ثقوب في جدران الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ثقوب في جدران الإخوان المسلمين .. الحلقة الأولى
55شعار-الاخوان.jpg

مقدمة

وزَّع الله طبائع البشر عليهم، كما وزَّع أرزاقهم، وجعل لهم عقولاً يتخلَّقون بها؛ لكي يتعاملوا بينهم في أنحاء المعمورة، حتى تستقيم أحوالهم.. وهذا في مفهومه العام، كله بتقدير الربّ الكريم ولحكمةٍ أرادها.

يقول سبحانه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13 سورة الحجرات).

ولئن طغت طباع على طباعٍ، وآثرت فئة من البشر التعالي والتعاظم على فئة أخرى، فما ذلك إلا من اختلال الموازين الباطنية في وجدان الإنسان، ذلك الميزان الذي لا يضبط توازنه إلا عقل راجح، وحكمة راشدة.

ولذا فطبائع الناس فيها اختلاف، فمنهم الهين اللين، السهل الرفيق، ومنها الصعب، ومنهم ما سوى ذلك، ومن الناس الطيب المؤمن، ومنهم الخبيث الكافر.

والاختلاف قاعدة كونية بينما التماثل والتطابق هو استثناء للقاعدة حيث أن التطابق يجعل الحياة فاقدة لروح التجديد، ولما كانت الظروف التي يعيشها البشر وبيئاتهم ومستوى وعيهم وثقافتهم وتجاربهم في الحياة مختلفة، بالإضافة إلى اختلافهم في العمر والخبرة في الحياة واختلاف الأمزجة والنفسيات، كان من الطبيعي تبعاً لذلك الاختلاف، أن يكون لكل منا وجهة نظر أو رأي خاص به، قد يتطابق ويتفق مع الآخرين، أو قد يختلف معهم، بغض النظر عن صحة هذا الرأي أو عدم صحته.

إن الاختلاف الايجابي البناء المثبت معناه أن يسعى كل واحد لترويج مسلكه وإظهار صحته وصواب نظرته دون أن يحاول هدم مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم بل يجب عليه السعي لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلا

أما الاختلاف السلبي هو محاولة كل طرف تخريب مسلك الأخر وهدمه ومبعث ذلك الحقد والعداوة والضغينة.

يقول الأستاذ جمال البنا "إذا كان القرآن الكريم قد وصف أمة المسلمين أنها واحدة فهذا يعني أنها واحدة في عقيدتها ولكنه لا ينفى عناصر التميز والاختلاف والتنوع بين شعوب وفصائل هذه الأمة داخل الإطار الفسيح للعقيدة الواحدة" (1).

وتتعدد أسباب الاختلاف بين الناس ومنها ضعف ثقافة الحوار، وتدني مستوى التعليم وانتشار الأمية، وانتهاك القانون وغياب العدالة، وانتشار ثقافة الاستهلاك على حساب الإنتاج، واختفاء مظاهر الإبداع والابتكار والاكتفاء بالتقليد.

ولذا لا غرو أن نجد الاختلافات في البيت الواحد أو المؤسسة الواحدة أو الحزب الواحد أو الجماعة الواحدة، لكن المهم أن يحفظ جميع الأطراف أدب الاختلاف فلا يصل الأمر للفجر في الخصومة.

وجماعة الإخوان المسلمين هى جماعة بشرية رضت العمل لدين الله وفق ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما وضح حسن البنا في الأصل الثاني من الأصول العشرين حينما قال: والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات (2).

لكن اختلاف الرؤى وارد لدى أفرادها-حتى ولو كان مبدأ السمع والطاعة متغلغل في أركانها- لكن هى جماعة ضمت بين جنباتها مختلف الأطياف من المؤهلات العلمية أو المستويات الاجتماعية أو الاختلافات المكانية مابين الريف والحضر والتي تختلف معهم الطباع حسب البيئة التي نشئوا فيها.

ولهذا فالاختلافات والانشقاقات شيء وارد في كيان بهذا الحجم، وهذا التأثير الحيوي في الحياة العامة.

أول الانشقاقات

قد يظن البعض أن كل الإخوان الموجودين في الجماعة التحقوا بها مؤمنين بفكرها أو العمل في إطارها لكن منهم من التحق بها لمنافع وأغراض قد تتحقق في الالتحاق بها، ولهذا تراه يسعى للوصول لمبتغاة بشتى الطرق، ولا يهتم بتربية أو فكر أو غيرها.

فقد وصف الإمام البنا في رسالة دعوتنا الناظرين للدعوة بأنهم أصناف أربعة وهم المؤمن بالفكرة والمتردد والنفعي والمتحامل.

وحينما انطلقت الدعوة في مدينة الإسماعيلية على أكتاف ستة نفر ذكرهم البنا بقوله: زارني بالمنزل أولئك الإخوة الستة: حافظ عبد الحميد "نجار بالحي الإفرنجي"، أحمد الحصري "حلاق بشارع الجامع بالإسماعيلية"، فؤاد إبراهيم "مكوجي بالحي الإفرنجي"، عبد الرحمن حسب الله "سائق بشركة القنال"، إسماعيل عز "جنايني بشركة القنال"، زكي المغربي "عجلاتي بشارع السوق بالإسماعيلية"، وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيها، وجلسوا يتحدثون إليَّ وفي صوتهم قوة، وفي عيونهم بريق، وعلى وجوههم سنا الإيمان والعزم، قالوا: لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريقة العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين، ولقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلة والقيود، وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة، وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا، وهذه الدراهم القليلة، من قوت أبنائنا، ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك، أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل، وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبتغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر، وإن قل عددها وضعفت عدتها".

كان لهذا القول المخلص أثره في نفسي، ولم أستطع أن أتنصل من حمل ما حملت، وهو ما أدعو إليه وما أعمل له، وما أحاول جمع الناس عليه، فقلت لهم في تأثر عميق: "شكر الله لكم وبارك هذه النية الصالحة، ووفقنا إلى عمل صالح، يرضي الله وينفع الناس، وعلينا العمل وعلى الله النجاح، فلنبايع الله على أن نكون لدعوة الإسلام جندًا، وفيها حياة الوطن وعزة الأمة". وكانت بيعة (3).

وانطلقت الدعوة تغزو القرى والمدن المجاورة،وانطلقت على يدي أنصار البنا فانتشرت في القاهرة والمحمودية وشبراخيث وبورسعيد وغيرها، حتى حقد عليها البعض وعلى فاعليتها وسط الناس فتقدم بعضهم بمذكرات تطعن في حسن البنا وتتهمه بالشيوعية وغيرها من التهم التي لم يكن لها سند، فكان رد البنا على ناظر المدرسة الذي أبلغه بهذه التهم: إذا كنا برءاء فاسمع قول الله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج: 38)، وإذا كنا نخدع الناس بهذا الجهاد في سبيله، وهذه الدعوة إلى دينه، فإن محكمة الجنايات وجهنم قليل على الذين يخدعون الناس بلباس الدين، فلا تهتم ودعها لله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وأقسم لك أنه لن يكون إلا الخير (4). غير أن الوزارة رأت نقل حسن البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة ليكون تحركاته تحت أعينهم ومراقبتهم، مع العلم أن قاضي المحكمة الأهلية، ووكيل النيابة، ومأمور المركز، ومعاون البوليس وغيرهم شهدوا لصالح البنا.

كانت الدعوة في بدايتها تقوم على قرارات الإمام البنا في اختيار من يعاونه سواء في الشعوب أو المهام الكبيرة –لخبرته في اختيار الأمين ولخوفه على الدعوة- ولذا كان لابد من اختيار من يخلفه في الإسماعيلية.

وفي إحدى الأيام طلب الإخوان في الإسماعيلية أن يرشح لهم الإمام الشهيد من يقوم بأعباء الدعوة خشية أن ينقل الإمام الشهيد إلى مكان آخر دون ترتيب أمر الدعوة، فرشح الإمام الشهيد الشيخ علي الجداوي، وعرض الترشيح على الجمعية العمومية للإخوان فوافقت على اختياره وكان يعمل نجارًا، وكان هناك مدرس يعمل بمعهد حراء يتطلع لذلك المنصب، لكنه سلك سبيل الدس والوقيعة للوصول إلى ذلك المنصب، فصادق بعض أعضاء مجلس الإدارة ممن يعتقد أن لهم نفوذًا عند الإخوان، ولما رأى أن الإمام البنا قد رشح غيره ليتولى أمر الإخوان وهو يرى نفسه أكفأ وأعلم وأقدر وأكثر أهلية من هذا النجار الذي لا يحمل العالمية مثله، وليس له مواهب مثله، فهو يحسن قرض الشعر ويجيد الخطابة والقول ويعرف الكثير، وينشر الدعوة ويحسن الاتصال بالناس، ولذلك لابد له من عمل، ولما كان هذا الشيخ لا يمكن أن يذكر ذلك كله أو يطالب بهذا الأمر لنفسه، لذا فقد احتال على ذلك بصداقة أحد أعضاء مجلس الإدارة وظل يتردد عليه آناء الليل وأطراف النهار، ويحاول أن يقنعه بأنه أكفأ من أخيه وأقدر على حمل تبعات الدعوة منه، وأن الأستاذ قد هضم حقه بتعيينه الشيخ علي الجداوي نائبًا ولم يختره هو رغم تضحياته وسبق جهاده في سبيل تلك الدعوة، فكيف يتخطاه الأستاذ فضلاً عن أن اجتماع الجمعية العمومية لم يكن قانونيًا، وأثار بعض الشبهات حول الشيخ علي الجداوي والجمعية ومنها: أن الجمعية مدينة والشيخ علي الجداوي يتقاضى مكافأة على إمامة المسجد تبلغ ثلاثة جنيهات في حين أن الشيخ يمكن أن يقوم بذلك العمل متطوعًا أو نظير خمسين قرشًا فقط وبذلك فقد امتلأ قلب هذا الأخ بوسوسة الشيطان واتخذه مطية لأغراضه، وقد أصغى الأخ لهذه الوسوسة وأفضى بها لبعض أصدقائه من الإخوان حتى فشا هذا القول في وسط الإخوان، فجمع الإمام البنا هؤلاء الإخوة عنده واطلع على مطالبهم التي كانت تتركز على تعيين أخ آخر غير علي الجداوي نائبًا للمرشد، فاتفق معهم الإمام على إعادة الانتخاب مرة أخرى ووجهت الدعوة لانعقاد الجمعية العمومية وأعلن فيها عن سبب الاجتماع وهو اختيار نائب للمرشد، وقد اقترح فضيلة المرشد على الشيخ علي الجداوي إن ظهرت نتيجة الانتخاب في صالحه أن يتنازل عن راتبه، وظهرت النتيجة وفاز الشيخ علي الجداوي بأغلبية ساحقة وبعد ظهور النتيجة تنازل الشيخ علي الجداوي عن المكافأة.

ولم ترض النفوس بتلك النتيجة وأشاعوا كيف يترك الأستاذ الجمعية والجمعية مَدينة بمبلغ ثلاث مائة وخمسين جنيهًا من بقية نفقات المسجد والدار، وهل يستطيع النائب الجديد أن ينهض بأعباء الجمعية ويسدد دينها، فما كان من الإمام البنا إلا أن وحد الدَّين لأحد التجار وعرض عليه أن يقسّط هذا الدين بواقع ثمانية جنيهات كل شهر، فقبل، وكتب الإمام الشهيد على نفسه كمبيالات بهذا الديْن وأخذ منه مخالصة تفيد بأنه ليس له عند الجمعية شيء وبذلك لم تبق الجمعية مدينة لأحد.

فما كان منهم إلا أن قرروا الاستقالة من جمعية الإخوان، ولما علم تجار الإسماعيلية بالأمر جمعهم الشيخ حسين الزملوط وقاموا بتسديد المبلغ عن الإمام الشهيد، وقد نشرت مجلة الشبان المسلمين تحت عنوان "النفوس المسلمة" ما يلي: "منذ عامين قامت جمعية الإخوان بالإسماعيلية بعمارة مسجد ومدرسة، وقد تم المشروع بحمد الله، وبقي على الجمعية من تكليفه وبعض لوازمه مبلغ 335جنيهًا، فدعا حضرة الوجيه المحترم الشيخ محمد حسين المقاول بالإسماعيلية بقية أعيانها واجتمعوا بهذا الخصوص يوم الأربعاء الموافق 6من جمادى الأولى سنة 1351هـ، وقرروا الثقة التامة بحضرة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن أفندي البنا والثقة التامة كذلك بمجلس شورى الجمعية الحالي، ودفعتهم الأريحية إلى أن يتقاسموا الدَّين فيما بينهم حتى تكون موارد الجمعية وقفًا على مشروعاتها النافعة (5).

ولم يكتف هؤلاء بذلك بل قام أحدهم بتقديم بلاغ إلى النيابة؛ يتهمون فيه الإمام الشهيد ببعثرة أموال جماعة الإخوان في الإسماعيلية ويبعث بها إلى أخيه في القاهرة وإلى شعبة أبو صوير وغيرها، فنصحه وكيل النيابة بأن يلتزم جماعته طالما هى موافقة على تصرفات مرشدها، حتى أن الشيخ حامد عسكرية حاول الإصلاح لكنهم رفضوا وتقدموا باستقالتهم من الجماعة.

لم يكتفوا بذلك لكنهم لجأوا إلى وضع تقرير لتشويه صورة الجماعة بين أتباعها وأمام الناس، وحينما سألهم الإمام البنا عن الغرض من ذلك قالوا: نريد أن ننوّر الرأي العام، فقال له الإمام: وهل تظن أننا عاجزون عن الرد على ذلك التقرير وتفنيد ما فيه وإظهار الحق لاسيما ونحن نملك الوثائق والمستندات ونملك الوسائل ولا تملكون.

ثم وقال له: إني مستعد إلى التصافي والتسامح ونسيان الماضي وتعودوا إلى صفوف الإخوان إما على قاعدة التسامح وإما على قاعدة التحاقق، وفي الحالتين فأنا مستعد أن أسامحكم وتسامحوني أو تختاروا حكمًا ليحكم بيننا ثم يكون التصافي.

لكن احدهم نشر التقرير فاضطر الإخوان للرد عليهم بالوثائق، وفي يوم الأحد الموافق 12 من ربيع الثاني سنة 1351هـ - الموافق 14أغسطس سنة 1932م اجتمعت الجمعية العمومية للإخوان المسلمين برئاسة نائب الجمعية الشيخ علي الجداوي، وسكرتارية عبد الرحمن أفندي حسب الله كاتم سر الجمعية، وحضور أحمد أفندي السكري نائب جمعية الإخوان بالمحمودية وبحضور أعضاء الجمعية وعددهم 196عضوًا، قرروا فصل المجموعة التي عمدت لإثارة الفتنة ولم يستجيبوا للنصح أو يلتزموا بالمنهج العام الذي توافق عليه الجميع وهم عبد النبي سليمان وإبراهيم أيوب ومحمد الدسوقي ومصطفى يوسف ومحمود الجعفري وعبد العزيز غالي ومحمد إبراهيم وسليمان (6).

ثقوب في جدران الإخوان المسلمين .. (الحلقة الثانية)

تحدثنا في الحلقة السابقة عن أول الانشقاقات التي حدثت في الجماعة بعد نشأتها وكان لغرض بعض المنتسبين تبوء مكانة الزعامة.

الانشقاق الثاني

كما ذكرنا أن الجماعة كان لها أهداف ورؤى تسير عليها وقد ارتضت بشمولية الإسلام والتدرج وعدم العجلة في قطف الثمار أو استعجال الأسباب والنتائج. لكن نظرا لهذا المنهج لم يرق للبعض أن يلتزم به حيث بدأت بوادر الخلاف في صيف عام 1937م

حينما أعلن أربعة من الإخوة وهم الأستاذ محمد عزت حسن عضو مكتب الإرشاد، ومندوب المكتب بالقليوبية – واحد من الذين ذهبوا للأستاذ عمر التلمساني ودعوه للالتحاق بدعوة الإخوان، وأحمد رفعت وكان طالبًا في كلية التجارة، وصديق أمين - طالبًا في كلية التجارة، وحسن السيد عثمان - بكلية الحقوق، وهؤلاء الأخوة أعضاء في شعبة الطلبة بالمركز العام وتابعهم بعض الإخوة.

وكان سبب صدامهم بالجماعة أنهم رأوا أن هناك بعض المآخذ على طريقة الإخوان في العمل وكانت هذه المآخذ أسباب الفتنة، ومنها:

  1. أن الإخوان تجامل الحكومة وتتبع معها سياسة اللف والدوران، ويجب على الإخوان أن يواجهوا الحكومة بالحقيقة التي قررها القرآن في قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) "المائدة: 44".
  2. موضوع المرأة وإلزامها حدود الإسلام في عدم التبرج والاحتشام، فقد رأوا أن الإخوان لم يتخذوا إجراء ما في شأنه؛ مكتفين بدعوة المرأة إلى ذلك بالنصيحة والكلام دون العمل، ورؤيته أن يسلك الإخوان بصدد هذا الأمر الخطير مسلكًا عمليًا، بأن يوزع الإخوان أنفسهم في شوارع القاهرة ومع كل منهم زجاجة حبر، كلما مرت أمامه فتاة أو امرأة متبرجة ألقى عليها من هذا الحبر، حتى يلطخ ملابسها فيكون هذا رادعًا لها.
  3. وقوف الإخوان في مساعدة مجاهدي فلسطين عند حد الدعاية لهم وجمع المال لهم هو تقصير في حق هذه القضية وقعود عن الجهاد وتخلف عن المعركة، وعلى الإخوان أن يتركوا أعمالهم ويتطوعوا في صفوفهم وإلا كانوا من الخالفين.

محمد عزت حسن في جريدة الإخوان المسلمين مقالاً تحت عنوان "مكان فلسطين من الإخوان المسلمين" يؤكد فيه على ذلك إذ قال: "وأشهد ولا أكتم شهادة الله إني إذًا لمن الآثمين، أن عمل الإخوان المسلمين نحو غايتهم وأمانتهم في العهد الأخير لم يكن أقرب الأعمال إلى الله، كان غير ما أنزل الله، وغير ما فعله رسول الله وغير ما جرت به سنة الله في عباده وكان عملاً غير صالح".

وكان ذلك انفتاحا من الجماعة دون أن تحجر على رأى أحد بل كانت تفسح المجال لكل من ينتقدها حتى ولو على صفحات مجلاتها، ولقد رد الإمام البنا على هذا المقال وفند ما ساقه محمد عزت

حيث جاء فيه:

تريدنا يا عزت أفندي أن نتعجل المنهاج ونسرع الخطى، فنناجز الناس العداء وننبذ إليهم على سواء، ونضع بذلك الدعوة في ميزان لم يستبن لنا فيه وجه النصر ولو من بعيد، ونقامر بجهود مثمرة وبآمال تلوح مزهرة في سبيل الله لا النفس ولا الهوى، وليس للشيطان فيها جميعًا نصيب، فإن لم نفعل هذا – ولو على غير أهبة وعدة – كنا على نحو ما ذكرت.
لا لا يا عزت أفندي، ادع إلى سبيل ربك بالحكمة وما أظن الحكمة في القول دون العمل ولعلها بالعمل ألصق ولا سيما في الخطوة الحاسمة. وأقول لك إن ما فعله الإخوان إلى الآن فيما أعتقد مستمد مما فهموا من كتاب الله، ومما علموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما ألقي في روعهم أنه سنة الله في عباده ويرجون أن يكون عملهم في ذلك من العمل الصالح ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لم يترك الإمام البنا الأمر ولا إخوانه فعقد اجتماعا حضره أحمد رفعت حيث تحدث فيه عن المآخذ ورد عليه في وقتها الأستاذ حسن البنا، حيث الوقوف في وجه الحكومة يحتاج اولا لتوعية الشعب ليقف خلفك ويساندك، وبخصوص المرأة ان ما يطلبه سيضع من قام به للمساءلة القانونية والحبس ومن ثم لابد من التدريج في الدعوة.

وأما فلسطين فأخرج البنا ما جاء من مفتى فلسطين من أنه لا يحتاج رجال لكن يحتاج مال وهو ما يقوم به الإخوان إلا أن احمد رفعت رفض ما جاء في الاجتماع، فبدأ يتحدى الأستاذ المرشد مباشرة ويوجه إليه ألفاظًا نابية ويخاطبه بأسلوب لا يليق به، ثم ازداد تطرفًا فصار هو وشيعته يسبون الأستاذ المرشد ويوجهون إليه الشتائم مما أثارنا وأخرجنا عن طورنا، وحاولنا مواجهتهم بشيء من العنف ولكن الأستاذ المرشد غضب وحال بيننا وبين ما نريد، وأبى علينا أن ننالهم ولو بكلمة تؤلمهم، ومع ذلك فلم يخجلوا أمام هذا النبل، بل كانوا يضاعفون من سفاهتهم.

واحتل أحمد رفعت وأنصاره المركز العام وكان كلما جاء أخ لزيارة المركز العام تلقاه هؤلاء الإخوة وحاولوا إقناعه بفكرتهم وإلا سبوه وسبوا المرشد العام حتى خلا لهم المركز العام وتوقفت جميع أعماله . استمرت تلك الفتنة منذ أن بدأت في نفوس أصحابها وحتى انتهائها ما يزيد على ستة أشهر، حينما بدأت تنحسر وينفض الناس عن أحمد رفعت قرر السفر لفلسطين وحده فحذره البنا من أن المجاهدين لا يعرفونه ولربما يتعرض لسوء وهو ما حدث حيث شك فيه الفلسطينيين وقتلوه.

اجتمع مجلس الشورى وقرر فصل الإخوة بعد تطاولهم على المرشد والدعوة، حتى وصل الأمر بالأستاذ محمد عزت أن قام بإرسال خطابات للإخوان يدعوهم لبيعته، فأصدر مكتب الإرشاد بيان استنكر ما يطلبه محمد عزت ويرجو الإخوان أن يخففوا من سخطهم ويكفكفوا من حدة غضبهم، وأن يستغفروا الله لأنفسهم ولأخيهم فليس هو أول المخطئين.

إنشاء مجلة للإخوان

ومن المعروف أن حسن البنا انتقل من الإسماعيلية إلى القاهرة في أكتوبر 1932م للعمل بمدرسة عباس الأول في السبتية، وبعدها اجتمع مجلس إدارة الإخوان بالإسماعيلية وقرروا اعتبار القاهرة هي المركز العام للإخوان المسلمين ، وبالفعل بدأت الدعوة تخطوا خطوات سريعة، وقد نظم البنا اجتماعات الجماعة ومجالس الشورى العام.

حيث قرر مجلس الشورى الأول والذي عقد في 21 من صفر 1352هـ الموافق 15 من يونيو 1933م إنشاء مجلة للإخوان وكان امتيازها باسم الإمام حسن البنا ورئيس تحريرها هو الشيخ طنطاوي جوهري، ومحب الدين الخطيب مديرًا لها، ومنذ صدور العدد التاسع في السنة الثانية أسند للأستاذ محمد عبد اللطيف – خريج كلية أصول الدين - مدير شركة الطباعة والنشر للإخوان المسلمين أن يكون مديرًا مساعدًا للمجلة.

