت قد تخلصت منها لتخفف من حمولتها. ولتساعدها على المرونة وسرعة الحركة. وعندما سمع مني جمال هذا القول وجدته قد أخذ وجهي بين كفيه وقبله.

ثم بدأ يتكلم عن أنه لا يعلم شيئًا عما يفعله الجيش، وأن القوات العسكرية انتشرت في شوارع القاهرة وتركت منطقة القناة رغم الاتفاق على سحبها من سيناء للدفاع عن تلك المنطقة. ومن أنه منعزل تمامًا عن القيادة العسكرية. ولا تصله أية معلومات عن أوامر العمليات أو تحركات القوات أو خطة الدفاع، وذاكرًا أنه المسئول الأول في الدولة. ومن أن صلاح سالم هو الذي أصبح وكأنه المسئول وتنذ اقتراحاته. ويصدر الأوامر. كما ذكر أنه هو –أي صلاح- الذي كان قد أقنع عبد الحكيم بالتسليم ووقف القتال. ومن أن صلاح قد أصبح مسيطرًا عليه. وكانت حالة جمال عصبية وهو يذكر ذلك، بل كان يكاد يفقد السيطرة على نفسه.

اقتراح باعتقال صلاح سالم:

فطلبت منه أن يهدأ. وأن ينسى ما حدث. وأن يحاول أن يصحح ما يعتقد أنه خطأ. ويفكر فيما يجب عمله لنواجه به المستقبل. واقترحت أن أذهب وأحضر عبد الحكيم إليه لنناقش معه كل هذه الأمور وننفذ كل ما يمكن الاتفاق عليه – فوافق على هذا الرأي ولكنه أشار إلى أن صلاح سالم موجودًا عنده بالقيادة. وطلب مني عدم حضوره مع عبد الحكيم. وتركته وانصرفت متوجهًا إلى عبد الحكيم، ورافقني صلاح دسوقي. وركبت معه سيارته. واقترح صلاح دسوقي علي ونحن في الطريق أن نقوم باعتقال صلاح سالم وأن نضعه في منزلي. وأن يقوم ضباط من البوليس بحراسته. ولكنني رفضت الفكرة. وعندما وصلنا إلى مكتب عبد الحكيم وجدت معه صلاح سالم وحسن إبراهيم. وبعد فترة أبلغت عبد الحكيم برغبة جمال في الاجتماع به. فوافق وطلب أن ننتظر حتى ينتهي من بعض الأعمال. وفي أثناء انتظارنا طلب جمال –عبد الحكيم تليفونيًّا. وأخذ يتكلم معه. وبعد انتهاء المحادثة بينهما قال عبد الحكيم لصلاح "اتفضل روح على السويس لتتولى الدفاع عنها" واستنتجت من ذلك أن جمال يرغب بهذا إبعاد صلاح عن عبد الحكيم.

بعد ذلك ذهبت مع عبد الحكيم إلى جمال. وأخذنا في مناقشة الموقف. ولقد حضر الجزء الأول منه زكريا وحسن إبراهيم. وتكلم جمال في هذا الاجتماع ذاكرًا لعبد الحكيم وبصراحة تامة كل ما يشعر به عن انعزاله عن القيادة العسكرية تمامًا. وعدم علمه بما يجري رغم مسئوليته. وأن صلاح هو الذي أصبح يدير البلد – على حد قوله، ولكن عبد الحكيم رد عليه عند ذكره لهذا بقوله: "أنت تعلم أن لي شخصيتي ولي رأيي، ولا يمكن أن أنصاع لا لصلاح أو لغير صلاح". وكان جمال يتكلم وهو في حالة عصبية. أما عبد الحكيم فلقد كان متمالكًا لأعصابه ولقد سأل جمال عما يريده منه. وذاكرًا أنه ليس لديه مانع من أن يتولى جمال القيادة العسكرية بنفسه. وهو على استعداد أن يعمل تحت قيادته. ولكن جمال رد عليه بقوله: "أنا لا أطلب أن أتولى القيادة، ولكنني أطلب أن أكون على علم بما يجري. وأن يؤخذ رأينا فنحن أيضًا كنا عسكريين ونفهم بعض الشيء". وفي النهاية وبعد نقاش حاش تم الاتفاق على أن يقوم عبد الحكيم بإرسال ضابطين من ضباط الأركان حرب من مكتبه ليكونا ضابطي اتصال بمكتب جمال. وذلك حتى تتوافر له الصورة كاملة أولاً بأول. ثم تناولنا بعد ذلك الغداء معًا قبل انصراف عبد الحكيم.

وفي مساء هذا اليوم اجتمعنا مع ضابطي الاتصال اللذين أرسلهما عبد الحكيم وناقشنا معهما خطة الدفاع عن القاهرة. فعلمنا أن الخطة كانت حتى ذلك المساء هي الدفاع عن غرب فرع رشيد. وذلك حتى يتم إعادة تنظيم القوات المنسحبة. فقال لهما جمال: "معنى هذا أننا الآن ونحن في القاهرة خارج منطقة الدفاع، فقيل له: "نعم". ولما ناقشنا خطة الدفاع عن منطقة القناة – وجدناها ضعيفة لأن أغلب قواتنا العسكرية كانت قد انسحبت إلى منطقة القاهرة. وطلب تعزيز الدفاعات بتلك المنطقة.

وكان في تقدير ضابطي الاتصال أنه من الصعوبة بمكان إنزال قوات معادية في بور سعيد أو السويس. وإن كان هناك محاولة من العدو فستكون غرب الإسكندرية. ولذلك لم تعط أهمية قصوى لتقوية الدفاعات في منطقة القناة. وقد أشرنا إلى خطأ هذا التقدير منهما لأن الإنذار البريطاني الفرنسي قد حدد المنطقة التي هددا باحتلالها. وسياسيًّا أمام الرأي العام الدولي لا يمكنهما غزو كل مصر حتى يصلا إلى منطقة القناة موضع الخلاف. ولأن خسائرهما في تلك الحالة ستكون كبيرة. وستطول مدة العمليات كذلك. ولكن كان هذا هو تقدير القيادة العسكرية المصرية.

