علماء أعلام عرفتهم .. "سوريا"

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
علماء أعلام عرفتهم
من أعلام الدعوة الإسلامية في سوريا

بقلم/ المستشار عبدالله العقيل

مقدمة الناشر

منذ قيام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالدعوة إلى الله، مبشرًا به، وجامعًا الناس حوله، وقافلة الدعاة إلى الله لم تتوقف عن العمل بالإسلام وللإسلام، يتبع خَلفها سَلفها.

وها نحن نرى جيل الدعوة المعاصر يسير على خطى سلفه الراشد، يحمل الرسالة، ويؤدي الأمانة، ويجوب المشرق والمغرب داعيًا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مبلغًا عن الله، ومتأسيًا برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يحمل لواء الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم.

ولقد كان المستشار عبد الله العقيل وفيًا للعلماء الأعلام من أبناء الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، إذ انبرى يترجم لهم معددًا مآثرهم في مراحل حياتهم المختلفة، فسجل صفحات حب وأخوة، وجهاد ودعوة، وابتلاء وصبر، وصمود وتضحية، تتضح من خلال حركة هؤلاء الأعلام المستمرة في سبيل إعلاء كلمة الله، ومواقفهم الخالدة، وآرائهم الصائبة التي تصحح واقع الأمة الإسلامية آخذة بيدها إلى العزة والنصر والتمكين.

ومركز الإعلام العربي إذ ينشر هذا الكتاب، يتمنى أن يجد فيه شباب الإسلام القدوة الصالحة التي تعينهم على التزام منهج الله (عز وجل)، ويتقدم بخالص الشكر والتقدير لفضيلة المستشار عبد الله العقيل الذي أخذ على كاهله مسؤولية التعريف بأعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة؛ تخليدًا لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم، وتعريفًا للأجيال القادمة بدورهم في نهضة الأمة الإسلامية والدعوة إلى الله على بصيرة.

كما يدعو الله تبارك وتعالى أن يتقبل هؤلاء الدعاة الأعلام في الصالحين، وأن يسكنهم فسيح جناته جزاء ما قدموه خدمة للإسلام والمسلمين.

اللهم آمين الناشر

تقديم بقلم/ الشيخ عبد الله الطنطاوي

يندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة: (علماء أعلام عرفتهم) للمستشار عبد الله العقيل، الرجل الوفي لكل من عرفهم من الرجال الذين التقاهم، وجالسهم، وحاورهم، وتعاون معهم، في ميادين الدعوة إلى الله، والعمل من أجل النهوض بالمسلمين، بعد أن تَرَدَّوْا في متاهات الجهالة والتخلف، وما نشأ عنها وعنهما من ألوان قائمة للفقر، والجهل، والمرض؛ بسبب البعد عن الإسلام العظيم الذي سبق له انتشال أجدادهم من وهدات التخلف... من ظلام الخرافة والوثنية، وظلمات الظلم والاستعباد والأسقام المادية والمعنوية... والمستشار العقيل بهذا العمل وبسواه هو ممثل حقيقي للوفاء، بل هو أبو الوفاء والأوفياء لدينه، ولإخوانه المسلمين حيثما كانوا، والجانب الإنساني عنده يتماهى مع الجانب الدعوي، ولا ينفك عنه.. وهذا ما نطالعه في حياته العملية، وهي كلها ينابيع للخير، للعطاء، لبذل كل ما في الوسع من أجل الإسلام والمسلمين، ومن أجل دعوة الحق والقوة والحرية، ورجالها الميامين.

في هذا الكتاب تحدث عن مجموعة طيبة مباركة من رجالات سوريا، وهم دعاة إلى الله على بصيرة، وعلماء عاملون، ومفكرون أفذاذ، وفقهاء كبار، عرفوا زمانهم، واستقامت طرائقهم، فكانوا منارات هدى، وقدوات في سلوكهم العملي، جسدوا الإسلام في مبادئه وأخلاقه الإنسانية السامية أروع تجسيد في أقوالهم وأفعالهم وتفكيرهم واستشرافهم المستقبل الوضيء لهذه الأمة، وبذل الجهود المضنية للنهوض بأبنائها، ووطنها، وتطلعاتها، وطموحاتها.

فالسباعي القائد الرائد، تلميذ الإمام الشهيد حسن البنا ورفيق دربه، وأول من حمل دعوة الإخوان المسلمين خارج مصر، مع العالم الرباني وشيخ الإخوان المسلمين في سوريا، الشيخ محمد الحامد.... الذي أسس جماعة الإخوان في سوريا، ثم في الأردن، ولبنان، وكان أول مراقب عام للجماعة في هذه الأقطار الشامية الثلاثة...

وشاعر الإنسانية المؤمنة الأخ الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري رفيق السباعي في دعوة الإخوان، والأستاذ الكبير محمد المبارك، القائد المفكر، والسياسي المحنك رفيق السباعي في جماعة الإخوان، وهو نائب دمشق لعدة دورات، والوزير العفيف النظيف لعدة مرات...

والعالم الزاهد الذي وهب نفسه ووقته وراحته للعلم وللدعوة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، الذي كان نائبًا للسباعي، ثم تولى منصب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا أكثر من مرة، وصاحب المؤلفات القيمة التي بلغت الثمانين من الكتب، كما بلغ هو الثمانين من السنين... وهو نائب حلب وشيخها وخطيبها.

وشيخ الجميع، فقيه عصره، نائب حلب، ووزير العدل والأوقاف في سوريا، العالم الجليلمصطفى أحمد الزرقا.

وأديب العربية الكبير الأستاذ علي الطنطاوي، القاضي الممتاز والداعية الموفق، صاحب الأسلوب المتميز كتابة وحديثًا، والنجم الإذاعي والتليفزيوني الأثير لدى الجماهير المسلمة حين كان... أسلوبه يقطر عسلاً مصفى.

وتلميذ كل من تقدم، العالم الداعية المجاهد الشيخسعيد حوى، صاحب المؤلفات الكثيرة الشهيرة. كل هؤلاء كتب عنهم الأستاذ الكبير الشيخ عبد الله العقيل، بأسلوبه الرشيق المضمّخ بعبير الحب والإخاء والوفاء، بأسلوب غير مسبوق في سهولته المحملة بعبق الدعوة، وعمق الفكرة، وصدق اللهجة، ونقاء القلب، وصفاء الطوية...

ما كتبه المستشار العقيل قدَّم وسوف يبقى يقدم زادًا رائعًا للدعاة، والمؤرخين، والمعنيين بسير الرجال، فهو – ببصيرته النافذة – يسبر أغوار من يلتقيه، وهم كثر جدًّا، وبفراسة المؤمن الحصيف، فيعي من دقائقهم وخصائصهم ما يغيب عن سواه، لتكون هذه الخصائص الدقيقة مفاتيح لشخصياتهم الكبيرة. ولمجموع السمات التي تميزت بها كتابات شيخنا الفاضل، كان كتابه الكبير: (أعلام الدعوة) من الكتب الدعوية المهمة، ذات النكهة التي لا تجدها في سواه من الكتب الدعوية.

أرجو من الله الرحمن الرحيم، أن يَمُنَّ على شيخنا العقيل بالصحة والعافية، ويمد في عمره، ويهبه الإرادة والعزيمة والجلد، ليكتب لنا المزيد والجديد من ذكرياته مع أساتذتنا الكبار الذين غادرونا بما معهم من معلومات لا يعلمها إلا الله، ثم شيخنا العقيل الذي يكشف لنا بكتاباته عن معلومات وخصائص جديدة لا يعرفها أكثر الناس.

وصلى الله وسلم على سيدنا وقائدنا وقدوتنا محمد وآله وصحبه الأبرار الأخيار.

مقدمة المؤلف

المستشار عبدالله العقيل

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسول الله النبي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين. وبعد...

فهذه تراجم لبعض علمائنا الأعلام، الذين كانوا نماذج صادقة للدعاة في هذا العصر، بعمق الفهم، وقوة الحجة، وصدق اللهجة، وقول كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثبات على الأمر، والتصدي للباطل، ومقارعة الظلم، ورفد الجهاد، وتعضيد الدعاة، ومساندة المستضعفين في الأرض ومجابهة الطغاة، والتزام منهج الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، والنصح لولاة الأمر، والأخذ بأيدي العامة إلى طريق الحق، وفك كرب المكروبين ورفع الظلم عن المظلومين.

إن هؤلاء الأعلام الدعاة الذين عرفتهم عن قرب، والتقيتهم مرارًا، واستفدت منهم كثيرًا في مسيرة حياتي الدعوية والعملية، هم الصور المشرقة والنماذج الفذة لرجال الإسلام في هذا العصر.

وإني مدين لهؤلاء بالفضل الكبير على ما قدموه من نصح وتوجيه، وإرشاد وتقويم للدعاة وطلبة العلم، الذين استقاموا على منهج الله، واتبعوا سنة رسول الله، فكان الله غايتهم، والرسول قدوتهم، والقرآن شرعتهم، والموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.

وإني لأرجو أن يعم بهذا الكتاب النفع، ويطلع شباب الإسلام وطلبة العلم والدعاة الجدد على هذه السير العطرة لهؤلاء العلماء الأفذاذ والدعاة الصادقين – كما نحسبهم والله حسيبهم – ويستفيدوا من علمهم وخبراتهم وتجاربهم وأساليبهم، فضلاً عن شمائلهم وأخلاقهم، فقد كان الناس يكنُّون لهم الحب والتقدير، والإجلال والاحترام، لأنهم كانوا صورًا صادقة ونماذج حية عن الإسلام الحق، البعيد عن هيمنة المستكبرين وأصحاب النفوذ، رحمهم الله رحمة واسعة، وأسكنهم فسيح جناته، والحمد لله رب العالمين.

مصطفى السباعي .. العالم المجاهد الداعية

(1333 ـ 1384هـ = 1915 ـ 1964 م)

مولده ونشأته

الدكتور مصطفي السباعي

هو مصطفى بن حسني السباعي، من مواليد مدينة حمص في سوريا عام 1915 م، نشأ في أُسرة علمية عريقة معروفة بالعلم والعلماء منذ مئات السنين، وكان والده وأجداده يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وقد تأثر بأبيه العالم المجاهد والخطيب البليغ الشيخ حسني السباعي، الذي كان له مواقف مشرّفة ضد الأعداء المستعمرين، الذين قاومهم بشخصه وجهده وماله.

كما كان أحد محبي الخير ومؤسسي الجمعيات الخيرية الإسلامية والمشاريع الاجتماعية، مما كان له الأثر الكبير في نشأة ابنه مصطفى السباعي.

كان مصطفى يصحب أباه إلى مجالس العلم، التي يحضرها علماء حمص، أمثال طاهر الريس، و سعيد الملوحي، و فائق الأتاسي، و راغب الوفائي، وحين خطب للزواج أخبر الخاطبون أهل الفتاة أن السباعي مشغول في معظم أوقاته بأعباء الدعوة الإسلامية، ليكونوا على علم بذلك، فوافقوا، وتمت الخطبة.

شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسوريا، وكان يوزع المنشورات ويلقي الخطب ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام 1931 م بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضًا، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص، حيث ألهب حماس الجماهير وهيّج مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح، عندما قاد مجموعة منإخوانه في حمص وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين ردًا على اعتداءاتهم.

وفي عام 1933 م ذهب إلى مصر للدراسة الجامعية بالأزهر، وهناك شارك إخوانه المصريين عام 1941 م في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، كما أيَّد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الإنجليز، فاعتقلته السلطات المصرية بأمر من الإنجليز مع مجموعة من زملائه الطلبة، وهم: مشهور الضامن، و إبراهيم القطان، و هاشم الخازندار، و فارس حمداني، و علي الدويك، و يوسف المشاري، وبقوا في المعتقل قرابة ثلاثة أشهر، ثم نُقلوا إلى معتقل (صرفند) بفلسطين حيث بقوا أربعة أشهر، ثم أطلق سراحهم بكفالة.

وكان الشيخ السباعي في فترة الدراسة تلك قد تعرَّف إلى الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر، وظلت الصلة قائمة بينهما بعد عودته إلى سوريا، حيث اجتمع العلماء والدعاة ورجال الجمعيات الإسلامية في المحافظات السوريا وقرروا توحيد صفوفهم، والعمل جماعة واحدة وبهذا أسست منهم (جماعة الإخوان المسلمين) لعموم القطر السوري، في عام 1945 م، واختار الجميع الأستاذ مصطفى السباعي ليكون أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا.

ومن الجدير بالذكر أن جريدة (الإخوان المسلمون) بمصر نشرت صورة البنا و السباعي وكُتب تحتها: (قائد وجندي)، فكتب الأستاذ البنا إلى رئيس التحرير يقول:

«... كما قرأت كذلك تحت الصورة التي نشرتموها بالأمس أيضًا تقديمًا لي ولفضيلة الأخ الأستاذ مصطفى السباعي، وفي نهايتها هاتان الكلمتان (قائد وجندي)، فإن أردتم بالقائد فضيلة الأستاذ مصطفى السباعي وبالجندي هذا الضعيف الذي ما اعتبر نفسه يومًا من الأيام إلاّ أصغر جنود دعوة الحق، فقد أحسنتم وصفًا وشكرًا لكم.. وإن كنتم تقصدون ما تبادر إلى الأذهان من أول وهلة وحين يرون مرشدًا ومراقبًا، فإلى الله أبرأ مما صنعتم وإلى الإخوان أعتذر عمّا وضعتم، وأرجو ألا تحملنكم المداعبات الصحفية على مثل هذه المتعبات النفسية، والله أسأل أن يوفقنا جميعًا للخير، وأن يسدد خطانا لما يحب ويرضى، وأن يجمع القلوب على ما فيه خير الوطن العزيز» انتهى.

وقد حدّد الأستاذ السباعي في كتابه (دروس في دعوة الإخوان المسلمين) الأهداف والمهمات وميادين الإصلاح، حيث نادت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالإصلاح السياسي، والكفاح الوطني، وإزالة آثار الاستعمار، ورفع المظالم عن العمال والفلاحين، وإنشاء المدارس والمعاهد والأندية الرياضية، والمخيمات الكشفية، ومراكز الفتوَّة في مختلف المحافظات، وكان الأستاذ السباعي هو القائد العام للفتوَّة، كما قام الإخوان المسلمون بتشكيل لجان الإصلاح بين الناس وتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والخيرية، وزيارة القرى والأرياف.

