الإخوان والعنف

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان والعنف

بقلم: د/ يوسف القرضاوي


الإخوان والعنف

Ikhwan-logo1.jpg

ومن التهم التى ألصقت بالإخوان – ولا زالت – تهمة استخدام العنف أو الإرهاب وحين تذكر جماعات العنف المسلح فى عصرنا , يسارع ذوو الغرض والهوى لإدخال جماعة الإخوان فيهم.

وهذا لعمرى من الاعتساف والتحريف, والظلم المبين الذى لا يخفى على دارس منصف فالإخوان – من الناحية النظرية – لم يجيزوا استخدام القوة المادية إلا فى مجالات معينة, وبشروط واضحة, بينها الإمام البنا فى رسائله بوضوح كما فى رسالة المؤتمر الخامس وغيرها . ومن هذه المجالات : مقاومة الإحتلال الإنجليزى لمصر والإحتلال الصهيونى فى فلسطين.

وقد اشترك الإخوان بالفعل فى قتال الصهاينة سنة 1948م فى حرب فلسطين وكان لكتائبهم دور مشهور, وبطولات قارعة رائعة,وشهداء أطهار أبرار شهد لهم بها رجال كبار من قادة الجيش المصرى وإن كان جزاؤهم بعد ذلك أنهم أخذوا من الميدان إلى المعتقلات.

كما كان لهم دور معروف غير منكور فى معارك القناة, حيث شارك شبابهم فى الجامعات والأزهر وغيرها , وكان لهم شهداء معروفون. وكان لاستخدام العنف فى غير الميدان دور محدود قصد به ضرب المصالح اليهودية والبريطانية ردا على المجازر الهائلة التى وقعت فى فلسطين على أيدى العصابات المسلحة التى استباحت كل المحرمات.

ولو جمع كل ما فعل الإخوان لضرب تلك المصالح لم يبلغ عشر معشار ما كانت تقوم به الجماعات المسلحة اليوم فى مصر أو فى الجزائر فى يوم واحد.

فما عرف عن الإخوان أنهم قتلوا سائحا أو اعتدوا على قبطى, أو قتلوا امرأة أو طفلا صغيرا, أو شيخا كبيرت كما شاهدنا ما يفعله هؤلاء الوحوش الذين يذبحون الناس بأبشع الآلات واشنع صور القتل ولا يتورعون عن قتل النساء والولدان والزراع والرهبان, ممن لا ناقة لهم فى حرب ولا جمل,لا نعجة ولا حمل!. فمن غير المقبول والمعقول: أن يلحق الإخوان بهؤلاء المفترسين . وهناك حوداث معروفة من أعمال العنف منسوبة إلى الإخوان لها ظروفها وملابساتها: ومن العدل أن توضح فى إطارها الزمنى فقد كان الاغتيال السياسى معروفا عند الوطنيين منذ اغتيال بطرس باشا غالى, وأمين عثمان وغيرهما وكان الرئيس السادات ممن أتهم فى مقتل أمين عثمان.

فمن ذلك: حادثة قتل القاضى الخازندار فى ظروف معروفة زينت لبعض الشباب المتحمس أن يقتلوا هذا القاضى, ولم يكن ذلك بأمر الأستاذ البنا ولا بإذنه أو علمه وقد استنكر وقوع هذا احادث ومن الإنصاف أن يوضع الحدث فى ظرفه الزمنى, مقرونا بالباعث عليه, حتى لا يأخذ من حجمه , ولم يتكرر هذا من الإخوان قط,ولم يفكروا فى أخذ ثأرهم حتى من القضاة العسكريين الذين حكموا عليهم أحكاما لا يشك إنسان موضوعى أنها قاسية ظالمة.

وبعد ذلك كان قتل النقراشى رئيس الوزراء والحاكم العسكرى الذى يحمل تبعة ( حل الإخوان ) واقتيادهم إلى المعتقلات بالآلاف وتعرضهم للتعذيب والفصل والتشريد والتجويع, حتى الذين كانوا يقاتلون الصهاينة فى فلسطين نقلوا من الميدان إلى الاعتقالو فقام شاب من الإخوان بمساعدة بعض زملائه فى (النظام الخاص) بقتله وهو ما حاول الأستاذ حسن البنا الحيلولة دون وقوعه ولقى بعض الرجال المسئولين وحذرهم من أن يتهور بعض شباب الإخوان ويحدث ما لا تحمد عقباه فقالوا له بعبارة صريحة ماذا يفعلون؟ سيقتلون رئيس الوزراء ليكن إن ذهب عير (أى حمار) فعير فى الرباط!.

وقد استدعى الأستاذ البنا بعد مقتل النقراشي وحقق معه, ثم افرج عنه إذ لم تثبت أيه صلة له بالحادث.

والحادثة الثالثة: محاولة نسف محكمة الاستئناف التى كانت تضم أوراق قضايا الإخوان, وهو الحادث الذى أغضب الأستاذ البنا كثيرا وجعله يسارع بإصدار بيانه الشهير الذى نشرته الصحف وفيه يقول: "هؤلاء ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين!"

والواقع أن الجماعة بعد حلها ليست مسؤولة عن مقل هذه الحوادث لأنها ليست موجودة حتى تساءل. ولم يحدث بعد ذلك أى حادث عنف إلا ما كان من محاولة موجودة حتى تساءل ولم يحدث بعد ذلك أى حادث عنف إلا ما كان من محاولة اغتيال عبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية فى أكتوبر سنة 1954م, وهو حادث تكتنفه الشبهات من كل جانب, وقد شكك فيه بعض رجال الثورة أنفسهم مثل حسن التهامي.

ولو أخذنا الأمور على ظواهرها فليست الجماعة مسؤولة عنه ولم يثبت فى التحقيق أنها هى التى دبرته, وإنما هو من تدبير هنداوى دوير ومجموعته.

على كل حال, هذا تاريخ ولم يثبت بعد ذلك أن الإخوان استخدموا العنف من سنة 1954 م حتى اليوم رغم ما وقع عليهم من عسف وظلم وقتل علنى لقادتهم بحكم القضاء العسكرى, والتعليق على أعواد المشانق مثل الشهداء: عبد القادر عودةمحمد فرغلييوسف طلعتإبراهيم الطيب , أو لشبابهم بحكم التحريش المثير داخل السجن كما فى حادث سجن طره الشهير الذى قتل فيها السجانون مسجونيهم علانية, وسقط ثلاثة وعشرون شابا من خيرة الشباب شهداء فى سبيل الله ولم يصنعوا جرما إلا أنهم طالبوهم بتحسين أحوالهم والسماح لذويهم أن يزورهم كبقية سجناء الدنيا.

وقد أعدم بعد ذلك: سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل,ومحمد يوسف هواش ولم يريقوا قطرة دم واحدة , إلا ما قيل: إنهم كانوا ينوون كذا وكذا .

واقتيد الإخوان بعشرات الألوف إلى السجون والمعتقلات وعذبوا تعذيبا لم يسبق له مثيل. ورغم توسط الكثيرين واحتجاج الكثيرين على إعدام سيد قطب لم يستجب عبد الناصر لهم وأصر على قتله.