ومن بداية السنة الخامسة للمجلة تولى الأستاذ محمد الشافعي –المحامي- إدارة المجلة وأصبح صاحب امتيازها، وظل هكذا حتى أصبح صاحب الامتياز ورئيس التحرير منذ العدد 21 في السنة الخامسة، واستمرت مجلة الإخوان تعبر عن الجماعة حتى انتهج رئيس تحريرها الأستاذ محمد الشافعي نهجًا خاصًا لم ترض عنه الجماعة

وإن ظلت المجلة تصدر باسم "جريدة الإخوان المسلمين" حتى العدد رقم 68 من السنة الخامسة والصادر في 12رمضان 1357هـ الموافق 14 نوفمبر 1938م، وفي تلك الأثناء طلب الإمام الشهيد من الأستاذ محمد الشافعي تغيير اسم الجريدة فتم تغيير الاسم إلى "الخلود" وصدر العدد الأول منها في 24 شوال 1357هـ الموافق 16 ديسمبر 1938م.

الانشقاق الثالث

لم تكد الجماعة تخرج من محنة حتى تدخل في أخرى، فلم تمر شهور على فتنة أحمد رفعت ورفاقه حتى طلت برأسها فتنة شباب محمد. حيث كان على رأسها محمد المغلاوي سكرتير لجنة الطلبة والعمال العامة، عضو مكتب الإرشاد العام، والمحامى محمود أبو زيد مدير مجلة النذير، عضو مكتب الإرشاد، وبقية المجموعة كانت من قسم الطلاب الذين خرج بعضهم متأثرًا بزعيمهم محمد المغلاوى.

وكانت أهم اتهاماتهم للإخوان هى "بطء خطوات الإخوان نحو الإصلاح، وتساهل الإخوان فى ضم الأنصار، وكذلك فى التعامل مع الحكام" ، كما أخذوا على الإخوان عزمهم على دخول معترك الانتخابات والدخول إلى البرلمان، وأن الإسلام لا يقر طالب الولاية، وكذلك اقترح بعضهم التعرض للنساء السافرات فى الشوارع.

وقد استمرت تلك الخلافات فترة طويلة، حَدَتْ بالإمام البنا أن يذكر هؤلاء وغيرهم ممن يتعجلون الخطوات؛ فيقول فى خطابه الجامع فى المؤتمر الخامس، وذلك قبل الانفصال بنحو عام:

"اسمعوها منى كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر فى مؤتمركم هذا الجامع.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التى اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول. أجل.. قد تكون طريقًا طويلة، ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب؛ فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، وأن يقتطف زهرة قبل أوانها؛ فلست معه فى ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها. ومن صبر معى حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف؛ فأجره فى ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين؛ إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة".

ورغم ذلك استمر هؤلاء الشباب فى اندفاعهم وحماسهم؛ فكانت كلماتهم فى النذير تنم عن طريقتهم فى التفكير واتجاههم فى العمل، كما استغلوا مواقعهم فى لجنة الطلاب فى الدعوة لأسلوبهم فى العمل ومنهاجهم لبلوغ غايتهم، وكانت القشة التى قسمت ظهر البعير، وأدت إلى الانفصال هى هتاف الأستاذ أحمد السكري لعلى ماهر حين كان فى استقباله عند عودته من عرض القضية الفلسطينية فى مؤتمر لندن.

وكان على ماهر قد أبلى بلاءً حسنًا فى هذا المؤتمر، فخرج الإخوان لاستقباله، وكانت هتافات الإخوان دائمًا للمبادئ، ولم يهتفوا باسم شخص حتى مرشدهم، فأثار هتاف أحمد السكري الكثير من الإخوان، وشكوا ذلك للمرشد، فطيب خاطرهم، ولكن هذه المجموعة التى بيتت الخروج استغلت تلك الفرصة، ولجّوا فى الخصومة، وقد حاول المرشد معهم مرارًا وتكرارًا أن يثنيهم عن الخروج بأن يبذل لهم النصح، ويمهد لهم وسائل العذر، ويبين لهم أوجه الخير.

ولكن هذه المجموعة أصرت على الانفصال، ورفضوا كل معالجة لا تتضمن تحقيق مطالبهم، وتنفيذ شروطهم، وكان منها إقصاء كل من طلبوا إقصاءه من الدعوة حتى وإن ثبتت سلامة موقفه؛ فكان الانفصال، وتأسيس جماعة "شباب محمد" فى مساء 9 من ذى الحجة سنة 1358هـ الموافق 20 يناير 1940م.

وأصدرت تلك المجموعة بيانا، حددوا فيه أسباب انفصالهم عن الإخوان تحت عنوان: "غضبة فى سبيل الله"، وكانت تلك الأسباب تتلخص فى التالى:

  1. أن المرشد ينفرد بالرأى، وأنه يؤمن أن لا شورى فى الدعوة، وأن الدعوة ينهض بها فرد واحد، له أن يأمر وعلى الجميع أن يطيع، وأنه ليس هناك فى الإخوان فى ذلك الوقت العدد الكافى لإعمال الشورى.
  2. أن المرشد يرى أن نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية رغم مخالفة ذلك لمبادئ الإخوان.
  3. أن هناك تلاعبا فى الأمور المالية بإنفاق المال فى غير ما خصص له، وضربوا أمثالا لذلك بأموال سهم الدعوة، والأموال التى جمعت لفلسطين.
  4. كما طالبوا بفصل الإخوان الذين اختلفوا معهم من الدعوة.

وقالوا بأن الأسماء التالية قد وقعت على البيان:

  1. محمود أبو زيد عثمان: المحامى، مدير "النذير"، عضو مكتب الإرشاد العام سابقًا.
  2. السيد عثمان المراغى: مندوب شعب الأقاليم.
  3. محمد الحسينى عبد الغفار: مندوب شعب القاهرة، مندوب كلية الشريعة.
  4. يوسف غنيم: مندوب شعبة أسيوط.
  5. على سامى النشار: ليسانسيه فى الفلسفة، عضو لجنة تحرير النذير.
  6. محمد حسين أبو سالم: عضو لجنة الطلبة والعمال العامة.
  7. عز الدين عبد القادر: مندوب كلية الصيدلة.
  8. محمد عزت حسن: مندوب كلية الهندسة.
  9. تميمى حمزة فراج: مندوب الطب البيطرى.
  10. عبد العال رشدان: مندوب الفنون التطبيقية.
  11. راغب خير الدين: المدرس بالجمعية الخيرية الإسلامية.
  12. محمد حمص: المهندس بالقناطر الخيرية.
  13. محمود حسن جدامى: كلية الزراعة.
  14. حسين عوض بريقى: كلية الحقوق.
  15. أحمد عامر: كلية الحقوق.
  16. عبد المجيد النجار: كلية التجارة.
  17. محمد فهمى عبد الوهاب: الفنون التطبيقية.
  18. محمد على المغلاوى: سكرتير لجنة الطلبة والعمال العامة، عضو مكتب الإرشاد سابقًا.

وقد أرسل الإمام الشهيد تصحيحًا لهذه الادعاءات، رفضت مجلة النذير نشره، فقام الإخوان بطبعه وتوزيعه على عموم الإخوان، وكان عنوانه: "إلى الذين تخلفوا عن الصف" ، فنّد فيه أقوال أصحاب الفتنة، جاء فيه قلتم إننى فصلتكم وأنتم تعلمون -وإخوانكم الذين حضروا الاجتماع الذى دعوتكم إليه يعلمون كذلك- أنكم أنتم الذين ألحفتم فى طلب الفصل وألححتم إلحاحًا؛ وذلك لما بيّتُّموه من نية، وما اعتزمتموه من عمل منذ أمد بعيد، وأنتم بين ظهرانينا

فلم يسعنى إلا أن أنزل على رغبتكم فى ذلك، داعيًا لكم بالتوفيق والإخلاص؛ إذ إن أكبر ما يسر الوالد أن يرى ابنه موفقًا وإن لم ينسب إليه هذا التوفيق. وأنتم تعلمون أن مجلة النذير كانت لى، فأعطيتكم إياها، وتنازلت لكم عنها عن طيب خاطر، بشرط أن تنصرف جهودكم إلى عمل نافع وميدان فيه خير للإسلام، ولئن كان العدد الأول علينا فالعدد الثانى وما يليه قد يكون لنا بحكم خدمة الدعوة العامة التى نعمل لها جميعًا.

تذكرون أن سهم الدعوة قد بلغ أكثر من 300 (ثلاثمائة) جنيه مصرى، وكان المفروض أن نصفها يجب أن يظل للمساهمين، ونسيتم أن قرار جمع سهم الدعوة أجاز للمكتب أن يستخدم هذا النصف فى عمل تجارى، وذلك ما كان؛ فإننا جددنا مطبعة "الإخوان المسلمون" ، وقيمتها الآن تزيد على أكثر من المائة والخمسين جنيهًا؛ فماذا فى هذا التصرف من التلاعب، وقد وقع وفقًا للقرار المعلن الموضوع فى حدود مصلحة الدعوة وخيرها؟

وأكثر أمركم عجبًا.. بل أشد غرابة وأكبره تجنيًا أن تذكروا أننى أعلنت أن "نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية.." ، وما كنت أدرى أن لجاجتكم فى هذه الخصومة تحدوكم إلى هذا الافتراء المبين على شخصى، وأنتم تعلمون وقد تلقيتم أن نجاحها مرهون بإرضاء الله وحده والسير على منهاج رسول الله ، كما اعترفتم بذلك فى بيانكم، وعليه سرنا ونسير حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

رفض شباب محمد الترشيح للانتخابات، وطالبوا بمنع النساء من ارتياد المساجد، وقالوا بأن الدعوة الإسلامية يجب أن تكون متطرفة، إلا أنهم تراجعوا عن رفضهم الترشيح فى الانتخابات.

ثقوب في جدران الإخوان المسلمين .. الحلقة الثالثة

  • ونستكمل حلقات خروج الناس من الصف لاختلاف وجهات النظر


الانشقاق الرابع

خرج ثروت الخرباوي مدعيا أنه اكتشف المؤسس الحقيقي لجماعة الإخوان وهو أحمد السكري حيث ذكر ذلك في برنامج على مسئوليتي على صدى البلد وكتب ذلك في صحيفة الوطن وعلى صحيفة الفجر وغيرها.

وليس ذلك فحسب بل خرجت علينا بوابة الحركات الإسلامية التابعة لعبد الرحيم على بمحاولة طى الحقائق وان المؤسس الحقيقي هو السكري رغم أن كل المعلومات في الموضوع مأخوذة من موسوعة الإخوان نصا، ولم تستند البوابة لأي مرجع أو دليل يوضح كيف أكدت أن السكري هو المؤسس للإخوان؟ كما حاول الباحث السعودي فى شئون الجماعات المتطرفة نايف محمد العساكر في كتابه الصادر حديثا عن دار «مقام» للنشر والتوزيع بعنوان «موسوعة حركات الإسلام السياسي – الإخوان المسلمين أن يوهم الناس أن السكرى هو مؤسس الإخوان دون أن يقدم دليل إلا أقوال البنا عن الجماعة الحصافية والتي يحاول كل باحث وإعلامي كاره للإخوان أن يجعلها هى بداية الإخوان رغم أنها نشأت وانتهت قبل ظهور الإخوان بسنين كثيرة كما هو موضح في الكتب التي تحدثت عن نشأة الإخوان بما فيها مذكرات مؤسسها حسن البنا.

وفي حلقة مع محمد الغيطي على قناة التحرير قام الشيخ احمد كريمة بطرق هذا الموضوع أيضا غير أنه لم يسوق أى دليل على ماقال.

كما عمد الكاتب الكويتى، محمد صالح السبتى، فى كتابه «الإخوان المسلمون.. فضائحهم بأقلامهم) أن يطمس الحقائق بأن السكرى هو المؤسس أيضا دون أن يقدم دليل واحد، ورغم المقالات التي نشرها بقلم السكري في صحيفتى صوت الأمة11/10/1947م, 26 ذو القعدة 1366م ص3.، والبلاغ 4ربيع الثانى 1366هـ, 25/2/1947 ص3. والتي أعاد نشرها الكاتب مرة أخرى نشرها موقع إخوان ويكي الموسوعة التاريخية الرسمية للإخوان المسلمين منذ أكثر من 7 سنوات وهي مقالات أدانت السكري أكثر مما أفادته وخير دليل أن حزب الوفد بعدما تم فصله من الإخوان أدار له ظهره ولفظه ومنع التواصل معه لحاجته لدعم الإخوان الشعبي، خاصة وأن السكري لا يملك شيء يدين الجماعة أن يجعل الناس تنصرف عن حسن البنا، وحينما انضم لحزب مصر الفتاة وقدمه أحمد حسين لأن يكون وكيلا للحزب سرعان ما لفظه أيضا حزب مصر الفتاة خاصة مع اقتراب حرب فلسطين ومحاولة الحزب التعاون مع الإخوان في الحملة الإعلامية من أجل فلسطين، وأيضا لقد أخرج الإخوان بيان بعنوان القول الفصل بين الحق والباطل (بيان إيضاح) الصادر في جمادى الآخرة 1377ه الموافق مايو 1947م عن دار الطباعة والنشر الإسلامية (1).

وذكر العديد من الكتاب والمواقع والقنوات أن علي أية حال فإن أحمد السكري يعد المؤسس الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين، - حسب العديد من روايات أعضاء الجماعة- إذ أسسها سنة 1920 في المحمودية، بالاشتراك مع حامد عسكرية وعلي عبيد، وهذا الذي دعا حسن البنا للانضمام إليها، بينما أسس حسن البنا فرع الإسماعيلية سنة 1928، وكانت العلاقة بين البنا وأحمد السكري علاقة وثيقة جدا، وكانا يجوبان المحافظات المصرية للدعوة إلى الجماعة، وتمكنا من إنشاء فروعا لها في بعض المحافظات، واختار السكري باعتباره رئيس الجماعة، حسن البنا نائبا له، وحينما آثار البنا فكرة البيعة، فضل السكري أن يقدم البنا للناس وطالبهم بمبايعته مرشدا للجماعة فيما عين السكري وكيلا ونائبا للمرشد العام (2).

ولو سلمنا بما قاله الكتاب وغيرهم أن السكري أنشأها عام 1920م سيكون عمر البنا في ذلك الوقت هو 14 عام (ولد في أكتوبر من عام 1906م) وكان وقتها في أواخر المرحلة الإعدادية وبداية مرحلة المعلمين، والتي نشأت في هذا الوقت هى الجمعية الحصافية، ولم تكن فكرة الإخوان قد تكونت في مخيلة أحد خاصة أن الاستاذ البنا اشترك عام 1927م في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، ولأنها لم تكن الجمعية التي ينشدها وتحقق الأهداف التى كان يحلم بها فقد أنشأ جماعة الإخوان المسلمين من أجل ذلك.

ولد الأستاذ أحمد السكري بالمحمودية عام 1901م وهو أكبر سنا من الإمام البنا بقليل، ولم يكمل تعليمه، وتعرف على الأستاذ حسن البنا منذ الصغر في جمعية الإخوان الحصافية, وأسسوا سويًا جمعية الحصافية الخيرية حيث كان هو رئيسها وسكرتيرها حسن البنا وكان هدفها محاربة المنكرات والتصدي للتبشير.

الأستاذ أحمد السكري

نشأت جماعة الإخوان على يد البنا في الإسماعيلية عام 1928م م انضمت لها بقية الشعب، وذكر حسن البنا: أنه استطاع أثناء الإجازة الصيفية الأولى للعام الدراسي الأول له في الإسماعيلية 19271928م أن يصبغ الجمعية الحصافية بالمحمودية بالصبغة الإخوانية، في شكلها وهدفها.

حتى أنه اصطحب وفدًا من المحمودية إلى شبراخيت عندما دُعي إلى افتتاح شعبتها في 10 من المحرم سنة 1349هـ - الموافق يونيو 1930م ، لكننا لا نعرف تحديدًا متى تغير اسمها من الجمعية الحصافية، إلى شعبة الإخوان المسلمين بالمحمودية، ويَذكر الأستاذ محمود عبد الحليم أن الطابع العام لهذه الشعبة كان يختلف عن باقي شعب الإخوان المسلمين حتى سنة 1938م (3).

وحينما انتقلت الدعوة للقاهرة نقل المركز العام لها وعقد أول مجلس شورى عام للإخوان بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس الموافق 22من صفر 1352هـ الموافق 15من يونيو 1933م، حضره أحمد السكري مندوبا عن شعبة المحمودية، كما حضر في العام التالي مجلس الشورى الثاني وكان السكري قد اختير في أول تشكيلة في مكتب الإرشاد حيث كان البنا هو من يختار الرجال في المواقع في بداية الدعوة.

وقد انتقل الأستاذ أحمد السكري من عمله بمدرسة رشيد الابتدائية إلى ديوان وزارة المعارف خلال عام 1357هـ/ 1938م، ويصف البنا حاله لهذا الانتقال وأنه لم يكن في يوم يكن كراهية للسكري فيقول: فسررت لهذا الانتقال أعظم السرور إذ كان أمنية طالما تمناها كل منا وحلقة متممة لصلة بدأت قبل ذلك بتاريخ طويل. وبعد وجوده بالقاهرة رأيت أن يقوم عنى بالإشراف على النواحي الإدارية والأعمال اليومية بالمكتب لأتفرغ للرحلة والدرس والمحاضرة وما إلى ذلك من أعمال الدعوة، وبعثت بهذا الخطاب إلى شعب الإخوان ولجانهم.

حيث جاء في الخطاب الذي أرسله: بمناسبة انتقال الأخ المفضال أحمد أفندي السكري إلى ديوان وزارة المعارف بالقاهرة قد استخرت الله تعالى في أن أسند إليه بالإشراف التام على النواحي الإدارية والعملية بالمكتب، حتى أجد بعض الوقت للناحية العلمية والإرشادية، فأرجو من حضرات الإخوان جميعا ورؤساء الشعب والتشكيلات واللجان وما إليها أن يتعاونوا مع حضرته تعاونا تاما حتى يستطيع النهوض بأعباء ما وكل إليه. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه (4).

السكري جاني أم مجنى عليه؟

  • تسلسل الأحداث
الإمام حسن البنا والأستاذ أحمد السكري بجريدة الإخوان

حرص الأستاذ البنا على تقديم السكري للقيادة لما كان يراه فيه من حيوية –رغم ما كان يصله لكنه كان يراها أشياء بسيطة ممكن علاجها- حتى قدمه ليكون وكيلا للجماعة –ذكرنا أن أ/ البنا كان في البداية هو من يولى الأكفاء (من زجهة نظره) لتولى المهام- وعمل السكري على ذلك لكن زادت الشكاية منه، وكانت بدايتها بموقف ذكره محمود عبد الحليم حدث معه شخصيا فيقول: وباعتباري من دعاة الإخوان المسلمين رأيت من الواجب علي أن أقدم إلي الأستاذ أحمد دعوة الإخوان المسلمين لاسيما وقد لمحت فيه غيرة إسلامية جارفة وهمة عالية فأخذت أتحدث إليه عن الدعوة وأشرح له جهودنا الإسلامية في الجامعة .. وقد لاحظت في أسارير والدي وعمي في أثناء حديثي إعجابًا بهذه الدعوة – ولك يكونا قد سمعا عنها من قبل – وكنت أتوقع أن أري وأسمع من الأستاذ أحمد مثل هذا الإعجاب ولكنني سمعت منه غير ما كنت متوقع ... سمعت منه تهوينًا من شأن الدعوة وقائدها بأسلوب يشعر بالسخرية والاستعلاء ، فيقول وهو يبتسم " مش الشيخ حسن .؟ دا كان عندنا في المحمودية ولما عملت الجمعية عملته سكرتير لها وكنت أنا رئيسها " وأخذ يتحدث عن الشيخ حسن " وعن نفسه بهذا الأسلوب مما أثارني فبدرت مني – مع حرصي الشديد علي إحاطته بكل مظاهر الحفاوة والإكرام – عبارات عاتبني عليها والدي بعد انصراف الأستاذ أحمد.

ولم أذكر للأستاذ المرشد ما حدث، لكن بعدما انتقل الأستاذ السكري للقاهرة واختاره الأستاذ البنا وكيلا للجماعة .. وهنا رأيت من حق الدعوة علي أن أفضي إلي الأستاذ المرشد بالذي دار بيني وبين الأستاذ أحمد فيما يتصل بشخصه والذي كتمته عنه حيث لم يكن هناك داع لإثارته مادام الأستاذ أحمد بعيدًا عن القاهرة . ولم يكن الاحتكاك بيني وبين الأستاذ أحمد قد اقتصر علي ما حدث بيني وبينه في منزلنا برشيد ، بل جدت أمور أخري تكرر معها الاحتكاك فقد كنت – كما قدمت – أقضي فترة من إجازة الصيف في المرور ببلاد محافظة البحيرة التي كنت أعتبرها من مسئوليتي كما كان الأستاذ المرشد يعتبرها كذلك ... ولما كانت المحمودية إحدى مراكز البحيرة فكنت أمر علي دار الإخوان بها ، ونشأ الاحتكاك من مروري بهذه الدار ... فهذه الدار كانت تعتبر نفسها بدعًا من دور الإخوان المسلمين ، فدور الإخوان في أنحاء القطر كله إذا دخلت أيا منها تشعر بأنك في فرع من فروع الدعوة يدين بالولاء للمركز العام ولقائد الدعوة ولكن دار الإخوان في المحمودية إذا دخلتها لم تشعر فيها بهذه المعاني وإنما تحس منها معاني الاستقلال والولاء لقيادة أخري وقد آلمني ذلك وصارحت إخوان الدار بشعوري ولفت نظرهم إلي مظاهر في الدار كالصور المعلقة لا تشعر من أراها بأن هذه الدار شعبة من شعب الإخوان المسلمين كما أن من استمع إلي حديثهم لم يشعر بولاء لقيادة الدعوة . وطلبت إلي إخوان الدار أن يبلغوا الأستاذ أحمد بملاحظاتي ... وكررت الزيارة لهذه الدار فلم أجد تغيرًا قد طرأ عليها مما يتصل بملاحظاتي ، فأحسست في هذا الإصرار دلالات خطيرة لاسيما والمسئول عنه قد أضحي في أبرز مكان في الدعوة بعد المرشد العام . ولا أحد غيري يعرف عنه ما أعرف ولا يحس الذي أحس ، فاستقر رأي علي مفاتحه الأستاذ المرشد في هذا الموضوع الخطير الذي يوشك إذا لم يعالج ويوضع له حد أن تنهار به الدعوة .