وفي عام 1944 م ذهب السباعي إلى الحج لأول مرة، وفي عام 1945 م أنشأ جريدة (المنار) حتى عطلها حسني الزعيم بعد الانقلاب العسكري الذي قاده بتدبير ودعم من الأمريكان عام 1949 م، وفي نفس العام حصل على الدكتوراه في التشريع الإسلامي وتاريخه، وقدّم أطروحته العلمية (السُّنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي).

وقد شارك الإخوان المسلمون السوريون في حرب فلسطين عام 1948 م مع إخوانهم المصريين والأردنيين والفلسطينيين، حيث قاد الأستاذ السباعي الكتيبة السوريا، وشاركوا في معركة القدس بخاصة ومعارك فلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف معإخوانهم المجاهدين الفلسطينيين الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة؛ لتشريدهم، وإخراجهم من ديارهم، ومصادرة أموالهم، وهدم بيوتهم.

وبعد أن تمت المؤامرة وتمثيلية الحرب المصطنعة بين الدول العربية و إسرائيل، جُرِّد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم، وسُلِّمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل مجاهدو الإخوان المسلمين المصريين، وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون مصر، حيث قامت حكومة النقراشي العميلة بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8/12/1948 م، وعاد السباعي إلى سوريا غاضبًا يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال (كلوب) الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود (ماكو أوامر)، وأنه لولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين والعراقيين من الإخوان المسلمين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهود من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة.

يقول الأستاذ مصطفى السباعي في كتاب (الإخوان في حرب فلسطين): «كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله، بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية، لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها، التابعة لجيش الإنقاذ، حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة.

وقمتُ بجولة في سوريا تحدثتُ فيها عن معارك فلسطين وألقيتُ في ذلك محاضرات في كل مكان من دمشق وحمص وحماة وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السوريا، وذهل الجمهور لما أبديته من حقائق لم تكن معروفة لديهم تمامًا، حتى شك بعضهم فيها، ثم انكشف الأمر وتبيّن صدق ما أدعي من العوامل الخفية والظاهرة التي كانت تُسيِّر معركة فلسطين، هذا بينما كان فريق من إخواننا المجاهدين قد عادوا إلى فلسطين خفية، لتنفيذ ما اتفقنا عليه» انتهى.

عاد السباعي إلى سوريا ليخوض الحرب لإصلاح الفساد في الداخل، وتربية الأمة من جديد على منهج الإسلام الصحيح، منهج الإخوان المسلمين الذي يُعنى بتربية الفرد المسلم، ثم الأُسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، لتكون الثمرة قيام الحكومة المسلمة التي تحكم بشرع الله، وتنفذ أحكامه، وترعى مصالح البلاد والعباد، وتقضي على الشر والفساد، وتحارب الزيغ والإلحاد.

ولقد عمل السباعي وإخوانه على إدخال مواد التربية الإسلامية إلى المناهج التعليمية، كما سعى لإنشاء كلية الشريعة في الجامعة السوريا عام 1955 م، وكان أول عميد لها، ثم شرع في إنشاء موسوعة الفقه الإسلامي التي أسهم فيها العلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي لتقديم الفقه الإسلامي في ثوب جديد، يعالج قضايا العصر ويحل مشكلاته على ضوء الكتاب والسُّنَّة وفقه السلف الصالح، واجتهاد العلماء الذين يملكون وسائل الاجتهاد وأدواته، وكان أول رئيس لهذه الموسوعة.

واختارت دمشق الدكتور مصطفى السباعي نائبًا في الجمعية التأسيسية عام 1949 م وهو ابن حمص ولم يمض على إقامته في دمشـق سوى بضع سنين، وسـرعان ما لمع نجمـه كـبرلماني شعبـي متفـوق، إذ كـان الصـدى الحقيقي المعبر عن أماني الشعب وآلامه، والصوت المدوي الذي يصـدع بالحق ولا يداري، ويقارع الباطل ولا يهادن، ويترفع عن المكاسب والمغانم ولا يساوم، فاتجهت إليه الأنظار والتفَّت حوله القلـوب، وانتخب نائبًا لرئيس المجلس.

وقد بذلت له العروض بإلحاح وإغـراء للـدخول في الـوزارات المتعاقبة فرفضها، مؤْثرًا العمل الشعبي والعيش مع مشكـلات الجماهير وقضاياهم، وكـان عضوًا بارزًا في لجنة الدستور وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، ولقد قاد معركة القرآن تحت قبة البرلمان، كما قاد المظاهرات في دمشق من أجل الدستور، وتمكّن السباعي وإخوانه من إبعاد الطابع العلماني عن الدستور، وفرض الطابع الإسلامي على معظم أحكامه الأساسية سنة 1950 م.

قال الأستاذ السباعي في كتابه القيم (دروس في دعوة الإخوان المسلمين): «نحن نعتقد أن كل نظام صالح في العالم، لا يمكن أن ينتفع به ما لم تؤيده حكومة حرة قوية صالحة، ومن أجل ذلك آمن الإخوان المسلمون بوجوب تحرير العالم العربي والعالم الإسلامي من الاستعمار مهما كان شكله أو لونه، كما آمنوا بتوحيد البلاد العربية في الوطن العربي الكبير والتعاون مع البلاد الإسلامية والصديقة بأي شكل من أشكال التعاون الذي يحقق قوة العالم الإسلامي، ونجاته من الاستعمار، ونهوض شعوبه من الفقر والجهل والتأخر، وفي سبيل هذه الغاية عمل الإخوان المسلمون في حقل القضايا العربية والإسلامية بنشاط لم يعهد في غيرهم من الهيئات والجماعات» انتهى.

وفي عام 1950 م عُيِّن السباعي أستاذًا في كلية الحقوق بالجامعة السوريا، وفي عام 1951 م حضر الدكتور السباعي المؤتمر الإسلامي العام، الذي عُقد في باكستان وحضرته وفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما ذهب السباعي في العام نفسه إلى الحج للمرة الثانية، وفي عام 1952 م تقدّم السباعي وإخوانه بطلب إلى الحكومة السوريا للسماح لهم بمشاركة إخوانهم المصريين لمحاربة الإنجليز في قناة السويس، فما كان من رئيس الحكومة أديب الشيشكلي إلا أن أمر بحل جماعةالإخوان المسلمين واعتقال السباعي وإخوانه وإلقائهم بالسجن.

ثم أصدر أمره بفصل السباعي من الجامعة السورية، وأبعده خارج سوريا إلى لبنان.

وفي عام 1953 م عقد المؤتمر الإسلامي العام في القدس وحضره ممثلو الإخوان المسلمين من جميع الأقطار، وكذا الجمعيات وممثلو الشعوب الإسلامية، وفي السنة نفسها سعدنا بزيارته لمصر، حيث التقيته لأول مرة مع إخواني الزملاء: يوسف القرضاوي، و أحمد العسّال، و محمد الدمرداش.

وفي عام 1954 م عقد المؤتمر الإسلامي المسيحي في بحمدون بلبنان، وشارك فيه السباعي للرد على أعداء الإسلام من المستشرقين والصليبيين، كما حضر الاجتماع الذي دعا إليه الأستاذ حسن الهضيبي ـ المرشد الثاني للإخوان المسلمين ـ في لبنان، وضم قادة الإخوان المسلمين في البلاد العربية، وحضره من مصر مع الأستاذ الهضيبي كل من: عبد الحكيم عابدين، وسعيد رمضان، و صالح أبو رقيق، و منير دلة، ومن سوريا مصطفى السباعي، ومن الأردن محمد عبد الرحمن خليفة، ومن السودان علي طالب الله، ومن العراق محمد محمود الصواف، ومن الكويت عبد العزيز المطوع.

وبعد عودة الهضيبي إلى مصر واعتقاله من الزمرة العسكرية الحاكمة فيها مع جميع قادة الإخوان المسلمين، شكَّل الإخوان المسلمون في البلاد العربية مكتبًا تنفيذيًا تولى الدكتور مصطفى السباعي رئاسته، وفي عام 1955 م ذهب الدكتور السباعي مع أساتذة الجامعة السوريا وطلابها إلى الحج، وهـي المرة الثالثة بالنسبة له. وهي السَّنة التي ذهبت فيها مع مدرسي مدرسة النجاة بالزبير إلى الحج. وفي السَّنة نفسها أسس مع إخوانه مجلة (الشهاب) الأسبوعية، التي استمرت في الصدور إلى قيام الوحدة مع مصر عام 1958 م، وفي العام نفسه 1955 م حصل على ترخيص إصدار مجلة (المسلمون) الشهرية بعد توقفها في مصر، وظلت تصدر في دمشق إلى عام 1958 م، ثم انتقلت إلى صاحبها د. سعيد رمضان في جنيف بسويسرا، فأصدر السباعي بدلها مجلة (حضارة الإسلام) الشهرية سنة 1960 م، وظل السباعي قائمًا على هذه المجلة حتى توفاه الله، وتولى إصدارها د. محمد أديب الصالح بدمشق، ثم توقفّت فيما بعد.

وفي عام 1956 م عَقَدَ المؤتمر الإسلامي بدمشق، وفي السنة نفسها أوفدته الجامعة السوريا إلى ديار الغرب لزيارة الجامعات الغربية والاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها، فزار إيطاليا، وبريطانيا، وأيرلندا، وبلجيكا، وهولندا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وألمانيا، والنمسا، وسويسرا، وفرنسا، واجتمع فيها بالمستشرقين، وناقشهم في مؤلفاتهم عن الإسلام، وكشف لهم أخطاءهم العلمية والتاريخية.

وفي عام 1957 م، ذهب السباعي مع عمداء الكليات في الجامعة السوريا في زيارة إلى روسيا بدعوة من جامعة موسكو، زار خلالها معظم الجامعات الروسية في مختلف الأقاليم، والتقى أساتذة الدراسات الشرقية والتاريخية والاجتماعية، وناقشهم وفنَّد مقولاتهم، وأبطل مزاعمهم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين.

مؤلفاته

والدكتور السباعي له باع طويل في التأليف، فهو من العلماء المحققين، والفقهاء المجتهدين، الذين استوعبوا الفقه الإسلامي من أصوله المعتمدة، ودرسوا قضايا العصر المستجدة، وقاسُوها على ما سبق من أحكام مستمدة من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، ومن أهم مؤلفاته:

ـ شرح قانون الأحوال الشخصية (جزءان) ـ من روائع حضارتنا ـ المرأة بين الفقه والقانون ـ عظماؤنا في التاريخ ـ القلائد من فرائد الفوائد ـ دروس في دعوة الإخوان المسلمين ـ السُّنَّة ومكانتها في التشريع ـ هكذا علمتني الحياة (جزءان كتبهما في فترة المرض) ـ اشتراكية الإسلام ـ أخلاقنا الاجتماعية ـ أحكام الصيام وفلسفته ـ الدين والدولة في الإسلام ـ نظام السلم والحرب في الإسلام ـ هذا هو الإسلام (جزءان) ـ السيرة النبوية دورس وعبر ـ الاستشراق والمستشرقون ـ المرونة والتطور في التشريع الإسلامي ـ منهجنا في الإصلاح ـ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في التاريخ ـ التكافل الاجتماعي في الإسلام ـ جهادنا في فلسطين ـ مشروعية الإرث وأحكامه ـ آلام وآمال ـ الصراع بين القلب والعقل ـ أصدق الاتجاهات الفكرية في الشرق العربي ـ مقدمات حضارة الإسلام.

ومن الغريب أن فترة مرضه على قساوتها وشدتها، كانت من أخصب أيام حياته وأكثرها إنتاجًا من الناحية العلمية، يقول :

د. محمد أديب الصالح: «كان السباعي ـ رحمه الله ـ حريصًا كما علمت منه قبل وفاته بيوم واحد على كتابة مؤلفات ثلاثة هي: العلماء الأولياء، والعلماء المجاهدون، والعلماء الشهداء».

وقد ذهب السباعي إلى الحج للمرة الرابعة الأخيرة عام 1384هـ/1964 م حيث كان يعاني من المرض العضال والآلام المبرحة، التي لم تكن تبارحه، ولكن فضل الله عليه في هذه الرحلة المباركة كان عظيمًا، حيث يقول بنفسه: «لأول مرة منذ سبع سنوات يهدأ الألم في دماغي وأقوى على الصلاة واقفًا على قدمين، وأجلس للتشهد فيها، ولقد قدمت مكة المكرمة، فطفت طواف العمرة محمولاً على المحفة، ثم غادرتها وطفت طواف الوداع على قدميّ، وأكرمني الله بزوال آثار مرض السكر منذ وصلت المدينة المنورة، فكنت أتصبّح بسبع تمرات من تمرها، إيمانًا مني بالحديث الصحيح الوارد في التمر، وهو من الطب النبوي.

زاره أحد أصدقائه مواسيًا فكان جواب السباعي: «إني مريض أتألم ليس في ذلك ريب، وإنك لتشاهد الألم على وجهي وعلى يديَّ وفي حركتي، ولكن انظر إلى حكمة الله في، إن الله قدير على أن يشل حركتي وقد شل بعض حركتي، ولكن انظر ماذا شل، لقد شل طرفي الأيسر وأبقى لي الطرف الأيمن، فما أعظم النعمة التي أبقى لي: أكنت أستطيع أن أخط بالقلم لو شل اليمنى مني؟».

واستمر المرض ثماني سنوات ضرب السبـاعي فيها أروع آيـات الصبر على الـبلاء، والتسلـيم بقضاء الله، والرضـا بحكم الله عز وجل، وكـان كثير الحمد لله والـتسبيح له والاستغفار، آنـاء الليل وأطراف النهار، ولم يمنعـه هذا الـمرض العضال من الـنهوض بواجبـاته كصـاحب دعـوة حق، وداعيـة مسلم.