وهناك الإخوان قتلوا تحت سياط التعذيب فى السجن الحربي بعد أن سهر عليهم الجنود القساة يتعاورون عليهم واحد بعد الآخر, كلما تعب هذا من الجلد والإيذاء أخذ عنه صاحبه, فمن هؤلاء المعذبين من تحمل جسده, وإن بقى طوال عمره يعانى آثار العذاب ما يعانى ومنهم من نفذت طاقته, وعجز عن الاحتمال فخر قتيلا بين أيدى هؤلاء الوحوش وهم لا يبالون.

أعرف من هؤلاء صديقنا الشيخ محمد الصوابي الديب خريج كلية الشريعة وزميلنا فى بعثة الأزهر للجهاد فى القناة الذى احتيل عليه فجىء به مخلوف مفتى الديار المصرية عليه رحمه الله ولما سئل أخونا: اين قضى تلك الفترة قبل سفره إلى جدة رفض أن يبوح باسم الشيخ حتى لا يؤذى فى شيخوخته وصبر على العذاب حتى لقى ربه.

وقد كان كثيرون يطالبون الإخوان أن يأخذوا بثأرهم من الضباط الذين اشتهروا بتعذيبهم مثل حمزة البسيونى قائد السجن الحربي الذى كان يقول فى صلف وغرور: لا قانون هنا: أنا وحدى القانون!. بل تطاول بجرأة ووقاحة على مقام الألوهية, حين كان الإخوان يقولون تحت وطأة التعذيب : يا رب يا رب فيقول متبجحا: أين ربكم هذا ؟ هاتوه لى, وأنا أحطه فى زنزانة!!

هذا الطاغية تركه الإخوان ومن عاونه لقدر الله الأعلى, فسخر منه القدر حيث تحطمت سيارته فى طريق الإسكندرية القاهرة وقطع جسمه أشلاء وقد عرف أهل القرية التى قتل أمامها ومزق شر ممزق: من هو صاحب السيارة, فكانوا يقولون : أخزاه الله لقى جزاء ما قدمت يداه.

المهم أن الإخوان لم يفكروا فى الانتقام من ظالميهم, وتركوا الأمر لربهم ينتقم لهم إنه عزيز ذو انتقام وهو سبحانه يمهل ولا يهمل.

فسبحان الله جماعة بهذه الروح المتسامحة مع أقسى ظالميها كيف تتهم بالعنف أو بالإرهاب وهى منهما براء؟!!


مسؤولية الإخوان عن جماعات العنف

ومن التهم التى توجه إلى الإخوان باستمرار وتلوكها الألسنة والأقلام: أن (جماعات العنف) ظهرت من تحت عباءتهم, مثل جماعات (جماعة الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) و (جماعة التكفير) وغيرها من الجماعات التى نشأت فى مصر واتخذت العنف نهجا لها وسبيلا لتحقيق أهدافها.

والحق الذى لا ريب فيه: أن بعض هذه الجماعات مثل (جماعة التكفير) تعتبر ( انشقاقاً) على الإخوان وليس ( امتداد ) للإخوان.

وقد بدأت بذور هذه الجماعة فى السجن الحربي كما بينا كيف تسلسل تفكيرهم فى كتابنا (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) وانتهى بهم الأمر إلى ( تكفير الناس بالجملة) ابتداء بالذين يتولون تعذيبهم بلا رحمة, ثم من يأمرهم بهذا التعذيب من الحكام, ثم من يسكت على هؤلاء الحكام من الشعوب وقد اعتزلت هذه الفئة الإخوان فى السجون, وكانوا لا يصلون معهم وقاموا بينهم وبين الإخوان جدل طويل, ورد عليهم مرشد الجماعة الثانى الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله فى مقولات سجلها ونشرها بعد ذلك فى كتابه (دعاة لا قضاة)

وقد نقلت فيما سبق أن شكري مصطفى أمير جماعة التكفير ومؤسسها أتهم قادة الإخوان بالخيانة العظمى لأنهم لم يقاوموا رجال الأمن والشرطة وسلموا جلود إخوانهم للسياط ورقابهم للمشانق.

فكيف يعتبر الإخوان مسؤولين عن هؤلاء الذين انشقوا عنهم واتهموهم بأبشع التهم؟

إن هذا أشبه بمن يحمل أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه وزر جماعة (الخوارج) الذين كانوا جنودا فى جيشه ثم انشقوا عنه وخرجوا عليه ورموه بالكفر وتحكيم الرجال فى دين الله ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلة رضى الله عنه؟

هل يقبل عاقل هذا المنطق الأعوج؟ أن يحمل المرء تبعة من يخرج عنه ويتمرد عليه, وينصب له الحرب والعداء؟

هذا ما تتبناه للأسف الشديد – أجهزة الإعلام المصرية والعربية وتردده ولا تمله, وما يكرره كتاب علمانيون أو ماركسيون يعادون الإخوان بل يعادون رسالة الإسلام.

وأما (جماعة الجهاد) و(الجماعة الإسلامية) فى مصر فليست انشقاقا من الإخوان بل هى جماعات نشأت من أول يوم احتجاجاً على الإخوان وإنكارا عليهم أنهم خانوا ( مبدأ الجهاد) الذى أعلنوه طريقا لهم وشعارا يتغنون به ( الجهاد سبيلنا والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا).

ويفسرون الجهاد باستخدام العنف فى مقاومة الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله باعتبار أن هذا كفر بواح فيها من الله برهان.

والإخوان لم يخونوا مبدأ الجهاد كما زعم هؤلاء ولكن (الجهاد) ليس معناه ( القتال) بل الجهاد مراتب وأنواع أوصلها الإمام ابن القيم فى كتابه الشهير (زاد المعاد) إلى ثلاث عشرة مرتبة واحدة منها فقط هى : قتال الكفار بالسيف وهذا له دوافعه وشروطه, :ما فى جهاد إخواننا الأفغان ضد الغزو السوفيتى وإخواننا فى البوسنة والهرسك ضد التوحش الصربى وكذلك إخواننا فى كوسوفا الآن وغيرهم من المسلمين الذين يعانون من الاضطهاد الدينى والعنصرى فى أنحاء الأرض وأعظم هذا الجهاد : هو جهاد إخواننا فى فلسطين ضد العدوان الإسرائيلى المغتصب والإخوان حيثما كانوا – يؤيدون هذا اللون من الجهاد بأنفسهم وأموالهم وألسنتهم , وبكل ما يستطعون , فالمسلمون أمة واحدة, يسعى بذمتهم أدناهم, وهم على من سواهم, والمسلم أخو المسلم, لا يظلمه ولا يسلمه أى لا يتخلى عنه ويمثل الإخوان فى الجهاد الفلسطينى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التى يؤيدها كل حر شريف مسلما كان أو غير مسلم.

أما فيما عدا هذا الجهاد العسكرى الذى يوجه فيه السلاح إلى أعداء الأمى فعندهم أنواع أخرى من الجهاد الذى تحتاج إليه الأمة ولا يرتاب احد فى أنه فريضة وضرورة.