شلل مفاجئ:

وفي تلك الفترة كان هناك نقد مرير لعبد الحكيم والجيش من الكثيرين. ولكن لابد أن نكون منصفين. فالحمل كان أكثر من أن يتحمله عبد الحكيم بمفرده خاصة بعد دخول إنجلترا وفرنسا المعركة. والعامل النفساني نفسه كان له تأثير كبير على تصرفات الكثيرين. كما وأنه كان قد حدث شلل مفاجئ للكثيرين أيضًا بعد أن اتضح حول الدولتين المعركة بالإضافة إلى إسرائيل. وكان البعض من الزملاء يشبه هذا الذي حدث بأنه سيكون هو الطوفان، وذلك عندما كنا نناقش الموقف بعد التأميم – ومن أن هذا الاحتمال موجود بتدخل الدولتين عسكريًّا بعد دفع إسرائيل إلى الاعتداء علينا. ومن كان يشبه هذا الوضع بالطوفان لو حدث كان هو أول المهاجمين لعبد الحكيم. ومشبهة باللواء الممواي قائد العمليات الحربية أثناء حرب فلسطين سنة 1948 – وفشله في تلك الحرب.


موقف عصيب:

وفي يوم الأحد 4 نوفمبر 1956 وكنا نبيت بمبنى مجلس الثورة توجهت بعد أن صحوت من النوم إلى حجرة جمال لتناول الإفطار معه. فوجدته قد ارتدى ملابسه ويقوم بتناول الإفطار. ولم تكن هذه عادته. بل وفي مثل تلك الساعة غالبًا ما يكون لا يزال راقدًا في سريره. ولا يتناول إفطاره قبل أن يرسل إلينا لنشاركه فيه. وكنت عندما دخلت عليه الغرفة قد ربت على ظهره وهو جالس على مائدة الإفطار وقلت له: "كيف الحال اليوم؟" فرد علي بأنه لم ينم طوال الليل. وصرح لي أنه قد بكى. وانه – على ما يظهر- قد أضاع البلد – على حد قوله- فتأثرت لحاله. وجلست أتناول إفطاري معه وأنا شارد الذهن. ولا أعرف ماذا أفعل لأساعده وأساعد نفسي أيضًا في هذا الموقف العصيب الذي يحيط بنا.

ومن طول النهار، ونحن نتتبع الأحداث وما يجري حتى المساء. ولكن حوالي الساعة الحادية عشرة مساءً طلب مني جمال وكنت جالسًا مع زكريا أن أصعد معه إلى الدور العلوي بمبنى مجلس قيادة الثورة بحجة أن نستنشق الهواء في التراس الذي يطل على النيل. وتركنا زكريا وصعدنا. وبعد أن وقفنا قليلاً ننظر إلى مياه النيل. وكان الظلام مخيمًا على جميع أنحاء المدينة والسكون شاملاً تكلم جمال قائلاً: "إنني قررت أن أذهب إلى بور سعيد الليلة حتى أرى ماذا سيفعل الجيش عندما يعلم أن رئيسهم قد ذهب إلى بور سعيد ليقاتل بنفسه، وعليك أن تتولى أمر السياسة والدعاية.

ولكنني رددت عليه بقولي: "سأذهب معك وعلى الأقل نستشهد هناك في الدفاع عن بلادنا". ولكنه طلب مني أن أعيد التفكير في هذا القرار. وعندما وجد مني إصرارًا على ملازمته والذهاب معه قال سنتحرك عند منتصف الليل. ولما ذكرت له أليس من المستحسن إبلاغ عبد الحكيم بسفرنا حتى لا يفاجأ في الصباح بوجودنا في بور سعيد – رفض ولكنه عاد ووافق بعد أن تناقشنا في الأمر. ثم علمت منه ونحن في طريقنا إلى مدينة الإسماعيلية متوجهين إلى بور سعيد أنه لم يخطر عبد الحكيم بسفرنا، وإنما طلب من زكريا إبلاغه في صباح ثاني يوم.

هزمني جيشي:

وبعد منتصف الليل بقليل تحركت بنا السيارة متجهين إلى الإسماعيلية في طريقنا إلى بور سعيد، واتخذنا طريق الكورنيش بعد مغادرتنا لمبنى مجلس الثورة ومنه اتجهنا إلى الإسماعيلية. وعلى هذا الطريق شاهدنا عربات عسكرية كثيرة مدمرة أو مقلوبة. ودبابات متروكة. منها المحروق ومنها ما يظهر على أنه سليم. أو ربما يكون معطلاً نتيجة إصابته من الطائرات المغيرة. والتي ظلت تهاجم القوات المتحركة على هذا الطريق بعد الانسحاب وهي في طريقها إلى القاهرة. وكان جمال يسألني عن كل دبابة أو عربة نمر بها – وماذا بها؟ وكنت أشعر أنه في عالم آخر – غارق في التفكير. وكنت ألمس أنه متعب جدًا من الموقف. وكنت أحاول أن أخفف عنه. وأهون عليه الأمر. وكنت أعتبر هذا من واجبي في هذه الآونة التي تمر بها بلادي. وأعرب أن جمال هو رمز الثورة في مصر بل وفي المنطقة كلها. وكان كل أملي أن نستمر الحياة في هذه الثورة في مصر بل وفي المنطقة كلها. وكان كل أملي أن تستمر الحياة في هذه الثورة وألا تموت. وكان هذا يتوقف على تصرفاتنا في هذه الأيام. وعلى تصرفات جمال بالذات كرمز لها ولنا أيضًا.

ونحن في طريقنا إلى الإسماعيلية قال جمال بصورة مؤثرة ومحزنة بعدما شاهد العربات والدبابات محطمة على جانبي الطريق: "إنها بقايا جيش محطم". وأخذ يتحسر على المبالغ التي قد أنفقت على تسليح الجيش قائلاً: "إن مائة وثلاثة ملايين من الجنيهات قد ضاعت هباءً". كما قال أيضًا بالإنجليزية (I was defeated by my army) قد هزمت بواسطة جيشي. وكنت أقول له لا تيأس ولكنه يرد علي بقوله إنك تعرف أنني لا أيأس أبدًا وكنت أحس أن أمامي رجلاً محطمًا. ويتوقف عليه وعلى تصرفاته مستقبل بلدي. وشعرت بالعطف عليه. بل قد شعرت في تلك اللحظة أنه ملك علي نفسي أكثر من أي وقت مضى. وكنت على استعداد للتضحية بنفسي في سبيله – في تلك اللحظة التي ينهار فيها وينتهي كل شيء – في هذه اللحظة التي أصبحا فيها ضعيفًا ولا حول ولا قوة له.