يروي الأخ عبد العزيز الحاج مصطفى عن الدكتور حسن هويدي في وصف حال السباعي في مرضه قوله:

«ولقد رأيته في مرضه، يتكئ على العصا، غاديًا إلى الجامعة ورائحًا، في الوقت الذي قعد فيه الأقوياء، وخمل فيه الأصحاء، ويا رُب مريض مشلول أشد من سيف مسلول، وما كان استمراره في الجهاد (رحمه الله) على الرغم من شلله وإصابة قلبه وضغط دمه، إلا دلالة صادقة وحجة ساطعة على أن الرجل سجيته الجهاد، وطبيعته الكفاح، وغريزته التضحية، وفطرته الشجاعة والفداء، فأنى يجد الرياء إلى نفسه سبيلاً، أو الفتور إلى نفسه مسلكًا أو التردد إلى عزيمته منفذًا فسبحان من منحه وأعطاه وتفضل عليه وأرضاه» انتهى.

ويقول عنه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في مجلة (حضارة الإسلام):

«كان - طيب الله ثراه - عـذب النفس، رقيق الحاشية، مرهف الذوق، والشعور، يستجيب للدعابة ويجيدها، ولا يبذلها إلا في مواطنهـا، وكان صـافي النفس وفيًا، محبب العشرة، شهم الإخاء، سريع النجدة كريمها، وكـانت له مسامرات ومحاورات تفيض ذوقًا وعذوبة نفس مع صديقه الصفي وأخيـه الكريم الشيخ محمد الحامد، وإن الإنسان قد يعجب ـ ولا عجب ـ حين يقرن بين وقار النابغة السباعي في مواطن الجد، ومخاشنته لأعداء الله والأمة، وانقباض نفسه عن المنافقين والنفعيين، وبين شفافية روحه وانطلاق جنانه وتلطف لسانه في معاشرة أحبائه وإخوانه، ولكن لا عجب فهو للإسلام والعمل به على بصيرة». انتهى.

وفــاتــه

وفي يوم السبت 27/5/1384هـ، 3/10/1964 م، انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الأستاذ الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى جوار ربه بمدينة دمشق، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في احتفال مهيب وصُلِّيَ عليه في الجامع الأموي بدمشق، وتوالى الخطباء يؤبِّنُون الفقيد بكلمات مؤثرة، وهم: الدكتور حسن هويدي، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ محمد المجذوب، والأستاذ مشهور حسن، والشيخ عبد الرءوف أبو طوق، والدكتور محمد أديب الصالح، والشاعر محمد الحسناوي، وغيرهم.

ولقد كتب سماحة مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني كلمة في رثاء السباعي، نقتطف منها: «فقدت سوريا علمًا من أعلامها، ومجاهدًا من كبار مجاهديها، وفقد العالم الإسلامي عالمًا من علمائه الأجلاء، وأستاذًا من أساتذته الفضلاء، وداعية من دعاته البلغاء، ولقد عرفته، فعرفت فيه الصدق والإخلاص، والصراحة، ومضاء العزيمة، والاندفاع في سبيل العقيدة والمبدأ، وكانت له قدم صدق، ويد بيضاء، في خدمة القضايا الإسلامية والعربية، وفي طليعتها قضيتا سوريا و فلسطين، وكان على رأس كتيبة مجاهدي الإخوان المسلمين دفاعًا عن بيت المقدس عام 1948 م» انتهى.

ويذكر أبو الحسن الندوي عن لقاءاته مع السباعي حين زار سوريا عام 1951 م فيقول: «لقد أعطاني الحاج محمد أمين الحسيني كتاب تعريف للشيخ السباعي وأثنى عليه ثناءً عاطرًا، فلما زرت مركز الإخوان المسلمين في السنجقدار بدمشق، كان لقائي الحار بالأستاذ السباعي.

وقد حضرتُ مع السباعي جلسات البرلمان السوري كما زرتُ معه الجمعية الغراء، والتقينا معظم علماء سوريا، كالأستاذ عمر بهاء الأميري والأستاذ محمد المبارك، والشيخ محمد نمر الخطيب، والشيخ أحمد الدقر، والشيخ عبد الرءوف أبو طوق، والشيخمحمد بهجت البيطار، والدكتور أمجد الطرابلسي، والأستاذ سعيد الأفغاني، والأستاذ أحمد مظهر العظمة، وغيرهم، وقد استضافني أكثر من مرة في بيته، كما ذهبنا معه إلى مصيف الأشرفية وزرتُ معه حمص، حيث ألقيتُ محاضرة بمركز الإخوان المسلمين، وزرنا مسجد خالد بن الوليد، والشيخ عبد العزيز عيون السود، والشيخ محمد توفيق الأتاسي، حتى غادرت سوريا حيث كان في وداعي بالمطار» انتهى.

أما الأستاذ حسني أدهم جرار فيقول في كتابه القيّم: (مصطفى السباعي قائد جيل ورائد أمة) الذي استفدت منه كثيرًا:

«كان السباعي علمًا بارزًا من أعلام الفكر والدعوة و الجهاد في زماننا المعاصر، وكان منارة من منارات الإسلام الشامخة، ونموذجًا مشرقًا على امتداد تاريخنا الطويل، وكان عالمًا متفتح الذهن، آتاه الله علمًا واسعًا، وذكاءً حادًا، وبديهة حاضرة، وأسلوبًا في الحوار نادرًا، وجرأة في الحق، وقدرة على التصدي للباطل، وقوة في الإيمان، ويقظة في الضمير».

ويقول العلاّمة الكبيرمحمد أبو زهرة: «إنني لم أر في بلاد الشام، أعلى من السباعي همة، وأعظم منه نفسًا، وأشد منه على الإسلام والمسلمين حرقةً وألمًا».. انتهى.

أما العلاّمة د. يوسف القرضاوي فيقول عن السباعي: «الداعية الفقيه، الصابر المجاهد، صاحب الروح المشرقة، والبيان المغدق، والعقل المتفتح، الذي قاوم أعداء السُّنَّة فأسكتهم، ودعاة العلمانية فأفحمهم، مؤسس الحركة الإسلامية في سوريا، ومنشئ مجلة (حضارة الإسلام)، وصاحب الكتب القيمة والرسائل النافعة، الشيخ الدكتور مصطفى السباعي».

ومن قصيدة للشاعر محمد الحسناوي يرثي فيها السباعي قال:ـ

دَكَ بالمنى والأصفر الرنان  :: كم جاء يخطب كلُّ عملاق ودا

لغير صوت الحق والإيمان  :: كم دولة كبرى دعتك فما استجبت

قرّتْ بفقدك مقلة الخوان  :: وسخرت بالإغراء والتهديد لا

لتغيث أرضَ الأنبياء بغيثك الربان  :: ومشيت إذ قعد الورى

د تذود عن دين وعن أوطان  :: بكتائب الرحمن تجتاح اليهو

ترسي الأُسَّ فيما انهار من بنيان  :: ورجعت صلب العود عالي النفس

ودمغت كل مداور وجبان  :: ورجمت أصنام الخيانة والهوى

والعلم والإخلاص للرحمن  :: فيك الأبوة والقيادة والتقى

لله كم أصفاك من إحسان  :: فيك الجهاد شجاعة وريادة

ش وزلزل الطاغوت بالإيمان  :: أو لست من هز المنابر والعرو

خصائص حضارتنا

قال السباعي في كتابه الرائع (من روائع حضارتنا):

«لقد تميزت حضارتنا بالخصائص التالية:

1- قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة، فهي أول حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريك له في حكمه وملكه. فهو وحده الذي يُعبد، وهو وحده الذي يُقصد) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: 5)، وهو الذي يعز ويذل ويعطي ويمنع، وما من شيء في السماوات والأرض إلاّ وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته.

هذا السمو في فهـم الوحدانيـة كان له أثرٌ كبير في رفع مستـوى الإنسـان وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين.

2- وثاني خصائص حضارتنا أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأُفق والرسالة، فالقرآن أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

3- وثالث خصائص حضارتنا أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها: في الحكم وفي العلم، وفي التشريع، وفي الحرب، وفي السلم، وفي الاقتصاد، وفي الأُسرة.

4- ورابع هذه الخصائص أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معًا، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد.

5- وآخر ما نذكره من خصائص حضارتنا: هذا التسامح الديني العجيب الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت على الدين».

رحم الله أستاذنا الجليل الدكتور مصطفى حسني السباعي، فلقد كان رجلاً في أمة، وكان زينة الدعاة في عصره، وقرّة عين ديار الشام، وابن حمص الذي تفخر به وتعتز، لقد كان السباعي ملك الإسلام والمسلمين، وكانت وفاته خسارة على الإسلام والمسلمين.

الشيخ محمد محمود الحامد .. المصلح الزاهد والعلاَّمة الورع

(1328 ـ 1389هـ = 1910 ـ 1969 م)

مولده ونشأته

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
الشيخ محمد محمود الحامد

أحد أعلام الدعاة المجاهدين في الديار الشاميّة، عالم حماه ومرشدها، مؤسس أوّل جمعيّة إسلاميّة في سوريّة باسم الإخوان المسلمين.

ولد في مدينة "حماة" بسورية سنة 1328هـ 1910 م، وبعد ستة أعوام، توفي والده، ثم والدته، وعاش حياته يتيم الأبوين، وكان أخوه الأكبر: بدر الدين الحامد، وعمره خمس عشرة سنة هو الذي ينفق عليه حتى أكمل دراسته الابتدائية سنة 1922 م، ثم اشتغل عند معلم خياطة للملابس العربية ليتعلم مهنة الخياطة، وفي الوقت نفسه يتابع طلب العلم الشرعي لدى العلماء في المساجد، وحين افتتحت "دار العلوم الشرعية" سنة 1924 م في حماة.


ترك الخياطة والتحق بها، وكانت أيام المدرسة الشرعية أسعد أيام حياته، فقد كان الأول بين أقرانه، مع الاستمرار في طلب العلم بالحلقات العلمية في المساجد.

وكان من مشايخه: الشيخ محمد سعيد الجابي، والشيخ محمد توفيق الصباغ، والشيخ محمد سعيد النعساني، والشيخ أحمد المراد.

سيرته العلمية والعملية

وفي سنة 1347هـ 1928 م أنهى الشيخ محمد الحامد دراسته في مدرسة "حماة الشرعية"، فرحل إلى مدينة "حلب" حيث انتسب إلى "المدرسة الخسروية الشرعية" فيها، وكانت تلك المدرسة تعتبر أرقى المدارس الشرعية في بلاد الشام، فواصل دراسته فيها، مع حضور دروس المشايخ في مساجد حلب، وبخاصة في حلقة عالم حلب الكبير الشيخنجيب سراج الدين، وكذلك عند الشيخ أحمد الزرقاء الفقيه الجليل، والشيخ أحمد الكردي، والشيخ عيسى البيانوني، والشيخ إبراهيم السلقيني، والشيخ محمد الناشد، والشيخ راغب الطباخ، والشيخ أحمد الشماع، والشيخ أبوالنصر خلف الحمصي، وغيرهم..

وفي سنة 1353ه عاد إلى "حماة" بعد أن أنهى دراسته في حلب، ورحل بعد ذلك إلى مصر سنة 1356ه 1938 م ملتحقاً بالأزهر الشريف، ليتم دراسته العالية فيه، اتصل خلال إقامته في مصر بالإمام حسن البنا ، وصحبه وتتلمذ في العمل الحركي الدعوي عليه، واشتهر بين الإخوان المصريّين بالشيخ الحموي، وعندما غادر مصر إلى حماه سنة 1364/1944 كان شديد الحزن على فراق إخوانه بها، وبكى على هذا الفراق، في عدّة قصائد، ومنها قوله:

ذبت يا مصر مذ عزمت رحيلاً

ولو استطعت عشت فيك طويلاً

"وعبّر عن علاقته بالإمام فقال: والذي أثّر في نفسي تأثيراً من نوع خاص، وله يد في تكويني الشخصي، سيدي وأخي في الله وأستاذي، الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وأغدق عليه غيوث الإحسان والكرم، صحبْتُهُ في مصر سنين، وحديثي عنه لو بسطته، لكان طويل الذيل، ولكانت كلماته، قِطَعَاً من قلبي، وأفلاذاً من كبدي، وحُرَقَاً من حرارة روحي، ودموعاً منهلة منسابة تشكّل سيلاً من فاجع الألم وعظيم اللوعة.ولكنني أكتفي بالإيجاز من الإطناب، وبالاختصار من التطويل، وقد بكيته كثيراً بعد استشهاده، على نأي الدار، وشط المزار، ولا أزال أذكره حتى ألقاه في زمرة الصالحين إن شاء الله تعالى وتبارك.

إنه أخي قبل إخوتي في النسب، ولما وافاني نبأ اغتياله قلت: إن موت ولديَّ ولم يكن لي غيرهما حينئذ أهون عليّ من وفاة الأستاذ المرشد.

وكنت رأيت فيما يرى النائم ليلة قُتل، ولا علم عندي بالذي حصل، رأيت أننا في معركة مع اليهود، وقد بدأ القهقرى في جندنا، حتى إني لأمشي منحنياً لئلا يصيبني رصاصهم، فاستيقظت واستعذت بالله من شرّ هذه الرؤيا.

وفي النهار ألقى إليَّ بعض الناس الخبرَ، فكان وقعه أشد من شديد، وكان تأويل رؤياي.

إني لأقولها كلمة حرة، ولا بأس بروايتها عني، أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلَّى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف، لا أنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبرين، وحنكة السائسين، لا أنكر هذا كله عليهم، من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات، قلَّما ظفر به أحد كالإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله.

لقد عرفه الناس وآمنوا بصدقه، وكنتُ واحداً من هؤلاء العارفين به، والذي أقوله فيه قولاً جامعاً: هو أنه كان لله بكليته، بروحه وجسده، بقالبه وقلبه، بتصرفاته وتقلبه، كان لله فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار.

إن سيدي وأخي الإمام الشهيد، ذو وفاء في حياته وبعد وفاته، فقد تراءى لي في المنام كثيراً في مدى سنين، وقد رأيتُ فيما يُرى: أني جالس معه في جملة من أصحابنا، على مائدة فيها أطباق خبز، وأطباق ريحان يؤكل، لكنه ريحان من النوع الممتاز، فاستيقظتُ وذكرتُ قوله تعالى: فأما إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنة نعيم (89) (الواقعة).

وكان الحامد يذكر الإمام البنا ويقول: كم أنا مشتاق إلى وقفة على قبره الشريف أناجيه عن قرب، وأبثه أشواقي، وأشجاني عن كثب، فإن للقرب معناه عند المحبين .

