الإخوان على شاشات تلفزيون عبدالناصر عام 1965م .. ماذا كان يريد عبدالناصر؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان على شاشات تلفزيون عبدالناصر عام 1965م .. ماذا كان يريد عبدالناصر؟


إخوان ويكي

مقدمة

تعتبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها المصدر الأكثر أهمية في الحصول على المعلومات بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، حيث تطورت وسائلها عبر تاريخ البشرية، ولن تكتفي على ما بلغت إليه من تقدم لكنها ستشهد تقدما في مجالات متعددة في المستقبل.

أصبح الإعلام من مكونات تكوين وتشكيل الشخصيات في المجتمعات، حيث يقوم بتزويد الأفراد بالمعلومات المهمة والضرورية؛ حتى يتمكنوا من فهم المجتمع والعالم، والتصرف والتواصل بطريقة سليمة.

والوسيلة الإعلامية الفاعلة هي تلك الوسيلة التي تُحقق أعلى نسب الانتشار، والتأثير في المجتمع، وهذا يتطلب دراسة مُتعمقة، وفهماً للمجتمع، والإعلام في آن واحد، كما تفعل الدول الديمقراطية والشعوب الحرة. ولوسائل الإعلام أهمية كبرى أيضا تكمن أولاً وأخيراً في مدى التأثير الذي يمكن أن تُحققه في مختلف شرائح المجتمع.

يقول علي أبو حبلة:

"وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض. لديها القدرة في التأثير بالجماهير من خلال التأطير والتنظير وتلعب دور كبير في التحولات التي نشهدها اليوم".

وزاد من ذلك قول المفكّر البريطاني "أدموند بروك" في إحدى جلسات مجلس البرلمان البريطاني: "هناك ثلاث سلطاتٍ تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، لكن في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي أهمّ منكم جميعاً".

كما اعتبر المؤرّخ "توماس كارليل" أن الصحافة والإعلام لهما دورٌ أساسي في ولادة الديمقراطيّة ونموِّها، بحيث تنشر الحقائق وتُثير الثورات ضدّ الطغيان. (1)

الإعلام سلاح المستبدين

وسائل الإعلام لها تأثير إيجابي أو سلبي على الشعوب، وفق طريقة استعمالها والمحتوى الذي تقدمه. حيث تختلف هذه الوسائل من دولة لأخرى ومن شعب لأخر وفق درجة قبول الناس ورقابتهم والحرية التي يتمتعون بها.

والإعلام في البلاد العربية والتي يحكمها ديكتاتورين في معظمه يفقد الاستقلالية، وتوجهه الأنظمة الحاكمة، وقلّ أن تتوفر فرص الإعلام الحرّ، بل إن بعض الإعلام العربي يخدم توجهات طائفية أو فئوية، كما أن المساحة الأوسع من البث الفضائي تستهلك في البرامج الغير مفيدة، وتعرض الأفلام الهابطة كطريقة لإلهاء الناس عن متابعة الأحداث السياسية والاقتصادية في بلادهم.

وهي المهمة التي لخصها جوزيف غوبلز - وزير اعلام هتلر – بقوله: (أعطني إعلام بلا ضمير أُعطيك شعبًا بلا وعي). وجمال عبدالناصر منذ الوهلة الأولى وقد سخر كل وسائل الإعلام سواء المرئية والمسموعة والمقروءة في خدمة نظامه، ومن كان يخرج عن النص كان مصيره السجن أو الموت.

حتى أن عبدالفتاح السيسي – وبعد ما يقرب من 45 عاما على وفاة عبدالناصر – يؤكد هذا الأمر حينما صرح بقوله: "الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه" (2)

إن الإعلام الدعائي الموجه الذي استخدمه جمال عبدالناصر – ويستخدمه كل مستبد - هو أحد الأعمدة الرئيسية لصناعة وبقاء الأنظمة الديكتاتورية الأبوية، ولا تنجح هذه الأنظمة بالسيطرة على المعلومات وانتشارها إلا من خلال قمع أي إعلام قد يقدم ما يخالف الرواية الرسمية.