وكان ذلك في عام 1938 علي ما أتذكر أو قبل ذلك وكنا في سفر بالقطار إلي الإسماعيلية وكنت أحد رفقاء الأستاذ المرشد في هذا السفر فانتهزت هذه الفرصة – وكان من عادة الأستاذ في السفر أن يحاول الانفراد بنفسه ليستعيد مع نفسه قراءة أكبر قدر من القرآن مغمضًا عينيه – فانتقلت إلي جانبه وطلبت إليه أن يستمع إلي في حديث خاص يحرج صدري فأقبل علي وأخذت أقص عليه موضوع الأستاذ أحمد السكري منذ التقيت به منزلنا برشيد حتى آخر مرة زرت فيها دار الإخوان بالمحمودية ... فحاول الأستاذ أن يهون الأمر ويشعرني بعدم أهميته في أول الأمر ، ولكنه رأي مني جدًا لم يكن يتوقعه حيث قلت له : إن هذه الدعوة لم تعد دعوتك وحدك ، ويخيل إلي أنك حملت حديثي إليك علي محمل أنني أحدثك في أمر شخصي يخصك وحدك تتهاون فيه إن شئت ... إن هذا الأمر هو من أخطر ما يتصل بكيان الدعوة ، ومن حق كل فرد انتسب إلي هذه الدعوة وبايع عليها أن يعرف هل لهذا الدعوة قيادة واحدة أم أكثر من قيادة ، وقد رأيت أن أفضي إليك بما يحتبس في صدري باعتبارك أحق الناس بالإلمام به وأقدرهم علي معالجته فإن أصررت علي الاستهانة به فسيكون من حقي أن أكاشف به جميع الإخوان ليتولوا هم علاجه .

فلما رأي الأستاذ مني هذا الأسلوب الجاد البالغ الجد ترقرقت عيناه بالدموع ووجه إلي عبارات كأنما يسرها في أذني وقال : " والله يا محمود إنني كنت أعرف كل الذي قلته من قبل أن تقوله وأعرف أكثر منه وقلبي يتقطع آلمًا لهذا الذي أعرفه ، ولكنني كنت حريصًا علي أن لا يعرف ذلك أحد غيري ... أما وقد عرفته فأستحلفك بالله أن لا تفضي لأحد به وتجعل ذلك سرًا بيني وبينك وأن تدع لي معالجته في الوقت المناسب فإن مصلحة الدعوة تقتضي إرجاء هذا الأمر الآن " . فقلت له : أعطيك العهد والموثق علي ذلك ، ولكن موضوع دار الإخوان في المحمودية لن أسكت عليها فلقد هددتهم في آخر زيارة لها إذا لم تزل مظاهر التمرد والنشوز التي بها أن أتقدم بمذكرة إلي مكتب الإرشاد أطلب فصلها من الإخوان المسلمين .. فقال الأستاذ سأبلغ الأستاذ أحمد ملاحظاتك عن المحمودية وسأحاول التقريب بينك وبينه . وأبلغ الأستاذ المرشد الأستاذ أحمد بملاحظاتي عن شعبة المحمودية وبعزمي علي التقدم إلي مكتب الإرشاد طالبًا فصلها .. ولما كان الأستاذ حريصًا علي أن لا يذيع أمر المحمودية وما فيه من دلالات علي الاستعلاء علي قيادة الدعوة فقد جلس إلي ووعد بإزالة ما طلبت إزالته من دار الشعبة وقد فعل.

وكان المرشد يقدمه للمواضع التي يشعر فيها أن الأستاذ السكري يتطلع لها حتى لا يجد في نفسه شيء، لكن كان يحذره من الانسياق خلف حياة الارستقراطيين والتي لا تتوافق مع حياة الدعاة (5).

وكتب حسن البنا في مذكراته قبل أن ينتقل من الإسماعيلية للقاهرة عام 1932م خاطرة عن شعبتي المحمودية وشبراخيت أوضحت ما يحدث في هذين الشعبتين من تصرفات غير ملتزمة بمنهج الإخوان فقال: إن فرعي جمعية الإخوان المسلمين بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيراً لأنها أنشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود الإخوان الحقيقيين الذين يرون لي معهم شركة في التهذيب والتعليم وهم قليل ... قائد موهوب [يقصد السكري] ولكنه منصرف بهذه القيادة وهذه المواهب إلى السفاسف مسرف في وقته لا يقدر له قيمة، قلبه مملوء بأوهام لا حقيقة لها ومنصرف إلى ناحية لا تثمر إلا العناء فالاعتماد عليه ضرب من المخاطرة العقيمة.

والأخ الشيخ.[يقصد حامد عسكرية ]. له أساليبه الخاصة به. وهو ينظر إلى كأخ زميل فلا يصغي لآرائي إلا قليلاً، ومن هذه الناحية يكون توحيد الفكرة ضربا من التعسر؟ فالاعتماد عليه مخاطرة كذلك (6).

كان الإمام البنا يدرك طبيعة السكري، وكان يدركها كثير من الإخوان الذين تعاملوا معه لكن الظروف كان تحتم عدم إيثار الفتن، لكن الأمر ظل يزداد حتى علم به كل فرد في الجماعة فكان لابد من وقفة.

لم يتوقف الأمر عند ذلك فيلخص ريتشار ميتشيل المشهد بقوله: غير أن الأستاذ السكري مع تطور وتوسع وزيادة نفوذ جماعة الإخوان المسلمين, شعر بأنه هو المحرك السياسي لهذا الجماعة, وأن الإمام البنا هو الأب الروحى وفقط لهذه الجماعة, فعمل على تصدر نفسه فى الأحفال والمؤتمرات والاتفاقات وشعر بأنه المرشد العام الحقيقى للإخوان وليس الأستاذ البنا, فعمل على الاستئثار بهذه الزعامة وتحدى الأستاذ البنا والتمرد عليه كمرشد (7).

حدثت من السكري بعض المواقف التي لا تتوافق مع منهج الإخوان الدعوي أو السياسي وتسببت في العديد من المشاكل، ومنها وأثناء عودة علي ماهر باشا من عرض القضية الفلسطينية فى مؤتمر لندن، وكان على ماهر قد أبلى بلاءً حسنًا فى هذا المؤتمر، فخرج الإخوان لاستقباله، وكانت هتافات الإخوان دائمًا للمبادئ، ولم يهتفوا باسم شخص حتى مرشدهم، فهتف السكري بحياة علي ماهر باشا وطالب الإخوان بذلك فأجابه البعض وامتنع البعض وهم في حالة غضب شديد، وحينما عادوا شكوا للأستاذ البنا ما قام به السكري، فطيب خاطرهم بأن دعوة الإخوان لا تهتف لأشخاص لكن –ربما- هتف الأستاذ السكري تشجيعا لعلي ماهر باشا على موقفه، ولم يعجب بعض الأفراد بهذا التبرير (8).

ثم جاء حفل النواب بسراي آل لطف الله والذي أقامه الإخوان لنواب مجلسي النواب والشيوخ تكريما لمواقفهم الوطنية، وغيرتهم الإسلامية، وحضره العديد من كبار رجال الدولة مثل الأمير شكيب أرسلان، وسعادة علوبة باشا، والأستاذ الكبير محمود بسيوني، والنائب المحترم سعد اللبان، وفضيلة الأستاذ الشيخ عبد اللطيف دراز، والدكتور عبد الحميد سعيد، ومدكور بك، والدكتور عبد الوهاب عزام... الخ..وكان لها أثار وصفها الأستاذ البنا بقوله: وكان ملحوظا فيه حضور ممثلين للأحزاب المصرية المختلفة وللطبقات المختلفة كذلك. وقد كان لهذا الحفل آثار بدت صغيرة طفيفة ولكنها تحولت إلى عميقة عنيفة بعد فترة قصيرة من الزمن، فقد اعتقد فريق من الإخوان أن الأستاذ أحمد السكري الذي كان يشرف على نظام الحفل ويقوم بتقديم الخطباء كان يتملق بعضهم والملق الذي يكرهه الإخوان، وكان يحاول أن يظهر بمظهر المتصدر الآمر الناهي وليس ذلك من خلق الإخوان، وكان يؤثر بعض الناس بالتقديم ويحول بين غيرهم وبين المنصة، ويوجه الأمور توجيها يظهر فيه الغرض الخاص والإخوان لا يفهمون إلا لغة الوضوح والاستقامة التامة. وفي أول اجتماع بعد الحفل ظهرت هذه الملاحظات وأخذت أدافع عنها وأفسر مظاهرها لهؤلاء الإخوان تفسيرا حسنا وأحملها على أفضل المحامل وهم غير مقتنعين. وكان هذا الشعور نواة لتفسيرات لاحقة لتصرفات كثيرة مشابهة، وما زال يتضخم حتى صار أساس فتنة ذهبت بمجموعة من خيار الإخوان وحالت بينهم وبين العمل في هذا الميدان (9).

كما أن بداية التقارب بين الأستاذ السكري والوفد كانت بعد زيارة فؤاد سراج الدين وبعض الوزراء الوافدين للمركز العام فى 16 مايو 1943,إذ أراد الأستاذ السكري الاندماج فى الوفد لكى يتثنى للإخوان المشاركة فى الانتخابات والحكم بشكل كبير (10) كانت هذه بدايات بروز هذه الفتنة, غير أن الأسباب التي عجلت بها, وأدت لتدافع الأحداث حتى تم فصل الأستاذ السكري فهي كما ذكرت المصادر التي بين أيدينا, أسباب ذكرها الأستاذ أحمد السكري ومجموعته وأسباب أخرى ذكرها الإمام حسن البنا وكثير من الإخوان الذين كانوا شهداء على هذه الفتنة من بدايتها, وإحقاقا للحق سنسوق هذه الأسباب ثم نحلل أسباب الطرفين على ضوء ما بين أيدينا من وثائق ومعلومات, ونحاول أن نتعرف على الأسباب الحقيقية التي أظهرت هذه الفتنة وأدت لفصل الأستاذ السكري.

الأسباب التي ساقها الأستاذ السكري

عقدت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين اجتماعها العادى الدوري الثالث يوم الخميس الموافق 14 من المحرم 1366هـ, الموافق 27 نوفمبر 1947م, وكان من قراراتها الموافقة بالإجماع على قرار المرشد العام بإعفاء الإخوان محمد عبدالسميع الغنيمى أفندى وسالم غيث أفندى وأحمد السكري أفندى من عضوية الجماعة (11).

وعلى إثر هذا القرار انقلب الأستاذ السكري على الجماعة ومرشدها وأخذ يهاجم المرشد العام وفتحت له جريدة صوت الأمة ذراعها وأفسحت له صفحاتها للهجوم على المرشد العام وبث الفرقة وسط الإخوان ومحاولة زعزعة الثقة بين أفراد الإخوان, وقد ذكر خلال صفحات الجريدة الأسباب التي رأها أنها سبب فصله, فذكر أن من هذه الأسباب استبداد الإمام البنا بالأمر وأنه انتزع من أعضاء الهيئة التأسيسية يوم 9 يوليو 1947م تفويضا يعطى له الحق فى إقصاء من يشاء وفصل من يشاء (12).

تأرجح الإمام البنا بين الأحزاب السياسية, ومحاولته استعطاف الأحزاب للعمل مع الإخوان, وليس ذلك فحسب بل دخول بعض العناصر الانتهازية المأجورة فى صفوف الإخوان بإيعاز من رجال السياسة (13).

3- الإغراق فى السياسة الحزبية, وتكوين اللجنة السياسية, وإغراق الجماعة فى هذه السياسة, ومهادنة صدقى باشا, وسماع كلام الإخوان الانتهازية, وتملق الإمام البنا للوفد فترة حكمهم من 1942- (14)1944.

4- الاتصال ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية فى أغسطس 1940 حيث التقى مع الجنرال كلايتون والمستر هيوردن فى دار الجمعية القديمة (15), كما أنه تقاضى أموالا من الإنجليز (16).

5- استيلاء الإمام البنا على مبلغ يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه من الأموال التي تجمعها الإخوان باسم الدفاع عن فلسطين (17).

6- تستر الإمام البنا على فضائح صهره عبد الحكيم عابدين, حيث اتهمه الإخوان بدخوله لبيوتهم دون وجودهم (18).

7- أن الأستاذ السكري هو الذى أنشىء جمعية الإخوان المسلمين, وأن الإمام البنا افتتح فرع لها فى الإسماعيلية غير أن الأستاذ السكري أنه لمح فيه الذكاء بعد تكوين الجمعية الحصافية بالمحمودية لاقبل ذلك وأختاره سكرتيرا لهذه الجمعية (19).

8- تملق الأستاذ البنا للأخبار والرهبان والمطارنة, وقبول مبالغ مالية من التاجر الإسكندرانى اليهودى حايم دره (20).

9- طلب الأستاذ البنا للتعاون مع الوفد أن يدفع الوفد خمسين ألف جنيه للإخوان لكى يستمر التعاون (21) كانت هذه هي الأسباب التي راها الأستاذ السكري أنها سبب فصله, كما أنه ساق بعض التهم. التي اقترفها الأستاذ البنا, والتي استوجبت توجيه الأستاذ السكري له بالنصح والإرشاد,مما كان ذلك دافعا لفصله من الإخوان المسلمين.

تفنيد ما ذكره السكري

وبعد أن استعرضنا الأسباب والتهم التي وجهها الأستاذ السكري للأستاذ البنا, نسر والأسباب التي رأها الأستاذ البنا والهيئة التأسيسية سببا لفصل الأستاذ السكري.

لقد رد الأستاذ البنا على خطاب الأستاذ السكري الذى نشرته جريدتا صوت الأمة والكتلة بتاريخ 11/10/1947, وفندقيه تهمة الاستبداد فى إتخاذ قرار الفصل والتي وصفه به الأستاذ السكري فقال إن الهيئة التأسيسية انعقدت مرتين احدهما بتاريخ 13/3/1947 حيث قدم الأستاذ السكري للمحاكمة واستمرت انعقاد الهيئة ستا وثلاثين ساعة كاملة, دافع فيها الأستاذ السكري عن نفسه ما يقرب من الست ساعات متواصلة, وبعدها أعلن الأستاذ السكري ثقته فى المرشد العام وجدد البيعة له, وقررت الهيئة توجيه اللوم للأستاذ السكري, كما فى الاتهام الذى جاء فى خطاب الأستاذ السكري وذكر فيه أنه عرف بالصدفة أن الإمام البنا له اتصالات ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية وأنه عرف من أحدهم ذلك فى7 فبراير 1947, واندهش الإمام البنا لذلك من حيث كتم الأستاذ السكري تلك المعلومات وعن الهيئة التأسيسية طيلة هذا الوقت بالرغم انعقادها فى 13 مارس 1947 فى اجتماعها الأول ثم اجتماعها ثانية بعد هذا الاجتماع بأربعة شهور, كما تعجب أيضا من إخفاءه لتلك المعلومات الخطيرة كل هذا الوقت بالرغم من انعقاد مكتب الإرشاد كل أسبوع واعتبر هذا الصمت وهذا الكتمان خيانة للدعوة وللهيئة (22).

ولقد اصدر المركز العام بيان وإيضاح ممهر بتوقيع الأستاذ عبده أحمد قاسم السكرتير العام فى مايو 1947 م جاء فى هذا البيان أن ثلاثة من الإخوان اتهموا الأستاذ عبد الحكيم عابدين بانتهاك حرمة بيوتهم, وبناء على ذلك شكل مكتب الإرشاد لجنة يختار أعضاءها الطرفين المتخاصمين, ويختار عضو بالقرعة وكان ذلك فى غرة صفر 1365 الموافق 5/1/1946 ووقع الاختيار على الدكتور إبراهيم حسن والشيخ خالد محمد والأستاذ محمد فرغلى والأستاذ الفضيل الورتلانى وأختبر بالقرعة الأستاذ محمد طاهر الخشاب ووقع الطرفان على إقرار التحكيم, واجتمعت اللجنة لمدة أربعة أشهر, قامت فيها بالتحقيق الدقيق, وأصدرت حكمها ببراءة الأستاذ عبد الحكيم عابدين فى جلسة علنية بتاريخ13 مايو 1946وبحضور أعضاء اللجنة الخمسة وأعضاء مكتب الإرشاد و50 شخصية من الذين علموا بالموضوع, غير أن الدكتور إبراهيم حسن تنكر لهذا الحكم ورفض تسليم أوراق التحقيق للمرشد العام أو لمكتب الإرشاد, وطالب بفصل الأستاذ عبد الحكيم عابدين, غير أن عابدين قدم استقالته من الجماعة ورفض قبولها مكتب الإرشاد بأغلبية 16 صوتا إلى ثلاثة أصوات, وبعد ذلك قال الدكتور إبراهيم حسن" لو اخترتم الأستاذ عابدين مرشدا عاما فأنا أول من يسلم له ويطيعه بعد أن ظهرت هذه الأغلبية الساحقة فى جانبه" وكان ذلك فى بيت حسن عبد الرزاق وبشهادته, غير أم مجلة الحوادث حرفت الاستقالة ونشرتها مع التعليق عليها مما كان سببا فى استفزاز الدكتور إبراهيم حسن الذى رد عليها وجرح فى هذا الرد الأستاذ عابدين, فاجتمعت الهيئة التأسيسية بتاريخ 8 ذو القعدة 1365هـ, 3/10/1946م واستنكرت تصرف الدكتور فسارع واعتذر عما كتبه كما أنه تعهد كتابة وتسليم أوراق التحقيق فى ظرف عشرة أيام من تاريخه للمرشد العام بما فيها حكم البراءة, غير أن الدكتور إبراهيم نكث عهده ولم يسلم أوراق التحقيق بعد انقضاض الهيئة التأسيسية بل طعن فى قرار اللجنة وتغيب عن الحضور الى المركز العام حتى انتهت عضوية المكتب القانونية, وفى المحرم1366هـ, اجتمعت اللجنة اجتماعها العادي لاختيار أعضاء المكتب الجدد, وبعد الانتخابات لم يفز الدكتور إبراهيم حسن حيث حصل على 16 صوتا فى حين حصل الأستاذ عابدين على 49 صوتا مما دفع الدكتور للتشهير بعابدين وبالإخوان وأذاع بعض الأحاديث الخاصة مشوهة ومحرفة عمدا بقصد الوقيعة, مما دفع الإمام البنا فى طلب اجتماع الهيئة التأسيسية فى 20 ربيع الآخر 1366هـ, الموافق 13/3/1947 لعرض الأمر عليها, فوجهت اليه بعض التهم منها نقض العهد وحنث باليمين عدة مرات, وخيانة الأمانة بعدم تسليم الأوراق, وإذاعة أحاديث خاصة محرفة عمدا, والخروج على قرار الهيئة السابق مما كان من الدكتور إبراهيم إلا أن قدم مذكرة مطولة تناول فيها موضوع الأستاذ عابدين من جديد, وزاد عليه صلة الإخوان بالوفد فى لجنة الاتصال , ومقابلة الأستاذ المرشد لإبراهيم باشا عبد الهادى, وموضوع الهيئة السياسية, فكانت هذه المذكرة إثبات إدانة للدكتور لأن لجنة الاتصال لم تتم بموافقة المرشد العام ولا المكتب ولا الهيئة التأسيسية, كما أنه ذكبر أنه وقع على بيان لجنة التحقيق مكرها وأن كان هذا لا يليق برئيس اللجنة, أن سبب إحالة الأستاذ المرشد أمر فصل الأستاذ عابدين إلى الهيئة التأسيسية هو أن عابدين عضو فيها ولا يجوز للمرشد أو مكتب الإرشاد فصل أحد أضاء الهيئة التأسيسية إلا باجتماعها , ولم يكتف الدكتور بذلك فى مذكرته بل ذكر أن الأستاذ المرشد وأعضاء مكتب الإرشاد لا يشكون فى إجرام الأستاذ عابدين, وهذا قول غير صحيح واتهام عجيب للأعضاء, واطلعت الهيئة على هذه المذكرة واستمعت لحديث الدكتور إبراهيم, وأقرت القرار السابق ببراءة الأستاذ عابدين, واستنكار موقف الدكتور إبراهيم, وأما عن موقف الإخوان والوفد حول لجنة الاتصال, فقد ذكر البيان أن الأستاذ المرشد حين عاد من رحلة الحج وجد أمامه موضوع هذه اللجنة والتي كانت بإعاز فؤاد باشا سراج الدين, وكان يهدف من وراء ذلك ضم الإخوان لصف الوفد ضد حكومة صدقى حتى تسقط ويعود الوفد مرة أخرى لسدة الحكم فعندما فطن الإمام البنا لذلك وأن غرض الوفد الحكم وليست مصلحة البلاد, ومحاربة الاحتلال رفض هذه اللجنة, غير أن الأستاذ السكري والدكتور حسن تمسكا بها ودافعا عنها, كما أن الدكتور إبراهيم أذاع ما دار فى اجتماعات اللجنة السياسية بطريقة تخالف الحقيقة, وهي لجنة ناشئة كونها الإمام البنا لدراسة شئون الجماعة السياسية والقانونية والاقتصادية وهذا ما تضمنته مذكرة الدكتور إبراهيم وتوضيح ما بها, وانتهت الهيئة التأسيسية بقرار لأعضاء الدكتور إبراهيم حسن من عضوية الجماعة (23).

هذا وقد أصدر المركز العام نشرة إخبارية وضح فيها الأسباب التي دعت لفصل الأستاذ أحمد السكري, وذكر فيها أن ضمن هذه الأسباب :

1- التمرد حيث كانت أكثر تصرفاته سلسلة من التمرد على قرارات مكتب الإرشاد والهيئة.
2- بث الفتنة, حيث عمد إلى صحف الوفد وأذاع أخبار خاطئة كاذبة وحقائق محرفة عن المرشد العام وسياسة الإخوان, وأنه صاحب هذه الدعوة وآثر الأستاذ البنا بها.
3- الاتصالات الضارة بمن ينوءون الدعوة ويريدون السوء, وتسريبه لمعلومات للصحف الوفدية وتهويلها ونشر أخبارها كاذبة كاللجنة السياسية التي نشرت البلاغ أخبار اجتماعها الأول والثانى بالرغم من كونها فكرة عرضت على بعض الشخصيات لتكون لجنة استشارية فقهية قانونية (24),

غير أن هذه الأسباب لم تكن كل الأسباب بل ذكرت إحدى صحف الوفد عدة أسباب أخرى لم تكشفها صحف ولا نشرات الإخوان حتى لا تقطع الود مع الأستاذ السكري وكان من هذه الأسباب:-

1- أن الأستاذ السكري كان يتجسس على مخاطبات ومكالمات الأستاذ البنا الخارجية والداخلية, وظهر ذلك أثناء التحقيق حيث قدم عامل التليفون تقريرا عن ذلك فيه أن الأستاذ السكري كلفه بذلك.
2- أخذه مبالغ من جهات مختلفة باسم جمعية الإخوان المسلمين, ولم يوصلها للجمعية. وذكرت الأسباب السابقة التي تناولتها نشرة الإخوان (25).

هذه باختصار الأسباب التي ساقها كلا الطرفين, والتي دافع كل طرف عن رأيه فيها , وفى ظل هذه الأسباب نحاول تحليلها فى ضوء المصادر التي حصلنا عليها.

