لجنة إدارة الأزمات في تاريخ الإخوان
مقدمة
جماعة الإخوان المسلمين في المقام الأول هي كيان بشري يجرى فيه ما يجرى على جميع البشر، كما أنه يضم أطياف وأمزجه وطبقات مختلفة من نسيج المجتمعات التي انتشرت فيها الدعوة، ففيها المتعلم والعامل والفلاح والكبير والصغير والرجل والمرأة والفقير والغني والريفي والحضري، مما جعل عنصر التربية من العناصر الهامة جدا التي أذابت الفوارق بين جميع أفرادها وجعل التناغم والتجانس قاسم مشترك بين جميع أعضائها.
غير أنها – وعلى مدار تاريخها – تعرضت للكثير من المحن والضربات الموجعة والتي غيبت أحيانا القادة والأفراد معا، إلا أنها كانت مع كل ضربه تتعامل معها دون القضاء عليها كليتا، فكان إذا غاب قائد حل أخر مكانه، حيث حرصت الجماعة على تربية جميع أفرادها على تحمل المسئولية في أي وقت والسير بالدعوة والخروج بها من العقبات التي تواجهها فمنهم من أجاد وعبر بالدعوة كثير من العقبات بأقل الخسائر ومنهم من حاول المحافظة على الدعوة وأفرادها دون تقديم حلول ناجعة للخروج من المأزق.
نحاول الوقوف على بعض الأزمات الت مرت بها وكيف تعاملت معها قادة الجماعة وأفرادها في وقت غياب القادة.
سجن البنا وإدارة الجماعة
يعد الإمام البنا صاحب فكرة نشأة جماعة الإخوان المسلمين والذي عمل لها منذ أن كان في كلية دار العلوم، حيث سنحت له الفرصة حينما جاء تعينه في محافظة الإسماعيلية عام 1927م وساعده على ذلك تفاعل بعض أفراد المجتمع مع تعاليم الإسلام الصحيح، فكانت جماعة الإخوان المسلمين والتي أصبح حسن البنا رئيسا لها حتى نقل إلى القاهرة عام 1932م ونقل معه المركز العام فأطلق لقب المرشد العام على قائد الجماعة.
كان الإمام البنا هو قائد الجماعة وواضع برامجها حتى أنه في بداية أعوام الجماعة كان يختار أعضاء مكتب الإرشاد، وكان يدير الجماعة مع ثلة من أفاضل العلماء الذين انتسبوا للجماعة، غير أنه كان يعد أفرادها على تحمل المسئولية في حالة غاب الإمام البنا، حتى أنه وضع رسالة بين الأمس واليوم في وقت بلغ تهديد المحتل له بالنفي أو الاعتقال، ولذا كان يؤهل إخوانه على قيادة الجماعة، وبالفعل هو ما تحقق حينما اعتقل الإمام البنا واعتقل وكيل الجماعة وسكرتيرها العام.
فمنذ أن أعلنت الحرب العالمية الثانية والمحتل البريطاني ينظر بعين الريبة والقلق والخوف لحركات التحرر التي انتشرت في الدول المستعمرة وسعى لتقويضها سواء بالإغراء أو بالضرب عليها بيد من حديد. وفي مصر كانت جماعة الإخوان المسلمين هي الشوكة الحقيقية في حلق المستعمر، ولذا سعى لتقويضها بمحاولة حلا أو نفى مرشدها عن القاهرة إلى الصعيد أو اعتقاله.
فحينما أوعز الإنجليز إلى حكومة حسين سري باشا بنفي الإمام البنا إلى قنا في صيف عام 1941م تولى إدارة الأزمة السكرتير العام الأستاذ عبد الحكيم عابدين – وكان احد الشباب الخرجين الذي تم تعينه عضوا في مكتب الإرشاد – فبعد أن نفذ الإمام البنا النقل استطاع عابدين جمع ملف خدمة الإمام البنا وتقديمه لعضو مجلس النواب الأستاذ محمد عبدالرحمن نصير ليفند أكاذيب وزير التعليم بأن البنا ملفه سيء وبالفعل ناقش البرلمان مسألة نقل البنا حتى قرر رئيس الوزراء تحت الضغوط إلى إعادته للقاهرة. (1)
غير أن الضغوط التي مارسها المستعمر على رئيس الوزراء أدت إلى اعتقال الإمام البنا ووكيل الجماعة الأستاذ أحمد السكري والسكرتير العام عبد الحكيم عابدين في أكتوبر 1941م واحتجزوا في سجن الزيتون. كان الإمام البنا يدير الجماعة من داخل المعتقل غير أن إخوانه استطاعوا أن يعوضوا غيابه في فترة الشهر التي اعتقل فيها.