هذا هو الذي تقوله يومياتي وهي تعبير عن مشاعر في موقف عصيب وظروف قاسية، وإحساس بها شديد.

وفي حوالي الساعة الثالثة والنصف صباحًا وصلنا إلى مدينة الإسماعيلية. وتوجهنا إلى مبنى القيادة والتي كان يقيم بها كمال الدين حسين. وهي كانت من قبل منزل القنصل الإنجليزي بالإسماعيلية. ووقفنا أمام باب المبنى، وأخذ بعض الحراس يدقون علي الباب ليفتح أحد لنا. ولكن طال انتظارنا دون أن يفتح أ؛د الباب. فتوجه بنا أحد الحراس إلى مدخل آخر من باب البدروم. وقد تسلقنا سلما خشبيًّا ضيقًا ومررنا من فتحات ضيقة. وكانت تضطرنا تلك الفتحات إلى الزحف في بعض الأحيان للمرور منها، حتى وصلنا إلى الدور الأول والذي كان يسكن به كمال. وكنت في تلك الأثناء أنظر إلى جمال وأقارن بينه في تلك اللحظة وبينه في لحظات أخرى سابقة عندما كان يشعر بالانتصار والقوة. وكنت أعرف ماذا يدور بخلده وهو في هذه الحالة، وأن لا حول له ولا قوة رغم أنه قائد ثورة ورئيس جمهورية. وكنت أحس بزيادة تعلقي به. واستعدادي للتضحية من أجله.

وقام كمال من النوم عندما علم بوصولنا وجاء إلينا. وشعرت أن روحه المعنوية عالية غير ما كنا نحن عليه. وربما كان ذلك ناتجًا منه أنه مشغول بتجهيز دفاعاته في الإسماعيلية أو لعدم علمه بما يجري في القاهرة والجيش، ولكنه كان متحمسًا ومطمئنًا لموقفه العسكري هناك. وعلم أننا نوي استكمال رحلتنا إلى بور سعيد في نفس الليلة. ولكنه نصحنا بأن نبقى بالإسماعيلية حتى مساء ثاني يوم. لأن استمرارنا في استكمال رحلتنا سيعرضنا لهجمات طائرات العدو علينا عندما يطلع النهار ونحن لا نزال في الطريق. ورأينا أنه من الأفضل فعلاً المبيت بالإسماعيلية. وعلى أن نمضي النهار بطوله مع قواتنا العسكرية بها. ثم نستأنف المسير عندما يحل الظلام. وقد آوينا إلى فراشنا حوالي الساعة الخامسة صباحًا. وكنت أبيت في غرفة واحدة مع جمال. ولكن بعد لحظة من انفرادنا بغرفة النوم وجه جمال كلامه إلي قائلاً: "أنا تعبان" قالها وهو يتقلب في فراشه. قالها وهو في حالة بأس شديد أشعرني بها. وقلت له: "أنا عارف ولكن شد حيلك" ولم أكن أعرف بماذا أرد عليه غير ذلك. وسكت – وسكت أنا أيضًا.

مظلات العدو في بور سعيد:

وعند الساعة الثامنة من صباح يوم الاثنين 5 نوفمبر 1956 صحونا من النوم، وحضر إلينا كمال وأبلغنا أن العدو أنزل بعضًا من جنود المظلات في بور سعيد. وأن الفوج الأول منه قد نزل في مطار الجميل، عند كوبري الرسوة، وفي منطقة المقابر. وأن هذا الفوج قد تكبد خسائر جسيمة، ولكن العدو عاد وأنزل فوجًا آخر بعد هذا الفوج. وأن القتال لا يزال دائرًا. كما أبلغنا أيضًا أن عبد الحكيم قد اتصل به وطلب منه أن ينصحنا بالعودة إلى القاهرة. وأيد كمال هذا الاتجاه. ولم يعترض جمال – والموقف كان قد تغير بعد هذه العمليات ونزول قوات العدو بمدينة بور سعيد. وكانت هذه مقدمة لقواته لمحاولة الاستيلاء على بور سعيد وتأمين مينائها وشواطئها حتى يتمكن من إنزال قوات عسكرية له أكبر بغرض القيام بعمليات حربية لاحتلال منطقة القناة. وكان الغرض قد أصبح واضحًا لنا – ولذا أمر جمال بإعداد سيارته للعودة إلى القاهرة. ثم ارتدينا ملابسنا ونزلنا إلى غرفة العمليات حتى شرح لنا الموقف العسكري في بور سعيد على الخريطة. وأبلغنا بالمعلومات التي كانت قد وصلتهم عن سير المعركة هناك. ثم وقفنا في إحدى فراندات مبنى القيادة فشاهدنا سكان المدينة وهم يسيرون في شوارعها وكأن الحياة طبيعية وليست الحرب على بعد عشرات الكيلومترات منهم. وكان كل فرد منهم يحمل بندقية على كتفه. حتى البائع المتجول كان يجلس على رصيف وبندقيته إلى جواره. فأشعرتنا هذه الصورة بالأمل. وأحسسنا أن الجو في الإسماعيلية يختلف تمامًا عن الجو الذي كان يحيط بنا في مبنى مجلس الثورة بالقاهرة. وربما يكون ذلك ناتج عن انعزالنا في مبنى الثورة. لا نرى أحدًا ولا نسمع إلا أخبار القوات العسكرية وانسحابها من سيناء وما حدث لها أثناء انسحابها ومدى خسائرنا. ولكن رؤيتنا لأهالي الإسماعيلية وهم أقرب الناس إلى منطقة القناة وهم يسيرون بهذا الهدوء وهذه الثقة وكأنهم لا يتوقعون قتالاً، ساعدنا على استرداد بعض معنوياتنا التي كنا قد فقدناها، وبدأت الثقة تعود إلى نفوسنا.