فالجهاد بالدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة إحدى هذه المراتب وعى المذكورة فى سورة الفرقان المكية( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) وهذا [الجهاد] متاح اليوم بصورة لم تعهد من قبل: عن طريق الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية وعن طريق الإذاعات الموجهة القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت وغيرها من الوسائل والآليات التى تحتاج إلى طاقات بشرية هائلة وإلى أموال طائلة وإلى جهود مكثفة لم نقم بواحد فى الألف منها مع أن هذا – كما قلت وأقول دائما هو جهاد العصر.

والجهاد بحمل المتاعب والمحن والشدائد فى سبيل الدعوة والصبر عليها إحدى هذه المراتب وهى مذكورة فى سورة العنكبوت المكية ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين)[ الآيات :1-6]

وجهاد الظلمة والفجرة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والوقوف فى وجه الباطل وقو(لا) للمسرفين الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون : إحدى هذه المراتب وهو ما جاء فى حديث ابن مسعود الذى رواه مسلم فى صحيحه: " ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمرهم ثم أنها يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وجهاد الحكام الظلمة باليد – أى بالقوة العسكرية – إنما هو لمن يستطيعه ومن لم تكن معه هذه القوة انقلب فرضه إلى المجاهدة باللسان فمن عجز انتقل فرضه إلى الجهاد بالقلي وذلك أضعف الإيمان.

والإسلام يشدد فى استخدام القوة المادية حتى لا تؤذى محاولة إزالة المنكر إلى منكر أكبر منه وهو ما سجله التاريخ والواقع.

وفى عصرنا لا يملك الجهاد باليد إلا (القوات المسلحة) وهى فى يد الحكومة لأنها جزء من أجهزتها.

والذين يفكرون أن يقاوموا القوات المسلحة ببعض فئات من الشعب مخطئون يقينا: مخطئون عسكريا لأنهم لم يفهموا إمكانات الجيوش الحديثة وقدراتها, ومخطئون دينيا, لأنهم يلقون بأيديهم إلى التهلكة, ويعرضون أنفسهم لمخاطر لا قبل لهم بها. والحديث الشريف يقول:" لا ينبغى لمؤمن أن يذل نفسه قيل : وكيف يذل نفيه يا رسول الله؟ قال:" يعرضها من البلاء لما لا تطيق"

كما أنهم هنا قد يقتلون من لا يجوز قتله. والأصل فى الدماء الحظر والتشديد. وجماعات الجهاد فى مصر والجزائر وفى غيرها ترى – بإمكاناتها المحدودة – أن تقاتل القوات المسلحة, وتنسى الفارق فى القدرة المادية عند الطرفين , كما تنسى أن الجندى فى القوات المسلحة إنما هو آلة فى ترس, لا يملك أن يعصى أمرا لمن فوقه, فعلام يقتل؟

ومن ناحية آخرة , لا يبالى هؤلاء من يقتل من الأبرياء من الرجال والنساء والولدان, الذين لا يستطعيون حيلة ولا يهتدون سبيلا, وقد نهى الرسول الكريم عن قتل النساء والصبيان فى الحرب (الرسمية) بين المسلمين وأعدائهم حين تلتقى الجيوش وجها لوجه فى يقتل إلا من يقاتل.

المهم أن فقه الإخوان فى الجهاد يخالف فقه هذه الجماعات الجديدة.

كما أن فقه الإخوان فى التغيير يخالف فقهها. فالإخوان يرون أن التغيير لابد أن يتم أولا داخل النفس الإنسانية, فالإنسان يقاد من داخله لا من خارجه من ضميره لا من يده, وهذا ما قرره القرآن فى صورة قانون اجتماعى عام (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهذا طريق طويل ولكن لا طريق غيره يوصل إلى الغاية.

وقد رددت على فقه هذه الجماعات فى استخدام العنف فى محاضرات وخطب وحلقات تليفزيونية فى الفضائيات المعروفة, مثل برنامج ( الشريعة والحياة) فى قطر وبرنامج ( المنتدى) فى تليفزيون أبو ظبى, وفى ( دار الرعاية) فى لندن وغيرها.

وبينت أن حسن النية والرغبة فى نصرة الدين عند هذه الجماعات لا يبرر لها ما تفعل. فقد كان الخوارج صواما عبادا, ولم يغن عنهم ذلك من الله شيئا, وأمر الرسول بقتالهم وقتلهم لخطرهم على المجتمع, وصحت الأحاديث فى ذمهم من عشرة أوجه, كما قال الإمام أحمد.

لا يكفى حسن النية فمن الناس من زين له سوء عمله فرآه حسنا!

بل إن هذه الجماعات يخالف فقهها فقه الإخوان فى قضايا كثيرة فى السياسة الشرعية وفى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية والإعلامية وغيرها. فهم متشددون فى قضايا المرأى وفى قضايا التعددية السياسية وفى اقتباس بعش أساليب الديمقراطية وضماناتها مثل الانتخاب ,التصويت بالأغلبية وإلزامية الشورى وتحديد مدة الأمير أو الرئيس.. الخ.

وكذلك فى العلاقة بغير المسلمين من المواطنين وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها هل أساسه السلم أو الحرب ؟ وإلى أى حد تتدخل الدولة فى شئون الاقتصاد؟

فالعجب أن يقال : إن هذه الجماعات خرجت من معطف الإخوان ,وهى تناقض الإخوان فكرا وأسلوبا وتتهم الإخوان بأنهم فرطوا فى الدين وتعتبر اجتهادهم فى قضايا العصر : ضربا من التبعية والخضوع لتيار التغريب والغزو الفكرى ! أعنى أن هذه الجماعات المسلحة تضاد الإخوان وتناقضها فى توجاتها وهى ليست ذلك فى مصر وحدها بل هى كذلك فى الجزائر وغيرها.


بيانات الإخوان المتكررة تدين العنف

فى السنين الأخيرة أوضح الإخوان موقفهم من العنف بكل الصراحة والوضوح فى بيانات رسمية معلنة ومنشورة يدينون فيها العنف ويستنكرونه ويرفضونه بكل أشكاله وصوره, ,أيا كانت مصادره وبواعثه, وذلك على أساس فهمهم لقيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه كما سبق أن أكد الإخوان مرارا على ضرورة إيقاف أعمال العنف المضاد, من منطلق وقاية البلاد من نزيف الدم الذى حرمه الله والحفاظ على المجتمع من الانهيار الاجتماعي والخراب الاقتصادى والذى لن يستفيد من ورائه إلا أعداء الإسلام وخصوم المسلمين.

لقد أدى الإخوان المسلمون دورهم بالنسبة لهذه القضية على أكمل وجه ممكن وبما تتيحه طاقاتهم وإمكاناتهم فعقدوا لذلك العديد من الندوات والمحاضرات والمؤتمرات واللقاءات العامة, واصدروا البيانات والنشرات والكتيبات لتوعية المواطنين ( وبخاصة الشباب) وتنبيه الرأى العام لمخاطر العنف والعنف المضاد وأثره السلبى على أمن واستقرار مصر فضلا عن دورها الريادى تجاه أمتها العربية والإسلامية كما ان الإخوان حالوا – من خلال التربية المستمرة والتوجيه المباشر للشباب – دون وقوع عشرات الآلاف منهم فى براثن أعمال العنف, وكم لهذا آثاره وانعكاساته البعيدة المدى على تحجيم هذه الأعمال وعدم تناميها وانتشارها.