لقد ذكر الأستاذ السكري فى سياق التهم التي دعت الأستاذ البنا لفصله أنه كان على اتصال ببعض الجهات الأجنبية والمصرية, وإذا عدنا بالحدث من سياق المقالات التي كتبها الأستاذ السكري نجد أن الإنجليز فى بداية الأربعينات, وقت أن كانت ألمانيا مكتسحة الحرب الثانية , حاول الجنرال كلايتون ومعاونيه أن يحايدوا الإخوان حتى يأمنوا ظهورهم وقت مواجهة الألمان إذا حاولوا دخول مصر, فذكر الأستاذ السكري أن الجنرال كلايتون ومعه المستشرق المستر (هيورث دن) جاءوا إلى دار الجمعية القديمة لمقابلة الأستاذ البنا فى 25 أغسطس 1940م, غير أن الأستاذ البنا أحالهم إلىّ بصفتى وكيله, وزاروني أكثر من مرة فى بيتى, وعرضوا مبالغ مالية كبيرة لمساعدة الجمعية يوم 14 نوفمبر 1940م فى منزلى, فرددت عليه" أحب أن تعلموا أولا أن هذه الوسيلة لجذب الناس وهي شراؤهم بالمال ورشوتهم هي وسيلة بالية, وأن الذى يمد يده ليأخذ منكم فإنه يمد يده لعدوكم كذلك" وكنت أطلع الأستاذ البنا على كل ذلك كلمة كلمة (26). وذكر الأستاذ السكري أيضا فى مقال آخر" أن الإنجليز أعيتهم الحيل لرشوة الإخوان , وأن الجنرال كلايتون والدكتور هيورث والميجر جودوين وغيرهم من رجال الدعاية والمخابرات, تحدثوا إلى فضيلة الأستاذ البنا, وكم ترددوا على منزل أحمد السكري وكم حاولوا مرات ومرات ومرات أن يمدوا أيديهم بالمال الوفير.... بعشرات الألوف من الجنيهات, ولا شك أنهم قد دونوا فى تقاريرهم كيف صرفهم الأستاذ البنا عنه صرفا لا رجوع بعده, وكيف ألقى عليهم أحمد السكري يوم17 نوفمبر 1941 فى منزله درسا لن ينسوه أبدا...." (27),

كما أن السكري ذكر فى مقال فى صوت الأمة والكتلة بتاريخ 11/10/1947م, ذكر فيه أنه عرف أن الأستاذ البنا له اتصالات ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية وأن أحدهم ذكر له ذلك يوم 7نوفمبر 1947م , ونسى ما ذكره فى المقالين السائقين من تبرئة الأستاذ البنا من هذه التهمة, أضف لذلك أن الأستاذ البنا طالبة فى رد على خطابه باسم من أطلعه على ذلك فلم يستطع تقديم ما يفيد ذلك (28).كما أن الأستاذ السكري اتهم الأستاذ البنا بالاستبداد فى اتخاذ القرار فى فصله دون الرجوع للهيئة التأسيسية, غير أن الأستاذ البنا رد على ذلك, حيث ذكر أن الهيئة التأسيسية انعقدت مرتين إحداهما بتاريخ 13 مارس 1947, وكان ذلك للمحاكمة,وظل انعقادها ما يقرب من ستة وثلاثين ساعة كاملة, وتحدث فيها الأستاذ السكري نحو ستة ساعات, وبعدها جدد البيعة للأستاذ البنا, والثانية بتاريخ 9 يوليو 1947, كما أن الهيئة اجتمعت يوم 14 محرم 1367هـ, الموافق 27 نوفمبر 1947م وأقرت الموافقة على إعفاء الأستاذ أحمد السكري ومحمد عبد السميع الغنيمى وسالم غيث من عضوية الجماعة (29). وكان ذلك دليلا لتفنيد هذه التهمة. ذكر الأستاذ السكري من ضمن الأسباب هي انقلاب الإمام البنا والإخوان على الوفد بعد خروجه من الحكم وطلب مبلغ 50 ألف جنيه يدفعها الوفد للإخوان ويتضارب ذلك مع المعلومات التي ذكرها الدكتور حسن إبراهيم حسن في هذا الصدر والتي تفند هذه التهمة, فقد تكونت لجنة اتصال بين الإخوان والوفد وقت أن كان الأستاذ المرشد في رحلة الحج عام 1946م وقد حضر هذه اللجنة من الإخوان الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن وكيلا الجماعة, وكانوا يرون ضرورة التصاق الدعوة بالوفد في هذه المرحلة, وكان الوفد آنذاك في الحكم – وكان الوفد يهدف أن تكون حركة الإخوان تابعة له حتى لا تقوم بجانبه هيئة قوية (30). لكن عندما عاد الأستاذ البنا من رحلة الحج وجد أمامه موضوع لجنة الاتصال, ما هي إلا وسيلة للوفد للعودة إلى الحكم, وأن الوفد دعا الهيئات المعارضة للإتحاد معه لإسقاط حكومة صدقي وفقط دون العمل لمصلحة البلاد فرأى الإمام البنا أن ينأى الإخوان عن ذلك, فانزعج الإخوان المتصلين بالوفد من ذلك, كما أنهم انزعجوا من تقديم إخوة آخرين عليهم (31) .غير أن الأستاذ البنا اجتمع مع الدكتور إبراهيم, ووافق على اللجنة بناء على تجمع هذا القدر من المعارضة فى هذه اللجنة وطالب الدكتور إبراهيم بكتابة اتفاق مع الوفد ويوقعون عليه ويتكون من مادتين .

المادة الأولى: ألا يعود الوفد إلى مفاوضة الإنجليز إلا بعد أن يسلموا بحق مصر في الجلاء عن الوادي كله وبوحدته.

المادة الثانية: أن ينشأ صندوق يسمى صندوق الجهاد يضع فيه الوفد خمسين ألف جنيه أو عشرين ألف على الأقل وتضع كل هيئة من الهيئات التي تقبل الوحدة مبلغا بنسبة ماليتها وليكن أمين الصندوق من الوفد نفسه لأننا سنحتاج المال في المقاومة ضد الاحتلال,ولقد قدم الأستاذ أحمد حسين للجنة اقتراح مثل ذلك , كما ذكر الدكتور إبراهيم حسن (32).

ولقد استطاع سراج الدين من استقطاب أحمد السكري بصفة داخل اللجنة,وحصل منه على تقارير سرية للإخوان, ونشرها في صحف الوفد, فجمع الأستاذ البنا الهيئة التأسيسية, عرض الأمر عليهم وتبين أن الأستاذ السكري هو المتسبب في ذلك, فطالبته الهيئة بكتابة مقال يكذب ما ورد في الصحف الوفدية, غير أن السكري رفض ذلك, وأخذ في الهجوم على الجماعة من خل الجريدة صوت الأمة فقررت الهيئة التأسيسية في 27 نوفمبر 1947 فصل الأستاذ السكري من الجماعة (33). ولقد ذكر الأستاذ السكري أن الأستاذ البنا أغرق الجماعة في الحزبية, وكون اللجنة السياسية وتأرجح بالجماعة بين الأحزاب لكن الناظر في تاريخ الإخوان يجد أن سياسته ثابتة منذ نشأتها, وحدد لها الأستاذ البنا مبادئها وأهدافها , ونأى بها عن الحزبية,واعترض على الأحزاب والحكومات التي تعاملت مع المحتل الإنجليزي,وقد نظر إلى أبعاد الأمر, فكان يتعاون مع كل القوى التي تخدم الحركة الوطنية, وتجارب الاحتلال, ولم يكن الإخوان يوما من الأيام تابعين لقوى بعينها بل كانوا يؤيدون الحكومة التي تطالب بخروج المحتل, وكان ممكنا محاربتها اذا هادنت وخضعت للإنجليز (34). ولقد هدف الأستاذ البنا من تكوين الهيئة السياسية- والتي كانت ضمن أعضائها وهيب دوس ولويس فانوس أن تبحث في الشئون السياسية والاقتصادية والقانونية, وكان ذلك بناء على قرار مكتب الإرشاد الذي قرر تأليف لجنة استشارية بحتة من الشخصيات التي تتوفر فيها الكفاءة والخبرة والسمعة الطيبة...." وقد حضر اجتماعات هذه اللجنة الدكتور إبراهيم حسن (35) وكان اتصال الأستاذ البنا بالأحزاب لم يكن إلا لتوحيد الأهداف حول المطالبة بخروج المحتل.

ولقد علقت جريدة أخبار اليوم على ذلك فقالت:" وأخيرا رأى حزب الوفد أن خير طريق لتحطيم الإخوان هو تمزيقهم من الداخل, وتولى السكرتير العام هذه المهمة فنجح فيها نجاحا كبيرا فقد استطاع بفضل اتصاله بالأستاذ أحمد السكري وكيل الجمعية أن يحدث انقساما فى الإخوان, وحصل السكرتير العام على تقارير سرية للإخوان نشرها في صحف الوفد... (36)."

ولقد أجرت جريدة الكتلة حوار مع الأستاذ السكري حول حقيقة الخلاف وصدور قرار بوقفه وزملاءه, فذكر أن الأستاذ المرشد استند إلى المادة 18 من قانون الجماعة فى هذا الإيقاف, وأن ما يشاع في الصحف الآن هو مجرد دعاية فغرضه وأراجيف باطلة يهدف مروجوها إلى إشعال نار الفتنة, وأن الأستاذ البنا هو أخي فضلا عن أنه رئيس لهذه الدعوة, ولن أرفع في وجهه سيف العدوان حرصا على أخوتنا ودعوتنا (37).

حتى أن السكري قدم عريضة للنحاس باشا يتهم فيها المرشد العام للإخوان بأنه استولى لحسابه على مبلغ يزيد عن ثلاثة آلاف جنيه من الأموال التي يجمعها الإخوان باسم الدفاع عن فلسطين، فأشار عليه النحاس بعدم إثارة هذه المسألة رغبة في الأخذ بسياسة مهادنة الإخوان (38).

كانت هذه هي تداعيات الفتنة والتي خرج على إثرها الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن وكيلا الجماعة, كما خرج فيها الأستاذ مصطفى نعينع – مندوب قسم نشر الدعوة في المركز العام – والأستاذ محمد عبد السميع الغنيمي والأستاذ سالم غيث عضو الهيئة التأسيسية, كما خرج كلا من الأستاذ كمال عبد النبي وأمين مرعى رئيس المكتب التنفيذي بالإسكندرية, كما قدم الأستاذ حسين عبد الرازق استقالته, وكان ذلك قبل انعقاد المحاكمة ومحاكمة الأستاذ السكري عاد فاستردا استقالته موضحا أن الأمر كان عنده مشوش ومحرف (39).

لكن الأستاذ محمود عبد الحليم ساق القصة بتسلسل رائع موضحا الظروف التي خلقت منها هذه الفتنة فكتب يقول: تناولت شخصية عبد الحكيم عابدين من قبل أكثر من مرة كان عبد الحكيم في خلالها لا يزال الطالب اليافع أو المتخرج الناشئ الذي بم يتمرس بعد بمسئوليات الدعوة وتبعاتها الثقيلة ، ولكن السنوات التي مرت عليه بعد ذلك وأثقلت كاهله بتبعاتها وأحداثها قد جلت مواهبه وصقلت قريحته وكشفت عن قدراته مما جعله أهلا لأن يشركه الأستاذ المرشد معه في التصدي لأعقد المشاكل وأخطر الأمور . وهي المشاكل والأمور التي كانت من قبل وقفاً علي الأستاذ أحمد السكري ... ولا أقصد بهذه العبارة أن أقول إن الأستاذ المرشد قد أعطي الأستاذ أحمد مما كان يكله إليه من خطير الأمور وإنما قصدت أن أقول إن الأستاذ المرشد أراد أن يستفيد للدعوة من مواهب عبد الحكيم وقدراته فأشركه مع الأستاذ أحمد في النهوض بالأمور الجسام التي تضاعفت مشاكلها وثقلت تبعاتها يتشعب الدعوة وأتساع رقعتها واقتحامها ميادين جديدة بحيث أصبحت هذه الأمور الجسام ينوء بحملها رجل واحد .

ولم تكن هذه المواهب وهذه القدرات جديدة علي عبد الحكيم عابدين فقد أشرت إلي طرف منها منذ كان طالبًا ، وكل ما حدث أن مرور الأيام جلي هذه المواهب وأبرز هذه القدرات فمع أن عبد الحكيم لم يكن حسن الهندام ولا المتأنق في ملبسه بل كان في هذه الناحية أقرب إلي عكس ذلك فإنه كان بحدة ذكائه واتقاد قريحته وسرعة بديهته ورشاقة لفظه وسعة حفظه للقرآن وللشعر وسجيته الأدبية وغامر روحانيته وحسن بداوته (التي أشار إليها المتنبي في قوله : (وللبداوة حسن غير مجلوب) . فإنه كان مقبولا ومحببا إلي نفوس طبقة من الناس لم تكن لتعرف عن الدعوة شيئًا لولا تسلل عبد الحكيم إلي قلوبها وامتزاجه بنفوسها . فكل كبار أطباء القاهرة ، وكل أساتذة الجامعة وعلية القوم ومن أعرق الأسر وأكرم العناصر لم يعرفوا الدعوة إلا عن طريق عبد الحكيم . وليس معني معرفة هؤلاء بالدعوة واقتناعهم بأفكارها أنهم انتظموا جميعًا في تشكيلاتها أو احتلوا مناصبها وإنما قد صار للدعوة باقتناعهم بها صف له صداه في أوساطهم وفي الرأي العام بعد ذلك ، وهذا كسب له قيمته وله وزنه . وما كان لدعوة كدعوة الإخوان المسلمين تريد أن تؤخذ بفكرتها لتكون أساسًا لحكم البلاد أن تجد لفكرتها سبيلا إلي واقع الحياة دون أن تقتنع بها هذه الطبقة التي مهمتها التثقيف والتوجيه .

وقد نهض عبد الحكيم بما ألقي علي كاهله من جسام أمور الدعوة نهوضًا كريمًا وأظهر مقدرة جعلت اسمه يلمع بجانب اسم الأستاذ أحمد ، وسر الأستاذ المرشد لذلك كما سر الإخوان جميعًا أن وجدت الدعوة وقد تضاعفت مسئولياتها من أبنائها من يشارك في حمل العبء وهذا دليل علي خصوبة الدعوة وحسن استجابتها ونجاح أساليبها كما أنه يشير بتحقيق آمالها ووصولها إلي غايتها، ولكن هل عم هذا السرور جميع الإخوان؟

الأستاذ حسين عبد الرازق

يقتضينا الحديث عن حسين عبد الرازق أن نتحدث عن أسر عبد الرازق التي ينتسب إليها والتي هو أحد أفرادها وإن لم يكن من الشخصيات البارزة فيها .. وربما كان انتسابه إلي دعوة الإخوان هو الذي أبرزه وجعل لاسمه ذكرًا بين أفراد هذه الأسرة ، وهذه الأسرة من الأسر الشهيرة المرموقة في الصعيد وموطنها قرية إبي جرج إحدى قرى مركز بني مزار بمحافظة المنيا .. وهي وإن كانت أسرة ميسورة الحال إلا أن شهرتها لا ترجع إلي يسر حالها فهناك أسر أخري أيسر حالا وأوسع ثروة ولكنها لا تحظي بمثل شهرة آل عبد الرازق الذين امتازوا علي غيرهم بكثرة المتعلمين وذوي المناصب الكبيرة من أبنائهم .

وكان أبرز أبناء هذه الأسرة في المجتمع المصري اثنان هما الشيخ مصطفي عبد الرازق الذي كان أستاذًا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب حين كنا طلبة بالجامعة والشيخ علي عبد الرازق الذي كان مدرسًا بأحد المعاهد الأزهرية والذي وضع كتابًا سماه " الإسلام وأصول الحكم " حاول فيه نفي أن يكون للإسلام صلة بالحكم من قريب أو من بعيد ، وقد أثار الأزهر في ذلك الوقت علي هذا التهجم علي الإسلام وعلي محاولة تجريده من أصل من أصوله المقررة وحاكم المؤلف محاكمة علمية بإصدار قرار بسحب شهادة العالمية منه .

الأستاذ كمال عبد النبي

عندما كان يذكر الأستاذ حسين عبد الرازق كان يذكر دائمًا الأستاذ كمال عبد النبي ولست أعرف السبب في ذلك فلعلهما كانا صديقين التحقا بالدعوة معًا وربما كان التحاقهما بالدعوة عن طريق الأستاذ عبد الحكيم عابدين وإن كان الذي أقطع به هو أن الأستاذ حسين عبد الرازق قد تعرف علي الدعوة عن طريق الأستاذ عبد الحكيم .

نشوء الفتنة وتطورها

1 – قد يكون نشوء الفتنة قد بدأ بترسبات في أعماق نفس الدكتور إبراهيم حسن حين انتقل الأستاذ أحمد السكري إلي القاهرة وأسند إليه الأستاذ المرشد منصب الوكيل أمام الذي كان يشغله الدكتور إبراهيم ، فاعتبر الدكتور ذلك إهانة له موجهة من الأستاذ المرشد شخصيًا ، ولكنه أسر ذلك الشعور في نفسه لأن الظروف في ذلك الوقت لم تتح له أن يفعل أكثر من ذلك .

2 – يتبين للقارئ من تحليل الشخصيات الذي أثبتناه آنفًا أن الأستاذ أحمد السكري قد رضي بمنصب الوكيل العام وبإسناد المرشد كل خطير الأمور إليه رضي بذلك كحد أدني لأنه كان يري نفسه أكبر من هذا وأحق بما هو أعظم . أما وقد قضت الظروف بهذا القدر فقط فلا بأس بذلك مؤقتًا . واحتكار البروز في الأوساط الراقية والمجتمعات ذات الشأن كفيل بتوسيع نطاق هذا القدر شيئًا فشيئًا مما يقرب الأمل المنشود ، وإذا لم يتحقق الأمل فإن استمرار احتكار البروز في هذه الأوساط سيجعل منصب الوكيل العام هو المنصب الذي يدير دفة الدعوة والذي يرجع إليه في كل شئونها .

3 – لم يكن إصهار عبد الحكيم إلي الأستاذ المرشد موضع ارتياح من الأستاذ أحمد السكري خشية أن يكون في هذا الإصهار تقريب لعبد الحكيم من نفس الأستاذ المرشد لاسيما والأستاذ أحمد يعرف عن مواهب عبد الحكيم ... وإن كان الأستاذ أحمد يثق في قراره نفسه أن الأستاذ المرشد لا يعدل بالصلة الروحية أيه صلات أخري من قرابة أو صداقة أو نسب ... وقد تم الإصهار بعد أن اقترن بمؤامرة حيكت له وخرج منها عبد الحكيم سليما معافى بعد تجربة قاسية .

4 – ما كانت مؤهلات عبد الحكيم الخلقية من هيئة وملبس ومنشأ في أسرة فقيرة ، لتؤهله أن يجد لنفسه طريقاًَ إلي الأوساط الراقية والمجتمعات ذات الشأن ، ولكن فوجئ الجميع وأولهم الأستاذ أحمد بأن مواهب عبد الحكيم وميزاته التي أشرنا إليها أهلته للسبق إلي هذه الأوساط حتى أصبح اسمه ألمع من اسم الأستاذ أحمد فيها ، أضف إلي ذلك أن طبيعته غير الارستقراطية قربته إلي نفوس عامة الإخوان الذين لم يكونوا يأنسون إلي الطبيعة الارستقراطية .

5 – كان الأستاذ المرشد – كدأب أصحاب الدعوات – يلتمس التأييد لدعوته من جميع الأوساط البيئات ، وإذا كانت الدعوة قد قامت علي أكتاف عامة الناس وضعفائهم ، فإنه كان يتوق ويتمني لو أن الله تعالي هدي إلي دعوته الأغنياء وذوي الأبهة والسلطان . وهذه طبيعة لم يخل منها بشر حتى رسول الله صلي الله عليه وسلم " أما من استغني فأنت له تصدي وما عليك أن لا يزكي " .

واستجاب للدعوة بضعة أفراد من هذه البيئات المتعالية ... ومع أن الأستاذ المرشد كان يوسع لهم في مجلسه ويغدق عليهم من بشره ، فيرحب بمقدمهم ، ويخصهم بتكريمه إلا أن هؤلاء لم يستطيعوا أن يمتزجوا بالإخوان ولا أن يزيلوا حجاب الكلفة بينهم وبينهم ، فكان لابد لوجودهم في مجتمع إخواني من وجود الأستاذ المرشد فيه ، كأنما هو المادة الموصلة بين الفريقين ، فإذا لم توجد المادة الموصلة انقطع التيار .. وما أكثر ما عاني الأستاذ المرشد في سبيل مزج هذه الفئة بسائر الإخوان ، ولكنه لم يحقق الكثير مما كان يأمل في هذه الناحية . هناك أفراد من هذه الطبقة كان امتزاجها بسائر الإخوان امتزاجاً من أول يوم غشوا فيه مجتمعات الإخوان من أمثال حسن العشماوي ومنير الدلة وهرون المجددي ... لكن أفرادًا آخرين لم يمتزجوا مما يدل حقاً علي أن الأرواح جنود مجندة ، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف . وصدق الله العظيم " لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ".

وكان هؤلاء الأفراد هم الهدف السهل لمحاولي النيل من الدعوة ، وكان الأستاذ حسين عبد الرازق والأستاذ كمال عبد النبي بالتبعية من هؤلاء الأفراد .

6 – بعد التحاق الأستاذ حسين بالدعوة بفترة غير قصيرة أخذت السراي الملكية في انتهاج سياسة جديدة تستهدف احتواء أسرة عبد الرازق التي اعتبرت السراي انضمام فرد منها إلي الإخوان وانتظامه عضوًا في الهيئة التأسيسية تطورًا خطيرًا يخشي معه أن يستفحل أمرها باستيعابها العنصر الوحيد الذي ينقصها وهو عنصر الأسر الكبيرة ذات النفوذ والثراء ... وبدت خطوات هذه السياسة متتابعة فيما يلي : -

أ) اختير الشيخ مصطفي عبد الرازق في أكتوبر سنة 1944 وزيرًا للأوقاف في وزارة أحمد ماهر .
ب) وبعد ذلك بنحو عام عينه الملك شيخًا للأزهر وهو شرف ما كانت تحلم به الأسرة طوق الملك به جبدها .
ج) وفي 14-2-1946 وأنعم الملك علي الشيخ مصطفي عبد الرازق شيخ الأزهر بوسام كبير .
د) في 16-2-1947 توفي الشيخ مصطفي عبد الرازق وهو شيخ للأزهر ، وفي 22 من نفس الشهر تقدمت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بالتماس إلي الملك تطلب إصدار عفو عن الشيخ علي عبد الرازق بعد عشرين سنة من القرار الذي يحرمه من تولي أي منصب حكومي ... حتى يتولي فضيلته وزارة الأوقاف وقد كان وتولي هذه الوزارة .. وما كان لهيئة كبار العلماء أن تتقدم إلي السادة الملكية بطلب العفو عن الرجل الذي طرده الملك منذ عشرين سنة إلا أن يكون ذلك بإيعاز من الملك نفسه .. وبعد أن صدر العفو وتولي الشيخ عبد الرازق وزارة الأوقاف قامت الهيئة بمقابلة رئيس الديوان الملكي لإبلاغ جلالة الملك شكرها علي هذا التفضل .
هـ) في 1-3-1947 كانت خطة التمرد التي أعلنها الأستاذ حسين عبد الرازق قد بلغت أوجها فصدر قرار بإيقافه وإيقاف الأستاذ أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن والأستاذ كمال عبد النبي باعتبارهم خارجين عن الجماعة .

