الإسلاميون وفرصة التغير الضائعة في مظاهرات فبراير 1954م

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسلاميون وفرصة التغير الضائعة في مظاهرات فبراير 1954م


مقدمة

بنادق تنكس في الحروب وترفع في مواجهة الشعوب، بهذه العبارة أصبحت الجيوش العربية بل والإسلامية تعيش في أوطانها كجيوش بالوكالة عن الغرب الذي نأى بنفسه عن الشعوب.

فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية خرجت القوى الأوروبية منهكة وضعيفة، فتحوّلت وجهتها إلى لملمة جراحها وترميم قواها المتصدّعة، وأصبحت مستعمراتها سبب أزمة لها، لعدم قدرتها على حمايتها، خاصة بعد تغير موازين القوة بعد الحربين العالميتين ونضال الشعوب من أجل الاستقلال.

دفعها ذلك إلى الاستعاضة عن الاحتلال المباشر باحتلال غير مباشر، وذلك من خلال إيصال نخب علمانية عميلة لها إلى سدّة الحكم في ظلّ ما سُمّي آنذاك بمرحلة "الاستقلال"، والتي ظنّت فيها الشعوب العربية أنها خرجت فعلا من الاحتلال الأوروبي، ولم تكن تدرك أنّ هذه النخب العلمانية التي صعدت إلى سدّة الحكم هي نخب "عميلة"، لا تملك قرارها المستقلّ خارج ما يحدّده لها المحتلّ الغربي، بل لم تكن تدرك آنذاك أنّ هذه النخب الحاكمة ستكون أكثر قمعًا ودمويةً من الاحتلال الغربي المباشر.

لقد كان الاستعمار قديما يهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسلب لمعظم ثروات البلاد المستعمرة، فضلًا عن تحطيم كرامة شعوب تلك البلاد وتدمير تراثها الحضاري والثقافي، وفرض ثقافة الاستعمار على أنها الثقافة الوحيدة القادرة على نقل البلاد المستعمرة إلى مرحلة الحضارة.

يقول مصطفى الحديثي:

الآن أصبح مفهوم الاستعمار أكثر كياسة وأقل خسارة من السابق، فالجيوش العربية أصبحت تطبق نظرية الاستعمار من حيث تعلم أو لا تعلم وتخدم مصالح الدول العظمى، التي سعت لتقليل نفقاتها في استعمار دولة ما مقابل بعض الأموال لجيش البلد المستعمر ليقوم في خدمة المستعمر ويحقق استراتيجيته وأهدافه.
فجميع الدول العظمى تُطبق هذا المبدأ مع الجيوش العربية التي لا تجيد سوى دمار بلدانها لصالح دول أخرى تفصلها المحيطات والبحار ومئات الآلاف من الكيلومترات، وهذا ما يسمى بالتبعية العالمية ‏وكل من يحاول أن يخرج من هذه التبعية يعتبر إرهابيا. (1)

كانت الأداة الأكثر فاعلية لضمان الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية هي السيطرة على النخب الحاكمة، على أن تكون هذه النخب الحاكمة نخبا "عسكرية"؛ لأنها هي التي تسيطر على "الجيش"، القوة الماديّة الأعلى في البلاد. وهكذا، من خلال نخب عسكرية عميلة ارتمت في أحضان المحتلّ، استطاعت أمريكا أن تحافظ على مصالحها في المنطقة، إلى جانب رعاية "الملكية" التي حلّت مكان الدولة العثمانية في الجزيرة العربية والأردن وبلدان أخرى إلى مدى معيّن.

والمشترك بين "الملكية" و"الحكم العسكري" اللذين رعتْهُما الإدارة الأمريكية على مدى طويل في المنطقة هو "الاستبداد"، ومصادرة إرادة الشعوب وحريتها في اختيار قيادتها السياسية ومؤسساتها السيادية، فلم تكن أمريكا راغبة بديمقراطية حقيقية في بلاد العرب والمسلمين على نمط الديمقراطية الغربية؛ لأنّ الديمقراطية الحقيقية سوف تفرز - لا محالة - قيادات سياسية تحاول الخروج من الهيمنة الأمريكية.