وقد ظهر للشعب المصرى بل للعالم كله فى شتى بقاع الأرض ما تحمله دعوة الإخوان المسلمين من حكمة واعتدال وبعد نظر, وحرص على إسعاد البشر كل البشر ولم يحدث خلال الأزمات الماضية والحالية على كثرتها – والتى كان من الممكن أن تعصف بأمن الوطن واستقراره – أن استغل الإخوان أية فرصة لتصفية حسابات أو ممارسة أى عمل من أعمال العنف( ولو عل المستوى الفردى) أو عقد اتفاقات أو تشجيع ممارسات من شأنها أن تضر بالصالح العام بل كانوا حريصين كل الحرص على أمن وسلامة وطنهم وهدوء واستقررار مجتمعهم وذلك من منطلق إيمانهم وحبهم إسلامهم والتزامهم بأصول دعوتهم ( بيان الإخوان بتاريخ 18 يونيو 1994)

وقد تعددت البيانات الصادرة عن الجماعة والتى تدين العنف, وتعبر فيها عن رأيها فى هذا الخصوص وقد قامت كل الصحف فى مصر الحكومية والحزبية بنشرها فى حينها إما كاملة أو مقتطفات منها, بحيث لم يعد فى مصر أحد يجهل رأى الإخوان فى هذه القضية . وكان من أبرز البيانات التى صدرت ذلك البيان الجامع الصادر فى 30 من ذى القعدة 1415 هـ الموافق 30 من أبريل 1995 والذى جاء فيه.

" لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية: أ،هم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة والبذل السخى فى جميع ميادين العمل الاجتماعي .. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووهى أبنائها هما فى نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية والتى تتنافس تنافسا شريفا فى ظل الدستور والقانون وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر ولجميع صور العمل الانقلابي الذى يمق وحدة الأمة والذى قد يتيح لأصحابه فرصة القفز على الحقائق السياسية والمجتمعية ولكنه لا يتيح لهم أبدأ فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة.. كما أنه يمثل شرخا هائلا فى جدار الاستقرار السياسي وانقضاضا غير مقبول على الشرعية الحقيقية فى المجتمع.

وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذى يسيطر على الأمة قد ورط فريقا من أبنائها فى ممارسة إرهابية, روعت الأبرياء وهزت امن البلاد وعددت مسيرتها الاقتصادية والسلمية, فإن الإخوان المسلمين يعلنون – فى غير تردد ولا مداراة – أنهم براء من شتى أشكال ومصادر العنف, مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون على سفكه شركاء فى الإثم, واقعون فى المعصية, وأنهم مطالبون فى غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلى الحق, فإن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , وليذكروا - وهم فى غمرة ما هم فيها – وصية الرسول صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع " ايها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة كحرمة يومكم هذا فى عامكم هذا فى بلدكم هذا".

أما الذين يخلطون الأوراق عامدين , ويتهمون الإخوان ظالمين بالمشاركة فى هذا العنف والتورط فى ذلك الإرهاب متعللين فى ذلك بإصرار الإخوان على مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء وأن تستوعب فى دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات ولا تكتفى بالمواجهة الأمنية – فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار على امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها فى المجالس النيابية والانتخابات التشريعية, واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة, ولكنهم ظلوا على الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون حريصين على أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذى لا سلاح غيره يجاهدون به فى سبيل الله (ولا يخافون لومة لائم) والأمر فى ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة ولكنه أمر دين وعقيدة يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) [ الشعراء 88, 89]


شهادات المسؤولين للإخوان

ولعله من لمناسب هنا أن نورد شهادات للمسؤولين الرسميين فى مصر عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من هذه القضية يثبت كذلك كذب كل ما يقال عنهم بعد ذلك:

تصريح الرئيس حسنى مبارك

فقد صرح الرئيس محمد حسنى مبارك لجريدة ( لوموند) الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا سنة 1993 بتصريح نشرته الصحف المصرية وفى مقدمتها جريدة ( الأهرام بتاريخ 1/11/ 1993 قال فيه:
"إن هناك حركة إسلامية فى مصر تفضل النضال السياسى على العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح فى انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين".

شهادة وزير الداخلية المصرى

ولم يكن رئيس الجمهورية هو الوحيد من رجال السلطة الذى أكد انقطاع أى صلة للإخوان بالعنف والإرهاب, بل إن وزير الداخلية الحالى اللواء حسن الألفي فى مؤتمره الصحفى الذى عقده ونشرت وقائعه بتاريخ 14 من أبريل سنة 1994 سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية – وهما المنظمتان اللتان يتهمها النظام باستخدام العنف – فكان رده:
" الإخوان جماعة لا يرتكب أفرادها أعمال عنف بعكس تلك المنظمات الإرهابية" (جريدة الجمهورية وجريدة الأهرام عدد 14/4/1994م)

شهادة خبير الأمم المتحدة

كما أكد ذلك الخبراء والمختصون فى هذا المجال وعلى رأسهم خبير الإرهاب الدولى المصرى بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عز الدين – والذى قام الرئيس مبارك بتعيينه عضوا بالبرلمان عام 1995 ضمن العشرة الذين يحق لرئيس الجمهورية تعيينهم – حيث صرح فى مقابلة موسعة له عن (الإرهاب والتطرف) مع جريدة ( الأنباء) الكويتية:
"أن الإخوان المسلمين حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرف".. وأن الإخوان فى نظر عدد كبير من تنظيمات العنف يعتبرونهم متخاذلين وموالين للسلطة ومتصالحين معها." ( العدد 6560 من جريدة ( الأنباء الكويتية) الصادرة فى 13/8/114).

شهادة د. مصطفى الفقي

كما أن الدكتور مصطفى الفقي مدير مكتب الرئيس حسنى مبارك لشؤون المعلومات قد أعلن فى مؤتمر الإدارة العليا بالإسكندرية:
" نحن نقبل نشاركه التيار الإسلامي المعتدل, والممثل فى جماعة الإخوان المسلمين ومنحها الشرعية بشروط, أبرزها إعلانهم نبذ العنف ومقاومته علنا وقبول مبدأ الديمقراطية بكل صيغها وفى مقدمتها تداول السلطة والأحزاب والحوار"(صحفية الوفد) المصرية فى 1/11/ 1993).


الإخوان والتنظيمات السرية

ليس لدى الإخوان المسلمين أية تنظيمات سرية أو النية لعمل تنظيمات تعمل تحت الأرض بعيدا عن الأعين فليس هذا من منهاجهم أو توجههم فضلا عن أن العمل السرى يضر بالعمل الدعوى.