يقول يسري فودة:

إذا كنا على استعداد لمناقشة أن لعبد الناصر إنجازات على بعض الأصعدة، فإننا لسنا على استعداد لمناقشة أن من بينها حياة سياسية حقيقية ولا حريات عامة ذات معنى ولا إعلامًا حرًّا بأي صورة من الصور. (3)

لقد حرص عبد الناصر على أن يستولي على المناصب الثقافية والإعلامية المشكلة لوعي الناس المؤيدين لتوجهاته قبل غيرهم.

يقول عز الدين عمر:

ولأول مرة في تاريخ مصر يتقلد منصب رئيس تحرير مجلة التحرير عقب انقلاب يوليو - تموز 1952م مباشرة ثم وزارة الثقافة لأربع سنوات متوالية ضابط عسكري من الضباط الضالعين في الانقلاب وهو ثروت عكاشة. (4)

لقد كان عبدالناصر يخشى ما يخشاه أن تنكشف حقيقته ويفضح أمام الرأى العام ولذا سعى للسيطرة على وسائل الإعلام.بحيث ارتكز إعلامه على قاعدة الرأي الأوحد حتى بلغ به الأمر إلى تأميم الصحف في شهر مايو - أيار من عام 1960.

لماذا وافق عبدالناصر على ظهور الإخوان على التلفزيون؟

كان سلاح عبدالناصر القوي في مواجهة معارضيه هو الإعلام بجميع أنواعه، منذ بداية التحول إلى السيطرة الكاملة على مقاليد الأمر مستبعدا صورة الزعيم الشعبي والبطل القومي محمد نجيب من مخيلة الناس، وتصويره على أنه أحد الضالعين في محاولة اغتيال عبدالناصر، والتي استكملها بتغيبه وأخباره عن الناس تمام حتى يكاد الناس فترة عبدالناصر لا يعرفون أن ذهب محمد نجيب أول رئيس جمهورية.

ما استخدمه عبدالناصر ضد خصومه وجد قبول لدى بعض الإعلاميين المنتفعين الذين أحاطوا بعبد الناصر لا يهمه تشكيل وعي مجتمعي وثقافي عند الناس بقدر ترسيخ صورة الزعيم البطل في عقولهم.

وإظهار معارضه بخيانة الوطن والإرهاب، وهي السياسة التي نفذها مع أكبر خصومة وهي جماعة الإخوان المسلمين، حيث سخر جميع وسائل الإعلام والمؤسسات لتشويه صورة الإخوان بعد رفضهم لمعاهدة الجلاء بالبنود التي وافق عليها عبدالناصر، وأيضا رفضهم قانون الإصلاح الزراعي الذي أقره عبدالناصر بهذه الصورة وثبت ضرره على الجميع.

ثم كانت الضربة الكبرى حينما وقعت أحداث المنشية (لم يكن عبدالناس رئيس الجمهورية) لكن مجريات الأحداث وما صوره الإعلام وما وافقه عليه كثير من العسكريين والاعلاميين كان يوضح أن هناك خطة معدة لازاحة نجيب والإخوان وتصعيد عبدالناصر.

سمح عبدالناصر لوسائل الإعلام المرئية الغربية لتصوير محاكمات الإخوان، وأفسح المجال للصحفيين المصريين وغيرهم من أجل تصوير محاكمات الإخوان بملابسهم وطريقة حلقة شعرهم حتى يظهرهم كمجرمين ومنكسرين، وتتصدر صورهم أذهان الناس بهذه الصورة وذلك من أجل أن يكسب تعاطف الناس لنفسه، ويولد الغضب في قلوبهم تجاه الإخوان المسلمين، وهو ما حققه بعد هذه الحوادث. (5)

ورغم غياب الإخوان المسلمين خلف السجون فترة حكم عبدالناصر إلا أنه لم يكل ولم يمل عن مهاجمة الإخوان المسلمين في كل مؤتمر يحضره أو مناسبة يشارك فيها، أو انتكاسة يقع فيها نظامه، فلا يجد مهرب من ذلك إلا مهاجمة الإخوان أو إدعاء وقوع انقلاب ضده.

حمدي قنديل مخبر بدرجة إعلامي

كان أول بث تلفزيوني مصري في 21 يوليو 1960م ولم يعمل فيه إلا أصحاب الحظوة لدى عبدالناصر ونظامه. وكان حمدي قنديل واحد من هؤلاء الشباب الذين كان لهم الحظوة عند رجالات عبدالناصر ولذا كانت بوابته للإعلام.