وكان زميل الشيخ الحامد في الدراسة بمصر هو الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي من مدينة "حمص" بسورية، وكان السباعي يثني على زميله الشيخ الحامد بقوله: "إنك مدهش، من أين لك معرفة كل هذه الأحكام؟!".

تحريضه على الجهاد

وبعد أن أنهى الشيخ الحامد دراسته العليا في مصر بتفوق، طلب منه المشرفون على الأزهر أن يدخل قسم التخصص العالي، ولكنه أبى وآثر العودة إلى بلده "حماة" حيث عاد إليها سنة 1362ه 1942 م واستقرّ فيها، وكانت البلاد في ذروة جهادها الوطني، من أجل الحصول على الاستقلال، وكان من خطبه الحماسية في التحريض على المستعمرين الفرنسيين قوله: "... أما بعد: فالمعهود بإزالة النجاسة استعمال الماء، وإن تفاحش غلظها أضيف إليه التراب، قال {: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب" ولكن هناك نجاسة لابستنا ربع قرن، ولا ينفع في إزالتها ماء ولا تراب، ولا يقلعها إلا الحديد والنار.

أيها المسلمون، أعدِّوا أنفسكم للجهاد، وطِّنوها على الموت، موت شريف خير من حياة تعيسة، ضربة بسيف في عزّ، خير من صفعة بيد في ذلّ، طعنة برمح في شرف، أحبُّ إلى القلب الكبير من نظرة شزراء في مهانة، ركوب الصعاب والأهوال في ارتفاع، أجمل بكثير من الراحة والدعة في استخذاء.

أيها الإخوان.. لقد استخفتْ فرنسا بنا، وخاستْ بكل العهود، ولم ترع للمواثيق حرمة، لقد طلبت منا أخيراً أن نقبل أموراً فيها ترسيخ أقدامها في هذه البلاد، واستعباد أهلها، فاغضبوا ثم اغضبوا، وثوروا ثم ثوروا، فما عاد السكوت ينفع، وما عاد السكوت يفيد، لقد كان نبيكم صلوات الله وسلامه عليه يرتجز هو وأصحابه قائلين:

المشركون قد بغوا علينا

وإن أرادوا فتنة أبينا

أبينا أبينا

وما أجدرنا بإعادة ذلك الرجز قائلين:

هذه فرنسا قد بغت علينا

وإن أرادت فتنة أبينا

رددو معي: أبينا.. أبينا.. أبينا

نصرة فلسطين

أيها الإخوان: إن العالم يرقبكم وينظر من قرب ومن بعد إلى هذا الصراع بين الحق والباطل، بل إن رسول الله { وأصحابه ينظرون ما أنتم فاعلون بما خلّفوا لكم من تراث مجيد، عجنوه بدمائهم في هذه الأرض، أم أنكم تضنون بها، فلا يكون لكم حظ من هذا السخاء الشريف"؟

ولما وقعت مأساة فلسطين ، تألّم الشيخ الحامد كثيراً جداً، ودعا إلى الخروج للجهاد، وأراد أن يخرج بنفسه ولكن كبار العلماء أشاروا عليه بالبقاء لحاجة الأمة إليه، ولكثرة عدد المجاهدين المتطوعين، فانضم الشيخ الحامد إلى لجان مساعدة اللاجئين، وجمع المعونات المادية لهم، وكانت خطبه المنبرية، ومقالاته في الصحف والمجلات كلها عن نصرة الشعب الفلسطيني وكان يقول:

"إن حالنا مع اليهود لا يقبل هدنة، ولا تدنو من صلح.. إنها عقدة لا تحلها إلا القوة التي تخضد شوكتهم، وتكسر رؤوسهم، وتردّهم على أعقابهم مدحورين، فلنأخذ بأسباب هذه القوة".

كان داعية خير، ووئام بين مواطنيه، يكره الفتن، ويحارب الانحراف بلسانه وقلمه، ويحرص على تطبيق الشريعة في جميع شؤون الحياة، وشهد له أعداؤه قبل أصدقائه بالإنصاف، والجرأة، والأمانة، والورع، ويعود له الفضل في إعادة السلام إلى حماه والمدن السوريّة سنة 1384/1964 عندما اعتصم الشهيد مروان حديد في جامع السلطان، الذي هدم فوق أهله، وسقطت مئذنته، ثم ما تبع ذلك من أحداث، فقام بتهدئة الخواطر على رأس وفد من أهل المدينة وتصدى لموجات الإلحاد التي فشت في الجيل الصاعد، وعمل على رد الشاردين عن الحقيقة إليها، وعمل على تغذية الشاردين بالعلم الواقي، والمعرفة الدارئة، كي تقوى فيهم ملكة المناعة الإيمانيّة، وكان يرى أن الرجوع إلى الإسلام الصحيح هو طريق الخلاص من الانحراف، والاختلاف .

جهوده العلمية

لقد عاش الشيخ الحامد طيلة حياته مدافعاً عن الحق.. والقرآن الكريم، والسُّنة المطهرة هما المحوران الأساسيان لحياته العلمية والعملية.. فكانت دروسه في مسجد السلطان بحماة، تتناول التفسير، والسيرة، والحديث، والفقه، والفتاوى، والاستفتاءات الشرعية.

من مؤلفاته

من أقواله

"... وبعد فالسلفية الحقّة مجتمعة مع الصوفية الصحيحة، متى حسن الفهم، وصحّ العزم على الجمع الذي هو شأن الدعوة، وأرب الإخوان، وإذا زخرفت الصوفية بالروحانية الغامرة، والرقة العميقة، فليست بمنكرة على أختها السلفية تحريها تنقية الإسلام مما لابسه من الغرائب عنه كي يعود إلى صفائه وخلوصه، لا يفترق الأخذ بالعزائم، وعمق الفهم لأسرار الدين، عن نفي ما علق به من أدران، ولحق به من أوضار عبر الأزمان، ولا يصطدم هذا والنزوع إلى الخطة الأولى، إلى الإسلام العتيق الصافي، الذي سارت فيه القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية...".

من أشعاره

مناجاة الرسول

يا حبيب الرحمن يا صفوة الخل

ق ويا منيتي وراحة روحي

يا وليي وسيدي وإمامي

أنت لي خير مشفق ونصيح

لا أبي لا أخي ولا صدر أمي

لا ولا ذو الإخاء خدن الروح

بلغوا شأوك العلي ببر

أو وفاء أو في الحنان الصحيح

يا بنفسي لقاً ولو طرف عين

وبأهلي وكل غال ربيح

حب هذا النبي سرُّ انقيادي

وأخو الحب ما به من جموح

فراق مصر

ذبتُ يا مصر مذ عزمتُ رحيلا

ولو اسطعتُ عشت فيك طويلا

صانك الله من صروف الليالي

وتناءت من جانبيك قفولا

ليت شعري يا مصر هل ثمَّ عودٌ

بعد بُعد وهل أنال وصولا

أنا إن عشتُ عن حماها بعيداً

تخذ القلب نحو مصر سبيلا

حنين إلى حماة

يا عين جودي بدمع منك مدرارا

على زمان مضى والأهل والدار

أيام أرتع في ظل النعيم ومن

طيب المسرة قد قضيّت أوطاري

سقياً لدهر مضى والأنسُ يجمعنا

وينجلي البدرُ محفوفاً بأزهار

رعى الإله بقاعاً طاب مربعها

فيها حييت وفي جنباتها داري

مداعبة

يا عصبة الفول دمتم لي ودمت لكم

ودام مربعكم بالفول مزدانا

عشقتم الفول أشياخاً وشبانا

وقد أقمتم لهذا العشق برهانا

هذي قدوركم بالفول زاخرة

أزيزها ملأ الأكوان ألحانا

وريحها عطّر الأرجاء قاطبة

حتى غدا كل قلب فيه ولهانا

وقد أحبكم من ليس يعرفكم

"والأذن تعشق قبل العين أحياناً"

يا عترتي يا أُهيلَ الفول مجدكم

سام وحاسدكم قد بات حيرانا

أكلتم الفول حتى جل قدركم

ونلتم بهواه في الملا شانا

يا ويل من لا له في جمعنا صلة

حق له أن يذوق الجوع ألوانا

قالوا عنه

وتحدّث الشيخ سعيد حوى عن صفاته وسجاياه وعبادته وتقواه فقال:

كان دائم التلاوة لكتاب الله، مداوماً على الذكر اليومي ؛ وكان غزير العبرة كثير البكاء، لم أر بين علماء المسلمين ممّن رأيت وقابلت من ينطبق عليه قوله تعالى: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّداً وبكيّاً)* إلا شيخنا الحامد، وشيخنا عبدالفتاح أبوغدة ؛ ربّى إخوانه على التمسّك بالنصوص والفقه، كما ربّاهم على حبّ الإمام الشهيد حسن البنا، وحبّ (الإخوان المسلمين) وحبّ جميع المسلمين ؛ وكان يرى أنّ حسن البنا رحمه الله مجدّد قرون، وليس مجدّد هذا القرن فحسب، ولقد واطأه على ذلك الأستاذ الندوي ؛ وكان آية في التحقيق العلمي، وبحراً في العقائد، وفي الفقه، وفي التصوّف، وفي الأصول، وفي التفسير والحديث والتاريخ ؛ وكان بحراً في العلوم كلّها لا تطرق باباً من العلم إلاّ وقد أخذ بذؤابته، ويعرف دخنه، وينبّه على الأخطاء المحتملة فيه ؛ وكان شاعراً فصيحاً إذا خطب لا تعدّ عليه خطأً، عف اللسان، متأدّباً مع العلماء، وكان لا يسكت على مخطئ يقول أمامه كلمة بل كان ينصح ويصحّح، وكما كان مع المذهبيّة ومع التحقيق كان يخشى من دعوى الاجتهاد وما يترتّب على ذلك من فوضى في الفتوى ؛ فكان متشدّداً في الفتوى، لا يفتي إلاّ إذا درس ودارس واطمأنّ، وكان مستوعباً لمذاهب أهل السنّة والجماعة في العقائد والفقه، كما كان مستوعباً لعقائد الفرق الضالّة، عارفاً وقائعها، وكان داركاً لضلالات العصر، عارفاً ببدع الاستغراب، عارفاً بوجهات المستشرقين والمستغربين ؛ وكان ناصحاً مشفقاً يحسّ كل مسلم بشفقته ورحمته وخلوص نصيحته، لا يقابل السيئة بمثلها، وكان حريصاً على وحدة المسلمين، لا يرى أنّ هناك تناقضاً بين المسلمين يبيح لهم أن يدخلوا في خصومات بعضهم مع بعض، وينسوا الردّة والمرتدّين .

يقول الشيخ علي الطنطاوي: كنت أخالف الشيخ الحامد في مسائل الفقه، يذهب إلى التضييق على الناس، وفي أدلة الشرع سعة فيها كالغناء، أو يتمسك بفرعيّات هي من الكمالات، وليست من أسباب النجاة، ولا يعد تركها من المحرمات، وأشهد مع ذلك أن الشيخ كان صادقاً مع الله، صادقاً مع نفسه، وقد جعل الله له من الأثر في الناس ما لم يجعل لعشرات من أمثالي أنا .

ويقول عن رحلة صحبه فيها إلى مصر: وجدته صاحب نكتة، وفي روحه خفّة على القلب، وفي سلوكه أنس للنفس، وأنا أكره المتزمّتين الذين يتكلمون الجدّ دائماً، أو يحرصون على (المشيخة) والمشيخة غير العلم، وغير التدريس والتهذيب .

قال عنه الأستاذ عبد الله الطنطاوي :

"لله رجال.. منهم العالم العامل، والمجاهد المصلح الزاهد: الشيخ محمد الحامد يرحمه الله رحمة واسعة...

ولا ينقضي عجبي من هذا الرجل الكبير في عقله وعلمه، الصادق بعواطفه ومشاعره.. إنه يحمل قلب شاعر، ونفس ثائر، وعنفوان الشباب لم يفارقه في شيخوخته واكتهاله.

كنا نستمع إليه، فتفور الدماء في عروقنا، وخاصة عندما يتحدث عن الرسول { القائد العظيم، وعن أصحابه العظماء الأبرار. فقد كان حبه لهم أكبر من أن يحيط به وصف.

وكذلك عندما كان يحدثنا عن شيخه العالم الرباني الإمام حسن البنا رحمهما الله رحمة واسعة... كان حبه إياه بلا حدود.. كان ومازال يذكّرني بالحب الحقيقي في الله ولله.. الحب الخالص من أي شائبة، فيهزني بعنف، وأغبطه على ذلك الحب، وعلى تلك اللقاءات الحبيبة التي لا تعدلها إلا لقاءاتنا، نحن فتيان الإخوان، بقائدنا العظيم مصطفى السباعي.

ويا ما سمعنا أعذب الأحاديث وأصدقها من السباعي عن الحامد، فقد كانا أخوين في الله، أخوة قلّ نظيرها في هذا الزمان.

كنا نشمّ رائحة الإمام البنا وتقواه وعظمة نفسه، وربانيته، في أحاديث الشيخ الحامد، وفي سيرته الطاهرة، كما في كلام القائد المجاهد مصطفى السباعي عن الإمام وعن الشيخ.. وكلما تذكرتُ أحاديث أحدهما عن الآخر، أو أحاديثهما عن شيخ العصر وإمامه حسن البنا، فاضت العبرات، وهاجت العواطف، فقد خلا الميدان من هؤلاء العظماء، في الليلة الظلماء".

صفاته

للشيخ الحامد صفات ومزايا اشتهر بها وعُرف لدى كل من زامله أو صاحبه أو صادقه، أبرزها شدة الورع الذي ضرب به أروع الأمثلة في هذا العصر المادي، كما اشتهر بالزهد، والتواضع، ودماثة الأخلاق، ولطف المعاملة، والوفاء لأهل الوفاء، كما اشتهر بالجرأة في قول كلمة الحق، وبالحكمة، والغيرة على دين الله ومحارمه.. جمع بين العلم والأدب والفقه والشعر، وسلك طريق التصوف الملتزم بكتاب الله وسنة نبيه {، وحذَّر من المتصوفين المبتدعين ومن شطحاتهم، وكان لا يقبل الهدايا حتى من تلاميذه، ويطلب من البائعين أن يعاملوه كسائر الناس، فلا يرضى منهم أن يخفّضوا له ثمن ما يشتريه منهم، وكان ذا قلب رحيم، يحرص على تخفيف آلام المتألمين، ومواساة المحزونين، ويتفقد اليتامى والأيامى والأرامل والمحرومين، ويصلح بين المتخاصمين، وينقّي قلوبهم من الأكدار والأحزان.