لم يكن ممكنًا بالنسبة لأمريكا إعطاء هذه الشعوب الفرصة لتفرز قيادة سياسية ستكون – ولا شكّ – مناوئة لسياستها ومصالحها، أو على الأقل؛ أقلّ تعاونا من النخب الفاسدة المستبدّة. ولذلك كان الخيار الاستراتيجي الأمريكي هو الإبقاء على الملكية في البلاد التي تناسبها الملكية والتوريث كصيغة من صيغ الاستبداد، والحفاظ على هيمنة جنرالات العسكر التابعين لها في البلاد التي لم يعد للملكية فيها مكان.

تمّ ذلك من خلال انقلابات عسكرية تسندها أمريكا ويتمّ الترويج لقادتها أمام الشعوب على أنهم "أبطال" و"مقاومون" معادون للإمبريالية العالمية المتمثّلة بأمريكا، هكذا في الظاهر، أمّا تحت الستار فقد كانت الهيمنة الأمريكية تتوغّل شيئا فشيئا بواسطة هؤلاء القادة العسكريّين الفاسدين، وصولا إلى سيطرتها التامّة على المسار السياسي والاقتصادي بل والاجتماعي والثقافي لأنظمة حكم تلك البلاد. (2)

تحول أسلوب الاستعمار من الاستعمار العسكري إلى أسلوب آخر يجعل الدول المتحررة مستعمرة في الواقع من خلال (الاستعمار الاقتصادي) والذي اخترعوا له - كعادتهم - أسماء عصرية وبراقة بهدف التمويه والخداع حيث أطلقوا على الاستعمار الجديد اسم "برنامج التعاون الدولي" وذلك عن طريق القروض والمساعدات بما يستتبعه ذلك من فوائد وأرباح - التي أسموها - خدمة الديون وكلها أسماء ظاهرها الرحمة والتعاون وباطنها الاستغلال والاستعباد والسرقة.

وقد أنشأت الدول الاستعمارية الكبرى لتنفيذ هذا الأسلوب مؤسسات ادعوا أنها دولية وعالمية وهي (البنك الدولي) وصندوق النقد الدولي، ووكالة التنمية الأمريكية. (3)

ويقول الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني العميد عبد الله الحاضري:

إن مشكلة الجيوش العربية هي أنها أنشئت بدون ثوابت معنوية ومشروع حضاري، ولذلك تتدخل فيها الأنظمة السياسية وتستغلها لحمايتها وقمع الشعوب.

ثورة 23 يوليو الأمريكية

كانت الأجواء في مصر ملبدة بعد حريق القاهرة في يناير من عام 1952م؛ ما أشعل جذوة الغضب في نفوس الجميع بما فيهم العسكر، والذين رأوا ضرورة التغيير، وتوافقت الرؤية بموافقة الإخوان على معاونة العسكر في ثورتهم للإطاحة بالملكية، إلا أن ذلك ما كان ليحدث دون موافقة دولية، خاصة وأن موازين القوى تغيرت بعد الحرب العالمية الثانية، وارتقاء أمريكا لمركز الصدارة مع وجود بريطانيا كسيدة على دولة مصر.

ولذا فقد اتصل بعض رجال الجيش بالأمريكان لاستطلاع أمرهم، واطلاعهم على خططهم

ولقد لخص عبد اللطيف البغدادي – أحد قادة مجلس قيادة الثورة – بقوله:

ولما كنا نرى ضرورة تجنب الصدام مع القوات البريطانية المعسكرة في منطقة القناة لذا رأينا أن نعمل على تجميدها بعد نجاحنا في الخطوة الأولى حتى لا تتحرك لمقاومة الانقلاب. واتفقنا على أن نبلغ السفير البريطاني بأن الجيش المصري قد تحرك لأمور داخلية، ولغرض مطالبة السلطات المصرية ببعض المطالب الخاصة به، ومن أننا حريصون على مصالح الأجانب وحماية أرواحهم، ومحذرين في نفس الوقت من أن أي تدخل من القوات البريطانية سيدفعنا للتصدي لها والاشتباك معها.
ومن أن هناك منظمات وهيئات شعبية أيضًا ستشترك معنا في هذا التصدي. وكانت المشكلة التي أمامنا هي كيف يمكن الاتصال بالسفير البريطاني لإبلاغه تلك الرسالة، وكانت الساعة حوالي الرابعة من صباح يوم 23 يوليو.
ولما كنت أعرف مدى صداقة علي صبري – وكان مديرًا للمخابرات الحربية في قواتنا الجوية - بالملحق الجوي الأمريكي بالقاهرة (إيفانز)؛ لذا اقترحت على باقي الزملاء فكرة استدعاء علي صبري لإبلاغ السفير الأمريكي عن طريق الملحق الجوي بالانقلاب، على أن يقوم السفير الأمريكي بإبلاغ السفير البريطاني بتلك الرسالة.
واتصلت بعلي صبري تليفونيًّا وطلبت منه الحضور إلى القيادة العسكرية، وكلف بإبلاغ هذه الرسالة وقام بها. وهذه الخطوة منا والاتصال بالسفير الأمريكي "كافري" كانت عاملاً مساعدًا في توثيق العلاقة بين أمريكا ومصر في السنين الأولى من الانقلاب. (4)

وما ذكره البغدادي ذكره فتحي رضوان الوزير بأول وزارة للثورة في كتابه "72 شهرًا مع عبد الناصر" بقوله:

الأمريكان هم الذين دبّروا خلع الملك فاروق لأسباب عديدة منها عجزه عن أو رفضه الاعتراف بإسرائيل.

ويقول خالد محيي الدين:

وأخذ الأمريكان يتقربون من الحركة وأذكر أن عبد المنعم أمين (وهو الذي قاد قوات المدفعية التي شاركت في الثورة) وانضم بعدها إلى مجلس قيادة الثورة قد دعانا إلى العشاء في بيته وحضر كافري السفير الأمريكي والمستشار السياسي للسفارة الأمريكية وأحسست أن هذه الجلسة كانت تمهيدا لعلاقة حسنة مع الأمريكان.

ويضيف:

لكن قصة السنهوري تجرنا إلى موضوع خطير هو علاقتنا بأمريكا والسفير الأمريكي مستر كافوري والحقيقة أن جمال عبد الناصر كان قد رتب كما قلت قبل الثورة علاقة مع الأمريكيين عن طريق علي صبري ومنحهم قدرا من التطمينات من أن الثورة القادمة لن تقف ضدهم. (5)

ويقول حسين حمودة:

بعد أن يئس الأمريكان من الملك فاروق حاولوا الاتصال بالجيش عن طريق الملحق العسكري الأمريكي. وقد حضرت عدة اجتماعات في منزل الملحق العسكري الأمريكي بالزمالك مع جمال عبد الناصر، وكان الكلام يدور في مسائل خاصة بالتسليح والتدريب والموقف الدولي والخطر الشيوعي، وأن الولايات المتحدة سوف تساند أي نهضة تقوم في مصر .. وهذه الاتصالات بالسفارة الأمريكية كانت في الفترة من 1950-1952م. (6)

من الصدام إلى الانتقام

أصبح الجيش يهيمن على الحياة على الرغم من عدم خبرته في إدارة شئون البلاد، لصغر سنهم، ولكونهم عسكر لم يمارسوا السياسة، لكن يبدو رضاء العالم الغربي عما حدث تحقيقا لأهدافه هو ما جعله يوافق على ما جرى.

قدم الضباط الشباب محمد نجيب ليكون واجهة لانقلابهم، إلا أنهم كانوا يكنّون في أنفسهم أنهم سيطيحون به في أسرع وقت، ولذا سعوا لتشويه صورته، فقد رغب مجلس قيادة الثورة أن يصنع من نجيب دمية سهل التحكم بها، فسعى لخلق حالة من التأييد الشعبي لتحيط بنجيب باعتباره جزءًا من مجلس قيادة الثورة، إلا أن نجيب كشخص تحول في سرعة ملحوظة إلى قائد وأيقونة للشعب، وبدأت صوهر تعلو الصحف العالمية والمحلية، ويتم الإشارة إليه كزعيم شعبي، مما أثار حنق عبد الناصر عليه.