فأما أن التنظيمات السرية لا تتفق ومنهج الإخوان, فذلك واضح من خلال حركتهم ونشاطاتهم فى مجالات كثيرة ومتعددة عبر العقود الأخيرة, كما أن لافتاتهم وملصقاتهم موضوعة فى كل مكان من أرض مصر شاهدة على أنهم يعملون فى وضح النهار وأنهم موجودون وسط الميدان يعيشون مع الناس ويمتزجون بهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم.

لقد دخل الإخوان المسلمون انتخابات مجلس الشعب فى عامى 84, 87, كما أنهم خاضوا انتخابات مجلس الشورى عام 1989 والمحليات عام 1992 هذا فضلا عن الإنتخابات المتعاقبة للنقابات المهنية المختلفة.

وكان تحرك الإخوان فى هذه الإنتخابات جميعها علنيا وظاهرا وبارزا بشعاراتهم ولقاءاتهم وبياناتهم. وهم الآن موجودون فى النقابات لمهنية المختلفة ونوادي هيئة تدريس الجامعة والجمعيات والمجالس المحلية ومنم خلال الانتخابات النزيهة الحرة.

ولا يستطيع أحد أن ينكر دورهم أن ينكر دورهم فى مجلس الشعب عامى 84,87 وتكوينهم لتكتل نيابى باسم جماعة الإخوان المسلمين وكيف أنهم أثروا الحياة النيابية بأفكارهم وآرائهم وتوجيهاتهم فى كل الاتجاهات السياسة والاقتصادية والاجتماعية ولذلك كان لمجلس الشعب فى هذين الفصلين التشريعين مكانته ونصيبه فى اهتمامات الناس.

ولم يختلف الإخوان المسلمون يوما ما عن الإدلاء بدلوهم وتبيان آرائهم ومواقفهم فى آية قضية محلية أو إقليمية أو دولية.

فلماذا بعد كل هذا يلجأ الإخوان لعمل تنظيمات سرية؟

وأما أن التنظيمات السرية تضر بالعمل الدعوى فهذا يرجع إلى أن التنظيمات السرية تعمل فى الظلام والظلام بطبيعته يستحيل معه – مهما كانت القيادة نشطة وواعية ومتحركة وجادة – متابعة كل الأفراد (خاصة إذا كان عددهم عظيما) من حيث العقيدة والأفكار والسلوكيات والأخلاق ومدى مطابقة هذا من عدمه مع العقيدة الصحيحة والأفكار الأصيلة للدعوة والسلوكيات والأخلاق الأساسية للإسلام.

ولأن الإخوان المسلمين ينتمون إلى أهل السنة والجماعة ويعتبرون أنفسهم جماعة من المسلمين فإن عقيدتهم وفكرتهم من حيث النقاء والأصالة لا تشوبها شائبة كما أن مناهجهم واضحة ومتميزة من حيث اعتمادها على الكتاب والسنة والفهم الصحيح الذى أجمع عليه أهل العلم الثقات, وبالتالى فهم حريصون على ألا تشوه دعوتهم من قبل فرد أو مجموعة ومخافة أن تنحرف الدعوة الدعوة عن مسارها الأصلى, ينبذ الإخوان المسلمون العمل السرى ويرونه خطرا على دعوتهم وعلى أفرادهم.

إن العمل الدعوى فى وضح النهار يكشف فى وقت مبكر وبدون عناء أى انحراف يصيب العقيدة أو الفكر كما أنه يفضح اى سلوك يخالف تعاليم الإسلام وهديه, وحتى لو حدث هذا فإنه يمكن معالجته سريعا وبشكل ميسور أو أن تنفى الدعوة عن نفسها الخبث فتتخلص مما يريد أن يعلق بها.

غير أن بعض الكتاب من غير المنصفين يحاول الآن وبشكل مبتسر إبهام الرأى العام بأن جماعة الإخوان صاحبة تاريخ عريق فى التنظيمات السرية وأعمال الاغتيالات.. الخ مستشهدين ببعض الأعمال الفردية التى انزلق غليها أفراد من النظام الخاص فى الأربعينات والتى أدانتها قيادة الإخوان فى حينها.

ومن الحق والإنصاف القول بأن ظروف البلاد فى الأربعينات ومطلع الخمسينات من هذا القرن اقتضت أن يشكل الإخوان – كغيرهم من لجماعات الوطنية فى ذلك الوقت – نظاما من بعض الأفراد المحبين للتضحية والاستشهاد للقيام بعمليات جهادية ضد المحتل الانجليزي الغاصب الذى كان جاثما على صدر مصر وأيضا عصابات صهيون التى كانت ولا تزل تعربد بكل الوحشية والإجرام فى أرض فلسطين, وقد أدى هذا النظام الخاص دوره على أروع ما يكون الأداء حيث شهدت ضفاف القناة وثرى أرض فلسطين بطولات خارقة وأعمالا استشهادية فذة للإخوان المسلمين يفخر به كل غيور على بلاده, وقد انتهى النظام الخاص بانتهاء مسببات قيامه منذ أمثر من أربعين سنة ولم يعد له وجود إلا الذكرى .( الإخوان المسلمون -3- ذى القعدة1415هـ / 30 من ابريل 1995).

المحاكمات العسكرية للإخوان

ويبقى هنا سؤال : إذا كان هذا هو موقف الإخوان بوضوح, فما سر هذه المحاكمات العسكرية, والإجراءات الأمنية التى تتخذ فى حق الإخوان بخصوص تنظيمات سرية تكتشف ما بين الحين والحين؟

ولكى أجيب عن هذا السؤال أود أن أسجل هنا خلاصة لقاء تم بينى وبين ضابط مهم مسئول عن الإخوان فى أمن الدولة زارنى فى بيتى بالقاهرة , فى صيف سنة 1995م وكان فى لقائه معى غاية فى الأدب وقال لى هل عندك مانع أن أوجه إليك بعض الأسئلة لأسمع إجابتك عنها؟

قلت له : لا مانع قطو أنا رجل من مهمتى أن أتلقى أسئلة الناس وأجيب عنها.

قال: ما رأيك فى المحاكمات العسكرية؟ والأحكام التى صدرت فيها؟

قلت : هل تريد رأيى بصراحة؟

قال : نعم.

قلت: الأحكام العسكرية كانت قاسية بل شديدة القسوة على أناس لم يقترفوا جرما, ولم يمارسوا عنفا, فمن المعلوم لديكم أن الإخوان منذ خرجوا من سجون عبد الناصر إلى اليوم ولم يثبت فى حقهم أنهم استخدموا العنف أو شاركوا فيه ولا لمرة واحدة.

بل أنتم – ولا شك – تعلمون الصدامات التى وقعت بين شباب الإخوان فى الصعيد وشباب جماعة الجهاد. حيث يتهمون الإخوان بالتخلى عن مبدأ الجهاد والمهادنة للسلطة, والاستسلام للطواغيت..الخ.