وبعد أن التقينا ببعض من الضباط الموجودين بالإسماعيلية ركبنا السيارة وتوجهنا بها في طريقنا إلى القاهرة. وفي الطريق ذكر جمال أنها كانت غلطة كبيرة منا لمحاولتنا الذهاب إلى بور سعيد. ولكنني رددت عليه أن الدافع لنا هو رغبتنا في أن نضرب المثل بالتضحية والدفاع عن الوطن حتى تستمر الرسالة التي نؤمن بها. وأن حالة اليأس الشديد والقنوط هي التي دفعتنا إلى الإقدام على هذا العمل. ولكنه قال: "إننا عدنا ثانية حتى دون أن نمر على القوات التي بالإسماعيلية". وقلت: "إن هذا لا يهم، وكل ما يهمني الآن أنني قد شعرت براحة بعدما كنت أحس بالضيق، وربما يكون بعدما شاهدنا الناس بالإسماعيلية، وأنني أحس الآن براحة وطمأنينة غريبة". فأمن على كلامي.

وحوالي الظهر وصلنا إلى مبنى مجلس قيادة الثورة. وأخذ زكريا يخبرنا بما لديه من معلومات عن المعركة الدائرة في مدينة بور سعيد. وقد استمر تتبعنا لهذا القتال طوال النهار حتى المساء عندما اتصل بنا القائمقام صلاح الموجي قائد القوات المصرية ببور سعيد وذكر أن القائد البريطاني، قائد المظلات التي نزلت عند وابور المياه قد طلب منه أن يرسل إليه أحدًا لمقابلته والتحدث معه في شروط تسليم مدينة بور سعيد. ولكن جمال أمره بعدم ذهاب أحد إليه بل عليه أن يطلب هو من قائد قوات العدو أن يسلم نفسه إليه ومن معه من الجنود.

وكان بلاغ قيادة الحلفاء (الإنجليز والفرنسيين) الذي أعلن في المساء قد ذكر أن عدد الطلعات الجوية التي قامت بها طائراتهم في هذا اليوم فوق مدينة بور سعيد وحدها هي 473 طلعة.

معركة الشرف:

وجاء يوم الثلاثاء 6 نوفمبر 1956 ومدينة بور سعيد ما زالت مستمرة في المقاومة وبشكل يدعو إلى الفخر. ولكن الأسطول البحري للعدو كان قد بدأ منذ الصباح الباكر يطلق نيران مدفعيته الثقيلة على منطقة البلاح بالمدينة تمهيدًا لإنزال جنوده بتلك المنطقة. وكانت طائراته في نفس الوقت تقوم أيضًا بضرب المدينة بشدة. ولكن شعب بور سعيد وكذا أفراد القوات المسلحة الموجودة بها وأفراد البوليس المدني ظلوا مستمرين في المقاومة وببسالة رغم عدم توافر الإمكانيات لهم. وقد تمكن العدو في النهاية من إنزال قواته إلى البر. ولكن لم تتكمن تلك القوات التي أنزلت على شاطئ بور سعيد من الاستيلاء على المدينة. واستمر القتال بعنف وبشدة حتى منتصف الليل. ولقد كانت هذه المعركة هي معركة الشرف بحق ولنا أن نفخر بها.

وكان "داج همرشولد" السكرتير العام لهيئة الأمم قد أعلن في هذا المساء أن بريطانيا وفرنسا قد وافقتنا على وقف القتال في مصر، وذلك ابتداء من منتصف ليل يوم الثلاثاء 6 نوفمبر 1956 بتوقيت جرينتش –أي الثانية صباحًا من يوم الأربعاء 7 نوفمبر بتوقيت القاهرة. وأنهما –أي بريطانيا وفرنسا – قد أمرتا قواتهما بتنفيذ ذلك.

ولكن القوات الغازية كان قد أثارها أنها لم تتمكن من اختراق أية ناحية من نواحي المدينة ولم تتمكن من التوغل داخلها، ولذا فقد أخذوا رغم قرار وقف إطلاق النار يوم الأربعاء 7 نوفمبر من العمل على تضييق الخناق على المدينة بدباباتهم وذلك استكمالاً لحصارها، وتخلصًا من موقفه العسكري السيء. وكانوا يطلقون النيران على كل من يقترب منهم. واقتحموا الحي العشبي حيث المقاومة العشبية العنيفة ضد تقدمهم. كما أخذوا في نهب مخازن الجمارك هناك.

لم أعرفك على حقيقتك إلا ليوم:

وفي صباح يوم الخميس 8 نوفمبر 1956 ذهبت إلى مكتب جمال في مبنى مجلس الثورة وكان قد سبقني وتناول إفطاره بمفرده. وبعد أن جلست معه بعض الوقت بادرني بقوله: "أنا لم أكن أعرفك جيدًا من قبل- ولم أعرفك على حقيقتك إلا من يوم 29 أكتوبر الماضي. وإذا كان قد حدث بيننا سوء تفاهم فيما مضى فالسبب هو صديقك جمال سالم. وذكرى هذا لك الآن لم يأت عفوًا أو دون تفكير ولكنني فكرت فيه ليلة أمس ورأيت أنه من واجبي أن أقول لك هذا لأننا لا نعرف ماذا يخبئ لنا المستقبل. والصورة سوداء. واستطرد قائلاً: إن ما قاله جمال سالم عنك كان يوم أن حدث بينك وبيني سوء تفاهم وأنت صممت على الاستقالة. وأنا كنت قد تركتكم مجتمعين بالمكتب فوق ونزلت إلى هنا (مكتبه). ونزل جمال سالم وأعطاني صورة عنك. وهو صديقك حتى أنني دهشت وذكرت هذا لعبد الحكيم وأنور، وكلاهما نفى ما يدعيه جمال سالم".

فقلت له: "إن كان هناك شخص قد تعب من جمال وتحمله كثيرًا في سبيل المحافظة على الصداقة فهو أنا".

فقال: "إنك السبب في أن أصبح جمال سالم عضوًا بمجلس قيادة الثورة. وكنت أعتقد أن هناك مجموعة متحدة من الطيارين بالمجلس لأني كنت ألاحظ عليك أنك كنت تترك له (lead) القيادة".