سعى عبدالناصر إلى السيطرة على كل ما يبث خلال الشاشة الجديدة، والتي بدأت تغزوا البيوت وتصل إلى الناس في منازلهم دون تكبد العناء والذهاب إلى السينمات مثلا أو حضور المؤتمرات، أو متابعتها خلال أثير الإذاعة.

في أغسطس 1965م أعلن نظام عبدالناصر أنه اكتشف تنظيم لجماعة الإخوان المسلمين يقود سيد قطب ويسعى للإنقلاب على الحكم واغتيال عبدالناصر وبعض الشخصيات المهمة في البلاد، بل إن عبدالناصر أعلن ذلك بنفسه عن اكتشاف تنظيم للإخوان أثناء وجوده في الكرملين بالإتحاد السوفيتي عام 1965م حيث أطلق يدي المباحث العسكرية والمباحث العامة في انتزاع الاعترافات بأى وسيلة، لدرجة أن جميع المؤرخين شبه طريقة انتزاع اعترافات المقبوض عليهم في أحداث 1965م بمحاكم التفتيش التي عقدت ضد المسلمين في أسبانيا.

ويقول أحد الضباط المعتقلين وهو حسين حموده وقائع تنظيم 1965م:

في سبتمبر 1965 ادعت أجهزة المباحث الجنائية العسكرية التابعة لشمس بدران أن هناك مؤامرة تخريبية إجرامية خطيرة يدبرها الإخوان المسلمون برئاسة سيد قطب لقلب نظام الحكم بعد القيام بعمليات تخريب واسعة الناطق سيترتب عليها نسف محطات الكهرباء ومرافق المياه والمجاري ووسائل المواصلات والكباري والقناطر الخيرية
والخزانات المقامة على النيل لتنظيم عمليات الري مما سوف يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربي عن المدن المصرية وتوقف المصانع عن العمل وتعطل ملايين العمال ولن يجد المصريون قوت يومهم ولا الماء ليشربوه ويتعذر ري الأرض الزراعية وتطفح المجاري وتفتك الأوبئة والجوع والعطش بشعب مصر وتتوقف المستشفيات عن العمل لانقطاع المياه والتيار الكهربائي ويموت المرضى.
ومعنى ذلك أن الإخوان المسلمين سيقومون باغتيال شعب مصر باسم الإسلام وباسم الدين الحنيف ويصل الإفك إلى حد أن حمدي قنديل يعرض على شاشة التلفزيون المصري شبابا حلقت رءوسهم بالموسى يعترفون على أنفسهم بأنهم كانوا سيفعلون كل هذا التدمير بشعب مصر .
ويصدق جمال عبد الناصر هذا الإفك أو يتظاهر بأنه مصدق ويصدق عبد الحكيم عامر هذا الإفك الذي لا يمكن أن يصدقه رجل عاقل فضلا عن كونه رجلا مسئولا. (6)

حاول عبدالناصر تكرار ما قام به عام 1954م من محاولة إظهار الإخوان بصورة مشوهة إلا أن هذا المرة لم يفلح بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية واتساع نطاق البطالة وتقييد الحريات، وتدهور وضع الجيش في اليمن.

كانت خطة نظام عبدالناصر (والذي كان يحركها شمس بدران وصلاح نصر) تقضي بخروج بعض قادة الإخوان وشبابهم للاعتراف على أنفسهم أمام الناس جميعا في التليفزيون بأنهم كانوا يدبرون لعمل انقلاب على عبدالناصر والاستيلاء على السلطة بل واغتياله بالإضافة لشخصيات أخرى سياسية وفنية.