من مواقفه

للشيخ الحامد مواقف كثيرة اتسمتْ بالجرأة والشجاعة الأدبية، أذكر منها موقفين:

الموقف الأول من أخيه وصديقه ورفيق دربه الشيخ الدكتور مصطفى السباعي عندما أصدر كتابه "اشتراكية الإسلام"، فقد غضب الشيخ الحامد لله، وكتب للسباعي أنه لن يسكت على ما جاء في كتابه، ورحب السباعي بنقد الشيخ، وكتب له: اكتب وسأنشر ما تكتب في المجلة "مجلة حضارة الإسلام التي يرأس السباعي تحريرها" وأخرج الحامد كتابه: "نظرات في كتاب اشتراكية الإسلام" وكان أسلوبه أسلوب العالم الموضوعي الذي لا يبتغي من نقده إلا الله، وتقبل السباعي نقد الحامد برحابة صدر، وكانت ردود وتعليقات وتعقيبات لم تفسد ما بين الرجلين الكبيرين من ودّ وحب في الله.

وعندما توفي السباعي، بكاه الحامد كما لم يبك أخ أخاه. رحمهما الله تعالى.

والموقف الثاني كان من النظام السوري عام 1964 م عندما هاجم مدينة حماة، وقتل العشرات من تلاميذ الشيخ، وهدم جزءاً من جامع السلطان (جامع الشيخ الحامد) ولولا حكمة الشيخ وجرأته اللتان أفشلتا مخطط الحاقدين وقرارهم في هدم المدينة، لحصلت مذبحة كبيرة للمدينة.. وقد أنقذت حكمته وجرأته رقاب العشرات من الفتيان الذين حكموا عليهم بالموت، فقد تدخّل الشيخ، وقابل رئيس الدولة آنئذ، الفريق محمد أمين الحافظ، وخوّفه بالله، وناشده المروءة، فأصدر الحافظ أمراً بالعفو عن كل أولئك الشبان.

وفاته

وقد انتقل إلى رحمة الله يوم الإثنين الثامن عشر من شهر صفر سنة 1389ه الموافق 5-5-1969 م بمدينة حماة بعد مرض عضال لم تنفع فيه العمليات الجراحية التي أجريت له في بيروت.

وقد شيّع إلى مثواه الأخير بحماة التي خرجت على بكرة أبيها تودع عالمها الجليل، وفقيدها العظيم، وضجت مآذن حمص وحماة بالتهليل والتكبير.

رحم الله أستاذنا الشيخ الحامد، رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

عمر بهاء الدين الأميري (أبو البراء)

(1339 ـ 1412هـ /1914 ـ 1992 م)

مولده ونشأته

ملف:الأستاذ-عمر-بهاء-الأميري-01.png
الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري

وُلد في مدينة حلب سنة (1339هـ/1914 م) في أُسرة متديِّنة، ونشأ في رعاية أبوين أحسنا تربيته، فأحبهما ونطقت أشعاره بحبهما.

وفي حلب تلقى علومه حتى أنهى الدراسة الثانوية، ثم توجه إلى فرنسا، حيث درس الأدب وفقه اللغة بجامعة (السربون) بباريس، ثم درس الحقوق في الجامعة السوريا بدمشق، وعمل بعد تخرجه مديرًا للمعهد العربي الإسلامي بدمشق، ومارس المحاماة فكان مثال المحامي النزيه والقاضي العدل، لا يترافع إلاّ مع الحق ولا يقضي إلاّ بما يقرّه الشرع، واشترك في مؤتمرات المحامين فكان فيها نجمًا لامعًا.

اختير ليكون سفيرًا لسوريا في باكستان سنة 1950 م، ثم في المملكة العربية السعودية سنة 1954 م. وفي سنة 1386هـ دُعي إلى المغرب لتدريس الحضارة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس في مدينة فاس، ثم أستاذًا لكرسي الإسلام والتيارات المعاصرة في دار الحديث الحسينية بالرباط، ثم في قسم الدراسات الإسلامية والدكتوراه في جامعة القرويين.

وهو شاعر فحل من فحول الشعراء المعاصرين، بدأ قول الشعر وهو في التاسعة من عمره وجمع ديوانه الأول وهو في الثامنة عشرة.

اهتمـامـاتـه

عاش قضية فلسطين وكان لها في شعره نصيب كبير، وأفرد لها ديوانًا من دواوينه، وكان في القدس مع جيش الإنقاذ سنة 1948 م، وعاش ثورة الجزائر، ومع بناء دولة باكستان، ومع قضايا المغرب، وشارك في الكثير من الندوات والمحاضرات والمؤتمرات في أنحاء العالم العربي والإسلامي.

كما احتلت أُسرته جانبًا كبيرًا من نفسه، فصاغ شعره عاطفة وحبًا لأبنائه، وأضاف إلى المكتبة العربية من دواوينه الكثير، كديوانه (مع الله)، وديوانه (أب)، وديوانه (ألوان طيف)، وديوانه (من وحي فلسطين)، وديوانه (أشواق وإشراق)، وديوانه (ملحمة النصر)، وديوانه (ملحمة الجهاد)، وديوانه (الأقصى وفتح والقمة)، وديوانه (قلب ورب)، وديوانه (رياحين الجنة)، وديوانه (ألوان من وحي المهرجان)، وديوانه (أمي)، وديوانه (الروضيات)، وديوانه (الزحف المقدس)، وديوانه (أذان القرآن)، وديوانه (مع القاضي الزبيري)، وديوانه (بنات المغرب)، وديوانه (نجاوى محمدية)، وديوانه (حجارة من سجيل)، وديوانه (الهزيمة والفجر).

مؤلفاته وآثاره

مقتطفات من شعره

(صلاة)

كلما أمعن الدجى وتحالكْ شِمتُ في صمته الرهيب جلالكْ

وتراءت لعين قلبي برايا من جمال، آنستُ فيها جمالكْ

وترامى لمسمع الروح همسٌ من شفاه النجوم يتلو الثنا لكْ

واعتراني تَوَلُّهٌ وخشوعٌ واحتواني الشعور أني حيالكْ

ما تمالكتُ أن يخرّ كياني ساجدًا واجدًا، ومن يتمالكْ؟

(سبحان ربي الأعلى)

أي سرّ يودي بدنيا حدودي كلما همتُ في تجلي سجودي

كيف تذرو (سبحان ربي) قيودي كيف تجتاز بي وراء السدودِ

كيف تسمو بفطرتي ووجودي عن مفاهيم كونِيَ المعهودِ

كيف ترقى بطينتي وجمودي في سماوات عالم من خلودِ

(الكعبة)

الكعبة الشمّاء في مذهبي قيمتها ليست بأحجارها

والقرب من خالقها ليس في تشبّث المرء بأستارها

قدسيّة الكعبة في جمعها أمتنا من كل أقطارها

وأنها محور أمجادها وأنها مصدر أنوارها

(صلة)

الحجر الأسود قبّلته بشفتي قلبي وكلي ولهْ

لا لاعتقادي أنه نافعٌ بل لهيامي بالذي قبّلهْ

يقول الدكتوريوسف القرضاوي عن ديوان (مع الله):

كان ديوان (مع الله) صلوات، وابتهالات، وترنيمات إلهية، كأنها من مزامير داود، إنه شعر يُحلق في آفاق السماء، ويغوص في أعماق النفس، ويسبح في جنبات الوجود، ويستحضر معية الله في كل مكان، وفي كل حين، وفي كل حال.

وقد استقبل الأدباء والشعراء والدعاة والمفكرون ديوان (مع الله) بما يليق به من ترحيب وتنويه.

وحسبنا من هؤلاء ما كتبه الأستاذ العقاد إلى شاعرنا الأميري من رسالة يقول له فيها:

ديوانكم (مع الله) آيات من الترتيل والصلاة، يُطالعها القارئ، فيسعد بسحر البيان، كما يسعد بصدق الإيمان.

وقد قرأتُ طائفة صالحة من قصائده، وسأقرأ بقيتها، وأُعيد قراءة ما قرأته، لأنه دعاء يتكرر ويتجدد ولا يتغير. وثوابكم من الله عليه يُغنيكم عن ثناء الناس، وإنه ـ على هذا ـ لثناء موفور، وعمل مشكور، فتقبلوا مني شكره، واغتنموا من الله أجره، وعليكم سلام الله ورضوان الله.

عباس محمود العقاد

في 4 -2 - 1960 م

وعن شعر الأميري وشاعريته يقول القرضاوي:

وبجوار الشعر الإيماني والشعر الإنساني للأميري، نجد الشعر الجهادي، وكلّه أو جلّه يصبّ في قضية الأمة المركزية والمحورية، وهي قضية الأقصى، قضية أرض الإسراء والمعراج، قضية فلسطين، وقد أصدر عدة دواوين في ذلك، مثل: ملحمة الجهاد، من وحي فلسطين، حجارة من سجيل.

وإذا كان بعض الشعراء يخلد إلى الأرض وينزع إلى الطين والحمأ المسنون، فإن الأميري يُحلّق بشعره على أجنحة ملائكية، إلى آفاق علوية.

وإذا كان منهم من استغرقه الحس، وسجنه الجسد في قفصه، فإن الأميري قد سما بشعره إلى فردوس الروح، وسماء الربانية، وتحرر من قبضة الجسد الحديدية، بفضل ما منحه الله من رحيق الإيمان، وفيض الروح المشرق بنور اليقين.

معرفتي به وتوجيهاته لنا

عرفته حين زار مصر أوائل الخمسينيات وكان وقتها سفيرًا لسوريا في باكستان، وقد اجتمعنا به أكثر من مرة مع مجموعة من طلبة البعوث الإسلامية، واستمعنا إلى توجيهاته ونصائحه فيما يتعلق بالعمل الإسلامي، وكان يركّز في حديثه على أن المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين كبيرة جدًا، وهي محكمة الخطط، ماكرة التدبير، تشارك فيها كل القوى المناوئة للإسلام من الصليبية والصهيونية والشيوعية والإلحاد بكل فرقه والتغريب بكل جيوشه والاستعمار بكل ألوانه وأعوانه.

وإن ضياع دولة الخلافة الإسلامية وضياع فلسطين، إنما هو بتكالب أمم الكفر وتفرّق كلمة المسلمين وانقسامهم على أنفسهم واحترابهم فيما بينهم والاستعانة بأعدائهم على إخوانهم. بالإضافة إلى تأخر الأمة الإسلامية في ميدان العلم وتأخرها عن ركب الحضارة ومجاراتها لأهواء الحكام وشهواتهم وانغماس شبابها في الملذات والشهوات، وتقليد الغرب في رذائله الخلقية وقشور حضارته وترك النافع من علومه.

وكان يحمّلنا المسؤولية ويقول: أنتم شباب اليوم ورجال الغد وحملة الإسلام إلى الناس جميعًا، فعليكم بالتزود بالعلم النافع، والالتزام بالخلق الفاضل، والارتباط بالعمل الإسلامي الجاد الذي يسعى لإعادة الأمة إلى إسلامها أمجادها، وتمسكها بعقيدتها، وتطبيق شريعتها في واقع الحياة المعاصر.

وكان يثني الثناء الحسن على حركة الإخوان المسلمين ومؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا، ويرى أنها الحركة الإسلامية التي تتوافر فيها المواصفات المطلوبة للنهوض بالأمة الإسلامية من كبوتها وتحررها من ربقة الاستعمار وأنها استطاعت ـ بفضل الله ـ أن تربي الشباب على منهج الإسلام، وأن تعرض الإسلام على الجماهير كما جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وأن تضع المفاهيم الأصيلة والقواعد الشرعية موضع العلم والعمل، حيث جاءت «رسالة التعاليم» للإمام البنا لتعطي خلاصة الإسلام التي يجب أن يفهمها المسلمون ويتدبروها ويعملوا بها ويدعوا الناس إليها. كما أن حركة الإخوان المسلمين عنيت بالشباب عناية تامة، وأعدّت البرامج الكفيلة بتنشئته النشأة الصالحة.

وأضاف الأستاذ الأميري: إن الإسلام الحق هو ما فهمه الإخوان المسلمون وليس هذه البدع والخرافات، وإن المستقبل لهذه الحركة الإسلامية التي توفّر لها الفهم الصحيح للإسلام والقيادة الحكيمة الرشيدة، والعاملون المخلصون، فعليكم يا طلبة البعوث الإسلامية بالارتباط بها والاستفادة من مناهجها وبرامجها وخبراتها وتجاربها، وانقلوا ذلك إلى أقطاركم حين تتخرّجون، وادعوا شعوبكم للعمل من أجل الإسلام والتحرر من مناهج الجاهلية والبرامج الوضعية.

وكان الأستاذ الأميري يتميّز بإشراقة الديباجة في حديثه ومحاضراته مع البسمة التي لا تفارقه والبشاشة التي يلقى بها الناس، فضلاً عن النكتة والدعابة الطريفة حين يقتضي المقام ذلك.

ثم باعدت الأيام بيننا بعد التخرج لسنين، حتى التقيت به في سوريا و لبنان و الكويت و السعودية.. وشرفت بتقديمه في محاضرات عدة عن الحضارة الإسلامية، وقصائد شعرية، وأكرمني أكثر من مرة بزيارتي في البيت، وحضر ندوة الجمعة، وألقى كلمة مناسبة في الحضور، وأهداني معظم مؤلفاته ودواوين شعره الذي كان يتدفق بالعاطفة الإسلامية الجياشة والسلاسة والرقة والشفافية والمناجاة الصادقة مما لا يتسع المجال لبسطه.

اتصاله بالإخوان المسلمين

كان الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري من أوائل من التحقوا بحركة الإخوان المسلمين في سوريا مع الأستاذ د. مصطفى السباعي، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ الشيخ محمد الحامد، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وغيرهم من رجالات بلاد الشام، وقد بذل جهودًا طيبة لرفد الحركة ودعمها، وأسهم في توجيه شبابها، وكان وثيق الصلة بالأستاذ حسن الهضيبي - المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإمام البنا - يكثر من زيارته والتردد عليه ومشاورته في الكثير من الأمور.