فقلت: "إنني لا أسعى إلى مناقشة أحد. وجمال سالم يجب أن يتكلم كثيرًا، وكنت أتركه يتكلم، ولكن كان لي رأيي الخاص. وهذا الرأي مني كان ينصب دائمًا على ما أعتقد أنه في صالح بلدي. وإذا تذكرت الأحداث التي مرت بنا فإنك من الضروري ستلاحظ هذا. وعلى العموم فإني أحمد الله على أنك قد عرفت حقيقتي اليوم وهو يوم شدة".

أقسم على المصحف:

وانقطع استمرارنا في الحديث حول هذا الموضوع لحضور زكريا. ولكنني شعرت بألم شديد وضيق لسماعي هذا الحديث. وصدمت في جمال سالم صديقي. وصدقت ما قاله جمال عبد الناصر. ولم يخطر في ذهني أدنى شك عن صدقه فيما ذكره لي لأني لم أتصور أن يكون قد فكر ونحن في هذا الموقف العصيب ولا نعرف ما يخبئه لنا القدر من أن يعمل على الإيقاع بين جمال سالم وبيني. وما هدفه من ذلك. وقد تأثرت صداقتي بجمال سالم لفترة بسبب هذا الحديث. ودام هذا الفتور في علاقتنا حتى عام 1958 إلى أن سمحت الظروف بمصارحته عن سبب فتور علاقتي به. وكان ذلك على أثر صدام وقع بين جمال عبد الناصر وبيني. وكنت قد تقدمت باستقالتي على أثره في صيف 1958، وحضر جمال سالم لزيارتي عندما علم بالخبر. وصارحته بما كان قد قاله لي جمال عبد الناصر. وتأثري منه –أي جمال سالم – وتصديق لما قيل. وذلك للظروف الصعبة التي كانت تحيط بنا عندما ذكر هذا الحديث. ولكن جمال سالم نفى أن هذا الكلام قد صدر منه، بل وأقسم على المصحف بعد صلاة ركعتين لله أن هذا لم يحدث منه. وأصبحت أنا في حيرة من أميري. أيهما أصدق؟ وحاولت نسيان ما قيل.

وكما قلت كان حديث جمال عبد الناصر إلي قد انقطع لحضور زكريا. وبعد حضوره دار الحديث بيننا نحن الثلاثة حول الأخطاء التي كانت قد حدثت من الجيش أثناء المعركة. واتفق الراي بيننا على أنه لابد من أن تتحرك بعض وحداتنا العسكرية فورًا إلى الضفة الشرقية للقناة باحتلال مواقع لها في صحراء سيناء وأن تكون تلك المواقع بعيدة عن الضفة الشرقية بقدر المستطاع قبل أن يحضر البوليس الدولي ويقوم بتطهير صحراء سيناء من القوات الإسرائيلية. واتفقنا على أن أتجه مع زكريا إلى عبد الحكيم للتحدث معه عن هذه الأخطاء، وعن ضرورة دفع بعض وحدات من جيشنا إلى ما بعد الضفة الشرقية للقناة.

هدوء غريب:

والتقينا بعبد الحكيم، وكان يستمع إلينا وإلى ملاحظاتنا ويرد عليها بهدوء غريب. وكان متمالكًا لأعصابه. ولم يرتفع حتى صوته. ولم تتغير ملامح وجهه – ويظهر أن لديه قدرة على التحكم في أعصابه.

وفي يوم السبت 10نوفمبر 1956 وكنت مجتمعًا في مجلس قيادة الثورة مع جمال عبد الناصر والدكتور محمود فوزي وزير الخارجية وعلي صبري مدير مكتب جمال وبعد انتهاء الاجتماع وانصراف الدكتور فوزي صدر من جمال عبد الناصر بعض الكلمات الجارحة عن الجيش. وأخذ يشرح لعلي صبري ما يأخذه على الجيش، وعلى عبد الحكيم. وروح الاستسلام التي كانت قد انتابهم. والشلل الذي حدث لهم بعد دخول الإنجليز والفرنسيين المعركة. وعدم إطاعة الجيش لأوامره رغم تكرار الاتصال بهم وذكر أيضًا دور صلاح سالم. أي بمعنى آخر ذكر تطور الحوادث المختلفة ودور كل شخص فيه خلال تلك الأيام القليلة السابقة. وعلقت على حديثه من أنه الأخ الأكبر لعبد الحكيم. والموقف كان عصيبًا وعلينا أن نعمل على إصلاح ما فسد، وعليه هو أن يتحمل، وأن هذا هو أحد واجباته. وأن الظورف تحتم على كل منا أن يتحمل تصرفات الآخر. واقترحت عليه دعوة عبد الحكيم للعشاء أو الغداء. وهو لابد سيلبي الدعوة.

الخلاف:

واستمرت المناقشة حول هذا الموضوع لفترة طويلة ثم انصرف علي صبري واستأذنت كذلك ولم أتناول الغداء مع جمال كعادتي ولكنني تناولته بمنزلي مع أسرتي. وكنت قد قررت هذا فجأة بعد الحديث الذي دار ولأني أحسست بخطورة هذا الخلاف والجفاء بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم. وقررت أن أذهب لمقابلة عبد الحكيم بعد الظهر لأتحدث إليه محاولاً تصفية هذا الخلاف.

وذهبت إلى مكتب عبد الحكيم في السابعة مساءً وقابلته ومكثت معه حوالي الساعتين. وكان الحديث الذي دار بيننا حول هذا الخلاف القائم بينه وبين جمال. وحاولت أن أقرب بين وجهتي النظر وإزالة سوء التفاهم. وقد لمست روحًا طيبة من عبد الحكيم. وكان قد قال إنه يلمس دقة الموقف. وأن رجولته تمنعه من التصرف بما يسيء إلى البلاد. وتعانقنا في نهاية المقابلة وقبل كل منا الآخر.

وتوجهت بعد هذا الحديث إلى جمال عبد الناصر في مجلس الثورة فوجدت معه أنور السادات . وكان هو يتحدث في التليفون. وفهمت من المحادثة أنه يتكلم مع عبد الحكيم. وقد دعاه ليتناول العشاء معنا. وأبلغت جمال بمقابلتي لعبد الحكيم وروحه الطيبة. وبعد فترة حضر عبد الحكيم وتناولنا العشاء معًا. وكان الجو هادئًا.