لم يستمر الوضع كثيرا بين شركاء الثورة، حتى دبت بذور الشقاق بين مختلف أسلحة الجيش، بعدما بلغهم الشقاق بين أفراد مجلس قيادة الثورة عامة، وبين نجيب والبقية خاصة

وهو الشقاق الذي يصفه بغدادي بقوله:

طلبني جمال عبد الناصر تليفونيًّا وبين لي أنه لا يمكنه أن يتعاون مع محمد نجيب، ومن أنه عاص على حد قوله.

ويضيف:

اجتمع المجلس وقرر جمال وصلاح وعامر العودة للجيش معللين ذلك بقولهم أن محمد نجيب لن يصلح حاله، وأنه سيستمر في سياسته محاولاً أن يبين للناس عدم موافقته على سياسة المجلس وبذلك يحصل لنفسه على أبناك على حد قولهم ومكاسب شعبية على حساب باقي أعضاء المجلس وأن الشعب سيصبح في النهاية ضدهم بل وأنه سيكرههم أيضًا.
وأن الحل لهذا من وجهة نظرهم أن نضرب ضربتنا فورًا وأن نصدر بيانًا نعلن فيه عدم قدرتنا على التعاون مع محمد نجيب وعلى أننا سنترك له حرية التصرف كاملة ومن أننا سنعود إلى الجيش. وأن النتيجة لذلك ستكون فشله في إدارة دفة الأمور في البلاد ثم مطالبة الشعب بعودتنا إلى السطلة ثانية. (7)

ويؤكد هذا الأمر خالد محيي الدين – عضو مجلس قيادة الثورة – بقوله:

وفي ذات الليلة اتصل بي كمال الدين حسين ليبلغني أن هناك اجتماعات للمجلس في بيت زكريا محيي الدين وفهمت أنه اجتماع خاص بنا وأن نجيب غير مدعو له إنها جلسة 11 فبراير 1954 التاريخية. كان جمال عبد الناصر متوترا للغاية وبدأ الاجتماع معلنا أنه غير قادر على التعامل مع نجيب بأي حال من الأحوال وأنه يريد أن يستقيل وأن يعود إلى الجيش مرة أخرى، وأن نجيب وحده لن يستطيع أن يدير شئون البلاد وسوف يثبت فشله. (8)

لقد بلغت الأزمة مداها حتى وصل الحال لتهديد نجيب، ويصف خالد محي الدين ذلك بقوله:

وفي الغد كان هناك الاحتفال بذكرى حسن البنا وأرسل جمال إلى نجيب يهدده ويطلب إليه عدم الذهاب إلى الاحتفال وأعود لأكرر عبارة يهدده فقد وجه إليه جمال ما يشبه الإنذار بألا يذهب ولم يذهب نجيب وذهب جمال وتحدث في الاحتفال وعاد ليجتمع بنا. (9)

وهذا التهديد والسباب أكده البغدادي بقوله:

واجتمعنا في منزل جمال. وعلمنا منه أنه في صباح نفس اليوم اتصل بياور محمد نجيب الضابط إسماعيل فريد وطلب منه أن يبلغ محمد نجيب بعدم الذهاب إلى حفل ذكرى وفاة حسن البنا. وأنه يحذره من الذهاب وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة عليه. ويقول جمال إنه قد سب ولعن محمد نجيب وطالب إسماعيل فريد أن ينقل إليه هذه الشتائم.
كما طلب منه أيضًا أن يبلغه أن المجلس كان قد اجتمع في اليوم السابق في منزل زكريا لبحث موقفه وأن المجلس سيعاود الاجتماع مساء اليوم ثانية لاستكمال البحث. وأعتقد أن جمال قد قصد بهذا إرهاب الرجل وأن يشعره بأنه في جانب والمجلس كله في جانب آخر. وأنه من المستحسن له أن ينزوي ويخضع. (10)

وزاد من هذا التطور اعتقال العديد من قيادات الإخوان وعلى رأسهم مرشد الجماعة المستشار حسن الهضيبي. كان لتطورت الأحداث دافعا لنجيب إلى تقديم استقالته من منصب الرياسة في 22 فبراير 1954 اعتراضا على انحراف ضباط الثورة

حيث ذكر لهم قوله:

أنا غاضب من الأموال السرية التي تنفقونها على أغراضكم الشخصية وأنا غاضب على دولة المخابرات التي تكونونها الآن بإشراف بعض ضباط المخابرات المركزية وبعض الضباط الألمان الذين كانوا في الجستانو النازي. (11)

كان لاستقالة نجيب وقع صادم على عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة والتي أظهرت رددوه ما سيقوم به من استراتيجيات

والتي عبر عنها البغدادي بقوله:

وتكلم جمال عبد الناصر مبينًا أن جميع أعداء الثورة والعناصر الرجعية في البلاد ستلتف حول محمد نجيب باذلة كل جهدها للقضاء على هذه الثورة
ولذا فهو يرى:
"أن نرضي محمد نجيب الآن وأن نقبل جميع شروطه ونخضع له حتى نفوت عليه الفرصة ونعمل على إقناعه بسحب الاستقالة وبعد شهر - أي في يوم 23 مارس – نتخلص من محمد نجيب، ومن أنه هو الذي سيقوم بعمل الترتيبات اللازمة لتنفيذ هذا الأمر. (12)

لقد وصلت الأمور في أعلى قمة الهرم السلطوي من الخلاف والتي دفعت جمال سالم ردا على استقالة نجيب كما يقول خالد محي الدين: سأذهب إلى بيت محمد نجيب لأضربه بالرصاص ثم أضرب نفسي.

وظلت التكهنات حول الأمر حتى أصدر مجلس القيادة في 25 فبراير بيان إقالته وهنا تجلت الأمور وحاول البيان الانتقاص من دور نجيب وتشويه صورته أمام الجماهير، حيث ذكر صلاح سالم في بيانه إن نجيب كان يلح على نشر صوره في الصحف وعلى إذاعة خطبه في الإذاعة وأنه كان يوقظ صلاح سالم بصفته وزيرا للإرشاد من النوم ليطلب إليه الأمر بإذاعة خطاب ألقاه.

وقال صلاح سالم في بيانه إنه إزاء تفاقم الخلافات بينه وبين نجيب ذهب بنفسه إلى السجن الحربي ووضع نفسه في السجن. (13) غير أن هذا البيان أثار الريبة والسخرية لدى الجميع لوهن الحجج التي ساقها صلاح سالم في بيانه، وهنا انهالت البرقيات على مجلس قيادة الثورة ودور الصحف ترفض الاستقالة .. واندلعت المظاهرات التلقائية الصاخبة في القاهرة والأقاليم تطالب بعودة نجيب.

كما تحرك عدد من ضباط سلاح الفرسان معترضين على هذه الاستقالة، حتى احتدمت الأزمة بين أفرع القوات المسلحة، حيث ناصر كل سلاح فريق من الفرق المتصارعة في المجلس. لكن ما لم يكن في الحسبان هو تحرك الجموع الغفيرة والمطالبة بعودة نجيب

وقد وصف خالد محي الدين تلك المظاهرات بقوله:

أعلن عودة نجيب فسارعت للمجلس وسمعت القصة من صلاح سالم الذي قال إنه بعد فض الاجتماع عند الظهر ركب سيارته لكنه خشي أن يتوجه إلى بيته في العباسية فالناس هناك وأصحاب المحلات يعرفنه وخشي أن يحتك به أحد أو يهاجمه فتوجه إلى بيت جلال فيظي أمام محطة باب اللوق ليرتاح هناك وفي الطريق وجد الشوارع مملوءة بالمتظاهرين المتجهين إلى ميدان عابدين وهم يهتفون بحياة نجيب
وبأنه لا رئيس إلا نجيب وكانت المظاهرات عارمة وتوحي برفض جماهيري واسع لقرار قبول الاستقالة، فاتصل صلاح بجمال وأخبره أن الوضع متأزم ولابد من إعلان عودة نجيب، فتقابلوا في مكتب عامر في رئاسة القوات المسلحة بكوبري القبة، حيث وافقوا ضمنيا على عودة نجيب، حيث أمسك صلاح بالتليفون أمام الجميع وطلب الإذاعة وقال: "أعلنوا في النشرة أن نجيب رُفضت استقالته وأنه قد عاد رئيسا للجمهورية". (14)