وقد رأيت أن أضع بين يدي القارئ الوقائع بتسلسلها وبتواريخها حتى يلمح في هذا التسلسل كيف تطورت الأمور بمندوب هذه الأسرة في الإخوان المسلمين هذا التطور الفجائي المريب ؛ فلقد التحق حسين عبد الرازق بالدعوة عن طريق عبد الحكيم عابدين كما قدمت ، وكانا لا يكادان يتفرقان ، وكان عبد الحكيم جريًا علي طبيعته البدوية يقضي مع حسين في بيته الوقت الطويل ويعتبر بيت حسين بيته فيطلب الطعام بنفسه ويشيع السرور في البيت بأسلوبه الأدبي المحبب ، وبنفسه الصافية الشفافة ، فإذا حبست الشواغل عبد الحكيم عن زيارة حسين طلبه حسين في كل مكان حتى يعثر عليه ... وظلت هذه العلاقة علي هذا الحال دون فتور نحو عامين كانا خلالهما مثلا كريمًا للصديقين الحميمين .

7 – كانت أقرب شعب القاهرة إلي المركز العام شعبة حي عابدين وكانت تضم مجموعة أكثرها من الطلبة والشباب الصغير من صغار الموظفين ، وبقدر ما كان حسين عبد الرازق علي صلة وثيقة بعبد الحكيم فإنه كان هو وأترابه من كبار القوم لا يختلطون بعامة الإخوان حتى إن هؤلاء الإخوان كانوا يعيبون عليهم هذا المسلك ويعدونه – كما قدمت – ترفعًا لا تقره دعوة الإخوان المسلمين .. ويبدو أن وحيًا من الأستاذ حسين أخذ يصل إلي إخوان شعبة عابدين كان من نتيجته أن رأينا هذا شباب فجأة يشيع مقولة سوء عن عبد الحكيم عابدين ورأينا الأستاذ حسين عبد الرازق أول من يتلقفها ويسارع إليها ويتبناها ، ورأينا مجموعة من هذا الشباب تمشي في ركابه وصارت بطانة له .

وشباب شعبة عابدين بحكم قربهم من المركز العام كانوا فتلا أكثر إخوان الشعب اتصالا بالأستاذ عبد الحكيم عابدين ، وكانوا يلوذون به وحين يبحث الواحد منهم عن زوجة يطمئن إليها ، وهو يعتبر نفسه والد هؤلاء الشباب . وقد دخل بيوت أهليهم – كطبيعته البدوية – وألم بما في كل بيت من فتيان وفتيات الزواج علي يديه ؛ وباعتبار الزوج والزوجة من أبنائه يزورهما في بيتهما الجديد ، ويطلب الطعام ، ويمزح معهما المزح الذي يزيدهما امتزاجاً وألفة . وهذه بلا شك صورة في ذاتها وهدفها كريمة تستحق الثناء ولكن الذين في قلوبهم مرض قد يجدون فيها مرتعًا خصيصًا أغراضهم وإرضاء نفوسهم . لقد دخل عبد الحكيم بيت حسين عبد الرازق أكثر مما دخل أي بيت من بيوت إخوان شعبة عابدين فلماذا لم يأت حسين في يوم من الأيام شاكيًا عبد الحكيم دخول بيته ؟ ..

8 – تقدمت فجأة مجموعة من شباب شعبة حي عابدين إلي المركز العام بمذكرة تتهم فيها الأستاذ عبد الحكيم عابدين باقتحام بيت زميلهم الأخ عبد المعطي ونري وسط أسماء المشاركين اسم شقيق الزوجة . فتهب زوبعة يثيرها أفراد من الماشين في ركاب الأستاذ حسين عبد الرازق فيترك الأستاذ المرشد كل ما بين يديه من أمور جسام ويتفرغ مهمومًا لتحقيق هذه التهمة الخطيرة ويصدر قرارين حاسمين :

الأول : بإيقاف عبد الحكيم وإبعاده عن المركز العام حتى يصدر قرار بإنهاء هذا الإيقاف أو يجعله دائمًا .
الثاني : بتكوين لجنة تحقيق لا يحضرني الآن من أسماء أعضائها إلا الأستاذ حسين عبد الرازق والأستاذ كمال عبد النبي ، وقد بقي في خاطري هذا الاسمان لأننا يوم صدر قرار تكوين هذه اللجنة تعجبنا وذهب بنا العجب كل مذهب أن يكون هذان هما مثيري هذه الفتنة – والأستاذ المرشد يعرف ذلك – ومع ذلك يجعلها من أعضاء اللجنة ، وقد ثبت لنا أخيرًا أنه كان أبعد نظرًا .

وتقوم لجنة التحقيق بالتحقيق في التهمة فتحدث المفاجأة التي أحبطت تدبيرهم وفضحت مؤامراتهم حين سئل الزوج وهو الأخ علي عبد المعطي الذي نوهنا عنه آنفاً فكذب كل ما قيل واستنكر ما أثير وأثني علي الأستاذ عبد الحكيم عابدين أحسن ثناء وقال : إن الأستاذ عبد الحكيم عابدين ما قام بيني وبين زوجتي إلا بما يقوم به الوالد للتوفيق بين أبنائه – ولم يكتف الأخ علي عبد المعطي بما قرره أمام اللجنة بل ذهب إلي الأستاذ المرشد وأعاد أمامه ما قرره أمام اللجنة ، فلم يسع الأستاذ المرشد بعد ذلك إلا أن يصدر قرارًا بإنهاء فترة إيقاف عبد الحكيم عابدين وإعلان براءته .

ولا يفوتني أن أذكر أنني مع كل ما بيني وبين عبد الحكيم عابدين من صداقة وطيدة وثقة تامة متبادلة باعتباري بشرًا وجدت نفسي أمام الحملة المسعورة التي آثارها هؤلاء المرجعون وقد اهتزت هذه الثقة في نفسي ، ووجدتني ألقي عبد الحكيم في المركز العام وأعرض عنه ، وقد لاحظ عبد الحكيم ذلك أكثر من مرة فاقتحم علي والدموع تترقرق في عينيه ووجه إلي عتابًا باكيًا أن تؤثر المؤامرة حتى تهز محمود عبد الحليم في أخيه عبد الحكيم .. وقد أجبته وأنا أغالب الدموع في عيني بقولي : معذرة يا عبد الحكيم إنك عزيز علي نفسي وحبيب إلي قلبي ولكن الدعوة أعز علي وأحب إلي ، ويجب أن تلزم بيتك حتى يتم التحقيق . وقد قصدت ما ذكر ما كان من لقائي مع عبد الحكيم في غمار هذه الفتنة أن أبين إلي أي مدى وصل تأثير الدعاية الأثيمة التي أثارتها هذه الفئة والتي سهروا علي تفجيرها تفجير يهز القلوب ويقتلع الثقة من النفوس .

وقد فقدنا في غمار هذه الفتنة أخًا كان أثيرًا لدينا هو الأخ الدكتور إبراهيم حسن الوكيل الثاني للإخوان ولست أدري حتى اليوم هل كان اعتزاله لمجرد تأثره بهذه الدعاية التي ثبت زيفها أم كان لشعوره بأن منصبه في الدعوة لم يعد يحظي من اهتمام الإخوان يمثل ما كان يحظي به من قبل ، فرأي التعلل بالتأثر بهذه الدعاية فرصة يخفي وراءها السبب الأصيل . ولما ظهرت براءة الأستاذ عبد الحكيم عابدين وأعلنت هذه البراءة ، أعتقد الإخوان أن الأمر قد انتهي عند هذا الحد ، وأن كل أخ ممن رتعوا في الفتنة سيستغفر الله ويرجع إلي مكانه في الدعوة ولكن الغريب في الأمر أن حسين عبد الرازق وكمال عبد النبي وهما كانا من أعضاء لجنة التحقيق وكان أولي الناس بالرجوع إلي الحق قد ركبا رأسيهما وأصرا علي رأيهما دون مبرر وأعلنا اعترافهما محتويين الدكتور إبراهيم حسن والعدد الذي كان مفتونا بهما من أعضاء شعبة حي عابدين علي أن من هذا العدد من فاء إلي الحق ورجعوا بعد ذلك تائبين . وهكذا فعل التأثير العائلي في رجل آمن بفكرة وبايع عليها ثم رأي أنها صارت تتعارض مع مصالح أسرته فضحي بفكرته في سبيل هذه الأسرة . وصدق الله العظيم حيث يقول " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين " .

9 – في ذلك الوقت نفسه وفي غمار هذه الأحداث الخطيرة ووسط تلك الضربات المذهلة المفاجئة وعلي أثر عدد من أوجه النشاط الاجتماعي والسياسي برز فيها دور عبد الحكيم عابدين ممثلا للدعوة في مصر وخارج مصر ، فاض الكيل بالأستاذ أحمد السكري الذي كان يعاني من قديم شعورًا خاصًا أشرنا إليه .. ويبدو أنه رأي هذه الظروف القاسية فرصة سانحة بإثارة أن الأستاذ المرشد قد هضم حقه وسلبه اختصاصه وتخطاه بما خص به عبد الحكيم عابدين من اتصالات وتمثيل للإخوان في مواقف هامة ، وبدت من الأستاذ أحمد بوادر فيها رائحة التمرد لأول مرة وحاول الأستاذ المرشد رده إلي الصواب فقابله بالإصرار فرأي الأستاذ المرشد أن يرجع في هذا الأمر إلي الهيئة التأسيسية فدعاها إلي الاجتماع وأذكر أن هذا الاجتماع ظل ثلاث ليال متتالية كل ليلة تبدأ من صلاة المغرب وتستمر حتى صلاة الفجر فطلوع الشمس .

وقد بدأ الأستاذ المرشد الحديث في الليلة الأولي فسرد المواقف التي دعت إلي تكليف الأستاذ عبد الحكيم عابدين بما عهد إليه وبه وأوضح الأستاذ أن ذلك لا يمس كرامة وكيل الإخوان ولا ينتقص من قدره في قليل ولا كثير إلا أن تكون هناك حساسية ، وأن هذه الحساسية لا ينبغي أن يكون لها وجود في مجتمع قائم علي الإيمان والأخوة ثم تطرق من ذلك إلي أن لقائد الدعوة أن يعهد بما يشاء لمن يشاء لأنه أدري بالأصلح للأداء وله علي الجميع حق الطاعة .. ثم طلب إلي الأستاذ أحمد أن يقول ما عنده فشرح وجهة نظره ثم دارت بينه وبين بعض الأعضاء مناقشات تدخل في بعضهما الأستاذ المرشد ، واستمرت المناقشات طيلة الليلتين الأولي والثانية . وفي الليلة الثالثة فاجأ الأستاذ المرشد الجلسة بإثارة الموضوع الذي كنت تكلمت معه فيه في أوائل أيام اتصالي بالدعوة في خلال عامي 1936 ، 1937 والذي أشرت إلي طرف منه في بدء الحديث عن هذه الفتنة . وقد طلب الأستاذ المرشد أن أشرح للهيئة الموضوع بالتفصيل ففعلت .. ودارت مناقشات طويلة حول الموضوع استغرقت الليل كله .. ويبدو أن حديثي إلي الهيئة كان له وقع عميق في نفوس الأعضاء بدا آثره في مناقشاتهم حتى أيقن الأستاذ أحمد أن الاتجاه الاجماعي للهيئة ينذر بفصله مع أنه كان يطمع أن يجد من الأعضاء من يسند ظهره ويؤازره موقفه علي أن الأستاذ المرشد لن يثير لا موضوعه مع الأستاذ عبد الحكيم عابدين .

وأذن للفجر وأقيمت الصلاة وصلينا خلف الأستاذ المرشد ، ثم استؤنفت الجلسة ، وكان مفروضًا أنها تستأنف لأخذ الأصوات علي قرار .. ولكن الذي حدث أن الأستاذ أحمد طلب الكلمة ، فوقف وتحدث حديثاً حلوًا كأنما غسلت الصلاة قلبه ، وكان حديثه اعترافاً بأخطائه وتوبة إلي الله منها ورجوعًا إلي الحق وقد طلب في آخر كلمته الصفح مني نحوه فقدمت فقمت من مكاني وتوجهت إليه وعانقته وتبادلنا القبلات وكلانا تنهمر دموعه سرورًا وفرحًا ... وكانت ساعة من أجمل ما مر علينا من ساعات الحياة فاضت فيها عيون الجميع وتعانقت قلوبهم وصفت نفوسهم ووقف الأستاذ المرشد فحمد الله تعالي وأثني عليه إذ وفق إلي هذه النهاية الطيبة وقابل اعتذار الأستاذ أحمد إليه بالإشادة بفضله . وانقضي الاجتماع وطلعت الشمس وانصرف أعضاء الهيئة كل إلي بلده مسرورًا ليحمل إلي إخوانه هذه البشري المأمولة والنتيجة الطيبة .

ارتداد : ما كاد أعضاء الهيئة التأسيسية يصلون إلي بلادهم حتى فوجئوا بموقف أذهلهم وخلع ألبابهم ، ذلك أن صحف حزب الوفد – التي كانت في ذلك الوقت تشن حملة علي الإخوان – صدرت بنبأ عجيب أن الأستاذ أحمد السكري الوكيل العام للإخوان المسلمين استقال من الإخوان المسلمين ثم إن صيغة استقالته لم تكن مجرد صيغة استقالة بل كانت تهجمًا علي الدعوة وعلي مرشدها كان اللغز هو أنه لو كان في نية الأستاذ أحمد الاستقالة فلم لم يستقل في جلسة الهيئة التأسيسية التي امتدت ثلاث ليال متتالية قبل أن يواجه بالنقد ؟! ولم أعلن اعترافه بأخطائه فبكي وأبكي وأحس لأول مرة أن قلوب ممثلي الدعوة في كل مكان قد انفتحت له وبعد أن عانقه عناق حب وصفاء من واجهوه بالنقد ؟! . لو كان في نيته الاستقالة لما انتظر حتى يرشق بالسهام من كل جانب .. بل لما حضر هذا الاجتماع الذي كان يعرف أنه سينعقد لمحاكمته ... ولاستقال احتجاجًا علي مجرد الدعوة لاجتماع يعقد لمحاكمته .. ولكان بهذه الاستقالة قد تفادي موقف الاتهام . استعرضنا الموضوع من جميع نواحيه وعللناه من مختلف احتمالاته فلم نجد لهذه الاستقالة المفاجئة مع الظروف التي سبقتها معني ولا مبررًا ولا يمكن أن تنسق مع مقدماتها .. فلابد أن يكون عامل خارج عن الموضوع قد تدخل ، وأخذنا نستعرض ما خطر علي بالنا من عوامل حتى اهتدينا إلي العامل الأقرب احتمالا .

كانت قد توطدت صداقة بين الأستاذ أحمد وبين الأستاذ حسين عبد الرازق منذ انضوي الأخير تحت لواء الدعوة ، ولكنها صداقة من نوع آخر غير النوع الذي يربط بين حسين عبد الرازق وعبد الحكيم عابدين أنها صداقة ارستقراطية لم يتعودها الإخوان في مجتمعاتهم .. وكان الأستاذ حسين يعرف مآخذ الإخوان علي الأستاذ أحمد وأن الإخوان لا يتغاضون عنها ، كما كان يعلم أنه ليس من السهل قبول الأستاذ أحمد توجيه اللوم إليه من أجل هذه المآخذ .. وكان موقنًا بأن جلسة المحاكمة إذا لم تنته بانفصال الأستاذ أحمد فلا أقل من أن تنتهي بتوسيع شقة الخلاف بينه وبين الإخوان .. أما وقد انتهت الجلسة بما لم يكونوا يحتسبون .. بالمصافاة والوئام .. إذن فلابد من التدخل . لقد كان الأستاذ أحمد السكري صيدًا سمينًا لهواة الصيد في الماء العكر وما كان أكثرهم في ذلك الوقت .. إن الجميع في ذلك كانوا يتربصون بالإخوان شرًا ، القصر وأحزابه والوفد الذي خلع العذار في إعلان حرب دنيئة علي الإخوان .. ومن وراء هؤلاء المصريين ما يغنيه عن أن يضرب بيده ... ولا شك في أن حسين عبد الرزاق كانت تنطوي جوانحه علي عناصر من الخير ، لكن يبدو أن هذه العناصر لم تكن من القوة بحيث تثبت أمام عناصر أخري تكالبت عليه من أسرته فانهار بين يديها وصارت تحركه بعد ذلك حيث تشاء ... وكأن أسرته رأت أن تثبت " لسيد البلاد " الذي بوأ عميدها منصب مشيخة الأزهر والذي احتضن ابنها بعد أن أصدر ضده قانون الحرمان لمدة عشرين عامًا وبوأه منصب وزارة الأوقاف أن تثبت له ولاءها وتفانيها في خدمته ، ولم يكن في يديها ورقة تلعب بها في هذا المضمار أربح من ابنها الذي كان من الإخوان المسلمين فسلطته علي أحمد السكري بحكم الصداقة بينهما .

ولم يكن حسين عبد الرزاق أبله حتى يوجه صديقه بعد أن يشحنه إلي الارتماء علي أعتاب القصر فإنه يعلم أن أحمد السكري مهما شحن ضد إخوانه فهو بريًا بنفسه أن يكون في هذا الموضع .. وإذن فليكن التوجيه إلي الوفد الذي كان فاتحًا ذراعيه لأصغر صغير من الإخوان فما بالك بالوكيل العام للإخوان . ونجح التدبير الأثيم ، وصارت " صوت الأمة " لسان حال الوفد تطالعنا كل صباح في صدرها بكلمات للأستاذ أحمد في الفخ ، وأن يتمكن الأعداد لا من الإيقاع به فحسب بل ومن إحراجه في كتابة يعلمون أنها تقطع عليه خط الرجعة . كان الأستاذ أحمد السكري أعز علي نفس الأستاذ المرشد من أن يراه مخطئًا فلا يقبل عثرته ،وأكرم عليه من أن يتركه مهما كثرت المآخذ عليه دون أن يأخذ بيده .. ولكن الشحنة التي شحنها الأستاذ أحمد أذهلته عن نفسه وغشت علي بصيرته حتى لم يعد يري أبعد من موطئ قدمه مع أنه ممن لا يغيب عن مثله أن هؤلاء الذين تلقوه في أحضانهم بضاعتهم الكذب وهدفهم الاستغلال ولا مكان في صفوفهم لرجل لم يعش منذ حداثته إلا في رحاب الدين والأخلاق .. فإذا استقبلوا مثله لا يلبثون بعد أن يستعملوه في أغراضهم أن ينبذوه نبذ النواة .

ولكن الأستاذ أحمد لم يدع للأستاذ المرشد فرصة يقبله فيها من عثرته بعد أن كتب ما كتب أو بالأحرى والأدق بعد استكتبوه ما أرادوا فأوغر بذلك صدور الإخوان نحوه في كل مكان وجدير أن أقرر أن الأستاذ المرشد كان شديد الحرص علي أن يحمي عرض الأستاذ أحمد فلم يكن حتى جلسة الهيئة التأسيسية التي أشرت إليها عقدت خصيصًا لمحاكمته يسمح بأن يعلم بالمآخذ التي أخذت عليه إلا أعضاء الهيئة ليس غير ، وكان الاتجاه المقرر أن لا يثير الأعضاء في بلادهم ما دار في الجلسة حول هذه المآخذ حتى تظل صدور الإخوان بعيدة عن الحرج نحو الأستاذ أحمد .. أما وفد أوغر الأستاذ أحمد بنفسه صدور الإخوان نحوه فلم يعد للأستاذ المرشد سبيل لإقامة من عثرة ولا لأخذ بيد .. ومن هنا كان حزن الأستاذ المرشد وأسفنا .. وكان ما توقعناه فقد استغل اسمه فترة ثم اختفي ، بدأوا بإبراز كلمته في صدر الجريدة ثم تقهقروا بها إلي داخلها ثم ألقوا بها في زاوية منها ثم لما رأوا أن لا أثرها ولا نتيجة قد تحققت منها عدلوا عنها (40).

ولم ينس الإمام البنا فضل الصحبة والعشرة الطويلة مع الأستاذ السكري فأرسل رسالة للإخوان عبر جريدة الإخوان اليومية يوصيهم فيها بعدم التعرض لشخص الأستاذ السكري أو النيل منه والقضاء على كل إشاعة (41). وذكر الأستاذ محمود رخا من أن الأخ عبد الجواد بركات من إخوان دمنهور وكان يعمل ميكانيكي, وكان الأستاذ السكري قد ذهب إليه لإصلاح سيارته ومعه أحد أصحابه ووقفا الاثنين يتجاذبان أطراف الحديث وتفوها بكلام لا يليق في حق الأستاذ البنا وسمعهما الأخ عبد الجواد وبعد الانتهاء من تصليح السيارة رفض الأخ عبد الجواد أخذ قيمة التصليح قائلا: " لقد أوصانا الإمام البنا بك خيرا, وقال لا تنسوا جهاد الرجل معنا عشرون عاما" فذهل الأستاذ السكري وغادر المكان (42).

وبعد أن خرج الأستاذ السكري من الجماعة كون جمعية أطلق عليها جمعية الإخوان المجاهدون الأحرار، واتخذ لها مقرا في ميدان الخديوي إسماعيل (43). غير أن الجمعية لم تدم كثيرا, فانضم السكري لجماعة مصر الفتاة بعد أن يئس من تأييد الوفد المصري له تأييدا إيجابيا, وقد قدمه الأستاذ أحمد حسين رئيس الحزب إلى أعضاء الحزب على أن يكون وكيلا له, فعمل السكري على توتر العلاقة بين الإخوان المسلمين ومصر الفتاة (44).

وظل الأستاذ السكري يهاجم الإخوان ومرشدهم عبر صوت الأمة, حتى في أحلك الظروف وأثناء وجود الإخوان فى حرب فلسطين, هاجمهم وسخر منهم وأنهم لا يقدرون على محاربة اليهود (45).

غير أن هذه النبرة بدأت تخف خاصة بعد تخلى الوفد عن السكري, وانشغال الإخوان بالحرب وانشغال المجتمع بظروف وطبيعة حرب فلسطين, وتوارى السكري خلف الستار فلم يكن له أي دور يذكر بعد ذلك حتى توفى في 27 مارس 1991م.