قال : ولكن لا يزال فى الإخوان جماعات تتدرب على السلاح؟

قلت: جماعة الإخوان جماعة كبيرة وممتددة فى شرائح متنوعة الشهب ولا يبعد أن يوجد فيها عشرة أو عشرون يفكرون مثل هذا التفكير إن صح ذلك, ولا يبعد أن يوجد فيها عشرة أو عشرون يفكرون مثل هذا التفكير إن صح ذلك, وأنا أحكم على المجموع لا على الجميع والمهم هو الاتجاه العام فى الجماعة الذى تقوم عليه التربية والثقافة والتوجيه العام. وقد كان الإخوان قديما يحتاجون إلى هذا النوع من التدريب العسكرى حين لم يكن هناك تجنيد إجبارى أما فى عصر التجنيد الإجبارى فكل المصريين يدخلون الجيش فلا حاجة لمثل هذا التدريب.

ثم عاد الحديث إلى الأحكام العسكرية وقلت له فيما قلت: ولماذا المحاكمات العسكرية لأناس مدنيين ليس فيهم عسكرى واحد, ثم هم لم يمارسوا أى عمليات عسكرية ؟ ولم يتجهوا إلى العنف أو يجيزوه بوجه من الوجوه فيما أعلم عنهم أو عمن أعرفه منهم على الأقل.

أعرف من الدفعة الأولى الدكتور عصام العريان أعرفه منذ كان طالبا فى كلية الطب, وكان أميرا للجماعة الإسلامية وقد كان حريصا على أن ينتقل بالطلاب من الغلو والتشدد إلى الوسطية, وكان يستعين بى وبشيخنا الغزالى على ذلك وأعرفه بعد أن نضج وأصبح وجها إسلاميا مشرفا, له حضور واضح فى المؤتمرات والندوات التى تعقد داخل مصر وخارجها وماذا ارتكب عصام العريان حتى يحكم عليه بخمس سنوات؟

وأعرف من الدفعة الثانية: الدكتور عبد الحميد الغزالي وهو أستاذ متخصص فى الإقتصاد الإسلامي, ومدير لمعهد البحوث والتدريب فى البنك الإسلامى للتنمية وقد جمعتنى به حلقات وندوات ومؤتمرات خاصة بالإقتصاد الإسلامي وهو يعيش بجدة منذ سنوات وليس من نشطاء الإخوان.

قال: ولكنه صار من نشطاء الإخوان بعد أن توفيت زوجته.

قلت: هو لحق! إنه عاد من جدة منذ عدة شهور فقط.

قال : ولكن الإخوان يقيمون تنظيمات مخالفة للقانون؟

قلت له: سأسلم معك بما تقول . ولكن لماذا تلجئون الإخوان المخالفة القانون؟

أنتم تعلمون أن الإخوان جماعة موجودة بلا فعل,وتنمو وتتكاثر ككل كائن حى فلماذا لا تسمحون لها بالوجود القانونى؟ أنتم سمحتم بذلك للشيوعيين والناصريين والقوميين وسائر الفئات إلا الإخوان , أليس الإخوان مصريين؟ أهم مستوردون من خارج تراب الوطن أم هم جزء منه؟

إن الصواب فى ذلك: أن يسمح للإخوان بالعمل علانية وفوق الأرض وتحت سمع الدولة وبصرها وبإذن من القانون, بدل أن تلجئهم إلى العمل تحت الأرض فهذا من حقهم بوصفهم مصريين والتزامهم بالدين وبالإسلام لا يجوز أن يكون سببا فى حرمانهم من ممارسة حقوقهم المشروعة.

ثم قلت: وقد كان الإخوان موجودين بالفعل منذ عهد الرئيس الراحل السادات رحمه اللهو وكان الأستاذ عمر التلمساني يدعى فى الاجتماعات المختلفة باعتباره مرشدا للإخوان قال ! قال: ولكن التلمسانى كان عنصرا ملطفا بطبيعته الهادئة, وشخصيته الطيبة, ثم لم يكن التنظيم محكما كما هم محكم اليوم.

قلت: الذى أراه مخلصا: أن علاج هذا كله يكمن فى الاعتراف بالإخوان كجماعة لها كيانها وأهدافها ونشاطها فى حدود النظام العام والقانون.

ونحن أحوج ما نكون إلى تجمع كل القوى وتوحيد صفوف الأمة للبناء والتنمية والرقى بوطننا بعيدا عن التوترات والصراعات أنا أقول هذا بوصفى مصريا مسلما يحب الخير لوطنه, والإعزاز لدينه وقد علمتنى رحلاتي المختلفة إلى أقطار العالم: أن مصر من أرجى بلاد الله لنصرة الإسلام إن لم تكن أرجاها جميعا.

أنا اقول لك هذا بصراحة العالم لا بمناورة السياسى وأنا ليس لى أى وضع تنظيمى فى الإخوان.

قال: نحن نعلم أنه ليس لك أى وضع تنظيمى فى الإخوان داخل مصر, ولكن فى التنظيم العالمى ألا يوجد لك مشاركة فيه؟

قلت: كان لى مشاركة من قبل ثم استعفيت منذ سنين لأتفرغ لخدمة الإسلام بالعلم والفكر والدعوة, وأعتبر نفسى ملك المسلمين جميعا, لا ملك الإخوان وحدهم,وهذا لا يعنى أنى أتنكر لفكر الإخوان أو لدعوتهم, وهم قد يعتبرونني منظرهم أو مفتيهم, كما أن كتبى تعد من مراجعهم الأولية, وهم أول الناس قراءة لها.

وهناك أسئلة أخرى جرت فى هذه المقابلة’ لا تهمنا هنا , إنما الذى يهمنا هو التعليق على الأحكام العسكرية.

وبعد أكثر من ساعة انتهت المقابلة, وانصرف الضابط المؤول مشكورا ولم نعرف الهدف من وراء المقابلة ولعله مجرد التعرف أو التعارف, المهم أنى قلت ما أعتقد أنه الحق ,بالله التوفيق.


شهادة كاتب منصف

وقبل أن أدفع بهذا الكتاب إلى المطبعة قرأت مقالا يعتبر غاية فى العلمية والإنصاف يتحدث عن حسن البنا بمناسبة مضى خمسين سنة على استشهاده وهو للكاتب الصحفى المعروف الأستاذ صلاح عيسى والرجل لا يتهم بالتحيز للإخوان المسلمين ولا للتيار الإسلامى بل هو محسوب على الفكر اليسارى ولكنه كتب ما كتب إحقاقا للحق وإبراء للذمة وإنصاف للحقيقة والتاريخ نشرت هذا المقال جريدة (الشرق) اليومية القطرية يوم الأحد 19/ ذى القعدة 1419 هـ 7/ 3/1999 تحت عنوان : حسن البنا .. لا عنف ولا تزمت.