كان واضحا أن الإخوان لهم دور في تحريك هذه المظاهرات لعودة الحياة النيابية والسير وفق الديمقراطية، والمطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته. حملت المظاهرات الاحتفالية في طياتها كرهًا للضباط الأحرار، فواجهتها الشرطة مما أدى إلى سقوط جرحى، إلا أن المتظاهرين تمكنوا من الوصول إلى قصر عابدين، وطالبوا بسجن عبد الناصر وصلاح سالم. وحينها أدرك عبد الناصر ضرورة التخلص من نجيب والمعارضة المدنية.

لم تكن عودة نجيب للحكم إلا وسيلة المجلس الوحيدة للتخلص منه، ففي 25 مارس - آذار 1954 اجتمع مجلس الثورة بقيادة عبد الناصر لبحث مجريات الأمور، وتم الاتفاق على اقتراحات عبد الناصر في ألا يؤلف مجلس قيادة الثورة حزبًا وحله باعتبار أن الثورة قد انتهت، بالإضافة إلى حرية تكوين الأحزاب، وإجراء انتخاب جمعية تأسيسية لاختيار رئيس الجمهورية.

كانت تلك القرارات هي الستار لرغبة عبد الناصر في إيهام الشعب أن الثورة قد انتهت، وإثارة الخوف في نفوسهم من عودة البلاد إلى ما قبل الثورة وإلغاء قوانين العمل والضمانات الجديدة، بالإضافة إلى عموم الفساد مرة أخرى. كما كان لعبد الناصر رغبة خبيثة في إثارة الغضب بنفوس الضباط، حيث إن تحققت الديمقراطية سيخسرون مناصبهم وامتيازاتهم الجديدة. (15)

فخرجت جموع من الشعب بتوجيه من "هيئة التحرير" في يوم 28 مارس رافعين شعار "لا للديمقراطية"، لينجحوا في تنظيم الإضراب والاعتصام الأضخم منذ عام 1919. لتتحول الديمقراطية إلى صفعة على وجه نجيب وأنصارها، والتي وصفها نجيب بقوله: الديمقراطية قبل العدالة الاجتماعية أحيانا، وقد دفعت أنا ثمن هذه الكلمة الخالدة "الديمقراطية" ودفع الشعب ثمنها أيضا.

والمثير للاهتمام أن إضرابات واعتصامات العمال - وما لحق بها - كان من تخطيط المخابرات الحربية وعبد الناصر، فكانت المنشورات تطبع بها ويتم توزيعها على مختلف الأفراد، بالإضافة إلى وجود تابعين لعبد الناصر في كل الأماكن للتشجيع على المطالبة ببقاء الثورة وآن أوان الديمقراطية لم يحِن بعض.

وما كان على عبد الناصر إلا استغلال الوضع، فاتفق مجلس قيادة الثورة بيوم 29 مارس على إلغاء قرارات 5 و25 مارس ، كما قرر المجلس في 17 أبريل بأن يكون عبد الناصر رئيسا للوزراء بدلًا من نجيب، وبذلك ثبتت أقدام العسكر في الحكم، والتي وصفها نجيب بقوله: "لقد خرج الجيش من الثكنات.. وانتشر في كل المصالح والوزارات المدنية فوقعت الكارثة التي لا نزال نعاني منها إلى الآن في مصر"

فرص الإسلاميين الضائعة

في 28 فبراير خرجت مظاهرات إخوانية مؤيدة لنجيب، قوامها حوالي مائة وخمسين ألفًا تقريبًا من المتظاهرين، عرفت لاحقًا باسم "مظاهرات عابدين"، تهتف "إلى الثكنات إلى الثكنات.. إلى الثكنات رجال الجيش"، وتحرك المتظاهرون من جامعة القاهرة إلى قصر عابدين، وكان يقود المظاهرة عبد القادر عودة.