ثقوب في جدران الإخوان المسلمين .. (الحلقة الرابعة)

أعلن الحاكم العسكري ورئيس الوزراء قرارا بحل الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948م، ومصادرة أملاكها واعتقال أفرادها، ثم تم اغتيال مرشدها حسن البنا في 12 فبراير 1949م وظلت الجماعة في طور المحنة سنين عددا حتى حكمت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار الحاكم العسكري وعودة الجماعة لنشاطها واسترداد أملاكها وذلك في 17 سبتمبر 1951م،

انشقاقات ما بعد البنا

ودخلت الجماعة في طور الفراغ القيادي ومن ثم سارع أعضائها بمحاولة اختيار مرشد جديد لكنها محاولات باءت بالفشل لتنازع الأستاذ صالح عشماوي وعبد الرحمن البنا الأمر بينهما، حتى اقترح المستشار منير الدلة أن يأتوا بمرشد ليس معروفا للجميع ولديه القدرة على الاحتواء حتى تنتهي الأزمة وتجرى انتخابات جديدة وبالفعل تم اختيار المستشار حسن الهضيبي – القاضي في محكمة النقض - مرشدا عاما للإخوان في 17 أكتوبر 1951م.

وبقي حسن الهضيبي يؤدى عمله سرًّا نحو ستة شهور، لم يترك العمل في القضاء خلالها. ولما سمحت حكومة النحاس باشا؛ للهيئة التأسيسية للإخوان بالاجتماع، طلب أعضاؤها من حسن الهضيبي أن يرأس اجتماع الهيئة بصفته مرشدًا للجماعة، ولكنه رفض طلبهم إذ اعتبر انتخابه من قبل الهيئة التأسيسية في المرحلة السرية من الدعوة لا يمثل رأى جمهور الإخوان، وطلب منهم أن ينتخبوا مرشداً آخر غيره، ولكن الإخوان رفضوا طلبه، وقصدت وفود الإخوان من جميع مصر بيته، وألحت عليه بالبقاء كمرشد عام للجماعة، وبعد أخذ ورد وافق على مطالب وفود الإخوان، وقدم استقالته من القضاء.

تعرض المرشد الجديد لكثير من الغمز واللمز وإثارة الشبهات حوله مدعين بعده عن مركز صناعة القرار في السابق، وأنه لا يتحلى بالخبرة والحنكة التي تحلى بها البنا، غير صمته الكثير الذي لم ير فيه أنصار الإخوان بغيتهم خاصة بعد متحدث مفوه مثل حسن البنا، إلا أن كل ذلك لم يكن يشغل المرشد الجديد والذي سعى لوضع اطر واستراتيجيات الجماعة على أسس جديدة غير التي كان ينتهجها الإمام البنا وذلك وفق المتغيرات والمستجدات على الساحة.

وفي تصريح للمرشد العام طالب الحكومة بالعفو عن المسجونين السياسيين الذي حبسوا لعدائهم للانجليز، كما انشغل حسن الهضيبي في هذه الفترة بالحرب الدائرة في القنال، ومتابعة أبناء الحركة من الطلاب والمجاهدين ومحاولة التعمية عنهم بالتصريحات الإعلامية. لم يقف الأمر عند ذلك بل خاطب الشعب بعدم التعاون مع الإنجليز سواء بالعمل في معسكراتهم أو العمل التجاري وبالفعل استجاب الكثير حتى أن الحكومة أكبرت هذا العمل ووعدت بتوظيف كل هؤلاء العمال في الدوائر الحكومية.

ولقد أوضح موقف الإخوان من الحرب في القنال بقوله:

كثر تساؤل الناس عن موقف الإخوان المسلمين في الظروف الحاضرة، كأن شباب مصر كله قد نفر إلى محاربة الإنجليز في القنال، ولم يتخلف إلا الإخوان المسلمون، وكأن دور اللهو والمجانة أغلقت وحرمت على اللاهين والماجنين، وكأن الجالسين في ظل ظليل وعيش رغيد وأمن لا خوف فيه، ومكاسب لا يدري أحلال كان أم حرام، تركوا ذلك كله وأخذوا في الجد من العمل والمر من الكفاح، ولم يجد هؤلاء وأولئك للإخوان عذرًا واحدًا يجيز لهم الاستبطاء بعض الشيء، ولم يفطن أحد إلى أنهم كانوا إلى وقت غير بعيد مقيدين بقيود لا تسمح لهم بالحركة، ولا يزال شبابهم المكافح رهن السجون.
وأيًا كان غرض المتسائلين من تساؤلهم، فإن الإخوان لن يتكلموا إلا إذا شاءوا، ويحبون أن يؤدوا واجبهم في صمت، وخير لهم وللأمة أن تنطق أعمالهم وهم لا ينطقون، ولا يريدون أن يقولوا ما قال واحد منهم - ليس له حق التعبير عنهم – إنهم قد أدوا واجبهم في معركة القنال، فإن هذا غلو لا جدوى له ولا خير فيه، ولا يزال بين ما فرضه الله عليهم من الكفاح وبين الواقع أمد بعيد، والأمور إلى أوقاتها.

ونشر الكاتب الشهير إحسان عبدالقدوس مقالاً له قال فيه:

"والإخوان المسلمون اليوم - كما كانوا بالأمس - هم الذين يمثلون دعوة الدين إلى الجهاد ، وبفضل دعوتهم هذه شهدت ساحات فلسطين أبطالاً منهم، وقفوا وقفة العمالقة، وهتفوا باسم الله، فإذا البطل منهم في صورة عشرة أبطال، ولا يستطيع ضابط ممن اشتركوا في حملة فلسطين، أو مراقب ممن راقبوا معاركها أن ينكر فضل متطوعي الإخوان المسلمين فيها، أو أن ينكر بطولتهم وجسارتهم على الموت، والعبء الكبير الذي تحملوه منها، راضين فخورين مستشهدين في سبيله.

منصب المرشد العام بدأ من حرب القنال

لقد جرت أحداث كثيرة منذ أن تولى حسن الهضيبي منصب المرشد العام بدأ من حرب القنال التي أشعلت النار في قلوب المصريين واستشهد العديد من شباب مصر، ثم تغيير الوزارات والانتخابات البرلمانية ومقابلته للملك فاروق ، وحريق القاهرة الذي أشاع الفزع في قلوب المصريين، ثم كانت ثورة يوليو التي تضامن فيها الإخوان مع الضباط الأحرار لإسقاط رمز الفساد المتمثل في الملك وحاشيته، والتي تفاجأ بها شعب مصر صباح اليوم التالي مع كلمات البيان العسكري.

منذ هذه اللحظة بدأت الخلافات تظهر جلية على الساحة بينالمرشد العام ومكتب الإرشاد من جهة وبين الحرس القديم للنظام الخاص من جهة والتي عبر عنه حسن الهضيبي بقوله لمحمود عبد الحليم – أثناء زيارته لدمنهور في ربيع عام 1952م: وقد علمت بعد ذلك بما كان من أمر النظام الخاص وتمرده على الدعوة .

وعلمت بما كان من محاولات لإقناعهم وكبح جماحهم وبأن هذه المحاولات لم تجد معهم .. وقد كدت أرجع إلى رفضي لأني لا أقبل أن أكون على رأس دعوة يتسلط عليها مركز قوة من داخلها فإن هذه المراكز هي ديناميت ينسف الدعوة فلا يبقي منها على شئ. و أنكر أن الجماعة في هذا الوقت أصبح مسرحا مفتوحا لمن يريد به الشر حيث الاستقطابات الكثيرة وانخداع البعض بحلو الكلام لعبد الناصر، ولاختلاف البعض مع رؤية طبيعة المستشار حسن الهضيبي دفعت الجميع أن تخرج المشاكل بشكل فج عبر صفحات الصحف والتلاسن بين الأطراف.

بداية الغيث .. الباقوري

كانت أول الانشقاقات ما قام به الشيخ الباقوري حينما عرض الضباط الأحرار على الإخوان ترشيح ثلاثة لوزارة محمد نجيب، يقول محمود عبد الحليم: استدعاني أنا وحسن وكان يوسف صديق حاضرًا .. وفاجأنا بقوله : " أنا عايز ثلاثة من الإخوان يدخلوا الوزارة ، فرد يوسف صديق : " إحنا هنخليها فقهاء " ..

فقال له حسن العشماوي : ما لهم الفقهاء .. ما له واحد زى الشيخ الباقوري بغض النظر عن الموضوع . وقال عبد الناصر : أنما كنت اقترحت أنك تدخل الوزارة – والكلام كان موجها لحسن العشماوي – أنت ومنير الدلة ولكن الزملاء معترضين لصغر سنكم .. وإحنا عايزين ترشحوا لنا اثنين أو ثلاثة .

وذهبنا إلي المرشد .. واجتمع مكتب الإرشاد واتخذوا قراراً بعدم الاشتراك في الوزارة بعد مناقشات طويلة .. فقد رأي البعض أن اشتراكنا في الوزارة سيجعلنا مبصرين بكل الخطوات التي تقوم بها الحكومة .. ولكن المرشد كان له رأي آخر وهو أنه : لو حدثت أخطاء من الحكومة فإنها ستلقي علي الإخوان فضلاً عن أن رسالة الإخوان كما كان يراها المكتب في تلك الآونة هي عدم الزج بأنفسهم في الحكم .

أبلغنا جمال عبد الناصر يقرر المكتب ، فطلب من المرشد أن يرشح له أشخاصًا آخرين من غير الإخوان ، فرشح له أحمد حسني وزكي شرف ومحمد كمال الديب إلا أن عبد الناصر اختار أحمد حسني فقط كوزير للعدل ، استطاع الاتصال بالشيخ الباقوري وكان عضوًا بمكتب الإرشاد وأقنعه بالخروج علي قرار المكتب وقبول الوزارة وزيرًا للأوقاف فقبل .

واتصل بي كمال الدين حسين وطلب مني محاولة إقناع أعضاء المكتب بقبول دخول الشيخ الباقوري الوزارة حتى لا يحدث صدع بين الحكومة والإخوان ، فذهبت إلي مقر الجمعية لإبلاغ المرشد بحديث كمال الدين حسين لي ، فوجدته في حالة ثورة علي صالح أبو رقيق ؛ لأنه أبلغه أن الباقوري خالف قرار المكتب .. وبعد ساعة أذيع تشكيل الوزارة ، وخرج المرشد إلي منزله

وعند خروجه قابله الصحفيون وسألوه :

  • هل عرضت عليكم الوزارة ؟ .
  • فأجاب : لقد عرضت علينا واعتذرنا .

ثم يكمل صالح أبو رقيق روايته نقلاً عما سمعه من المرشد فقال :

جلس المرشد في صالون منزله حزينًا لخروج الباقوري علي إجماع مكتب الإرشاد ، وقرب منتصف الليل وصل الشيخ الباقوري إلي منزل المرشد وصافحه وقبل يده وقال : أنا تصرفت .. أتحمل نتيجة تصرفي ، وأنا مستعد أن أستقيل من مكتب الإرشاد . ورد حسن الهضيبي : لسه ؟ وقال الباقوري : ومن الهيئة التأسيسية .. ورد حسن الهضيبي : لسه ، وقال الباقوري : ومن جماعة الإخوان المسلمين . ورد حسن الهضيبي : هكذا يجب . وطلب الشيخ الباقوري ورقة وكتب استقالته من جماعة الإخوان المسلمين.

وقد سأل أحد الصحفيين الشيخ الباقوري وزير الأوقاف عن أسباب استقالته من الإخوان، فقال:

"هي أسباب أحب أن أوثر بها نفسي، وليس من بينها سبب واحد يمس احترامي لإخواني، واعتزازي بهم، فكل واحد منهم صغيرا كان أو كبيرا في أعمق مكان من قلبي".

وأُعْلِنَ ذلك في الصحف، فقد جاء في "أخبار اليوم" في 13/9/1952 ما نصه: "اتصل الأستاذ حسن الهضيبي - رئيس جماعة الإخوان المسلمين - بجميع الصحف ليلة تأليف وزارة محمد نجيب، وطلب إليها أن تنشر على لسانه؛ أن الأستاذ أحمد حسن الباقوري قد استقال من الإخوان".

ثقوب في جدران الإخوان المسلمين .. (الحلقة الخامسة)

من المعروف أن الأستاذ البهي الخولي واحد من الذين عاصروا الجماعة منذ بداية عهدها، وكان له إسهامات كثيرة، وقد تتلمذ على يده الكثير من الأفذاذ الذين نتعلم من فكرهم وكتاباتهم مثل الدكتور القرضاوي وعبد العظيم الديب وغيرهم، حتى أن الإمام البنا وصفه بقوله: الأخ الداعية المجاهد الأستاذ البهي الخولي هو بحمد الله صافي الذهن، دقيق الفهم، مشرق النفس، قوي الإيمان، عميق اليقين.

خروج البهي الخولي

كما أنه اعتقل عام 1948م بسجن الطور حتى أفرج عنه مع بقية إخوانه الذين ما أن خرجوا حتى عملوا على إعادة الشرعية لجماعتهم ثم أختاروا مرشدا جديدا لهم، ومع أول انتخابات لمكتب الإرشاد الجديد تم اختيار الأستاذ البهي الخولي، وظل فيه حتى قامت الثورة وكان له وجهة نظر في عبد الناصر تخالف وجهات نظر كثيرا من أعضاء مكتب الإرشاد والإخوان وهي أن عبد الناصر واحد مننا ويجب أن ندعمه وهو أمين مؤتمن، بالرغم من الحقائق التي كانت تتكشف أمامه غير أنه ظل مؤمنا بهذا الرأي.

عمل عبد الناصر على تفتيت صف الجماعة أو ضمها لهيئة التحرير لتكون تحت تصرفه، وحينما خاب رجاؤه بث الفتنة في صفوف الجماعة وعمل جاهدا على انقلاب البعض على حسن الهضيبي وفريقه الذين كانوا يرفضون سياسة عبد الناصر، حتى اشدد الصراع وفصل عدد من النظام الخاص ومن كبار الإخوان.

ظل الصراع محتدم بين الطرفين، غير أنه كان في قيادة الإخوان فريق يرى أن الصدام مع عبد الناصر سيؤدى لعواقب وخيمة ولابد أن تسير الجماعة وفق رؤيته. واحتدم النزاع واختلف أعضاء الهيئة التأسيسية فيما بينهم، فكان منهم فريق على رأسهم الأستاذ البهي، يرون ضرورة الصلح مع عبد الناصر، وتفادي جر الجماعة إلى معركة غير متكافئة مع الثورة، تجر فيها للمهلكة بغير مبرر، وهؤلاء يحسنون الظن بعبد الناصر، ويرون أنهم إذا عقدوا عهدًا معه نفذه.

وفريق آخر يمثل قيادة الإخوان، ويمثل الأكثرية منهم أيضًا: لا يثقون بعبد الناصر، ولا بتعهداته، وأنه لا يضمر خيرًا للجماعة، بل يتربص بها، ويريد أن يتخلص منها؛ ولهذا يريد ضرب بعضها ببعض فيكون بأسهم بينهم شديدًا، ويبدو أن الأحداث بعد ذلك صدقت ما قاله هؤلاء في عبد الناصر، وأن رؤية الأستاذ حسن الهضيبي كانت أصدق.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي:

وكان الأخ الأستاذ محمود عبد الحليم عضو الهيئة التأسيسية والحائز على رضا الطرفين، وغير المحسوب على أي منهما قد اتخذ مبادرة إيجابية، واتصل بعبد الناصر عن طريق رجليه إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة، وكتب مذكرة في التقريب والمصالحة بين الطرفين. قبلها في الجملة عبد الناصر بشروط، وعرضها الأستاذ محمود على حشد إخواني كبير في منزل الأستاذ محمد جودة عضو الهيئة التأسيسية والتاجر المعروف، وصديق عبد الناصر..
وتبنى الحشد الإخواني هذه المذكرة، وإن كان للأستاذ البهي رأي ذكره ودافع عنه أمام هذا الحشد، وهو اقتراح خلع المرشد الأستاذ حسن الهضيبي، والاستعاضة عنه بلجنة تدير الجماعة ، حتى تختار مرشدا آخر، ورأى أن هذا هو الذي ينقذ الموقف. وعارضه الأستاذ محمود في هذا، وأنه ليس من الصواب ولا الحكمة أن نعرِّض الجماعة في مثل هذا الوقت لهذه الأزمة، وأن هذا سيحدث فتنة كبيرة، وفتقا قد لا يستطاع رتقه في الظروف الحالكة الحاضرة.

ويقول الأستاذ محمود عبد الحليم:

وظل جمال عبد الناصر يدعو الإخوان إلي هذه الهيئة ، ولم يصدر من قيادة الإخوان ما يحجز علي الإخوان أن يتحركوا كما يشاءون ، فقام عدد من دعاة الإخوان بزيارة مقر قيادة الهيئة ، والالتقاء بطبقة الموجهين فيها ، والفلاسفة الذين صاغوا مبادئها ، وحددوا أهدافها ، وهم من أساتذة الجامعة وكبار الكتاب ..
فلما التقوا بهم واستطلعوا منهم ما صاغوه من مبادئ وأهداف ، سمعوا منهم كلامًا خطيرًا ، سمعوا منهم أن الهيئة أوسع أفقاً من الإخوان المسلمين ، فمثلها العليا لا تقتصر علي محمد وعمر وخالد بل تتسع لتشمل لينين وماركس وفرويد – رجع إلينا هؤلاء الإخوة الدعاة رافضين آسفين ..
وكان منهم الأخ الأستاذ البهي الخولي الذي قص عليّ ما رأي وما سمع ، وأخبرني فيما أخبرني بأن فلاسفة التحرير أخبروه أن خزائن الدولة مفتوحة للدعاة علي مصارعيها وكذلك مناصبها . وقد كان هناك تركيز من جمال عبد الناصر علي جر شخصيتين إخوانيتين بالذات إلي الهيئة . وهما الإخوان البهي الخولي وسيد قطب.
ويبدو في تلك الأيام أن الأستاذ سيد قطب قد سارع بإعلان قطع صلته بهذه الهيئة ، ولكن الأستاذ البهي قد تريث طويلاً علي الهيئة ، وساء هذا التريث كثيرين من الإخوان حتى تحدثوا إليه في ذلك ، ووصلت القضية إلي مسامع المرشد العام فأوجدت جفوة بينه وبين الأستاذ البهي غير أن هذه الجفوة زالت بعد فترة بسيطة.

ويضيف:

وحضر الضابطان الطحاوي وطعيمة ، وأخبرانا بأنهما أطلعا جمال عبد الناصر علي المذكرة ، فقرأها ووافق علي ما جاء بها موافقة مبدئية علي أن يلتقي غدًا صباحًا في منزله بوفد يمثل الإخوان للتباحث معه في هذا الموضوع .

وقرأت المذكرة علي الاجتماع فنالت منهم موافقة إجماعية ، وأمضينا معظم الليل في مناقشات حول الموقف وتقدم بعض الإخوان بمقترحات كان أهمها وأخطرها اقتراح للأخ البهي الخولي بإعلان الإخوان خلع الأستاذ حسن الهضيبي من منصب المرشد العام ، وقد استغرقت مناقشة هذا الاقتراح أكثر الوقت وكان الأستاذ البهي جادًا أشد الجد في عرض اقتراحه هذا ،

وجمع توقيعات أكبر عدد من إخوان الهيئة التأسيسية بالموافقة عليه ، حتى إنه بعد أن طالت المناقشة في شأن اقتراحه ، طلب إليّ أن ننتحي معًا في حجرة أخري ، وطلب إليّ التوقيع بعد أن شرح لي وجهة نظره ، وهي تتلخص في أنه يري أن الأحداث تتفاقم يومًا بعد يوم ، وقد بلغت حدًا لم يعد في طاقة الإخوان تحمله ، وأن كيان الدعوة أضحي في خطر لاسيما بعد اختفاء المرشد العام – الذي يعده الأستاذ البهي هروبًا من المسئولية ،
ودليلاً علي أن الأحداث قد وصلت في تفاقمها إلي الحد الذي لا يستطيع هو شخصيًا (يقصد المرشد) الثبات أمامها .. ويقول الأستاذ البهي إن المسئول عن وصول الحالة إلي هذا الحد هو الأستاذ المرشد .. وإذا كنا نريد إنقاذ الإخوان مما ينتظرهم من أهوال فعلينا أن ننحي المرشد العام لننهج نهجًا جديدًا . كانت هذه وجهة نظر الأستاذ البهي – وهو من الأشخاص القلائل في دعوة الإخوان الذين تربطني بهم صلات خاصة من الحب والاحترام منذ جمع الأستاذ الإمام بيني وبينه وآخي بيننا.

قلت له :

يا أخي إن تنحية المرشد العام في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة سيكون لها من الأخطار والأضرار ما يتضاءل أمامه أشد ما نخشاه علي الدعوة من أخطار وأضرار لأنها ستشقق الإخوان شيعًا وأحزابًا يقاتل بعضها بعضًا حتى يقضوا بأنفسهم علي دعوتهم ، ويوفروا بذلك علي غيرهم الجهد في محاولة ذلك

قلت له :

إن محاسبة القائد علي أخطاء يري بعض الجنود أنه مسئول عنها لا تكون وسط المعركة وهي تدور رحاها ، وإنما يجب أن نتماسك حتى تنتهي المعركة ، فإن كان حساب فليكن حينئذ .. وقلت له إن علاج ما نعانيه لا يكون بهذا الأسلوب .
والذي أراه – وأختلف معك فيه – هو أن هذا الرجل لا عيب فيه ، وهو قائد كفء وله في أعناقنا بيعة . ودعني أواصل طريقتي في الإصلاح التي عرضتها عليكم وحظيت منكم جميعًا بالقبول.وقد ذكر إبراهيم زهمول أن البهي ترك الجماعة وأصبح مدير الثقافة الإسلامية بوزارة الأوقاف حيث مضى في مدن مصر مروجا لعبد الناصر متحدثا إلى الإخوان عن مثالب المرشد ومعلنا نقض بيعته وخروجه عليه - رحمه الله.

تسلم الباقوري مقاليد وزارة الأوقاف

بعد تسلم الباقوري مقاليد وزارة الأوقاف قرب عبد الناصر إليه كلا من: سيد سابق، البهي الخولي، محمد الغزالي وغيرهم من شيوخ الأزهر المنتمين إلى الإخوان. ومن العجيب أن الأستاذ البهي الخولي الذي حاول الانقلاب وعزل المرشد العام هو من طاف المحافظات ليقنع الناس بانتخاب المستشار حسن الهضيبي،

يقول الأستاذ عباس السيسي:

جاءنا في أسيوط وفد من الإخوان بالقاهرة على رأسه فضيلة الشيخ البهي الخولي وقابلوا فضيلة الشيخ أحمد شريت مفتش الوعظ والأستاذ فهمي أبو غدير وتحدث معهما بشأن ترشيح الأستاذ المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمون ثم تم لقاء موسع بينهم وبين مجموعة من الإخوان وعرضوا عليهم الأمر الذي طالت فيها المناقشة حيث أن الأغلبية من الإخوان لم يعرفوا عن الأستاذ حسن الهضيبي شيئا من قبل .
وأجاب على كل الأسئلة التي تناولت حياة الرجل وماضيه وصلته بدعوة الإخوان المسلمون وعاد الوفد إلى القاهرة ومعه موافقة الإخوان في أسيوط على انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمون . وبعد حوالي شهر أبلغونا نبأ انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما وقد تمت له البيعة على ذلك.