وخلال فترة اعتقال الإمام البنا وصاحبيه قامت ضجة كبرى وسط الإخوان للضغط على الحكومة للإفراج عن المرشد وزميليه، فكان طلاب الإخوان يقومون بالاعتصام ويهتفون ضد الظلم والطغيان وذلك بعد صلاة الجمعة بمسجد السلطان حسن، وسرعان ما تحتشد قوات الأمن لمحاولة فض المعتصمين دون جدوى، فكانوا يعدون الإخوان بالسعي للإفراج عن الإمام الشهيد حتى ينصرف الشباب إلى منازلهم. (2)
وقد قام الإخوان المسلمون على مستوى الجمهورية خلال هذه الفترة أفرادًا وشُعَبًا ومناطق وأقسامًا بإرسال برقيات تلغرافية إلى الديوان الملكي لرفعها لجلالة الملك يلتمسون فيها الإفراج عن الإمام البنا وصاحبيه. سادت حركة تذمر شديدة بين الطلاب في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وقام طلبة الإخوان بتعبئة طلاب الجامعة بسبب موجة الاعتقالات. وأمام هذا الضغط على الحكومة من الطلبة والشعب، وخوف الحكومة من انتقال الأمر مرة ثانية إلى البرلمان مما سيساعد على زيادة السخط العام ضدها قامت بالإفراج عن البنا وصاحبيه. (3)
استشهاد البنا وفراغ قيادي
كان لزيادة نشاط الإخوان في مصر والعديد من الأقطار التي انتشرت فيها دعوة الإخوان أثرا مقلقا على الدول الغربية والدولة الصهيونية الناشئة في فلسطين ومن ثم عملوا جاهدين على تغيب مثل هذه الجماعات والحركات عن الساحة حتى لا يعرقلوا مخططاتهم الاستعمارية.
كما كان لظهور قوة الإخوان المسلمين في حرب فلسطين بمثابة القشة التي عجلت بالقضاء على البنا وجماعته، فجرى التخطيط للخلاص منها بحلها وهو ما تحقق على يد النقراشي باشا يوم 8 ديسمبر 1948م وما كادت الأيام تمر والأحداث تتسارع حتى استشهد الإمام حسن البنا يوم 12 فبراير 1949م واعتقل قادة الجماعة وأفرادها، ودخلت في طور محنة شديد.
في هذه الفترة لم يكن أحد من نواب المرشد خارج السجن، كما لم يكن أعضاء مكتب الإرشاد خارج السجن أيضا، فتولى إدارة لجنة الأزمة الشيخ أحمد حسن الباقوري، حيث عمد إلى متابعة أحوال المعتقلين وأسرهم، في الوقت الذي تقدم برفع دعوى لعودة الجماعة الأستاذ عبد الكريم منصور – صهر الإمام البنا ومحامي الجماعة – غير أن الشيخ الباقوري لم يكن له سيطرة على كل أفراد الجماعة خاصة أفراد النظام الخاص لعدم معرفته بهم.
غير أن الأستاذ أحمد عادل كمال يذكر رواية غير هذه بأن من أدار لجنة الأزمة هو الأستاذ صالح عشماوي فيقول:
- انتقل حسن البنا إلى جوار ربه راضيا مرضيا وكان الإخوان فى المعتقلات والسجون واعتبر صالح عشماوي هو القائم بأمر الجماعة باعتباره الوكيل العام لها. وسار الرجل بالأمر بمعاونة إخوانه إلى أن عادت الجماعة إلى نشاطها القانوني. وطبقا لقانون الجماعة كان على الهيئة التأسيسية أن تجتمع لتختار المرشد الجديد. (4)
حتى إذا خرجت الجماعة من محنتها بعد إقالة وزارة إبراهيم عبدالهادي دعا الأستاذ منير الدلة - رحمه الله - الأربعة الكبار الذين كانت تدور بينهم توقعات الاختيار عبد الحكيم عابدين السكرتير العام وعبد الرحمن الساعاتي شقيق الأستاذ البنا والمراقب العام والشيخ أحمد حسن الباقوري وصالح عشماوي الوكيل العام، اجتمعوا في منزله بالدقي فأعلن عابدين والباقوري أنهما لا يرغبان في منصب المرشد العام، وانحصر الأمر بين عبد الرحمن البنا وصالح عشماوي وحدثت أزمة لأن الجماعة لم تكن قانونية ولم يستطيعوا دعوة الهيئة التأسيسية، فاقترح اختيار رجل من خارج مكتب الإرشاد ووقع الاختيار على المستشار حسن الهضيبي الذي اختير مرشدا عاما بعدما استقال من منصبه القضائي. (5)
غاب الهضيبي فأدار عودة الجماعة
عادت الجماعة لشرعيتها بحكم القضاء في أكتوبر عام 1951م وشارك طلاب الإخوان وبعض مجاهدي حرب فلسطين في حرب القنال التي كبدت المستعمر خسائر كثيرة، كما شارك الإخوان في التحضير والإعداد لثورة 23 يوليو 1952م والتي كللت بالنجاح، وجاء عهد جديد إلا أنه كان مليء بالأحداث الجسام، حيث انقلب العسكر على كل من شاركوهم نجاح الثورة، فبعدما أصدروا قرار بحل الأحزاب عادوا فأصدروا قرار بحل جماعة الإخوان أوائل 1954م واعتقال ما يقرب من 200 من قادة الإخوان على رأسهم المرشد العام.