اشتعلت المظاهرة أكثر فأكثر، وخشي محمد نجيب أن تحدث مصادمات بين المتظاهرين، وبين قوات الجيش الموالية لعبد الناصر ورفاقه، فخرج محمد نجيب مع عبد الناصر من شرفة قصر عابدين محاولًا تهدئة المتظاهرين، وصاح بهم نجيب لمرات عديدة كي ينصرفوا دون جدوى، وبدا أن عبد الناصر فقد السيطرة على الشارع، فاستنجد محمد نجيب بعبد القادر عودة لكي يصرف الجماهير

ووافق عبد القادر عودة على أن ينضم إليهم في شرفة القصر بعد أن طلب منه محمد نجيب ذلك، ودخل نجيب داخل شرفة القصر، وغاب مع عودة بالداخل لدقائق معدودة، ثم عاد مرة أخرى مصطحبًا عودة، الذي وقف في شرفة قصر عابدين على مقربة من عبد الناصر ليخطب في المتظاهرين خطبة حماسية، وبعد أن انتهى، أشار عودة بيده إلى المتظاهرين وقال لهم ثلاث كلمات فقط: "انصرفوا دون هتاف"، فانصرف المتظاهرون الإخوان طائعين في دقائق معدودة. انتهت المظاهرة لكن لم ينسَ ناصر ما حدث قط.

يقول يوسف القرضاوي:

وفي يوم 28 فبراير خرجت المظاهرات من جامعة القاهرة والأزهر، ومن أبناء الشعب، فأصيب عدد من المواطنين، منهم الطالب ثروت يونس العطافي الطالب بكلية الهندسة، واستشهد أحد طلاب الإخوان، وهو الطالب توفيق عجينة، وحمل المتظاهرون قمصان المصابين ملوثة بدمائهم وتوجهوا إلى قصر عابدين.. وخرج إليهم محمد نجيب محاولا دفعهم للانصراف.. ولكنهم لم يتحركوا.. ولمح بينهم الأستاذ عبد القادر عودة، فدعاه إلى الشرفة لإلقاء خطاب لفض المتظاهرين. (16)

لم يحسن الإخوان والقوى المدنية استغلال الفرصة التي سنحت لهم، حيث كان عبد الناصر ورفاقه في أضعف مواقفه، فالشعب والقوى المدنية وبعض وحدات الجيش أعلنت وقوفها خلف نجيب، وكان الجميع باستطاعته إحداث التغيير الذي كان في مخيلتهم، حيث كان الجميع متفقا على العودة بالحياة النيابية ووضع دستور جديد، لكن ضاعت الفرصة على الجميع.

فقد ضاعت على الضابط الحانقين على مجلس قيادة الثورة بعودتهم لثكناتهم واستسلامهم، فكان جزاؤهم الاعتقال والطرد من الخدمة مثلما حدث مع ضباط الفرسان.

وضاعت الفرصة على الإخوان الذين حشدوا الناس أمام عابدين وكان في مقدرتهم التوحد مع باقي القوى والإجهاز على عبد الناصر ورفاقه، لكن ذلك لم يحدث بل قام عبد الناصر باعتقال ما يقرب من 118 فردا كان على رأسهم عبد القادر عودة وعمر التلمساني وأحمد حسين وغيرهم. لقد أخطأ عبد القادر عودة في تقدير الموقف حينما صعد وصرف الناس بحكم أنه مسئول الجماعة – بسبب اعتقال قادة مكتب الإرشاد وعلى رأسهم الهضيبي – ولم يحسن التصرف.

ولم يخطئ عودة وحدة بل أخطأ الكثير ممن معه وممن برروا موقفه يقول الدكتور جابر قميحة:

كانت ستحدث مذابح يروح ضحيتها الآلاف لا المئات فقد كان عبد الناصر ما زال ممسكًا بكل المقاليد والنفوذ الأول والأقوى له لا لنجيب. وكنت ستجد رجال عبد الناصر يحرقون سيارات ويدمرون محلات وسينمات ويلصق ذلك بالإخوان وتعمل المدافع الرشاشة ويسقط ألوف القتلى ويُعتقل عشرات الألوف لأن الجيش سيعتبر المظاهرة تحديًا له ومحاولة لتحجيمه. (17) وللأسف تظل هذه التربية تتوارثها الأجيال حتى انقلاب السيسي.