شهادات لا إنكار فيها

لم ينكر حمدي قنديل ما قام به من تحقيقات للإخوان في السجون عام 1965م حيث أكد ذلك بقوله:

(مرت السنوات والتحقت بالتليفزيون.. كنت ولاأزال مؤمنا بزعامة عبدالناصر.. فى 1965 اكتشفت مؤامرة الإخوان المسلمين الشهيرة عليه التى أعدم فيها من أعدم، ودخل السجون مئات.. روى لى المشير عامر فى بيته بالحلمية التفاصيل، وفى السجن الحربى قمت بإجراء أحاديث مع المعتقلين، أذيع عدد منها فى التليفزيون.
مرت سنوات أخرى، ذهب معها عنفوان الشباب، وفى لحظة حساب مع النفس، أيقنت أنى ارتكبت خطأ مهنياً وأخلاقياً باستجواب معتقلين قيدت حريتهم فاعتذرت علنًا وقَبِل الإخوان اعتذارى بامتنان) (7)

كما لا ينسى أن يعتذر لأنه أجرى في برنامجه "عنفوان الشباب" عام 1965، حوارات في السجن الحربي مع معتقلين من الإخوان المسلمين (كما ورد في مذكراته عشت مرتين عن دار الشروق) يقول: "أيقنتُ أنني ارتكبتُ خطأ مهنيّاً وأخلاقيّاً باستجواب معتقلين قُيدت حرياتهم". استعد التليفزيون لذلك وتوجه للسجن، كما استعدت زبانية التعذيب لمن يرفض الاعتراف أو يُظهر غير ذلك أمام الشاشة.

كان البث مباشر لأنه لم يكن قد عرف تسجيل الحلقات وعمل مونتاج لها، لذا كان المذيع يخرج فاصل ويعود، وفي هذا الفاصل كانت زبانية التعذيب تنهال على كل ضيف بالضرب والتعذيب من أجل أن يعترف بأنه كان مشاركا في عملية إعداد الانقلاب. حتى أن المذيع نفسه (حمدي قنديل) كان يشارك بضرب الضيف وإهانته لكونه لم يتكلم بما يريدون من اعترافات.

يقول الأستاذ جابر رزق:

لقد كانت صورة السجن الحربي في تلك الأيام التي فيه النيابة تحقق والتليفزيون يسجل أحاديث مع الإخوان أشبه بالمجزرة .. وكانت النيابة ترسل إلى مكاتب التحقيق بعض الإخوان الذين أنكروا ما اعترفوا به تحت نيران السياط ليعذبوا من جديد حتى يعودوا فيعترفوا بما كتبوه في التقريرات التي كتبوها بخط أيديهم تحت إرهاب التعذيب ..
حتى حمدي قنديل .. الذي كان يعمل مذيعا بالتليفزيون جاء إلى السجن الحربي ليسجل مجموعة من الأحاديث فسأل محمد عبد المعطي الجزار أحد أفراد الطاقة الذرية عن رأيه في عبد الناصر .. فقال رأيه الصريح فيه بشجاعة .. فما كان من حمدي قنديل ألا أن أرسله فعذب .. حتى غير ر أيه وهو معلق على الفلقة فلما أعادوه له سأله عن رأيه فأصر على رأيه الذي قاله قبل ذلك .. مما أفسد على حمدي قنديل ما كان يحلم به من تشويه صورة الإخوان وتصويرهم في حالة انهيار أو ندم على ما هم عليه. (8)

ويقول المهندس محمد الصروي (أحد الذين حضروا مشاهد التعذيب في السجن الحربي):

أما التليفزيون فلقد أجرى الإذاعي الكبير حمدي قنديل عدة مقابلات من بعض أفراد الإخوان .. مع علي عشماوي، وومع فاروق المنشاوي (مهندس كيميائي)، ومع حلمي حتحوت (معيد بهندسة الإسكندرية)، ومع إسماعيل الهضيبي (المحامى ونجل الأستاذ المرشد حسن الهضيبي) (9)

ويقول أحمد عادل كمال أيضا معلقا على هذا الحدث الشاذ:

فلما جئنا إلى محنة 1965 وكان التليفزيون قد أنشىء. أضيف إلى أجهزة الأعلام وخصص مذيع ثقيل الظل إلى ابعد الحدود اسمه قنديل ليعرض " قرف" الإخوان المسلمين على حد تعبيره كل يوم. (10)

ويزيل الغمام الأستاذ عباس السيسي عن الصورة من زاويا أخرى حول هذا الحدث الذي لم يحدث من قبل بقوله:

بدأت مرحلة جديدة بعد إجراء التحقيقات بواسطة المباحث الجنائية العسكرية بدأت مرحلة التشهير بجماعة الإخوان على شاشات التليفزيون والإذاعة والصحافة .
قامت وسائل الإعلام بالتلفزيون كل مساء بتقديم واحد من الإخوان ليتحدث عن خطة الجماعة في قلب نظام الحكم وكيف كانوا يعتزمون قتل الرئيس جمال عبد الناصر وقيادات تنظيم الحزب ونسف الكباري ومحطات توليد الكهرباء وغير ذلك من الإدعاءات الباطلة وكان أول من ظهر على الشاشة هو الأخ محمد عبد الفتاح الشريف والأخ مجدي عبد العزيز متولي والأخ عبد المجيد الشاذلي والأخ محمد عبد المعطي الجزار المعيد بمؤسسة الذرة والأخ حلمي حتحوت المعيد بكلية الهندسة.
فكان يؤتي بالأخ قبل عرضه على الشاشة فيلقن الإجابات التي تفيد التحقيق فإذا دخل على المذيع وكان (حمدي قنديل) وخالف الكلام المتفق عليه – يعودون به ويلقنونه درسا في التعذيب ويعود إلى المذيع مرة أخري وهكذا حتي يقول الكلام الذي يملونه عليه.
ولقد شاهد البرنامج أحد السجانين وتكلم مع السيسي فقال له: وجاء العسكري زغلول مجاهد الحارس الشرس وفتح الزنزانة وهو يبتسم ويقول هو أنت يا واد يا سيسي كنت في الجيش – فقلت له – أيوه – فقال أمبارح كنت في أجازة في بلدنا وشفت التلفزيون وسمعت مجدي الشاذلي بيتكلموا عليك وأخذ يستظرف معي وتركني بسلام. (11)

وكتب الدكتور محمد عباس قوله:

وكان المذيع الشهير حمدي قنديل – لن ينسى الأمريكان ولا الشيطان هذا الصنيع له أبدا – يذهب إلى السجن الحربي ليسجل مبايعة الإخوان المسلمين لعبد الناصر ... كانوا تحت وطأة التعذيب يعدون أنهم سيبايعون .. لكنهم كانوا يتراجعون أمام الميكروفون فيرفضون التسجيل ... وكان المذيع الكبير الشهير الإنسان القومي المهذب "الشيك" ينادي الزبانية قائلا: "شيلوا القرف ده" وهو يقصد أن يأخذوهم ليعطوهم جرعة أخرى من التعذيب تقنعهم بالتسجيل معه. (12)

وبعد عمر طويل ظل فيها شمس بدران هارب، حاول البعض إعادته إلى الواجهة ليتحدث عن عبدالناصر ويكذب ليجمل نظام عبدالناصر، إلا أنه كشف كثير من الحقائق واستبداد نظام عبدالناصر وفشله وضياع البلاد في عهد، إلا أن هذا الحقائق جاءت وهي مغلفة بكثير من الكذب لكي تظهر براءته، وأيضا ليشوه صورة الإخوان أمام العالم في حربها ضد نظام السيسي.

حتى أنه تكلم عما جرى في السجن الحربي من حورات إعلامية لكنها كانت من أجل كشف الحقيقة (كما كذب وادعى)

فيقول في مارس 2014 كما تذكر صحيفة الوطن:
وتحدث "شمس بدران" خلال سرده للمذكرات عن الإعلامي حمدي قنديل الذي اعتبره أحد مذيعي التليفزيون القلائل الذين أجروا لقاءات مع المتهمين، واعترفوا له بدورهم في التنظيم قائلا: من المهم جدا أن يتحدث حمدي قنديل عن تلك الواقعة، حتى يرد على مزاعم "الإخوان"، ويثبت للأجيال الجديدة أننا لم نكن نسعى إلى تعذيب أو قتل الإخوان، بل كان هدفنا تقديم الجناة إلى العدالة.
من المهم كذلك أن يخرج كل من شارك في استجواب المتهمين في تلك القضية، والكشف عن مدى خطورة ما حصل عليه من اعترافات من المتهمين؛ لأن الإخوان - حتى اليوم - مصممون على أننا اصطنعنا هذه القضية وفبركناها من أجل تعذيبهم وتشويههم. (13)

لكن لماذا توقف البرنامج فجأة؟

كان نظام عبدالناصر يخطط أن يشوه صورة الإخوان المسلمين – كما فعل عام 1954م – وأن الناس ستسانده في ذلك لكنه تفاجأ أن هذه الحلقات أكسبت الإخوان تعاطف الشارع، وأعادت للأذهان تاريخ الإخوان في حرب فلسطين والقنال، ولذا سارع النظام بوقف البرنامج.