فقد الثقة:

وكان جمال عبد الناصر قد دعاني على العشاء يوم 15 نوفمبر، وأخبرني أن عبد الحكيم سيشاركنا هذا العشاء. ولما ذهبت إليه وجدت عبد الحكيم معه. ودار الحديث بيننا حول تلك الأحداث التي مرت بنا في الفترة الأخيرة، والمعارك التي خاضها جيشنا ضد القوات الإسرائيلية قبل صدور قرار الانسحاب. وأبلغت عبد الحكيم بما كنت ألمسه وأسمعه من ضباط القوات الجوية. ومن أنهم قد فقدوا الثقة في قياداتهم نتجية للأخطاء التي حدثت. وأن هذا يستلزم منه اتخاذ بعض الإجراءات بالنسبة لهؤلاء القادة حتى تعود الثقة بين القادة ومرءوسيهم. وعليه أن يجري تحقيقًا مع القادة الذين تسببوا بإهمالهم في هذه الأخطاء. والعمل على نقلهم إلى جهات أخرى. وتدخل جمال في الحديث وضرب مثلاً بصدقي محمود رئيس هيئة أركان حرب القوات الجوية. وقال مثلاً ينقل إلى وكيل وزارة الحربية لشئون الطيران.

ولكن عبد الحكيم رد بقوله: "إن لهم عذرهم فيما حدث، وإذا كانوا قد أخطأوا فاعتبرني مسئولاً أيضًا، ومن المستحسن أن أستقيل أنا كذلك.

ورد عليه جمال بقوله: "أنت لك وضع سياسي ونحن نناقش المبدأ".

وأراد جمال أن يبتعد عن الاستمرار في مناقشة الموضوع تجنبًا للصدام فغير مجرى الحديث وانتقل بنا إلى موضوع آخر.

وبعد مرور ثلاثة أيام على هذا الحديث كنت قد قمت بزيارة جمال فتحدث معي عن كلام عبد الحكيم الذي أشار فيه إلى أنه مسئول أيضًا كباقي القادة العسكريين، وأنه يفضل أن يستقيل من قيادة الجيش. وذكر جمال أنه يعتقد أن عبد الحكيم سيقدم على هذه الخطوة ولكنه في انتظار اللحظة المناسبة فقط وعندما يهدأ الجو. وذاكرًا لي أنه يعرف عبد الحكيم جيدًا. وأنه عنيد. فأبلغته بما كان قد ذكره لي عبد الحكيم عن دقة الموقف عند زيارتي له لإزالة سوء التفاهم بينهما.

وطلبت من جمال العمل على تلاقي هذا وذلك لأن استقالة عبد الحكيم ستكون مثار تعليقات شتى، كما أنها إضعاف للثورة.

ورد جمال: "إن الوقت يحل كل شيء. وأنا في رأيي أن نترك عبد الحكيم لنفسه – وهو سيفكر وسيعرف إن كان على خطأ أو على صواب".

وفي يوم 15 سبتمبر 1956 كنت قد اتصلت تليفونيًّا بجمال في القناطر الخيرية. وفي أثناء الحديث سألته عن عبد الحكيم. فأبلغني أنه لم يره من يوم أن تناولنا العشاء معًا معه في القناطر. وكان ذلك من حوالي أسبوع. وعلمت منه أيضًا أنه لم يتم بينهما أي اتصال تليفوني خلال تلك المدة.

ولما قلت له أليس من المستحسن أن تتصل به لأن العادة قد جرت بينكما على أن يتصل كل منكما بالآخر يوميًّا".

قال: "ما تيجي بكره تتعشى معايا ويستحسن أن تأتي مبكرًا حتى نتمكن من الحديث على انفراد.

واتفقنا على أن نلتقي ثاني يوم الساعة السادسة مساءً.

وذهبت إلى جمال كما سبق واتفقنا وأخذ يتحدث معي عن مشكلة عبد الحكيم وموضحًا أن المشكلة قديمة وليست وليدة الظروف الأخيرة فقط، وقص علي عدة قصص مختلفة والتي يعتقد هو أنها قد أثرت في تصرفات عبد الحكيم.


وقصته الأولى هي:

أن زكريا كان قد اقترح أثناء التعديل الوزاري الأخير بعد الاستفتاء على الدستور وعلى رئاسة جمال للجمهورية أن يوضع عبد الحكيم في أول القائمة في التشكيل الجديد حتى يصبح عبد الحكيم بذلك أقدم وزير – أي أن يتقدم علي وعلى زكريا أيضًا – وذكرني جمال بالاتصال التليفوني الذي كان قد أجراه معي وطلب فيه مقابلتي، ومن أنه كان لهذا الغرض. ويقول جمال إن القصة كانت قد بدأت بذهاب زكريا إلى عبد الحكيم. وقام بعرض هذا الاقتراح عليه. ووافق عبد الحكيم على اقتراحه. ثم قام زكريا بهذا الاتصال التليفوني بي لنلتقي معًا وليعرض علي نفس الاقتراح. وذهب إلى جمال قبل أن نلتقي وأخبره باقتراحه. ولكن جمال اعترض عليه. ولهذا فقد أعاد زكريا الاتصال بي تليفونيًّا ومن منزل جمال واعتذر عن اللقاء الذي كنا قد اتفقنا عليه. وذاكرًا لي قصة أخرى بعيدة عن هذا الاقتراح والذي كان يرغب في لقائي بسببه.

عبد الحكيم صديقي:

ويقول جمال أن سبب اعتراضه هو تأكده من أنني لن أعترض على اقتراح زكريا ولكن ربما هذا الأمر يضايقني. وأنه قال لزكريا أن سبب مشكلة صلاح سالم كانت هي هذه المسألة – مسألة تغيير أعضاء مجلس قيادة الثورة – على حد تعبيره – وذاكرًا له أننا نسير على أقدميتنا بالجيش من يوم قيام الثورة حتى تلك اللحظة. وليس هناك ما يدعو إلى تغييرها لأن هذا سيسبب لنا المتاعب. ويستطرد جمال ويقول لي: "وعلى أي أساس سيختار عبد الحكيم صحيح أن عبد الحكيم صديقي وأتمنى له أن يكون رئيسًا للجمهورية، ولكن مصلحة الوطن فوق كل شيء. وأنا أعرف عبد الحكيم أكثر من أي شخص آخر. زد على هذا البلد بتقول أن جمال عبد الناصر قد تخلص من جمال سالم وصلاح ليدفع عبد الحكيم إلى الأمام.