فلماذا صعد عبد القادر عودة إلى المنصة؟

وما الهدف الذي رآه من صعوده هذا؟

وهل كان قراره فرديا أم تشاوريا.

وهل وسط هذه الألوف لم يكن يوجد أحد من القيادات الكبيرة؟

وضيع نجيب الفرصة الذي لم ينتبه لما كان يصبو إليه عبد الناصر من تحركاته هذه والتي ترجمها فعليا بعد ذلك بإلغاء قرارات 5 مارس.

يقول عباس السيسي:

وأستطيع أن أقول إن الرئيس محمد نجيب قد خدع في هذا الموقف الحاسم الذي لن يتكرر بل ولعله لن يعود.. لقد خدع وهو الذي قد درس أخلاق جمال عبد الناصر وأدرك أهدافه ومراميه.. لقد أضاع الرئيس محمد نجيب الفرصة الوحيدة التي أجمع فيها الشعب بكل طوائفه على عودته بإرادة الأمة كلها وفي قوة وإصرار.. ولم يطل بالرئيس محمد نجيب الاستقرار والاستمرار حتى قلبوا له ظهر المجن. وكما خدع اللواء محمد نجيب .. فقد خدع الشهيد عبد القادر عودة بخداع الرئيس محمد نجيب .. وكانت العبرة الاستفادة باللحظات الحاسمة التي لا تعود. (18)

ولقد جاءت قرارات 5 مارس كمسكن لتخدير الشعب، وما هي إلا فرصة من عبد الناصر ورفاقه لكسب الوقت، يقول السيسي:

كانت هذه القرارات مسكنات وقتية لا تخرج عن دائرة الإعلان على الناس لتهدئة نفوسهم الثائرة.. حتى يجد عبد الناصر فرصة هدوء يفكر في الانقضاض بعدها وتضييق الخناق على الشعب وخاصة تلك القوة المحركة التي تقود الجماهير إلى الحق.. فليس من المعقول أن تصفي الثورة نفسها وتخرج من الميدان بلا أنواط ونياشين وخاصة أنهم عسكريون لا يقبلون هذا الأسلوب في التعامل – ولكنهم يعرفون كيف ينسحبون مؤقتا حتى تحين الفرصة. (19)

عموما ضاعت الفرصة، وضاعت مصر، وسيطر عليها فئة أصبحوا فيها ملوكا بعدما طردوا ملكا، وقضوا بعدها على الإخوان ونجيب في ضربة واحدة.

المراجع

  1. مصطفى الحديثي: هل البلدان العربية مستعمرة بجنودها؟!
  2. شريف محمد جابر: الدولة العسكرية وخصالها السبع
  3. عبدالحق الشكيري: التنمية الاقتصادية في المنهج الإسلامي، مؤسسة الخليج للنشر، قطر، 1408هـ، صـ127
  4. مذكرات عبد اللطيف البغدادي: المكتب المصري الحديث، الجزء الأول، طـ1، 1977م، صـ51.
  5. خالد محي الدين: والآن أتكلم، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1992م، صـ79، 145.
  6. حسين أحمد حمودة: أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون، ط2، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1987م، صـ88
  7. مذكرات عبد اللطيف البغدادي: الجزء الأول، مرجع سابق، صـ92
  8. خالد محي الدين: والآن أتكلم، مرجع سابق، صـ186.
  9. خالد محي الدين: المرجع السابق.
  10. مذكرات عبد اللطيف البغدادي الجزء الأول، مرجع سابق، صـ93
  11. محمد نجيب: كنت رئيسا لمصر، طـ1، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1984م، صـ251.
  12. مذكرات عبد اللطيف البغدادي: الجزء الأول، مرجع سابق، صـ95
  13. خالد محي الدين: مرجع سابق، صـ187.
  14. خالد محي الدين: مرجع سابق، صـ188.
  15. رضوى عثمان: أزمة مارس 54 القشة التي قصمت ظهر الديمقراطية في مصر
  16. مذكرات يوسف القرضاوي: الجزء الأول
  17. جابر قميحة: الإخوان ومظاهرة فبراير 1954
  18. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، الجزء الثاني، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2000م، صـ188
  19. عباس السيسي: في قافلة الإخوان المسلمين، المرجع السابق، صـ190