وفي يوم 20 أكتوبر، أسفرت جهود الفريق المعارض للهضيبي عما عرف باسم "انقلاب في الإخوان المسلمين" ولم يكن في الحقيقة أكثر من انقسام، فقد عقد نحو 70 عضوا من أعضاء الهيئة التأسيسية المنحلة .. اجتماعا يوم 20 أكتوبر

واتخذوا فيه خمسة قرارات تقضي بالآتي:

  1. اعتبار فضيلة المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي في إجازة.
  2. اإلغاء مكتب الإرشاد الحالي.
  3. اإلغاء قرارات الفصل والإيقاف وحل الشعب، التي صدرت في السنوات الثلاث الأخيرة
  4. ابطلان ما نسب للهيئة التأسيسية من اتخاذ قرارات بتعديل القانون الأساسي للجماعة (قرارات 23 سبتمبر).
  5. اتكوين لجنة مؤقتة لإدارة شئون الجماعة، ريثما تجتمع الهيئة التأسيسية وتتخذ ما تراه لإقراره شئون الجماعة على أسس سليمة.

وقد وقع على هذا البيان 68 عضوا من الهيئة التأسيسية، وحمل الأستاذ البهي الخولي، عضو مكتب الإرشاد ، هذه القرارات، نيابة عن الهيئة التأسيسية، إلى دار الإخوان، وأخطر بها مكتب الإرشاد.

وفي اليوم التالي، 21 أكتوبر، عقد اجتماع مشترك لمكتب الإرشاد وفي أعضاء الهيئة التأسيسية المنحلة تحت رئاسة الدكتور محمد خميس حميدة، في المركز العام، شهد مناقشات واشتباكات حامية بين أنصار حسن الهضيبي المعارضين لعبد الناصر، وخصومه المؤيدين للتفاهم

وأسفر عن عدة قرارات أعلنها الدكتور محمد خميس حميدة تنص على ما يلي:

  1. ضم كل من محمد حلمي نور الدين، ومحمد الخضري، ومحمد أسعد جودة، ومحمد فتحي الأنور، ومحمد عبد السلام فهمي، (وهم جميعا من أعضاء الهيئة التأسيسية المنحلة ومن أنصار الدكتور خميس) إلى مكتب الإرشاد المؤقت.
  2. تأجيل إجراءات انتخابات أعضاء الهيئة التأسيسية إلى موعد يقرره المكتب المؤقت فيما بعد.

وقد نوقش في الاجتماع التعديل الذي يراد إدخاله في القانون الأساسي للجماعة بما يسمح بانتخاب أعضاء الهيئة التأسيسية، وذلك بأن يتولى مجلس إدارة الشعب انتخاب سبعة أعضاء عن كل شعبة، ويقوم ممثلو هذه الشعب باختيار 90 عضوا من أعضاء الهيئة التأسيسية التي تتكون من 120 عضوأن وتقوم لجنة العضوية التي يختارها هؤلاء التسعون عضوا بتعيين الثلاثين عضوا الآخرين.

غير أن هذا الأمر لم يقبل من قبل الجماعة عامة والتف الجميع حول المرشد والقيادة ولم يستطع عبد الناصر أن ينفد لها فكانت حادثة المنشية والتي برأت الأستاذ البهي الخولي وعبد الرحمن البنا وعبد المعز عبد الستار في حين حكمت بالإعدام على حسن الهضيبي وستة من رفاقه.

خروج عبد العزيز كامل

تعرف على الإخوان عام 1936م وكان الأستاذ البنا يقربه حتى أصبح له مقاما كبير داخل الجماعة ، وتولى مسئولية قسم الأسر وتربيتها، وكان له دور في حل الأزمات التي حدثت بعد ثورة 23 يوليو بين الإخوان بعضهم البعض أو بينهم وبين الضباط والعسكر، لكنه حينما وقعت المحنة وزج بالإخوان في السجون عام 1954م نال الدكتور كامل نصيبه من هذا الأذى والتعذيب الشديد الذي لم يكن ليتحمله، ولذا قرر ترك الجماعة والعمل مع الثورة ورجالها.

يقول الدكتور القرضاوي:

وقد عرفت من الأستاذ محمد فريد عبد الخالق أنه أخبره في أواخر أيامه في السجن الحربي: أنه سيعمل وحده بعيدًا عن الإخوان، وكلفه أن يبلغ ذلك إلى الإخوان، وأنه استخار الله في ذلك وصمم عليه. ويبدو من هذا: أنه رأى أن يغير خطه بعد خروجه من السجن، وأنه لا فائدة من الصراع مع الثورة، وأن العمل معهم أجدى من الصراع ضدهم.
وكان هذا اجتهادًا منه رضيه منه رجال الثورة، وعين على أساسه وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر في عهد عبد الناصر، ثم نائبًا لرئيس الوزراء لهذه الشئون الدينية في عهد السادات.

ويقول عصام تليمة نقلا عن مذكرات عبد العزيز كامل:

أما د.عبد العزيز كامل والذي كان يسميه حسن البنا: ابن الدعوة (أي دعوة الإخوان) البكر، فقد كان مسئولا عن قسم الأسر، ولما حدث الصدام بين عبد الناصر والإخوان في 1954م وسجن في السجن الحربي، كان يدون كشوف الأسماء، فقد كان خطه جميلا، ويتقن إدارة الأمور المعيشية في السجن، فاستخدمه المسئولون عن السجن الحربي في ترتيب أموره، وكتابة كشوف الأسماء وغيره، مما جعل له مكانة عندهم تقدر في بعض الأحيان.
وخفف عن كثير من الإخوان التعذيب، لما له من مكانة عند مسئولي السجن.ولكنه تأمل في حال الدعوة وهو في السجن الحربي، وطال تفكيره، فانتهى به إلى أن ينهج نهجا آخر في العمل الدعوي، وصارح بذلك أحد تلامذته، وقد سألت هذا التلميذ عن سبب قرار عبد العزيز كامل ترك العمل مع الإخوان

فذكر:

أن عبد العزيز كامل لم يكن يحب -ب عد حبه لله ورسوله - أحدا كأمه، فجاءوا بها له في المعتقل، وهددوه بها، فكان هذا سبب انهيار الرجل، وتفكيره في البحث عن وسيلة أخرى يعمل للإسلام بها، غير التواجد في تنظيم الإخوان المسلمين. وخرج عبد العزيز كامل من السجن، ثم بعد ذلك تولى وزارة الأوقاف في عهد عبد الناصر.

وتقول سناء البيسي:

وعند حدوث الاصطدام بين عبد الناصر والإخوان عام1954 كان كامل أحد نزلاء السجن الحربي ولمهاراته في الشئون الإدارية بالإضافة إلي خطه الجميل استعان به المشرفون في القيام بالكثير من المهام بين النزلاء إلي جانب كتابة كشوف الأسماء الدورية مما أوجد له مكانة خاصة استخدمها في الوساطة لتخفيف حدة العقاب عن زملائه خلف القضبان..
وحول قراره بالخروج علي الجماعة فقد انبثق بداخله بعد طول تفكير في أن ينهج نهجا جديدا في العمل الدعوي بحيث يقوم بخدمة الإسلام بعيدا عن الاصطدام مع السلطة.. ومن هذا المنطلق خرج كامل ابن الإسكندرية المولود عام1919 من وراء القضبان ليحصل علي درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف في جامعة القاهرة عام 57 ويجلس علي كرسي الوزارة مرات.

ثقوب في جدران الإخوان المسلمين.. (الحلقة السادسة)

المحنة وفتنة التأييد والانشقاقات

شهدت الفترة التي تلت ثورة 23 يوليو أحداث كثيرة، حيث كشف العسكر عن وجوههم الحقيقية وأنهم لن يتخلوا عن السلطة بسهولة، سواء رضخ الإخوان لمطالبهم أو ظلوا معاندين لتوجهات العسكر، ولذا كان الصدام الحتمي بين الطرفين، وأجج هذا الصراع اختلاف الفهم لدى العديد من قادة الإخوان الذين رأوا أن مصلحة الجماعة في السير في ركاب قادة الثورة العسكريين وعدم الصدام معهم

والتعاون مع هيئة التحرير التي أسسها عبد الناصر، وبرزت الانشقاقات والاختلافات والأحداث المأساوية داخل الجماعة حتى تطور الوضع باحتلال بعض الأفراد للمركز العام والهجوم على المرشد العام في بيته من قبل البعض، ومع ذلك ظلت كل هذه الأخبار لدى عبد الناصر عبر بعض الإخوان وقادتهم.

لم يحسن الإخوان وقوى المعارضة وبعض الأسلحة في الجيش استغلال المظاهرات التي خرجت لتعيد محمد نجيب مرة أخرى لكرسي الرئاسة، في مارس 1954م حيث استطاع - وبذكاء- عبد الناصر أن يسير الأمور وفق ما يراه ولصالحه ومجموعته حتى كان الترتيب الكبير الذي لم يعلم به قادة الإخوان بمكتب الإرشاد وهو تجهيز عبد الناصر لتوجيه ضربه قوية وقاصمة للإخوان – في ظل تهليل الشعب لما يقوم به - وبالفعل كانت أحداث المنشية يوم 26 أكتوبر 1954م

والتي على إثرها نصبت المحاكم العسكرية بجميع درجاتها ووقف قادة الإخوان وأعضائهم أمام قضاة من العسكر يدلون بأقوالهم حتى أن بعضهم – للأسف ذكر أشياء كثيرة تضره وتضر الآخرين في سبيل النجاة وهؤلاء معظمهم من انشق بعد ذلك- حتى كانت الأحكام الشديدة التي اهتزت فرائص البعض منها وقد رأينا كيف غير الدكتور عبد العزيز كامل وجهته لينجو من ويلات التعذيب والسجون. انتهت المحاكم واختتمت جولاتها وسيق من حكم عليهم إلى السجون المختلفة في ربوع مصر، ونقل القادة وأصحاب الأحكام الكبيرة إلى سجن الواحات.

لم يتوقف تفكير عبد الناصر عن محاولة كسر شوكة الإخوان فكانت التعليمات محاولة كسر شوكة الإخوان والرضوخ لمطالب الحكومة، وهو ما دفع عبد الناصر لوصف ثبات الإخوان في خطابه أمام المؤتمر الطارئ في أعقاب انتفاضة الطلبة والعمال في فبراير سنة 1968 بأنهم "الجيش العقائدي للإخوان المسلمين"، أو علي حد تعبير حسن طلعت مدير المباحث العامة ، عند اجتماعه بهم بمعتقل طره السياسي عام 1969 ، علي رأس خمسة عشر عامًا من السجن والاعتقال لإرغامهم علي التأييد : أمازلتم ترفضون الخروج ، وتأبون الاستجابة لمطالبنا حتى اليوم ؟ .. ما هذا الجبروت؟. (1)

لكن في قلب الصحراء حيث البعد عن الأهل، ومع مرور الأيام بدأ الحنين يخالج البعض وعلى رأسهم الضباط المحبوسين، حتى فكر البعض منهم في الهرب لكن الفكرة لم تلق ترحيب. كان كل ذلك وعيون رجال المباحث على الإخوان في محاولة شق الصف، فبدأوا بترويج فكرة الإفراجات القريبة، ورغبة عبد الناصر في إنهاء هذا الأمر حتى أنهم خففوا القيود على الزيارات، وعن الأهالي، مما جعل النفوس تتوق للحرية، وأصبحوا على أحر من الجمر في انتظارها، ثم بدأوا المرحلة الثانية حيث أخذوا يبثون روح الوهن في نفوس المعتقلين

كما أشعلوا جذوة الوطنية في نفوسهم خاصة أثناء القضايا الوطنية مثل تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، وهو ما جعل البعض – ومنهم قادة من الإخوان- في التفكير بتأييد عبد الناصر من باب الوطنية – كما صور لهم رجال المباحث- يقول حسين حمودة: استمعنا لخطاب جمال عبد الناصر يوم 26/ 7/ 1956 والذي أذاعته محطة القاهرة على الهواء مباشرة وفوجئنا بإعلان جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.

وكان تأميم قناة السويس حلما يراود شعب مصر وعملا جريئا قام به عبد الناصر وهو عمل وطني مائة في المائة. وعلى أثر هذا القرار التاريخي قررت إرسال برقية لعبد الناصر أعلن تأييدي له في هذه الخطوة الوطنية المباركة. فتشاورت مع فؤاد جاسر وجمال ربيع فوافقا معي على إرسال البرقية وطلبا قبل إرسالها أخذ رأي كبار الإخوان من أعضاء مكتب الإرشاد الموجودين معنا في السجن وحبذا إصدار بيان من الإخوان بتأييد جمال عبد الناصر في هذا الموقف الوطني الجريء.

فتناقشنا مع أعضاء مكتب الإرشاد في موضوع تأميم القناة وحبذنا إصدار بيان من الإخوان لتأييد الحكومة في موقفها فكان رد أعضاء مكتب الإرشاد أن تأميم القناة عمل وطني وجرئ لاشك فيه ولكن إرسال برقية تأييد ونحن مسجونون قد يفسرها عبد الناصر على أنها نفاق أو ضعف لاستجداء الإفراج عنا ولكن الوضع يختلف لو كنا أحرارا خارج السجون.

ولم يأخذ برأي مكتب الإرشاد الدكتور خميس حميدة وكل الجماعة وأصدر بيانا قرأه على الإخوان الموجودين في السجن أيد فيه الحكومة في موقفها الوطني من تأميم القناة. وقال إن فقهاء المسلمين أفتوا بأن الحاكم الظالم لودعا المسلمين إلى الجهاد معه لرد أعداء الله وجب على المسلمين أن يجاهدوا أعداء الله معه ورفض باقي أعضاء مكتب الإرشاد فكرة تأييد الحكومة وهم داخل السجن

وقالوا إن هذا التأييد ذلة لا يرضونها لأنفسهم ولقد رأى كثير من شباب الإخوان أن تأييد حكومة عبد الناصر في موقفها الوطني لا غبار عليه من الوجهة الشرعية وقالوا نحن ننسى التعذيب الوحشي والمحاكمات الظالمة وآلام السجن والنفي في سبيل مصر التي تتعرض الآن لخطر العدوان عليها من الدول الاستعمارية.

وكتب المؤيدون للحكومة في موقفها الوطني تأييدا للحكومة سلمته للصاغ بهجت يوم 14/ 9/ 1956 هذا نصه.

السيد رئيس الجمهورية

بدافع من إيماننا بالحق وإخلاصنا للوطن وتفانينا في الدفاع عن حقوقه ومصالحه نعلن بقلوب مخلصة وقوفنا إلى جانب الخطوة التاريخية التي خطاها السيد الرئيس بتأميم قناة السويس المصرية ولنا على أرضها شهدا ودماء عزيزة خالدة. كما نعلن تأييدنا لسياسة الحياد الإيجابي والوقوف أمام إسرائيل وتدعين الكتلة العربية من الخليج إلى المحيط. وإننا بالرغم من وجودنا خلف الأسوار نعتبر أنفسنا مجندين لمعركة الدفاع عن حقوق البلاد ورهن إشارة قيادتها.

ونعلن انجلترا والدول الغربية الاستعمارية أن أبناء النيل لم تفرق بينهم الأحداث وهم كتلة واحدة قوية متراصة تستطيع بإيمانها أن تفتت أساليبهم الاستعمارية العتيقة التي أصبح بمجها الذوق العالمي. وأننا أمام تهديداتهم التي تقطع بانهيار أعصابهم نعلن استعدادنا للدفاع عن حياض الوطن حتى آخر قطرة من دمائنا والله ولي التوفيق.

توقيعات

ووقعت هذه البرقية ومعي سبعون شخصا من الإخوان منهم الدكتور خميس حميدة وكيل جماعة الإخوان والبكباشي فؤاد جاسر والصاغ جمال ربيع واليوزباشي شرطة جمال إسماعيل وسعيد بلبع وعز الدين صادق من ضباط البحرية وآخرون وباقي الإخوان الموجودين بسجن الوحدات الخارجة وعددهم 230 مسجونا سياسيا وعلى رأسهم أعضاء مكتب الإرشاد قالوا نحن نؤيد الحكومة في موقفها الوطني بلا شك ولكن إرسال برقية تأييد ونحن مسجونون ذل لا نرضاها لأنفسنا.

العدوان الثلاثي على مصر 1956

ما إن علم الإخوان من الإذاعة أن طائرات انجلترا وفرنسا بدأت ضرب مدن مصر بالقنابل حتى ثارت الدماء في عروقهم وأسرعوا فكتبوا برقية هذا نصها.

31/ 10/ 1956

  1. السيد رئيس الجمهورية
  2. السيد قائد عام القوات المسلحة
  3. السيد وزير الداخلية

في هذه الفترة الخطيرة التي يتعدى فيها على بلادنا نعلن أن الوطن وطننا جميعا ولنا حق الدفاع عنه ونحن الذين شاركناكم الجهاد في سبيل الله في أعوام 46 ، 47 ضد قوات الاحتلال البريطاني في القاهرة والإسكندرية ، 48 في حرب فلسطين ، 1951 على أرض قناة السويس نمد لكم يدا صادقة لا تبغي إلا مصلحة الوطن ونطالبكم باسم الله والوطن أن نشارككم فورا في القتال في الخطوط الأمامية ونحملكم أمام الله والتاريخ مسئولية حرماننا من أداء هذا الفريضة المقدسة ونحن فداء الوطن في كل لحظة.

توقيعات

ووقعت هذه البرقية ومعي 73 شخصا من الإخوان منهم ضباط القوات المسلحة السابقون واليوزباشي جمال إسماعيل ضابط الشرطة والدكتور خميس حميدة . وكيل جماعة الإخوان المسلمين ومحمود عبده قائد مجاهدي الإخوان بقطاع صور باهر في حرب فلسطين 1948م. (2)

وصور عبد الحليم خفاجي الصراعات النفسية بين الإخوان في السجن حول قضية التأييد بقوله:

لم يتوقع الشباب المسلم حين أثار الجدل حول القضايا الفكرية والحركية أن يخرج الأمر من أيديهم ، وأن يضطروا إلي الابتعاد كثيراً عن الموضوعات الأصلية ، ليلاحقوا التصرفات الصغيرة ، التي أثارها أعوان الشيطان المتحمسين لوجهة نظرهم ، من اتصالات مشبوهة وتباطؤ عن الواجبات وتطير مع الأحداث ، كذلك لم يتوقع المسئولون عن الجميع أن ينبري لهؤلاء المفرّطين من يبارزهم بالقطيعة ، أو يغلظ لهم القول ، بدعوي الحماس لوحدة الصف والغيرة علي الدعوة ..
وقد عاني الجميع من شوائب الفريقين المخالفين لمنطق الاعتدال ، الذي يلتزمه الجميع ، ويوصي به مكتب الإرشاد ، فالإفراط كالتفريط ، كلاهما يؤدي إلي نتيجة واحدة ، هي البعد عن الاعتدال ، وكلاهما ينبعث من قاعدة نفسية واحدة ، هي إتباع الهوى والظن ، وهما آفة كل مجتمع لا تعززه التربية والسلطان معًا .. وكان الإمام البنا " رضي الله عنه " يحذر من كلا الفريقين ، ويقول بأن المتقدم خطوة عن المجموع كالمتأخر عنه خطوة .. كلاهما يحرف الصف .
وقد تحقق هذا القول السديد بيننا ، حين ظهر رد فعل التفريط في صورة الإفراط من بعض الأشخاص الذين لم يكونوا أقل ضرراً .. فعندما تكونت – لجنة التوفيق – من الإخوة صلاح العطار ، فتحي البوز ، علي العوض ، د. عبد الخالق السباعي كانت محل تقدير الجميع .. وقد بذلت جهدًا مشكورًا ، حتى توصلت إلي صيغة مناسبة لإنهاء الخلاف ، ولما اجتمع الإخوان بالميس العام عقب صلاة العشاء

وتهيأ ممثل اللجنة لتلاوة القرارات هبَّ أحد المتحمسين بسؤال:

  1. هل قرارات اللجنة ستخضع للمناقشة ؟
  2. بالطبع لا ؛ لأنها خلاصة مناقشات من يهمهم الأمر .
  3. إذاً أعلن انسحابي من الاجتماع احتجاجًا علي ذلك .. وخرج ولم يتبعه أحد ، واستفتح ممثل اللجنة قراءة القرارات بقوله : إن اللجنة اجتمعت بطرفي الخلاف ..