ويسرنى أن أن أسجل هذا المقال وهذه الشهادة العادلة هنا محييا صاحبها على حياة ونزاهته وعلميته. يقول الكاتب:

"الذين يضعون فأس اتجاهات التيارات الإسلامية فى مصر والعلم العربى نحو التزمت ثم العنف , فى فنف الشيخ (حسن البنا) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الذى غاب عن دنيانا فى مثل هذه الأيام منذ خمسين عاما, يسيئون عن قراءة وقائع التاريخ ويقحمونه فى الصراع السياسى القائم الآن, بينهم وبين التيار الإسلامى بمجمل فصائله فلا يسيئون – بوضعهم الجميع فى سلة واحدة – لوقائع التاريخ فحسب ولكنهم – وهذا هو الأخطر – يؤججون نيران العنف حيث يتوهمون أنهم سيقضون عليه , ويقودون الأمة إلى صراع عبثى لا جدوى من ورائه , ويتوهم خلاله كل تياراته الرئيسية فى الحركة السياسية العربية أن باستطاعته استئصال الآخرين وبذلك تطيش خطواتها نحو المستقبل فى الألفية الثالثة كما طاشت فى الألفية الثانية.
وما يتجاهله الذين يحملون ( الشيخ البنا ) المسؤولية عن نشأة تيار العنف, هو أن تشكيل المنظمات شبه العسكرية كان موضة لدى كل التيارات السياسية فى الثلاثينيات فى إطار النتائج الإيجابية التى حققتها نظم الحكم فى ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية التى نجحت استنادا إلى عسكرة المجتمع فى استعادة ما أضاعته الحرب العالمية الأولى فى حقوق البلدين الوطنية وأن فرق الجوالة التى أنشأها (البنا) وعرفت بفرق القمصان الكاكية, لم تكن الوحيدة فى الساحة فقد كانت هناك( القمصان الخضراء) التى شكلتها جماعة (مصر الفتاة) وكان من أعضائها (جمال عبد الناصر) بل إن ( الوفد) وهو الحزب الديمقراطى العتيد قد شكل هو الاخر ( فرق القمصان الزرقاء) وكل الشواهد التاريخية تؤكد أن (جوالة الإخوان) كانت أكثر هذه الفرق انضباطا سواء من الناحية الأخلاقية أو من ناحية الالتزام بالقانون.
ومما يتجاهلونه كذلك أن الإخوان المسلمين لم يكونوا هم الذين بدأوا باستخدام الرصاص فى الحوار السياسى مع القوى السياسية المحلية, فقد كان أول استخدام له, فى هذا الإتجاه عام 1922 وقبل ست سنوات من تشكليهم عندما اغتال مجهولون يشك فى أنهم من المتعاطفين مع (الوفد) اثنين من زعماء (الأحرار) الدستوريين إبان الصراع العنيف بين الطرفين. كما أن أحدا من الإخوان المسلمين لم يشارك فى محاولات الاغتيال التى تعرض لها(إسماعيل صدقي) وأركان الانقلاب الديكتاتوري الذى تزعمه طوال النصف الأول من الثلاثينيات وكان أحد أعضاء (مصر الفتاة) هو الذى حاول اغتيال (مصطفى النحاس) عام 1937.
ولم يكن استخدام العنف ضد الاحتلال البريطانى فى الأربعينيات قاصرا على الإخوان فباستثناء الشيوعيين الذين لا يؤمنون .. من حيث المبدأ .. بالعنف الفردى فقد كان اللجوء للعنف لإجبار المحتلين على الجلاء أو على الأقل تنفيذ معاهدة 1936, والرحيل عن المدن الكبرى إلى قاعدة قناة السويس يكاد يكون توجا عاما, بين التيارات السياسية الجديدة كالحزب الوطنى الجديد , ومصر الفتاة فضلا عن كثير من المنظمات السرية الشابية التى استلهمت تجارب المقاومة السرية ضد الاحتلال النازى لدول أوروبا, وخاصة فرنسا بل إن هذه الموجة قد شملت كذلك قواعد شبابية تنتمى إلى ألأحزاب التقليدية ومنها ( الوفد)
ولم يكن الإخوان وحدهم هم الذين غيروا فى النصف الثانى من الأربعينات... اتجاه رصاصاتهم من صدور جنود جيش الإحتلال إلى صدور المصريين فالذى قتل احمد ماهر أول ضحية تسقط نتيجة لهذا التغيير لم يكن هذا التوجه, لأن صاحبها هو ضابط الجيش المفصول آنذاك (أنور السادات) الذى تعرف إلى مجموعة من الشبان يتزعمهم (حسين توفيق) كانوا يقومون بعمليات مقاومة سرية ضد ضباط وجنود البلاد من عملاء الإحتلال ويمكنون له انطلاقا من تصور يرى أن تطهير البلاد من عملاء الإحتلال وجواسيسه هو المقدمة الأولى للانتصار عليه .. وهو التيار الذى تواءم مع سعى القصر الملكى للثأر من خصومه من الوفديين وأسفر عن اغتيال أمين عثمان وعن محاولتين لاغتيال مصطفى النحاس زعيم الوفد.
وليس (حسن البنا) هو الذى أسس تيار التزمت فى الفكر الإسلامي إذ الحقيقة أن هذا التيار قد تأسس ضده ونشأ تمردا على قيادته, وكان وراء أول انشقاق عن جماعته أسفر عام 1937 عن تشكيل (جماعة شباب محمد) التى اتهمته بالقعود عن الجهاد, وبالإكتفاء بمساندة ثوار فلسطين الذين يجاهدون ضد الصهيونية بالكلمات, وليس بالقتال الفعلى وبمهادنة القوى التى تماطل فى تطبيق الشريعة وبالتواطؤ مع الذين لا يحكمون بما أنزل الله وطالبته بالتخلى عن قيادة الدعوة, أو اتخاذ موقف جهادى واضح, يجابه الحكومة بأنها كافرة ويقاوم المنكر فى المجتمع بالعنف.. وكانت (مصر الفتاة) فى سياق التنافس مع ( الإخوان هى التى ارتادت على الصعيد الحركى طريق مقاومة المنكر باليد حين قام أنصارها عام 1939 بالهجوم على الحانات لتحطيمها والاعتداء على روادها وفى المرتين قاوم (البنا) هذا الإتجاه وأعلن أنه ضد الخروج عن القوانين مهما كان رأيه فى رأيه فى درجة اسلاميتها.
والذين يضعون فأس المسئولية عن العنف الدينى تفشى منذ ذلك الحين فى أنحاء مختلفة من المنطقة العربية فى رقبة (حسن البنا) يتجاهلون أن المسئول الأول فى ذلك هم الذين شجعوا بل تآمروا على إقامة دولة دينية فى المنطقى عن طريق العنف, والذين سعوا إلى ذلك عن طريق هجرة استيطانية, تحولت إلى أحزاب سياسية صهيونية علنية, لكل منها جناح عسكرى سرى تتعاون جميعها فى ممارسة العنف ضد أصحاب البلاد الأصليين, من المسلمين والمسيحيين لكى تطردهم منها وتحل محلهم.