منهجه وأسلوبه

وللأستاذ الأميري أسلوبه في علاج المشكلات ومواجهة التحديات، فهو يؤثر الحكمة واللين والمهادنة مع أصحاب السلطة؛ لاستلال السخائم من نفوسهم وعدم استثارة حفائظهم، وترغيبهم في الإحسان إلى شعوبهم، وكسب عواطفهم ومحبتهم؛ لأن محبة الشعب للحكام من أهم عوامل الاستقرار.

وصيته للشباب

وكان يوصي الشباب المتحمس بعدم التعجل، لأن الزمن جزء من العلاج وطول فترة التربية هو الأسلوب الأمثل لإعداد الرجال؛ لأن الحمل ثقيل والمسؤولية كبيرة وتحتاج إلى نوعية من الرجال الأشداء أصحاب العزائم الذين يصبرون على البلاء ويتحملون المشاق ويصاولون الأعداء في كل ميدان، مستعينين بالله عز وجل، آخذين بالأسباب المستطاعة لتحقيق مرضاة الله بإبلاغ دعوته.

إن الأستاذ الأميري كان محبوبًا من كل من عرفه عن قرب، فقد كان زينة المجالس بحديثه الشائق وأدبه الجمّ ومداعباته اللطيفة، فالشيوخ والشباب على حدٍّ سواء يتسابقون للاستمتاع بحديثه ومسامراته النافعة وتوجيهاته السديدة وآرائه الحكيمة وتجاربه الطويلة.

والأستاذ الأميري لم يكن شاعرًا وأديبًا فحسب، بل كان من زعماء الحركة الإسلامية والعاملين في الحقل الإسلامي الذين لهم إسهاماتهم الكثيرة في أكثر من قطر ومع أكثر من زعيم وقائد ومفكر وداعية. اعتقاله بلبنان

وقد تعرض للاعتقال في لبنان في شهر مارس عام 1966 م مع إخوانه: توفيق الشاوي، و عصام العطار، وزيد الوزير، بناءً على ضغط من حكومة عبد الناصر العسكرية بمصر، ولم تطل فترة الاعتقال حيث تدخلت وساطات لبنانية وعربية، فتمّ الإفراج عنهم بعد أقل من شهر، ولكن طُلب منهم جميعًا مغادرة الأراضي اللبنانية.

وفــاتــه

يقول الدكتور محمد علي الهاشمي في مجلة المجتمع: «امتدت يد المنون إلى الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري بعد مرض عضال ألحّ عليه منذ سنة في المغرب، حيث كان يقيم. ثم نقل بمكرمة ملكية من الملك فهد بن عبد العزيز إلى المستشفى التخصصي في الرياض حيث مكث قرابة شهرين تحت العلاج، حتى وافاه الأجل المحتوم في مساء السبت الثاني والعشرين من شهر شوال سنة (1412هـ/ 1992 م)، وقد وري الثري في المدينة المنورة.

لقد وقف ذلك القلب الكبير الدفاق بحب دينه وأمته، ووقفت معه نبعة الشعر الفنيّة المعطاء الدءوب، التي أمدّت الجيل المسلم عشرات السنين، بزادٍ وفير، من مثل الإسلام وقيمه، وصوّرت عظمة شريعته وسمو أحكامه وتفرّد مبادئه، وشخّصت الداء العضال، الذي يفتك بأمة الإسلام، بسبب بعدها عن كتاب الله وسنة رسوله...» انتهى.

رحم الله أستاذنا الأميري وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

محمد عبدالقادر المبارك .. العالم المفكر الداعية

(1331 ـ 1402هـ/1912 ـ 1982 م)

المولد والنشأة

'العلامة محمد عبد القادر المبارك
  • هو العالم الوزير، والمفكر الداعية: محمد بن عبدالقادر بن محمد المبارك الحسني. ولد في دمشق سنة 1331ه - 1912 م، نشأ في أسرة معروفة بالعلم والتقوى والصلاح، فجده محمد المبارك كان من علماء اللغة العربية، له نثر وشعر وله آثار مروية تدل على فضله وملكته. ووالده الشيخ عبد القادر المبارك علامة دمشق في اللغة والأدب، كان من أعضاء اللجنة التي ألفت في عهد الملك فيصل الأول لتعريب المصطلحات العسكرية، كما اختير عضواً في المجمع العربي بدمشق حين تأسيسه، وكان كذلك عالماً بالسيرة ووقائعها وبتراجم الرجال ومشاركاً في العلوم الإسلامية ومتقناً للغة التركية وعارفاً بالإنجليزية. وله رسائل أدبية مطبوعة وشرح لعشر من مقامات الحريري.
  • درس محمد المبارك المرحلة الابتدائية ثم الثانوية في مدارس دمشق، وكان متفوقاً في دراسته خاصة في اللغة العربية والرياضيات، وكان له ميل واضح إلى العلوم العربية والعلوم الإسلامية. ثم تابع الدراسة الجامعية في دمشق في كلية الحقوق وفي الآداب، وأنهى الدراستين معاً في سنة 1935.
  • كان محمد المبارك ينتظم في الصباح في الدراسة النظامية، وفي المساء يدرس على شيخ علماء الشام في عصره الشيخ محمد بدر الدين الحسيني ، وقد استفاد المبارك من علمه وقرأ عليه النحو والصرف والتفسير والمصطلح والفرائض وأصول الفقه والكلام والبلاغة والحساب والجبر والهندسة. كما كان يدرس على الشيخ سليم الجندي وعلى والده العلامة اللغوي الشيخ عبد القادر علوم اللغة العربية.
  • وكان المبارك في هذه الفترة متأثراً بالأمير شكيب أرسلان وبمؤلفاته، وما كان ينشره في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية والتحرر من الاستعمار. وقد أتيح له الالتقاء بالأمير في باريس عندما كان طالباً في جامعتها.
  • وكان ممن أثروا في توجيه المبارك الفكري من القدماء بآثارهم التي قرأها: ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، ذلك أنه وقع في مكتبة جده على كتاب الحسبة لابن تيمية فأعجب بتفكيره ونقاشه وبحثه، كما قرا كتاب (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) ثم اطلع على (أعلام الموقعين) لابن القيم وكان حينئذ طالباً في الحقوق. ولهذه الكتب الثلاثة صلة بالعلوم الحقوقية ففتحت أمامه آفاقاً جديدة وكشفت له عن جوانب من عظمة التشريع الإسلامي ومن إبداع الفقهاء والمفكرين المسلمين، ثم اطلع على مجموعة رسائل ابن تيمية وغيرها من الكتب، فاستهواه النقاش بين الصوفيين والسلفيين.
  • بعد أن تخرج محمد المبارك من الجامعة السورية، أوفدته الدولة مع من أوفدتهم إلى جامعة السوربون في باريس ليدرس في كلية الآداب وفي معهد الدراسات الإسلامية التابع لها ثلاث سنوات. درس في السنة الأولى الأدب العربي والثقافة الإسلامية، وعرف المستشرقين عن كثب، وكثيراً ما كان يصحح لهم معلوماتهم. وخصص السنة الثانية من دراسته لدراسة الأدب الفرنسي وعصوره وفنونه وأعلامه، وكان من أبرز أساتذته الأستاذان المستشرقان المشهوران: مارسيه وماسينيون. أما السنة الثالثة فخصصها لدراسة علم الاجتماع وكان أساتذته من كبار علماء الاجتماع الفرنسيين. وقد استفاد المبارك من فرعي الأدب الفرنسي وعلم الاجتماع استفادة كبيرة جداً مكنته من الولوج في صميم الثقافة الغربية والتفكير الغربي ومذاهبه الفكرية والأدبية من منابعها الأصيلة وعن طريق الاختصاص من أهلها.
  • ولم يكن يقتصر المبارك على محاضرات الجامعة، بل كان يحضر المنتديات والمحاضرات العامة ويتردد على مختلف المعاهد العلمية والنوادي على تعدد اتجاهاتها وألوانها. وقد تعرف في باريس إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان يتردد على نواديهم ويتعاون معهم في مجال الدعوة الإسلامية التي كانت أشمل من محاربة الاستعمار والتحرر والاستقلال.
  • عاد محمد المبارك من باريس مجازاً في الأدب العربي وفي علم الاجتماع، وتم تعيينه عام 1938 أستاذاً للأدب العربي في المدرسة الثانوية بمدينة حلب، وخلال وجوده في هذه المرحلة من حياته في حلب تزوج زوجته الحلبية من عائلة آل البيانوني المعروفة بالعلم والصلاح، وهي أم أولاده. وظل في حلب سنتين، ثم نقل إلى دمشق وتابع فيها مهمته، حيث درس في ثانويتها الكبرى الأدب العربي والأخلاق والمنطق والنصوص الفلسفية، ودرس كذلك في دار المعلمين العليا وكان له نشاط ملحوظ في المحاضرات العامة في مختلف نوادي العاصمة في شتى الموضوعات في اللغة والأدب والقضايا الاجتماعية و الإسلام.
  • وفي عام 1945 تم جلاء القوات الأجنبية عن سورية، وكانت بداية الحكم الوطني المستقل، وجرت في وزارة المعارف تنظيمات جديدة كان من جملتها إحداث لجنة فنية عليا في الوزارة تتألف من مختلف الاختصاصات لوضع الخطط والمناهج والأنظمة، كما تم إحداث هيئة تفتيشية للتعليم الثانوي في عموم سورية، فعين الأستاذ محمد المبارك عضواً في اللجنة الفنية للتربية ومفتشاً اختصاصياً لسورية لمادتي اللغة العربية والدين. وعن هذا الطريق عرف جميع المحافظات السورية التي كان يزورها وكثيراً ما كان يكلف بتفتيش مواد اللغة الفرنسية والفلسفة لعدم وجود مفتشين لهذه المواد يومئذ. وفي تلك الفترة كُلف بوضع مناهج اللغة العربية والدين للمدارس الثانوية منفرداً، وعمل في ذلك عملاً جاداً استغرق نحو شهرين أنجز خلالهما وضع مناهج المادتين لجميع سنوات التعليم الثانوي الست.
  • وفي سنة 1946 أقصي الأستاذ المبارك عن التفتيش واقتصر عمله على عضوية اللجنة الفنية وذلك بسبب ما قام به من نشاط إسلامي في المحافظات التي كان يزورها للتفتيش، وذلك بإلقاء المحاضرات العامة في أهم الموضوعات المتعلقة بالإسلام والتعريف بدعوته أو بالقضايا الإسلامية المعاصرة.
  • وفي عام 1947 قدم استقالته من وزارة التربية ليتمكن من ترشيح نفسه للانتخابات النيابية عن مدينة دمشق تلبية لرغبة رابطة العلماء والجمعيات الإسلامية، وقد انتخب ثلاث مرات عن مدينة دمشق خلال الفترة من 1947 ـ 1958. كما عين المبارك خلال الفترة 1949 ـ 1952 وزيراً للأشغال العامة ثم وزيراً للمواصلات ثم وزيراً للزراعة. واستمر نشاطه الإسلامي السياسي حتى عام 1958 الذي تمت فيه الوحدة بين مصر و سورية وحينئذ انصرف إلى العمل الجامعي العلمي، وفضل التدريس والكتابة وإلقاء المحاضرات ليرفع مستوى الوعي الإسلامي العام عند الجماهير الإسلامية.
  • لم يمنع نشاط الأستاذ محمد مبارك السياسي منذ أواخر عام 1947 عن استمراره في التدريس، فقد كلف في أوائل عام 1948 بتدريس مادة فقه اللغة ثم الدراسات القرآنية في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق، واستمر في تدريس هذه المواد نحواً من عشر سنوات. وانقطع فترة ثم عاد لتدريس فقه اللغة حتى عام 1966. كما عين أستاذاً في كلية الشريعة في جامعة دمشق منذ تأسيسها سنة 1954، وشارك مشاركة أساسية في وضع خطتها ومناهجها. وحين أنشئت الأقسام في الكلية كان رئيس قسم العقائد والأديان. كما تولى عمادة كلية الشريعة في جامعة دمشق (1958 ـ 1963) وذلك بعد عميدها الأول الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي. وكان مجلس جامعة دمشق قد اختاره عام 1960 ممثلاً له في المجلس الأعلى للتخطيط الجامعي للجمهورية العربية المتحدة في القاهرة لذلك العام.
  • وتم انتدابه من جامعة دمشق إلى جامعة أم درمان الإسلامية في السودان تلبية لطلب مديرها، فعمل فيها من 1966 ـ 1969 أستاذاً ومشاركاً في التخطيط ورئيساً لقسم الدراسات الإسلامية، وفي خلال هذه المدة عام 1968 قدم استقالته من جامعة دمشق. كما أنه درّس في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم مادة السياسة الشرعية. وفي عام 1969 اقترح عليه وزير المعارف في المملكة العربية السعودية العمل فيها، فقبل واختار الإقامة في مكة المكرمة، وعُين أستاذاً ورئيساً لقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الشريعة بمكة المكرمة، وكان عارفاً بوضعها لأنه كان قد اشترك في وضع خطتها وبعض مناهجها في عام 1964، وبقي في هذا العمل أربع سنوات ثم عُين أستاذاً باحثاً ومستشاراً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وفي أثناء تلك الفترة عمل أستاذاً زائراً في الجامعة الأردنية خلال الفصل الدراسي الثاني لعام 1977 وفي فصول دراسية أخرى. وبقي يمارس التدريس في الجامعات حتى وفاته.
  • كان الأستاذ المبارك عضواً في مجمع اللغة العربية (المجمع العلمي) بدمشق، وعضواً في المجلس الأعلى الاستشاري في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
  • الأستاذ محمد المبارك عالم متمكن وداعية مفكر، عمل في حقل الدعوة الإسلامية منذ ريعان شبابه، ووهب نفسه لها، وجعلها هدف حياته، وقد اختار مهنة التدريس ليشارك في إعداد الأجيال، وكان خلال فترة تدريسه إذا توسم في فتىً خيراً اتصل به ورعاه وغذاه بالنصائح، وكانت له حلقات يعالج فيها موضوعات إسلامية عملية ومشكلات اجتماعية مع طلاب ومدرسين وعمال، كما كان له نشاط متواصل في إلقاء محاضرات عامة في مختلف المستويات.
  • ولم يقتصر نشاطه على المدن بل كثيراً ما كان يخرج مع فريق من الشبان إلى القرى للدعوة والتوعية.
  • وكان للأستاذ محمد المبارك مشاركة في نشاط وتأسيس عدد من الجمعيات الإسلامية فعندما تأسست جمعية الشبان المسلمين في دمشق كان هو رئيسها، ولما أسس الدكتور مصطفى السباعي مدرسة الدعوة في دمشق سنة 1947/1948 كان المبارك يحاضر فيها هو والسباعي وثلة من الأساتذة المرموقين.
  • والأستاذ المبارك من مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وكان يمثلهم في البرلمان السوري، وكان الساعد الأيمن للسباعي ومستشاره السياسي والتنظيمي والاجتماعي. وكان دائماً عضواً في إدارة مركز دمشق أو رئيساً للإدارة، وكان يتناوب مع السباعي في إلقاء المحاضرات في المركز العام للإخوان في حي الشهداء بدمشق، أو في باب الجابية، وكان يصحب السباعي في رحلاته وزياراته لمراكز الجماعة.
  • وبعد أن غادر سورية بقي المبارك على صلات طيبة مع الإخوان حتى آخر لحظة من حياته... كان مع الإخوان السوريين حيث يوجد إخوان سوريون، وكان مع الإخوان في سائر الأقطار التي يزورها أو يقيم فيها، يقدم لهم إرشاداته ونصائحه، ويعطيهم تجاربه العلمية التي اكتسبها طوال عمره السياسي والتنظيمي. وكان له دور في ترشيد الحركة الإسلامية، وتقديم النصح والمساعدة المادية والمعنوية من خلال عمله في ميدان الدعوة الإسلامية على الصعيدين الشعبي والثقافي. وكانت له اتصالات بعدد من الشخصيات الإسلامية والعربية، ومشاركات مستمرة في المؤتمرات العالمية في ميدان الثقافة والدراسات الإسلامية والعربية والدولية، وساهم بفاعلية في توضيح مفهوم الإسلام ودوره الحضاري في عالم اليوم، كما كان له دور بارز ضمن الوفود الإسلامية التي شاركت في المؤتمرات الدولية لاسيما في الحوار الإسلامي المسيحي.