وقال جمال أيضًا إنه كان قد اتصل بعبدالحكيم تليفونيًّا أثناء وجود زكريا عنده. وأقنعه بخطورة نتائج هذا الاقتراح. وأن عبد الحكيم وافقه على استبعاده. ولكن زكريا تحدث مع عبد الحكيم بعد انتهاء جمال من حديثه معه، وقام بعرض اقتراح آخر عليه. وذلك بأن أظل أقدم وزير ثم يليني عبد الحكيم. ووافق عبد الحكيم على ذلك. ولكن جمال عاد واعترض أيضًا على ذلك الاقتراح وبرر اعتراضه بأن هذا سيفسر أمام الرأي العام على أن الغرض منه هو دفع عبد الحكيم إلى الأمام، وذلك عن طريق التخلص من البغدادي أيضًا – بأن يصبح رئيسًا لمجلس الأمة. وكان قد تم الاتفاق بيننا أثناء مناقشة مشروع الدستور بأن أرشح نفسي لتولي رئاسة المجلس. ويقول إنه أصر على إعلان تشكيل الوزارة الجديدة بنفس الأقدميات السابقة لأعضاء مجلس الثورة السابقين دون تغيير.

وقال جمال: "بعد حدوث هذا الموضوع أحسست أن عبد الحكيم قد فقد ميزته الوحيدة وهي عدم اهتمامه بتلك الظاهرة، وأصبح شخصية مختلفة عما كنت أعرفه من قبل".

وأما القصة الثانية – على حد قول جمال:

كانت يوم تسليم قلادة النيل لأعضاء مجلس قيادة الثورة في حفلة نادي ضباط الجيش بالزمالك – وسألني جمال عما إذا كنت قد لاحظت أن عبد الحكيم هو الشخص الوحيد من المجلس الذي وقف بعد أن تسلم القلادة ورفعها نحو ضباط الجيش فأخذوا يصفقون له – وهذا فعلاً كان قد حدث.

ويستطرد جمال قائلاً: "وفي ثاني يوم لتسلم القلادة حضر إلي عبد الحكيم وقال لي – هل تعلم ماذا يقول الضباط؟"

ولما سأله جمال عما يقولون. قال: "إنهم يقولون لماذا قائدنا أقدميته في الديل كده؟".

فرد عليه جمال بقوله بأنهم يبقوا...

ويقول جمال إنه أحس أن غرض عبد الحكيم هو الضغط عليه. وأنه قد أصبح يشعر بعد ذلك أن علاقة عبد الحكيم به لم تصبح كما كانت في الماضي.

وأما القصة الثالثة فهي:

إنه عندما سفر جمال إلى يوغوسلافيا في يوليو 1956، وكنت مرافقًا له في تلك الزيارة – وكان قد عين زكريا نائبًا عن رئيس الجمهورية في أثناء غيابه. ويقول جمال – إنه كان قد رأى أن أسهل الحلول هو أن يعين من ينوب عنه حسب الأقدمية الموجودة بين المجموعة. ولكن بعد عودتنا من يوغوسلافيا أبلغه عبد الحكيم أن الضباط كانوا قد ذهبوا إليه ونحن في يوغوسلافيا وقالوا له – كيف يعين زكريا نائبًا عن الرئيس، وأنهم كانوا يعتقدون أن الرئيس قد أخذ البغدادي معه في هذه الرحلة ليعين عبد الحكيم نائبًا عنه أثناء غيابه. ذلك أنهم – على حد قولهم- لا يعترفون بزكريا.

وأما القصة الرابعة فيقول:

عند دراستنا لموضوع تأميم القناة، فرغم أن عبد الحكيم كان يعلم أننا نقوم بدراسة هذه العملية، لكنه ذهب إلى الإسكندرية، وبقيت أنت وزكريا معي فقط.

وخامسها:

هو أن كمال الدين حسين كان قد عين قائدًا لجيش التحرير، وقد تم هذا بالاتفاق مع عبد الحكيم قبل أن يجتمع مجلس الثورة لمناقشة الموضوع – على حد قول جمال- ورغم هذا فقد حورب كمال بواسطة اللواء عبد الفتاح فؤاد وضباط آخرين في الجيش. واضطر جمال أن يطلب من كمال ترك جيش التحرير. وأما عبد الحكيم فلم يحاول وقف هؤلاء الضباط عند حدهم. ولكنه بدلاً من هذا ذهب إلى جمال وقال له: "الضباط بتقول هل فيه قيادتان عسكريتان في البلد؟ ولا كمال هو القائد العام المنتظر؟".


وقص علي جمال عدة قصص أخرى وكان يعتبرها أنها التفسير لمسلك وتصرفات عبد الحكيم. وأنهى جمال حديثه بتلك الحوادث الأخيرة التي كانت قد وقعت أثناء حرب السويس. وكيف أن طلباته وأوامره لم تكن تنفذ رغم تكراره لها علمًا بأنه هو المسئول الأول في الدولة.