يقول محمد الصروي عن سبب وقف البرنامج:

حكى لي أحد القادمين علينا من خارج السجن أن صور حلمي حتحوت كان الناس يقصونها من الجرائد ويحتفظون بها كما يفعل الناس مع نجوم الكرة ومشاهير رجال الفن وصار بعض الإخوان " محبوب الجماهير". (14)

ويقول عباس السيسي:

ورغم أن كل أخ تحدث على الشاشة كان يعيش في خوف ورعب لما يترقبه بعد ذلك من محاسبة على كل كلمة، إلا أنها كانت مواقف رائعة أحسها الشعب المصري بفطرته فكان الناس في المقاهي والمنتديات يصفقون إعجابا وتقدير كلما شاهدوا وسمعوا لأحد هؤلاء الأخوة وهم يتكلمون بشجاعة وقوة على أن غايتهم من هذه الحركة هو تحكيم كتاب الله تعالي في الأرض وكانت نتيجة استطلاع الرأي لتأثير هذا العرض – هو زيادة إعجاب غالبية الشعب بجماعة الإخوان لهذا أسرعت الحكومة بإلغاء هذا العرض – رغم ما ألبسوه من تزوير وتضليل. (15)

وبؤكد هذا المعني الإخوان الذين حضروا في السجن الحربي هذه الواقعة بقولهم:

ومن المعروف أن حمدي قنديل فى هذه الاستجوابات كان يتقمص دور الشرطى فكان يضرب من أمامه بالحذاء ليعترف بما يريده نظام عبدالناصر وقد تكررت هذه اللقاءات مع بعض الشخصيات الاخوانية وحينما وجد النظام أنها تؤدى لعطف الرأي العام على الإخوان أمر عبدالناصر بوقفها.

لقد حاول عبدالناصر استخدام الإعلام في تشويه صورة الإخوان في فترة حكمة التي طالت إلى 17 سنة لخوفهم من تعاطف الشعب معهم. وهو الأمر الذي يسير عليه خليفته حاليا عبدالفتاح السيسي حيث يقتفي أثر عبدالناصر في سياساته في كل شيء لصناعة من نفسه بطل أو زعيم إلا أنه للأسف كل أفعاله عادت بخراب على الوطن وعلى وضعية البلاد وتقزمها أمام حكام رعاع سيطروا على البلاد بأموالهم.

المراجع

  1. علي أبو حبلة: أهمية الإعلام في تطور الشعوب وتحولات السلطة والسيادة، 26 أغسطس 2020
  2. السيسي: «عبدالناصر كان محظوظ»: 5 أغسطس 2014
  3. يسري فوده: شيخوخة دولة عبد الناصر «الإعلامية» (1-4)، 2 نوفمبر 2015م
  4. عز الدين عمر: خرافة باسم الشعب.. الوجه الآخر للزعيم جمال عبد الناصر، 15 يناير 2021
  5. أنظر كتاب محكمة الشعب: إدارة النشر والتوزيع، 1954م.
  6. حسين محمد حمودة: أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون، الزهراء للاعلام العربى، القاهرة، 1985م.
  7. حمدي قنديل: حمدى قنديل يكتب:شهادة لتبرئة الذمة، 14 يناير 2013
  8. جابر رزق: مذابح الإخوان في سجون ناصر، أسرار تنشر لأول مرة، دار الاعتصام، القاهرة، 1977م.
  9. محمد الصروي : الإخوان المسلمون تنظيم 1965 الزلزال والصحوة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2004م.
  10. أحمد عادل كمال: النقط فوق الحروف، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1987م.
  11. محمد عباس: الإخوان باقة الإسلام وعطر الايمان، كتاب المختار، القاهرة، 2008م.
  12. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، الجزء الرابع، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000م.
  13. أحمد عنتر: شمس بدران في مذكراته: لست نادما على ما فعلته بـ"الإخوان" عام 1965 ولو عاد الزمن لكررت الأمر نفسه، 3 مارس 2014
  14. محمد الصروي: مرجع سابق.
  15. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، مرجع سابق.