أهم مؤلفاته

وله عشرات البحوث والمقالات المنشورة عن موسوعة الفقه الإسلامي، وعن تاريخ الرياضيات عند المسلمين، والتجارب العلمية عند المسلمين، ومذكرات في التشريع الإسلامي مع مقارنته بالتشريع الغربي... إلخ، فضلاً عن الكثير من المحاضرات في مكة المكرمة و الجزائر ولاهور ودمشق والرياض، والخرطوم، وأمريكا، وقطر، وباريس، والرباط، وجدة، وإسطنبول، وأبوظبي، وعمَّان وغيرها، بالإضافة لزياراته المتعددة للمدن السورية، وإلقاء المحاضرات والدروس، وعقد المؤتمرات والندوات، لشرح الفكرة الإسلامية، وبيان منهج الإسلام الحق.

من أقواله

"لا بد لنا ونحن في ميدان العلوم المادية، والحياة العلمية في الحضارات الغربية الأجنبية المعاصرة، أن نستفيد من تجربة اللغات الأجنبية، ما يعيننا في تجربتنا، على أن نعرف لكل لغة خصائصها وطرائقها في الاشتقاق والتوليد، مع الحذر من التقليد الحرفي، والنقل الآلي، والخلط بين خصائص اللغة أو فنون آدابها، والانسياق في تيار نظريات المستشرقين وأصحاب المذاهب الاجتماعية.

ولو نظرنا إلى اللغات الأخرى التي كانت حين ظهور الإسلام، كالفارسية واليونانية، لوجدنا أنها تبدَّلت على مر العصور، حتى غدت اليوم لغة أخرى، ولو نظرنا كذلك إلى اللغات المنتشرة في عصرنا، والتي هي لغة الثقافة والعلم، كالفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية، لوجدنا أنها لا تكاد تفهم من أصحاب اللغة أنفسهم، لشدة ما أصابها من التبديل الأساسي في ألفاظها وفي معاني ألفاظها، وليس ذلك في العربية التي تميزت من سائر اللغات بخاصية عظيمة النتائج، جليلة الفوائد، ذلك أن ألفاظها كلها ترجع إلى أصول ثابتة، ومهما يكن تطور الكلمة العربية في معناها، فإنها ترجع إلى أصل ثابت في حروفه وفي معناه الأصلي العام.

إن الإسلام ثابت في مفاهيمه العامة، واتجاهاته والمعالم الكبرى التي رسمها للحياة الإنسانية، قابل لتنوع الأساليب في التطبيق، ومراعاة مختلف الأحوال والمراحل والشروط الاجتماعية، وكذلك اللغة العربية، فهي ثابتة الأصول والجذور، قادرة على متابعة تطور الإنسان في التعبير عن مختلف حالاته، وبذلك يلتقي الإسلام على أنه رسالة، والعربية على أنها وسيلة للتعبير، وتلك هي الحكمة في نزول القرآن بالعربية، وفي النص على ذلك في محكم الكتاب: إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (2) (يوسف) مع أن خطاب القرآن عام للناس جميعاً، ولم يرد فيه تخصيص كونه للعرب، واللغة العربية هي التي حملت رسالة الإسلام، فغنيت بألفاظ كثيرة جديدة للتعبير عن المفاهيم والأفكار والنظم وقواعد السلوك التي جاء بها الإسلام.

ولقد آثرت ولا سيما بعد اشتغالي بالتدريس الجامعي أن أحافظ على خطوط فكرية ثلاثة، كنت دوماً أتنقل بينها، وأتابع الدراسة والبحث في آفاقها، وهي: اللغة، والفكر الإسلامي، وخصائص الأمة العربية.. وذلك حفاظاً على لغة القرآن التي هي أداة تفكيرنا، وفن تعبيرنا، ووسيلة أدائنا لرسالتنا، والتي بها توارثنا مكارم أمتنا، وبها نزل كتاب الله علينا، وفيها يكمن الكثير من قوتنا، والثمين من تراثنا.

فالأمة العربية بمكانها الثقافي والجغرافي، وموقعها القيادي في العالم الإسلامي، تستطيع أن تقوم بدور المنقذ، وأن تكون رائدة للحضارة الإنسانية المقبلة، وطليعتها.

فلابد من التحرر من آثار التشويه والانحراف الذي أصاب الإسلام في فهم المسلمين له.

والتحرر من نقائص الحضارة الأوروبية الحديثة الفلسفية الفكرية والعملية السلوكية، مع استبقاء مكاسبها الصالحة النظرية والعملية، وإحلال الإسلام باعتباره نظاماً عقائدياً كاملاً محل ذلك.

ولقد كانت الأحداث التي عاصرتها، تشهد الصراع بين أنصار الدين وأنصار الإلحاد والعلمانية، والصراع عن الاستعمار، وكانت الثورة السورية على فرنسا من الأحداث التي عشت في أجوائها، كما كان لكثير من الأحداث في شتى البلدان الإسلامية أصداء قوية، كإلغاء أتاتورك للخلافة، وإمعانه في محاربة أي صلة للأتراك بالإسلام واللغة العربية، وكالظهير البربري، أعني المرسوم الفرنسي القاضي بفصل البربر عن العرب في المغرب، لقد كنا نعيش بعواطفنا وعقولنا في جانب المناصرين للدين، والثائرين على الاستعمار، والداعين إلى وحدة المسلمين، فضلاً عن وحدة العرب".

معرفتى به

حين كنت أدرس في بغداد في الثانوية الشرعية بالأعظمية سنة 1947 م، وكان زملائي إبراهيم المدرس و يوسف العظم ، و نعمان السامرائي ، و حافظ سليمان ، كان لنا نشاطنا الإسلامي المتميز في الثانوية الشرعية، ومع إخواننا في الأعظمية وبغداد عموماً، وكان الإخوان المسلمون في العراق، وعلى رأسهم الأستاذ محمد محمود الصواف ، المراقب العام للإخوان المسلمين، يتابعون النشاط الإسلامي المكثف في سورية، الذي يقوده الإخوان المسلمون من خلال البرلمان السوري الذي نجحوا في دخول بعض شخصياتهم فيه، وكان لهم الدور الفاعل والمؤثر بالمناداة في جعل الدستور السوري يستمد أحكامه من الشريعة الإسلامية، باعتبارها المصدر الرئيس للدستور، وقد نجحوا في ذلك والحمد لله، مما أعطانا الشجاعة للتحرك في أوساط الجماهير، للمناداة بأن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساس للتشريعات في الدساتير العربية.

وكانت زياراتي لسورية فيما بعد، ولقاءاتي مع أستاذنا الدكتور السباعي وإخوانه: الأستاذ المبارك، و عبد الفتاح أبو غده ، و سعيد العبار ، و بشير العوف ، و زهير الشاويش ، و محمد خير العرقسوسي ، وعصام العطار ، وغيرهم من رجالات الدعوة في بلاد الشام.

وكانت مكتبات الإخوان المسلمين في العراق تحرص على توفير الكتاب الإسلامي لشباب الرافدين، وبخاصة مؤلفات الأعلام من الدعاة ورجال الفكر الإسلامي، ومنهم الأستاذ محمد المبارك الذي اتسم بالشخصية المتميزة، والمنهجية الموضوعية، وسعة الأفق الثقافي، حيث جمع بين الدراستين: دراسة الشرق العربي الإسلامي في الفقه والتوحيد والتاريخ واللغة والتراث، ودراسة الغرب في الفلسفة والفكر واللغات.

فكان يرى أن أهم خصائص الحضارة العربية الإسلامية: اتصال العقيدة بالنظام، والنظام بالعقيدة، وأن الغزو الفكري الغربي للعالم الإسلامي، قد أحدث أزمة جذرية عنيفة، وثورة فكرية تشكك في قيم الإسلام ومفاهيمه وتاريخه.

وأن الواجب على الدعاة والمفكرين، التصدي لهذه الهجمة الشرسة على الإسلام كدين، وعلى المسلمين كأمة، وهذا ما اضطلع بمسؤوليته دعاة الإخوان المسلمين في مصر و السودان وبلاد الشام و العراق، فكانوا فرسان الميدان، الذين يصولون ويجولون ويكشفون زيف الدعاوى المناهضة للإسلام التي يتبناها المستشرقون، وتلامذتهم في البلاد العربية والإسلامية.

قالوا عنه

يقول الأستاذ مصطفى الزرقاء: "كان الأستاذ محمد المبارك أوّل من فكر بضرورة إعادة النظر في علم الاجتماع الذي يدرس بوضعه الحالي الذي يؤدي إلى الإلحاد، حيث يرى ضرورة كتابة علم اجتماع إسلامي متفق مع مسلمات الإسلام وثوابته في القرآن والسنة النبوية، وقد كلف في آخر حياته في الجامعة الأردنية بتدريس علم الاجتماع الإسلامي على صعيد الجامعة للطلاب من جميع الكليات.

وقد تولى الأستاذ المبارك عمادة كلية الشريعة في جامعة دمشق بعد مرض عميدها الأول الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي، فأدارها خير إدارة، وخلف الدكتور السباعي خير خلافة.

حدثني الأستاذ المبارك عن أستاذه المستشرق "ماسينيون" أنه قال لمجموعة من الطلاب وفيهم المبارك: نحن المستشرقين بذلنا جهوداً كبيرة خلال ثلاثة أجيال في تتبع مخطوطات القرآن الكريم من أقدم ما هو محفوظ في دور الآثار والمكتبات العالمية، حتى الأوراق المفردة المقطوعة من مصاحف قديمة فقدت، وقارنا كل ذلك بالمصاحف المطبوعة، لكي نعثر على أي اختلاف بين المصاحف، من مصحف عثمان إلى مختلف العصور، حتى المصاحف في عصرنا، ولو كان اختلافاً في آية أو جملة أو كلمة، فلم نجد أي اختلاف، مما جعلنا نعتقد مستيقنين أن القرآن الذي نطق به محمد صلى الله عليه وسلم باق إلى اليوم، كما نطق به لم يتبدل فيه شيء".

ويقول الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي : "كان الأستاذ محمد المبارك أحد الذين يفكرون بالإسلام، ويفكرون للإسلام، وهكذا عاش لهذا الدين، وعاش بهذا الدين، فهو أحد العقول القلائل في هذا العالم الإسلامي التي تفكر بالإسلام وتفكر للإسلام، إن من خصائص تفكير الأستاذ المبارك، النظرة الشمولية للإسلام، فالإسلام وحدة لا تتجزأ، الإسلام كلٌّ شاملٌ، كذلك يتميز الأستاذ المبارك بالاعتدال والتوازن، إنه لا يقف على طرف ضد طرف آخر، إنه يحاول أن يقف الموقف الذي وصف الله به أمة الإسلام: وكذلك جعلناكم أمة وسطا (البقرة:143) ومن كلماته التي سمعتها منه أنه يقول: "إن منهجي هو تسليف الصوفيين، وتصويف السلفيين" فلابد أن نطعّم الصوفية بالسلفية المعتدلة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، ولابد أن نطعّم السلفية بقدر من الروحانية المشرقة المعتدلة، وهكذا كان منهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فقد كانوا ربانيين أهل روحانية وإشراق، وعلى هذا المنهج سار الأستاذ محمد المبارك".

ويقول شقيقه الدكتور مازن المبارك : "أشهد أنني قضيت مع شقيقي الأستاذ محمد المبارك عمراً في الطفولة والشباب، في البيت وفي العمل، في السفر وفي الإقامة، فما عرفت له نظيراً ولا شبيهاً، وإن أبرز ما يميزه عندي أمران:

الأول: أنه لا يعرف الراحة التي يعرفها الناس، ولا يطلبها، فما رأيته في حياتي كلها إلا وهو في عمل جاد.. فإذا تعب جسمه، أو اعتلَّ وذهب ليستريح، كان له عمل آخر، من قراءة كتاب، أو كتابة بحث، لا يفتر عن واحدة منهما حتى بين الرشفة والرشفة من الشاي الأخضر الذي كان مغرماً به.