وهنا انبري آخر قائلاً:

ليس ثمة أطراف ، بل هناك طرف واحد هو الجماعة ، والآخرون مجرد أفراد خرجوا عليها ثم عادوا . وانبري معترض ثالث باقتراح تجديد البيعة . وانتهره آخرون ، وساد الهرج والمرج ، ولم تفلح كلمة الأستاذ عمر التلمساني بدعوته إلي النقد الموضوعي في تلطيف الجو . فأعلن عضو المكتب الشيخ أحمد شريت تأجيل الاجتماع لمدة أسبوع لاستقبال الاقتراحات .. ومعني هذا أن الاجتماع قد فشل ، وأن هؤلاء المفرطين قد قضوا علي فكرة التوفيق في مهدها ليُدخلوا المجتمع في دوامة الخلاف ..
لقد نابوا عن أعوان الشيطان بجهلهم في إنجاز المهمة .. ومن عجيب أمر الخلافات في أي مجتمع بشري أو دولي أن القيادة الفعلية تنتقل من أيدي العقلاء والحكماء إلي أيدي الدهماء أو العناصر الدَّنِيَّا في الفهم والسلوك . لأنها هي التي تثير المشكلة تلو المشكلة ، ودور العقلاء ينحصر في ملاحقتهم بحثًا عن الحل ، وبهذا تتحول العقول والهمم من مجال التخطيط لبلوغ الغايات في ظل الاتحاد والاستقرار إلي مجال البحث عن حلول لمشكلات الصغار ، الذين يفتقدون الغاية والتخطيط ، فأي نكسة تلك قد أصابت التقدم في الطريق الصحيح ..
ولولا أن رحمة الله تتدارك البشر بأسباب ربانية كثيرة لذهبت ريح الجميع .. وكان لنا العذر الذي استدر رحمة الله علينا ، فلسنا دولة تملك السلطان ، ولسنا متروكين لنعيش أيام السجن في أمان ، فكانت رعاية الله متممة لعجزنا علي الدوام .. وجاءت الرحمة الإلهية سريعًا في صورة دفعة جديدة من الخيام المختلفة الأشكال والأحجام في شهر مايو سنة 1956 ، فكانت متنفسًا للجميع حيث زادت من حجم المعسكر في اتجاه السور الشمالي في مواجهة المربع السياسي ، وسرعان ما امتصت هذه الخيام الكثير من أسباب التعب. (3)

ثم لخص الأحداث يقوله:

بدأت الأيام تعمل عملها في تضميد الجراح بعد فشل اجتماع لجنة التوفيق .. وأسرع في برء النفوس ما شاع في المعسكر من قرب الإفراج عنا . وتوالت الأنباء في خطابات الأهل تارة ، وعلي ألسنة الرسميين من إدارة السجن تارة أخري .. حتى إن إدارة السجن طلبت منا التخفيف من بعض الأمتعة ، بإرسالها مع الأهل في الزيارات .. وقويت الإرهاصات بحضور أفواج الزوار بتصاريح مجانية لأول مرة ، وبأعداد كبيرة ، اضطرتنا إلي استقبالهم جماعيًا في الميس العام ليومين متتاليين للدفعة الواحدة ، يتناول فيها الزوار طعام الإفطار والغداء مع أبنائهم المسجونين في جلسات عائلية سعيدة ..
وتناثرت الأطفال بين الخيام كالزهور ، وترخصت إدارة السجن في مبيتهم مع أبنائهم لليوم التالي من الزيارة ، وكنا نقيم للأطفال حفلات ومباريات خاصة ، تحول المعسكر إلي روضة غناء ، تصدح فيها البلابل وتشقشق العصافير . كذلك سمحت الإدارة لنا لأول مرة بالإذاعة .
كما حضر في هذه الأثناء عدد من ضباط الجيش لزيارة المعسكر، اجتمعوا بالمسؤولين من الإخوان "خاصة الإخوان العسكريين" .. وتكلم فيهم الأخ المقدم فؤاد جاسر قائلا : كان خلافنا مع الثورة لمصلحة الوطن . وقال الأستاذ عمر التلمساني لهم: نحن نؤيد كل عمل وطني بلا حدود .
وهكذا قويت الآمال في طي صفحة السجون .. وعكس هذا الجو أثره علي النفوس ، فاصطلح المتدابرون ، واقترب المتباعدون بغير لجان ولا قرارات .. وقد تواترت الأخبار الرسمية بأن خبر الإفراج عن المسجونين السياسيين سيعلن في خطاب 26 يوليو بميدان المنشية بالإسكندرية .
وتصادف أن تعطل المذياع في هذا اليوم ، فحرص الأخ الرائد أركان حرب حسين حمودة علي سماع الخطاب من مذياع الكتيبة ، وعاد إلينا بهذه المفاجأة الكبيرة التي أنستنا الكلام عن الإفراج .. مفاجأة قرار تأميم قناة السويس .. عرتنا الدهشة .. وأدركنا ما ستقدم عليه البلد من تطورات .
حتى هذا اليوم -26 يوليو سنة 1956- ولمدة عشرين يومًا بعده ، كان كل من في المعسكر من أهل الرأي ، عددهم أكثر من ثلاثمائة ، يدينون بالتزام فكرة جماعة الإخوان المسلمين ، وبوضعية أعضاء مكتب الإرشاد كقادة ومسئولين عن مجتمع سجن الواحات .. كانت كل الأحداث تجري خلال هذه المسلمات ، ولم يؤثر في هذه الحقيقة صدور بعض التصرفات الصغيرة من قلة من الأشخاص .. وكان الشباب المسلم بدوره حريصًا علي نفي تهمة عدم الالتزام عن نفسه ، بالتبرؤ من التصرفات الصغيرة من بعض الأفراد المنتسبين إليهم .
وجاءت خطوة التأميم فرصة سانحة لهم ، ليبرهنوا من خلالها علي صدق ارتباطهم بالجماعة وقادتها ، وعلي تميزهم عمن يسيئون بالتصرفات المنفردة .. لذلك فقد حرصوا جهدهم علي التوفيق بين اقتناعهم بقيمة الخطوة من الناحية الوطنية ، وبين التعبير عن هذا الاقتناع في إطار الجماعة التي يمثلها في هذا المكان قادة المكتب .. وهذا سر مبادرة ممثليهم للاجتماع بأعضاء المكتب لشرح وجهة نظرهم في الإسراع بتأييد هذه الخطوة الوطنية ، بدعوى قيمتها السياسية أولاً ، وأهميتها الاقتصادية ثانيًا ، فضلاً عن إسهام التأييد في تخفيف التوتر بين الإخوان والحكومة ، وإعادة قدر من الثقة المفقودة .
وكان أعضاء المكتب يصدرون عن فهم وسلوك مغايرين لوجهة نظر الشباب المسلم ، ويعبرون بذلك عن الرأي العام الواعي في الإخوان .. فهم في تحدثهم باسم الإسلام يمثلون ميزان الحق المطلق ، الذي لا يميل مع الهوى ، ولا يتأثر بالظروف ، ولا يجنح لعرض قاصد أو غرض قريب .. حتى ولو وقفوا مع الحق ضد أنفسهم فالإسلام أمانة كبرى ..
وعلي من يتخذه منهجًا لحياته أن يوطد نفسه علي ذلك ، فكيف إذا كان المتحدث اليوم هم قادة الجماعة التي تتخذه لها منهجًا .. وانبعاثًا من هذه الحقيقة يلزم التوفر علي دراسة خطوة التأميم من جانب المختصين من الجماعة ، بجميع أبعادها السياسية والاقتصادية ، بميزان الحق والتجرد ، بصرف النظر عن مردودها علينا بالخير أو بالشر ، بمزيد من الثقة بيننا وبين الثورة ، أو بمزيد من الحرب والصراع ، وشيء من هذه الدراسة الجادة لا تتوفر إمكانياته لنا في هذا المكان .
حتى الصحف العادية نحصل عليها بجهد كبير وبدون انتظام .. حتى المذياع "وهو الشيء الوحيد الذي يربطنا بالعالم الخارجي" قد تعطل .. وإذا كان جمهور الشعب يساق بعواطفه وراء السلطة بالتأييد المطلق لكل الخطوات رغبًا ورهبًا ، فليس هذا منطق رجال نذروا أنفسهم لإظهار موازين الحق وإعلاء كلمة الله .. وإذا كان ثمة مسؤولية ، فهي علي الذين جردونا من كل إمكانيات إعطاء كلمة الرأي السديد .
إذا كان هناك وجه لتفاعلنا مع الأحداث الدائرة ، فهو في مطالبتنا للمسئولين بتوفير أسباب المشاركة الواعية ، من حرية اتصال ، وإمكانيات . وهيهات أن يقتنع أحد منهم بذلك .. والثقة مع الثورة لا تكتسب بالتأييد الجماهيري الرخيص ، وإنما بأسلوب آخر جاد ، يعرف فيه كل طرف ماله وما عليه ، وحدود التعاون في المستقبل
وأمامنا هنا نموذج للتأييد الرخيص الذي يدرج عليه حزب حدتو الشيوعي في كل مناسبة وطنية ، ولم تلتفت إليهم الحكومة يومًا واحدًا ، ولم يغب عنها أن هذا مجرد تكتيك حزبي .. وربما تكشف الدراسة الجادة أخيرًا أن خطوة التأميم قد أضرت بالبلد ؛ لأن امتياز شركة قناة السويس سيقضي تلقائيًا سنة 1968 .
وقد يكون انتظار مرور هذه السنوات أولي من التعجل المحفوف بالاحتمالات ، وقد يكون هذا التعجل محل رضي ممن يعملون في السياسة الدولية من وراء الكواليس ، فما يخفي في السياسة أكبر مما يظهر علي السطح للشعوب . وفي النهاية فإن حريتنا حق لنا ، وليست محل مساومة عليها .. فالإفراج عنا قضية مستقلة عن قضية التأميم .. كان هذا هو منطق مكتب الإرشاد ومنطق من خلفه من الرأي العام للإخوان .

ورغبة منه في الإمساك بزمام الحماس فقد وعد بسرعة الدراسة لاتخاذ القرار .. ولما أحست مجموعة الشباب المسلم أن حلمهم في التوفيق بين رغبتهم في التأييد ورغبتهم في الالتزام أصبح مستحيلاً قاموا بعمل اجتماع في خيمة الدكتور منير أبو حسين للتشاور في الأمر .. وخشية أن يتمخض اجتماعهم عن شر ، فقد أشار بعض الأخوة علي أعضاء المكتب بالدعوة إلي اجتماع عام وعاجل في المسجد ، لطرح القضية علي جميع الإخوان ..

وفي يوم 14 أغسطس اجتمع أعضاء المكتب ، وطال اجتماعهم من الصباح حتى المساء ، في الوقت نفسه الذي كان يجتمع فيه الشباب الذين كانوا يتهيبون الإقدام علي أي تصرف ، بعيداً عن موافقة أعضاء المكتب ، ولكن أحد فئران السفينة كسر حاجز الهيبة بإرسال برقية تهنئة وتأييد للحكومة ، فتشجعوا بدورهم بعد أن طال انتظارهم لرأي المكتب ، وأرسلوا واحداً منهم بكشف به 37 اسمًا إلي ضابط المخابرات بهجت في مقره بالواحة ، وقد حملت سيارة السجن الشخص المذكور ومعه كشف المؤيدين لموقف الحكومة .. من تأميم القناة .
ومن بناء الجيش الوطني القوى ، ومن موقف الحكومة إزاء إسرائيل ، وبعثها للأمة العربية . أسفر اجتماع أعضاء المكتب عن قرار بتشكيل لجنة من صلاح حمودة رئيسًا وعضوية سيد أبو سالم ، ومحمد عبد العزيز نصار ، وعبد الحليم خفاجي ، لدراسة خطوة التأميم ، وتقديم تقرير مفصل عن جميع الأبعاد والاحتمالات ..
وجاء قرار تشكيل اللجنة هذا بعد حدوث أول تصدع حقيقي في حياة المعسكر ، بأن برز في حياتنا "ولأول مرة" مجموعة تتصرف بطريقة مستقلة من خلال قيادة مستقلة .. وهكذا أدي الخلاف إلي أن تقود العناصر الدنيا سلوك الشباب الواعي الذين بدأوا خطهم بالكلام عن المناهج والنظام ، وانتهوا إلي التأييد العشوائي لخطوات الحكام .
كانت خطوة التأميم في الواقع هي أول شيء لفت نظرنا علي ما يجري في خارج عالمنا الخاص .. عالم المعسكر المعزول عن الحياة ؛ حيث لم تكن لدينا وسائل اتصال من صحافة أو إذاعة .. ولولا أن حسين حمودة سمع بالتأميم من مذياع الكتيبة لمرت هذه الخطوة كما مر غيرها من قبل ، مثل صفقة الأسلحة التشيكية ، دون أن يحس بها أحد . فرغت اللجنة من إعداد بحث وافٍ يقع في حوالي مائة صفحة ، تلاه الأخ عبد المنعم السنباطي علي الإخوان بالمسجد ، في عشر محاضرات أسهمت في تجلية هذه القضية من جميع النواحي .
أحس فريق المؤيدين أن غلطتهم كانت كبيرة ، وأن خطوتهم كانت صغيرة ، وأن تبريراتهم ضعيفة ، فحرصوا علي ألا يتصرفوا مستقبلاً إلا من خلال الموازين الفكرية والحركية السليمة .. لذلك فما أن لاحت لهم فرصة 28 أكتوبر 1956 الذي حدد موعدا للإضراب العام في العالم العربي مؤازرة لثورة الجزائر ، حتى أعدوا برقية لمكتب الجامعة العربية ولمكتب تحرير الجزائر يتبرعون فيها بغذاء يوم للثورة ، وبينما هم في أخذ ورد مع الدكتور حسين كمال الدين المسئول العام إذا بأنباء الحدث الكبير تربح المعسكر وتعطي علي ما عداها من مناسبات .. حدث العدوان الثلاثي علي بورسعيد .
وتكررت الرغبة نفسها في التأييد والتباحث بشأنه مع المكتب بدعوى أن الحرب قضية كبرى ، لا يجب التوقف إزائها ببحث أو دراسة .. ونجح المؤيدون في إلهاب مشاعر أبطال حرب فلسطين والقنال من الإخوان ، وعلي رأسهم الأستاذ محمود عبده أحد قواد الفدائيين في حرب فلسطين .. طغت مشاعر القنال علي كل تفكير .. لكن أعضاء المكتب لم يفقدوا توازنهم العقائدي أمام هذه الموجات العاطفية .. أعترف أنني لم أكن أوافقهم علي ذلك ..
ولكن لم أكن لأخالفهم بعمل أي تصرف فردي .. فمنطقي أن الاجتماع علي خطأ خير من التفرق علي صواب ، وربما زاد من توجس أعضاء المكتب رؤيتهم للشيطان سافرًا هذه المرة ، بعد أن حضر إلي السجن بإيعاز من المؤيدين .. لأن ضابط المخابرات بهجت توجه مباشرة إلي خيمة أعضاء المكتب لزيارتهم ، ولإحراجهم بطلب تأييد خطوة التطوع للحرب ، فوعدوه بدراسة بقية الموضوع في ظرف 24 ساعة .
ولما عاد إليهم في اليوم التالي طلبوا منه أن تعمل الحكومة علي سرعة اجتماع الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين ، وعلي رأسها أعضاء مكتب الإرشاد بقيادة الأستاذ حسن الهضيبي ، المرشد العام ؛ حتى يكون لقرارهم فاعليته في هذا الموقف المصيري الذي تجتازه الأمة والذي لا يصلح فيه التهريج والمزايدات السياسية ، في الوقت الذي يقتل فيه أبناؤنا وتخرب ديارنا .
وما كان للنظرة العجلي ، ولا للحماس الوقتي للمؤيدين ، ولا لضابط المخابرات المتربص، أن يستسيغ هذا المنطق الحكيم . فأسرعوا بالبرقية التالية موقعًا عليها من 86 أخًا. (4)

ويضيف:

هبطت علي المعسكر سحابة داكنة من الحزن بعد إرسال هذه المجموعة لبرقية التأييد إلي الحكومة ، لا لأن هذه البرقية قد عمقت الانشقاق في الصف فحسب ، بل ولما تلوثت به من دخول أصابع المخابرات فيها ، ولجرأة ضباط الإدارة علي استباحة حرمات مساكننا ، بعد أن كانوا لا يستطيعون التعامل معنا إلا من خلال الأخ المسؤول الإداري الممثل للجميع ، أو من خلال أعضاء مكتب الإرشاد .
الآن سهل عليهم كثرة التردد علي خيام المؤيدين ، وسهل كذلك تردد المؤيدين عليهم بالمكاتب ، مما قضي علي الكثير من هيبة الجماعة ، وفتح الباب للكثير من التصرفات الصغيرة .. ليس ذلك فحسب .. بل ولما أوحي به هذا التأييد من بداية معركة سافرة مع المسؤولين من رجال الأمن الذين مهدوا ودفعوا للوصول إلي هذه النتيجة ، التي لم تكن في حسبان من أثاروا نقاط الخلاف في البداية ، فلم يكن في حسابهم أن مخلفات التفاعل ستكون من المواد السامة ، وأنهم سيكونون أول المصابين بسمومها .
ولم يكن في تقديرهم أن زمام المعركة بعد ذلك سيكون بيد ضباط الإدارة ورجال الأمن ، وأننا سنكتوي جميعًا بنارها ، لأنها لن تصبح بعد اليوم بسبب الخلاف المشروع في الرأي حول المنهج والنظام الخاص ، بل بسبب الموقف من التأييد والمعارضة لكل خطوات الثورة قضي الأمر، وانفصل المؤيدون ، وسكنوا بقسم (2) الواقع بين قسم (1) المخصص للشيوعيين والمسجونين العاديين ، وبين قسم (3) المخصص للمعارضين، كما اشتهرنا بهذا الاسم .. وأقيم بيننا وبين المؤيدين سور من الطين ، ليس له باب ، ارتفاعه متر .. وصار لا يتم الاتصال بهم إلا عن طريق المسؤولين عنا ..
وما أن استقر المؤيدون في قسم (2) ، حتى كونوا لجنة لشؤونهم الإدارية ، من فتحي البوز ، وعبد الفتاح القرش ، وعبد الخالق السباعي ، وألغوا ألقاب المسؤول العام والأمير ، واستبدلوها بالأمين الإداري ، والأمين الثقافي ، والأمين المالي .. وبدأنا نرقب حياتهم من بعيد ، واتجهنا إلي حياتنا داخل قسم (2) ، نرفع عنها الأنقاض ، ونعيد بناءها من جديد. (5)

لقد أفرزت هذه المحنة كلمات خرج بها المرشد العام الأستاذ الهضيبي فيقول:

إذا تخلي الجميع ولم يبق سوي أخ واحد فسأكون معه وقال لمن أراد أن يستفتيه في الترخيص لتأييد عبد الناصر: إن الدعوات لا تقوم على الرخص وعلى أصحاب الدعوات أن يأخذوا بالعزائم والرخص يأخذ بها صغار الرجال. (6)



الهامش

(1) جمال البنا : التعددية في مجتمع إسلامي" ص 11 دار الفكر الإسلامي، القاهرة، 2001م.

(2) رسائل الإمام البنا، رسالة التعاليم، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2009م.

(3) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية صـ83.

(4) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية صـ 99.

(5) مجلة الشبان المسلمين – جمادى الآخرة 1351هـ / أكتوبر 1932م.

(6) جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الثاني، 2003م دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة.

(1) للاطلاع على البيان كاملا انظر الرابط على إخوان ويكي goo.gl/yNh6sq

(2) بوابة الحركات الإسلامية: رابط goo.gl/arpTJb

(3) محمود عبد الحليمالإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ - جـ1 – صـ372.

(4) مذكرات الدعوة والداعية صـ 215.

(5) محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دار الدعوة، الإسكندرية، 1999م، الجزء الأول، صـ 215.

(6) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، صـ 122.

(7) ريتشلرد مينشيل, الإخوان المسلمون (دراسة أكاديمية) ترجمة عبدالسلام رضوان, الطبعة الأولى مكتبة مدبولى, 1977 ص116

(8) عبد العظيم المطعنى: (19رسالة من حسن البنا إلى قيادات الدعوة الإسلامية) – صـ50.

(9) حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، صـ 226.

(10) ريتشارد مينشيل- مرجع سابق ص177:116.

(11) جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد 484 سنة 2/ 17 محرم 1366هـ, 30 /11/1947ص2

(12) خطاب الأستاذ السكري المنشور فى صحيفتين صوت الأمة والكتلة يوم 11/10/1947 ص3ونشرته جريدة الإخوان المسلمين اليومية فى العدد سنة443. سنة2/ 27 ذوالقعدة 1366هـ, 12/2/1947 ص6.

(13) البلاغ 4ربيع الثانى 1366هـ, 25/2/1947 ص3.

(14) صوت الأمة 11/10/1947م, 26 ذو القعدة 1366م ص3.

(15) صوت الأمة 16/11/1947ص1.

(16) جريدة الجماهير 19/10/1947.

(17) طنطا العدد 834 سنة 22/11 ربيع ثان 1367هـ, 21/2/1948ص11.

(18) صوت الأمة 19/10/1947ص3, نفس الجريدة 28/10/1947ص4.

(19) الصدر السابق 12/11/1947ص3.

(20) المصدر السابق24/11/1947ص3.

(21) البلاغ 29 جمادى الأول 1366هـ, 21/4/1947.

(22) الإخوان المسلمون اليومية العدد 443 سنة 2/ 27 ذو القعدة 1366هـ, 12/10/1947م ص6

(23) القول الفصل, بيان وإيضاح عن الحقيقة الأكاذيب التي ترددها صحف الوفد,دار الطباعة والنشر الإسلامية –جمادى الآخرة 1366هـ, مايو 1947, غير منشور

(24) الإخوان المسلمين المركز العام- نشرة إخبارية رقم1( غير منشور) 8 ذو الحجة 1366هـ, 1/11/1947م ص17:13

(25) مجلة طنطا العدد 823 سنة22/ غرة جماد الأول 1366هـ, 24/3/1947ص8

بالبحث تأكد لنا أن التاريخ هو 17 نوفمبر 1940,وذلك للمقال الذى كتبه الأستاذ السكري فى صوت الأمة بتاريخ 16/11/1947, حيث ذكر فيه أن العام هو 1940 , كما أننا نلمح من سياق المقال أن الزيارة كانت قبل الاضطهاد والتضييق على الإخوان ونفى الإمام البنا إلى قنا ثم اعتقاله ومن المعروف أن الإمام البنا نفى يوم 19 مايو 1941مما يؤكد أن التاريخ نوفمبر 1940 وليس 1941م.

(26) صوت الأمة 16/11/1947ص1- 5 بتصرف

(27) جريدة الإخوان المسلمين اليومية العدد 76 سنة 1 / 3رمضان 1365هـ, 1365هـ, 31 يوليو 1946 ص1 مقال للسكري بعنوان صفحة ناصعة من تاريخ الإخوان.

(28) جريدة الإخوان المسلمون اليومية العدد 442 مصدر سابق.

(29) الإخوان المسلمون اليومية العدد 484 سنة 2/17 محرم 1366هـ,30/11/1947 ص2.

(30)أنور الجندي حسن البنا الداعية الإمام والمجدد الشهيد, دار القلم , دمشق, 1421هـ, 2000مص183:180

(31) أنور الجندي : المرجع السابق ص181

(32)القول الفصل, مصدر سابق ص 20:18

(33) أنور الجندي: مرجع سابق ص193.

(34) أنور الجندي – مرجع سابق ص180.

(35) القول الفصل – مصدر سابق ص22.

(36) أخبار اليوم 3 مايو 1947, عباس السيسى, حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية, الطبعة الأولى, دار التوزيع والنشر الإسلامية 2001مص165, 164

(37) الكتلة 6/3/1947 ص4.

(38) طنطا 834 سنة 22/11 ربيع ثان 1367هـ, 21/2/1948 ص11.

(39) طنطا العدد 823 مصدر سابق ص8.

(40) محمود عبد الحليم: أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، صـ 212- 217.

(41) جريدة الإخوان المسلمين اليوميةالعدد443 سنة2/ مصدر سابق ص6.

(42) موقع البحيرة.

(43) مجلة روزاليوسف العدد 1023 ص15 ,21/1/1948.

(44) طنطا العدد 836 سنة 23/ 15جمادى الثاني 1367هـ, 24/4/1948 ص2- 6.

(45) صوت الأمة العدد 544, 14 جمادى الأخر 1367هـ, 23/4/1948 ص3

(46)عبد الحليم خفاجي: عندما غابت الشمس: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م

(47)حسين محمد أحمد حمودة: أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون، ط2، الزهراء للإعلام العربي، القاهرة، 1987م.

(48)عبد الحليم خفاجي: عندما غابت الشمس، مرجع سابق.

(49)المرجع السابق.

(50)المرجع السابق.

(51)جابر رزق: الإمام الممتحن، دار اللواء للطباعة والنشر 1991م.