استقالة عبد الحكيم:

وقد توقف الحديث بيننا عند هذا الحد بسبب حضور بعض من إخواننا. وفي يوم الثلاثاء أول يناير 1957 – كنت قد عدت من مدينة بور سعيد لمسئوليتي عن إعادة تعميرها بعد ذلك التدمير الذي كان قد حدث بها أثناء الاعتداء الثلاثي على بلدنا. وبعد عودتي ذهبت لزيارة جمال فأبلغني أن عبد الحكيم قد أرسل له خطابًا مع زكريا وطلب منه قبول استقالته لأنه يعتبر أن مهمته قد انتهت. ولما سألته عن اليوم الذي أرسل فيه عبد الحكيم هذه الاستقالة – قال منذ أسبوع- يوم الاثنين الماضي – فقلت إن المسألة يجب أن تعالج لأن الموقف لا يزال عائمًا والمفاوضات لا تزال جارية. وهذا سيكون له أثره على موقفنا، ولأن عبد الحكيم أيضًا محبوب من الشعب والجيش. وهذا سيكون له أثره على موقفنا، ولأن عبد الحكيم أيضًا محبوب من الشعب والجيش. وتساءلت عما إذا كان جمال قد اتصل به لتسوية المسألة. ولكنه أجابني بالنفي قائلاً: "أنا تاركه ليفكر حتى يشعر بالخطأ الذي ارتكبه". ولما ذكرت أن عبد الحكيم ربما يشعر أن في ذلك عدم اهتمام به ويزيد الأمر تعقيدًا – أجاب أنه سيتحدث إليه بنفسه وأنه يجب أن يظل موضوع الاستقالة سرًّا بيننا. وفهمت أنه يود عدم مفاتحة عبد الحكيم والتحدث إليه في هذا الأمر.

وفي مساء يوم الأربعاء 2 يناير 1957 اتصل بي جمال وعلمت منه أن مسألة استقالة عبد الحكيم قد سويت. وأنهما كانا قد تقابلا الساعة الخامسة من مساء نفس اليوم. وكان سعيدًا في حديثه. وبعد عنه القلق الذي كنت قد شعرت به في اليوم السابق.

وفي يوم السبت 5 يناير 1957 قاما معًا – جمال وعبد الحكيم- بزيارة الجرحى بمستشفى العجوزة للقضاء على الشائعات التي كانت تدور حول العلاقات القائمة بينهما.

وفي يوم الأحد 6 يناير اتصل بي جمال تليفونيًّا في بور سعيد – وكنت قد سافرت إليها صباح نفس اليوم لمتابعة أعمال إعادة تغيير ما هدمه الحرب بها. وعلمت منه أنه أرسل خطابًا إلى صلاح سالم ذكر له فيه أن عدم إمكانية التعاون معه تستلزم إبعاده عن رئاسة الجريدة التي يتولاها.

وانتهت حرب السويس وتم انسحاب القوات الإنجليزية والفرنسية من منطقة بور سعيد يوم 23 ديسمبر 1956، وأصبح هذا اليوم عيدًا من أعيادنا القومية، نحتفل به كل عام، وتم أيضًا انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء إلى خطوط ما قبل الاعتداء وذلك بعد عدة شهور قلائل من إتمام انسحاب القوات البريطانية والفرنسية.

انتهت الحرب بنصر سياسي:

وكان من نتائج تأميم قناة السويس – والاعتداء الثلاثي على مصر – أن انتهت بنصر سياسي لمصر ولجمال عبد الناصر بالذات. وأصبح هو زعيم الأمة العربية بلا منازع وبطل القومية العربية.

كما انتهت أيضًا بحصول مصر على بعض المكاسب الاقتصادية فالقناة نفسها عادت لأصحابها الشرعيين وأصبحت ملكًا خالصًا وكاملاً لمصر. وعائداتها أصبحت تعود عليها مباشرة دون شريك لها. ونجحت الإدارة المصرية للقناة في إدارتها وزيادة الملاحة بها.

كما قامت مصر أيضًا بعد انتهاء الحرب بتمصير كل البنوك الإنجليزية والفرنسية وشركات التأمين. وكذا كل الشركات الأخرى التي كانت تمارس نشاطًا تجاريًّا أو إنتاجيًّا. وأصبحت تلك الشركات تدار بفنيين مصريين. وتحرر بذلك اقتصادنا من السيطرة الأجنبية عليه. وساعد ذلك في تدعيم استقلالنا السياسي. وتم إنشاء المؤسسة الاقتصادية لتقوم بالإشراف على أعمال تلك البنوك والشركات.

وقد تم أيضًا استيلاؤنا على كل الأسلحة والمهمات والموجودات البريطانية والتي كانت لا تزال موجودة بمخازنهم في منطقة القناة – ولم يكن قد تم لهم سحبها بعد تطبيقنا لاتفاقية الجلاء التي كانت قد وقعت معهم في أكتوبر 1954 – واستولى عليها كغنائم حرب. بل إن الاتفاقية نفسها والتي كانت تنتهي مفعولها بعد سبع سنوات من تاريخ توقيعها قد اعتبرناها ملغاة من أول يناير 1957. وأن مصر أصبحت غير ملزمة ولا مقيدة بما كان قد جاء بها بعد هذا الاعتداء علينا. ولأن ما حدث قد نقض الاتفاقية نفسها.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن مصر وشخصية جمال عبد الناصر نفسه قد أصبح لها تأثيرها السياسي الفعال في المنطقة العربية كلها مما أزعج دول الغرب خوفًا على مصالحهم المتعددة فيها.

وامتدت نتائج تلك المعركة أيضًا إلى الدول التي كانت مغلوبة على أمرها والخاضعة للسيطرة الاستعمارية، فزاد اقتناعها بأن أسلوب القرن التاسع عشر واستخدام القوة العسكرية في إسكات الحركات الشعبية التحررية قد عفى عليه الزمان – فزاد نشاط الحركات التحررية. ولم تقف مصر ساكنة حيالها بل امتدت يد المساعدة إليها لتساعدها على التحرر من الاستعمار إيمانًا منها بأن تحرير تلك البلاد منه يدعم استقلال مصر السياسي ويؤمنه أيضًا.

وأصبح جمال في نظر الشعب العربي البطل والزعيم، وحامي حمى ديارهم. حتى أن سوريا عندما أحست بالخطر من القوى الأجنبية وأنها تهدد استقلالها وأمنها فقد لجأت إلى إقامة وحدة مع مصر، وعلى أن يرأس تلك الدولة الجديدة جمال إيمانًا من الشعب السوري وقادته بأنه هو ومن ورائه مصر القادر على درء هذا الخطر الذي يهددهم.

وسنرى كيف تمت تلك الوحدة وكيف حدث الانفصال بعد مرور ثلاث سنوات على قيامها. وآثار هذا الانفصال على الوضع الداخلي بمصر عندما يأتي ذكر ذلك من يومياتي في الجزء الثاني من وقائع تاريخية عن ثورة 23 يوليو سنة 1952.