وكان ذلك هو التحدى الذى استجاب له (البنا) فاتبع نفس الطريقة ولكن لهدف مضاد وشرع – بمشورة المجاهدين ليكون الفلسطينيين – فى تشكيل الجهاز الخاص للإخوان المسلمين, ليكون بمثابة جناح عسكرى للجماعة, يجند طاقات الشبان الأكثر حماسا واستعدادا للتضحية من خلال دراسات فقهية حول نظرية الجهاد فى الفقه الإسلامى, وبرامج للتدريب العسكرى للأسلحة والمتفجرات لكى يكونوا مؤهلين لمواجهة الغزو الصهيونى والاحتلال الأجنبى لبلاد المسلمين وبصرف النظر عن مدى صواب ذلك أو عدم صوابه فإن المسؤول عن نشؤ العنف الدينى فى المنطقة ليس صاحب ( رد الفعل ) ولكنه صاحب الفعل 9 الذى يملأ الآن فى بلاد الغرب صراخا ضد هذا النوع من العنف.
والشواهد التاريخية تؤكد أن معظم عمليات العنف التى قام بها الجهاز الخاص أو تلك التى قام بها قسم الوحدات الذى يضم ضباط الجيش وجنوده وضباط الشرطة من الإخوان ظلت فى إطار الهدف الذى أنشىء من أجله الجهازان وفى السياق نفسه لعمليات مشابهة قام بها أعضاء من فرق سياسية أخرى سواء بصفتهم الحزبية أو الشخصية, إذ توجهت فى الأساس تجاه جنود ومؤسسات جيش الإحتلال ثم بعد ذلك وحين نعقد الوضع بين الفلسطينيين والصهاينة فى أعقاب صدور قرار التقسيم. توجهت ضد الممتلكات اليهودية ومع أن تحفظا قد يرد على عمليات من نوع نسف حارة اليهود, أو محلات مثل ( شوكوريل ,(اوركو) فإن الفظائع التى كان يرتكبها الصهاينة ضد الفلسطينيين تجعل وقوعها أمرا واردا وفضلا عن ذلك فقد تطوع عدد كبير من أعضاء القسمين, ضمن أفواج المتطوعين العرب. التى دخلت أرض فلسطين قبل أن تدخلها الجيوش العربية رسميا فى 15 مايو 1948.
لكن الجهاز الخاص الذى كان قسما ذا استقلال شبه ذاتى, له قيادته التنفيذية وتشكيلاته الخاصة المستقلة ولا يربطه عمليا بالجماعة سوى مجلس من المستشارين ورئاسة (حسن البنا) ما لبث بعد أن اتسعت عضويته وتعاظم نفوذه, أن بدأ ينحو نحو مزيد من الاستقلال ونشأ لدى بعض قيادته وخاصة (عبدالرحمن السندي) نزوع للإنفراد باتخاذ القرار, تذرعا بأن ضرورات التنفيذ تبيح محظور عدم استشاره المرشد العام.
ومن الإنصاف للرجل أن نقول بأن عمليات العنف التى قام بها الجهاز الخاص, ضد مصريين فى حياته لا تتجاوز ثلاثة’ هى قتل القاضى ( أحمد الخازندار ) بسبب أحكام قاسية أصدرها بحق بعض الذين قاموا بأعمال عنف ضد قوات الإحتلال, من أعضاء الجهاز ومن غيرهم واغتيال رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي, ردا على قراره بحل جماعة الإخوان ومصادرة ممتلكاتها واعتقال قاداتها, وأخيرا محاولة نسف محكمة الاستئناف لإحراق الأوراق السرية للجهاز الخاص, التى كانت قد ضبطت فى سيارة جيب لتدمير أدلة الاتهام ضد قياداته وتأمين من لم يقع فى أيدى الشرطة من أعضائه.
ولم يكن (البنا) طرفا فى هذه العمليات الثلاثة فقد نفذت أولاها دون علمه, وغضب غضبا شديدا لوقوعها ونفذت الثانيى والثالثة بعد حل الجماعة وتفكك روابطها التنظيمية بسبب اعتقال قادتها ومطاردة الآخرين, ووضعه هو نفسه تحت رقابة بوليسية صارمة حالت بين الذين خططوا لهما وبين عرض الأمر عليه, وحالت بينه وبين الاعتراض على التنفيذ بل إنه اعتبر أن الرصاصات التى وجهت إلى النقراشى قد أصابته هو نفسه, ونظر إلى محاولة نسف محكمة الاستئناف باعتبارها تحديا له إذ كان يجرى مباحثات سياسية لكى يلغى قرار الحل أبدى خلالها مرونة سياسية وصلت إلى حد أبدى فيه استعداده لأن يقصر نشاطها على الجانب الدينى وحده ويتوقف عن التدخل فى الشؤون السياسية.
ولم يكن استقلال الجهاز السرى للإخوان برؤاه وعملياته بعيدا عن القوانين العامة لهذا النوع من الأجهزة , بل إنه يكاد يكون تكرار لتجربة الجهاز السرى لثورة 1919 الذى نشأ للقيام بعمليات فأعلن الاستقلال ثم الدستور وتولى زعميها سعد زغلول رئاسة الوزارة فقد قامت مجموعة منه باغتيال القائد البريطانى للجيش المصرى وحاكم السودان العام, فكانت النتيجة استقالة وزارة سعد وسحب الجيش المصرى من السودان وتعطيل الدستور.
والحقيقة أن انشغال (البنا) بالحشد والتحريك والتنظيم على حساب ما كان محتما ألا يتأخر فى القيام به, وهو صياغة فقه إسلامى يستجيب لحاجات العصر وخاصة ما يتعلق بالمسألة السياسية, لم يؤد فقط إلى المخاوف التى أشاعها هذا الحشد فى نفوس بقية الفرقاء على الساحة الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية ولم يسفر عن تعدد الرؤى داخل جماعته, بل وانعكس كذلك داخل الجهاز الخاص الذى قام بهذه العمليات الثلاث, استنادا إلى اجتهاد خاص ببعض أفراده لم ينظر إلى الإخوان المسلمين كما كان البنا ينظر إليها باعتبارها جماعة المسلمين التى يتوجب حمل السلاح فى وجه من يختلف معها.
ومن سوء الحظ التاريخى, أن الذين توجهت إليهم رصاصات الجهاز الخاص للإخوان استنادا إلى هذا الاجتهاد الخاطئ لم يميزوا بين الرجل وبين الذين أساءوا فهم أفكاره ووضعوها فى سلة واحدة فاغتالوه وفى ظنهم أنهم يقضون على العنف فإذا بهم يشعلونه فى الأرض إذ المؤكد أنه لولا غياب حسن البنا لتغير وجه النصف الثانى من القرن العشرين عما صار إليه ولاختلف استقبالنا للألفية الثالثة هما نحن فيه!". انتهى مقال الكاتب صلاح عيسى بنصه لم أحذف منه حرفا.
وقد حلل فيه الأحداث تحليلا علميا سليما دل على علمه بالتاريخ ووعيه به ومعرفته بما وراء الحوادث من بواعث , وما يؤثر فيها من تيارات وأوضاع لقد نظر إلى الأحداث فى حجمها الحقيقى لم يحاول أن يكبر الصغير أو يهون الكبير, وربطها بمقدماتها ولواحقها ,ووضعها فى سياقها التاريخى المحلى والعالمى فجاءت شهادته – والحق يقال – غاية فى تحرى الحقيقة والدقة العلمية والنظرة المستوعبة والإنصاف فى زمن فيه المنصفون!


إقرأ أيضاً

وصلات داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات وأبحاث متعلقة

تابع مقالات وأبحاث متعلقة

متعلقات أخري

وصلات خارجية

مقالات خارجية

تابع مقالات خارجية

وصلات فيديو