في ظل هذه الظروف العصيبة أدارة لجنة الأزمة الأستاذ عبد القادر عودة – وكيل الجماعة – يعاونه الأستاذ عمر التلمساني. أدار عودة دفة الجماعة في ظل تسارع الأحداث واستقالة محمد نجيب – رئيس الجمهورية – فتحركت مظاهرات الإخوان مدعومة بكثير من طوائف الشعب تجمعت في ميدان عابدين مطالبين بعودة نجيب للحكم، وهي المظاهرات التي اعتقل على إثرها الأستاذ عبد القادر عودة والتلمساني لكن كان المرشد العام قد خرج من السجن وعاد لمباشرة مهامه. (6)
الشيخ مرزوق ورحيل المستشار الهضيبي
غيبت الجماعة في السجون ما يقرب من 20 عاما حتى خرجت في عهد السادات، غير أن رحيل المستشار حسن الهضيبي – المرشد العام – في 11 نوفمبر 1973م بعد عودته من رحلة الحج، حيث اجتمع مع إخوانه للعمل على عودة الجماعة غير أن الأجل عاجله، ونظرت الجماعة لمن يدير دفة الجماعة في هذه الظروف، فوقع الاختيار على الشيخ مرزوق – أحد الرعيل الأول للإخوان – أن يدير ملف لجنة الأزمة بالجماعة حتى يتم اختيار مرشد جديد للإخوان.
يقول الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح:
- لم يكن في الجماعة خارج السجن إلا عدد قليل فلم يكن حول المرشد إلا عدد قليل يحيط به ويلزم صحبته وهم من يمثلون هيئة مكتب الإرشاد من الإخوان الكبار مثل الدكتور أحمد الملط والحاج حسني عبد الباقي والشيخ مرزوق وهو من قدامى الإخوان وكان يقطن حي حدائق حلوان جنوب القاهرة وكان يقال عنه إنه المرشد السري!
- وسبب تسمية " المرشد السري" أن الأستاذ حسن الهضيبي كان إذا تغيب لظرف عن الحضور، كان يُنيب عنه الشيخ مرزوق في المسؤولية عن إدارة الاجتماع. فلما توفي الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله طلب الإخوان من الشيخ مرزوق – وكان ضريرا - أن يتولى مسؤولية المرشد حتى يتم اختيار مرشد جديد للإخوان، فرفض الرجل أن يكون المرشد، ولكن مع إصرارهم تولى تلك المهمة المؤقتة، على أن يكون القائم بأعمال المرشد وليس المرشد العام، وظل الحال حتى تم اختيار الأستاذ عمر التلمساني مرشدا عاما للجماعة عام 1975م. (7)
الأستاذ هلال وانتظار المرشد الجديد
فجأة وبدون مقدمات رحل المستشار محمد المأمون حسن الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين يوم الجمعة 9 يناير 2004م حيث جاءت وفاته مغايرة لوفاة من سبقه الذين كانوا يدركون وفاتهم، إلا أن الجماعة استطاعت أن تحشد أعضائها للمشاركة في تشيع جنازة المرشد العام.
وبعدها اجتمع مكتب الإرشاد لاختيار مرشد عام جديد غير أنه اختار مرشدا مؤقتا وهو اكبر الأعضاء سنا وهو الأستاذ محمد هلال والذي أدار الجماعة فترة حتى تم اختيار مرشد جديد بالانتخاب وهو الأستاذ محمد مهدي عاكف.
الدكتور عزت وإدارة بعد الانقلاب
تعرضت الجماعة لضربة موجعة بعدما قدمت مرشح للرئاسة بعد ثورة يناير، حيث قام وزير الدفاع بعمل انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب عام 2013م واعتقال كل من استطاع الوصول إليه، وقتل الكثير من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين.
اعتقل المرشد العام وكثير من اعضاء مكتب الإرشاد، غير أن الأستاذ جمعة أمين – نائب المرشد - سافر للندن كما اختفى الدكتور محمود عزت النائب الأخر وهو الذي أدار الجماعة في محنتها حتى تم اعتقاله يوم 28 أغسطس 2020م، فأدراها الأستاذ إبراهيم منير.
المراجع
- محسن محمد: (من قتل حسن البنا؟)، طـ1، دار الشروق، القاهرة، 1407هـ / 1987م، صـ38.
- عباس السيسي: (في قافلة الإخوان المسلمين)، جـ1 ، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000م، صـ66.
- أنور الجندي: (حسن البنا الداعية الإمام والمجـدد الشهيد)، دار القلم، دمشق، 2000م، صـ175.
- أحمد عادل كمال: النقط فوق الحروف، طـ1، الزهراء للإعلام العربي، 1998م.
- أحمد عادل كمال: المرجع السابق.
- محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين " الإخوان المسلمون " وعبد الناصـر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1988م.
- حسام تمام: عبد المنعم أبو الفتوح شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر 1970 _ 1984م، دار الشروق، القاهرة، 2012م.