الثاني: أنه كان ينسى أكثر ما يتصل به أو بأهله، ولا ينسى أحداً يتصل بمصلحة إسلامية، فإذا أوصته زوجه على دواء نسيه، وإذا أوصيته على كتاب نسيه، وإذا كان له موعد عند طبيب أو خياط نسيه أو تأخر عنه.. بل هل رأينا أو سمعنا أن أحداً نسي ليلة عرسه!! لقد نسي ليلة عرسه، وظلّ يخطب في احتفال أقيم لزميل له لم يفز بالنيابة في الدورة الأولى من الانتخابات التي فاز هو فيها، وكان على زميله أن يدخل المعركة ثانية، وتوافد المدعوون إلى حفل زفافه، وحان الوقت، وقلق الناس الذين ينتظرون ليأخذوه بموكب عرس إلى دار العروس.. وهو ذاهل عن كل هذا، وأنا أبحث عنه، حتى وجدته على المنبر، فأرسلت إليه ورقة كتبت فيها: لقد تأخرت كثيراً.. والناس ينتظرون، والعروس تنتظر، هل نسيت ليلة عرسك؟!".

ويقول الأستاذ أنور الجندي: "من خلال التأمل في شخصية الأستاذ محمد المبارك، تبدو لنا ملامح شخصية باحث عربي إسلامي نابه، يلفت النظر بأصالته ومرونته وعمقه في تناول القضايا المصيرية للعالم العربي والأمة الإسلامية، وهو واحد من روَّاد المدرسة التأصيلية التي تجمع بين التجديد والبناء على أساس من القيم الأساسية للفكر الإسلامي والثقافة العربية.

ويقول الأستاذ محمد المجذوب : "كان أول لقاء جمعني بأبي هاشم محمد المبارك في مدينة طرطوس من الساحل السوري قبل ثلث قرن، يوم دخل عليَّ الفصل وأنا أشرح بعض النصوص من شعر ابن الرومي، ثم تتابعت الأيام والشهور لتزيد صلتنا قوة ورسوخاً، حيث اجتمعنا في سبيل الأخوة في الله تحت راية العمل الإسلامي مع الثلة المختارة من حملة الدعوة الذين كانوا يتحلقون حول رجلها الملهم المجاهد الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية.

إن المتأمل في مراحل هذه الشخصية للأستاذ محمد المبارك يلمح غاية الله في إعدادها لحمل هذه الأمانة منذ تفتحها في ذلك الوسط الإسلامي العريق من دمشق، حيث غذي بحب الإسلام والعروبة ثم زود بالمقومات التربوية والثقافية التي حفظت عليه ذاتيته من الذوبان أمام إغراءات الغرب".

ويقول الأستاذ عبد الله الطنطاوي : "كان الأستاذ محمد المبارك يحب الناس ويمشي في حاجاتهم، ولما كان وزيراً كان الوزير القدوة في كل وزارة دخلها، يخدم إخوانه ويدعو إلى جماعته بسلوكه الإسلامي المتزن، وبلسانه العف الذي اعتاد على أن يقول الخير أو يصمت، وفي الجامعة كان مثال الأب الحاني على أبنائه الطلاب والطالبات، وكان الذين يعملون بإمرته يحبونه ويجلّونه، لما يرون فيه من استقامة.

كان يعيش حياة وسطاً، حتى إنه عندما كان وزيراً لم يكن يملك سوى معاشه الشهري الذي ينفقه على أسرته، ولم يكن له بيت يملكه إلا في عام 1963 م بفضل قطعة أرض اشتراها منذ زمن طويل، ثم ارتفع ثمنها فتفاوض مع بعض الناس على أن يعمروها ويعطوه شقة فيها.

وكان من أبرز مفكري الإخوان المسلمين، ليس على مستوى سورية وحدها، بل على مستوى العالم الإسلامي، وكتبه جديرة بإعادة طباعتها، والترويج لها، ودراستها، ففيها ما ليس في سواها من كتب الدعاة.. فيها وعي عميق، وثقافة نادرة، في أسلوب عربي قرآني متميز".

ويقول الأستاذ حسني أدهم جرار : "العالم المفكر، والسياسي المتمرس، والداعية المربي، الأستاذ محمد المبارك كان فقيهاً باحثاً، وأديباً متميزاً، ورائداً من روَّاد الفكر العربي الإسلامي المعاصر. كان عالماً متفتح الذهن.. آتاه الله علماً واسعاً، وذكاء حاداً، ورأياً سديداً، وبصيرة نافذة، وقدرة على الحوار.

وكان من الناس الذين جمعوا بين الثقافتين: الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة الغربية، وجمع بين الدراسة الدينية وبين الدراسة المدنية، وكان لهذا الجمع أثر واضح في وعيه وتفكيره ونشاطه". وقد أصدر الأستاذ حسني أدهم جرار كتاباً قيماً عن الأستاذ محمد المبارك، استفدت منه كثيراً.

وفاته

كان من عادة الشيخ محمد المبارك أن يتوجه من مكه المكرمه إلى المدينة المنورة بين فترة وأخرى للصلاة في المسجد النبوي.

وفي إحدى المرات، وهو متوجه من مكه المكرمه إلى المدينة المنورة ، بعد محاضرة ألقاها في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، يوم الإثنين 4-2-1402ه، وبعد مكوثه لمدة يومين بالمدينة المنورة مع أسرته، وفيما كان الشيخ المجذوب يستعد لاستضافته على طعام الغداء في منزله يوم الخميس 7-2-1402ه، إذا بالهاتف ينقل له خبر وفاة الأستاذ المبارك وهو في طريقه إلى مستشفى المدينة المنورة، إثر نوبة قلبية، بعد وقت قصير من عبارة قالها وهو يمرُّ من أمام مقبرة البقيع: "هنيئاً لمن يُدفن في البقيع" قبل وصوله للمستشفى، وقد صُلي عليه في مسجد "قباء" عقب صلاة الجمعة، ودُفن في مقبرة البقيع بالمدينة، حيث كان يتمنى ذلك.

رحم الله أستاذنا أبا هاشممحمد المبارك رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

العالم الـورع الشيخ عبدالفتاح أبوغدة

(1336 ـ 1417هـ = 1917 ـ 1997 م)

معرفتي بـه

كان معروفًا لديّ بآثاره وأخباره عن طريق إخواني في سوريا، ثم كان لقائي الأول به حين زرته في بيته بمدينة حلب عام 1965 م، في طريقي إلى تركيا،حيث سعدتُ به، ورأيتُ فيه من صفات التواضع والبشاشة والخلق الكريم والأدب الجمّ والبساطة في الحديث، والعمق في الفهم، والتدقيق في المسائل العلمية، ما ترك أبلغ الأثر في نفسي.

وحمدتُ الله على أن عرفته عن قرب بعد أن كانت معرفتي به سماعية، ثم شاء الله عز وجل أن تتكرر اللقاءات في سوريا و الكويت و الأردن و السعودية وأوروبا وغيرها، فزادت المعرفة، وتوثقت العلاقة؛ إذ وجدت فيه العالم العامل، والداعية الصادق، والمؤمن الزاهد، والفقيه المتمكن، وكان يتميز بالهدوء وطول الفكر والتأمل ودقة الملاحظة مع التواضع الشديد وعدم التكلف.

مولده ونشأته

وُلد في منتصف شهر رجب عام (1336هـ/1917 م) في مدينة حلب الشهباء بسوريا، وكان والده وجده يحترفان التجارة بالمنسوجات الغزلية، وقد نشأ في حجر والده الذي كان محبًا للعلماء حريصًا على حضور مجالسهم وسماع دروسهم ومواعظهم، ولما بلغ الشيخ عبد الفتاح الثامنة من عمره أُدخل المدرسة العربية الإسلامية الخاصة، ثم دخل المدرسة الخسروية، وهي ثانوية شرعية، وبعد التخرج ذهب إلى مصر للدراسة بالأزهر، فالتحق بكلية الشريعة حتى حصل على شهادة العالمية عام 1948 م، ثم تخصص في أصول التدريس بكلية اللغة العربية بالأزهر، وتخرج فيها عام 1950 م، ثم عاد بعدها إلى بلاده سوريا.

مشايخه وتلامذته

وقد تلقى العلم على مشايخ كثيرين في مصر وبلاد الشام والهند وغيرها، كما حصل على جائزة عالمية لخدمته الحديث النبوي الشريف، ومن أبرز مشايخه في حلب الشيخ أحمد الزرقا وابنه الشيخ مصطفى الزرقا.

كان الشيخ عبد الفتاح من علماء بلاد الشام الأفذاذ، ومن رجال الدعوة المعروفين، ومن قادة الحركة الإسلامية المبرزين، وكانت له المنزلة الكبيرة في نفوس العلماء في العالمين العربي والإسلامي، وفي نفوس أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة وعامة الناس.

وقد تخرّج على يديه الكثير من طلبة العلم، وشباب الدعوة في حلب ودمشق والرياض، حيث درّس بالمدارس الثانوية بحلب، ثم بكلية الشريعة بجامعة دمشق، ثم بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم بجامعة الملك سعود بالرياض.

أما تلامذته في ميدان الدعوة فهم منتشرون على صعيد العالم العربي والإسلامي كله، وقد كانت له رحلات علمية ودعوية في معظم أنحاء العالم.

كان الشيخ أبو غدة حنفي المذهب، ولكنه كان يكره تتبع الرخص والأخذ بشواذ الأقوال والتعصب المذهبي.

مؤلفاته

لقد ألّف أبو غدة وحقق حوالي مئة كتاب معظمها في خدمة الحديث النبوي الشريف، وقد طبع منها أكثر من ستين كتابًا، ومما حقق:

كما ألَّف عددًا من الكتب، منها:

كما حقّق الكتب التالية:

وفوق هذا له مساهمات في تأليف الكتب المدرسية للمرحلة الثانوية بالاشتراك مع زميله الشيخ أحمد عز الدين البيانوني، كما أنه أتم وأنجز كتاب (معجم فقه المحلى لابن حزم) أثناء انتدابه للتدريس في كلية الشريعة بجامعة دمشق.

كما شارك الشيخ أبو غدة في وضع مناهج المعهد العالي للقضاء بالرياض وكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومناهج الدراسات العليا في كلية التربية (قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود).

هذا غير مئات المحاضرات والندوات والخطب والدروس في البلاد العربية وخارجها، حيث كان له الدور الفاعل والمؤثر.

وموقع الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في حلب كموقع الشيخ محمد الحامد في حماة، والدكتور مصطفى السباعي بدمشق، والشيخ محمد علي مشعل في حمص، فكل من هؤلاء ينهض بدوره في توعية جماهير الأمة بحقيقة الإسلام، وضرورة الالتزام به، والدعوة إليه، والذود عن حياضه، والغيرة على حرماته، والسعي لتطبيق أحكامه في واقع الحياة ودنيا الناس، والمشي في حوائج المسلمين وإصلاح ذات بينهم، والعمل الجاد لتربية النشء على منهج الإسلام الصحيح من الكتاب والسُّنَّة وما أجمع عليه سلف الأمة، وكان الشيخ أبو غدة مثال المسلم الملتزم بأحكام الإسلام في نفسه وأسرته ومجتمعه.

قالوا عنه

يتحدث عنه ابنه سلمان أبو غدة فيقول:

«كان والدي صبورًا على الطاعة والابتلاء، حريصًا على الصلاة حرصًا شديدًا، له ورده اليومي من تلاوة القرآن الكريم، دائم الذكر لله، يسبح ويحمد ويهلل ويكبر.

وكان سريع الدمعة، كثير العبرة، يفيض دمعه عند قراءة القرآن الكريم وعندما يذكر الله (سبحانه وتعالى)، وكان مجمع الفضائل والشمائل، كريمًا غاية الكرم، أديبًا خلوقًا لا يؤذي أحدًا بكلامه، وكان ظريفًا خفيف الروح ذواقًا في ملبسه ومشربه وتنعله، كما كان مرتبًا في مكتبته، ورغم أن الله ابتلاه بفقد السمع في إحدى أذنيه وعدم الإبصار في إحدى عينيه، فما رأيته شكا أو تشكى، ولا ثناه ذلك عن الإنتاج العلمي، بل تجمل بالصبر والتسليم والمثابرة على التأليف والتحقيق مخافة أن يدركه الأجل ولم يخرج ما في صدره من الكتب.. » (مجلة المجتمع العدد 1253).

ويقول عنه الشيخ وهبي غاوجي:

«أشهد لقد كان شيخنا الشيخ عبد الفتاح بكَّاءً، فما أسرع ما تدمع عيناه من حرقة قلبه إذا دعا داعٍ إلى ذلك! لقد بكى أمامه أحد طلابه وهو يعرض مأساته، فبكى له الشيخ، وحين التقى الشيخ أبو غدة بالعلاّمة الشيخ محمد يوسف البنوري في المسجد النبوي الشريف، تحادثا واقفين ثم اتجها إلى القبلة، فأخذا يدعوان ويبكيان، وما إخال أحدًا يقرأ تعليقات الشيخ عبد الفتاح على رسالة المسترشدين إلاّ ويبكي مرارًا».

عزة النفس

وعن عزة نفسه وزهده واحترامه للعلم واستعلائه بإيمانه، يقول الشيخ قيس آل الشيخ مبارك:

«الشيخ أبو غدة عالم آتاه الله علمًا شريفًا، وإسنادًا منيفًا، وتحقيقًا بديعًا.. رجل علا بنفسه عن سفاسف الحياة الدنيا، وعلا بالعلم الذي بين جنبيه عن سوق التسول والاتجار.

وكان بهيَّ الطلعة، عذب الروح، حلو الشمائل، مع صفاء في الرؤية وجودة في الذهن وحضور في البديهة، وكان في العمل مثال الداعية إلى الله، عرفته مراكز الدعوة الإسلامية ففقدت بفقده داعيًا، ومعلمًا، ومرشدًا، وكان علمه وعمله مكسوّين بحلية التقوى».

وأما عن الرفقة الطويلة والزمالة والعشرة، فيحدثنا الأخ الدكتور محمد علي الهاشمي فيقول عنه: «لقد عرفت العلاّمة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة منذ نحو خمسين سنة، كانت العلاقة بيننا علاقة أخوة وقرابة مصاهرة، فلم أجد خلال هذه المدة الطويلة منه إلا المودة والبر، والوفاء، والمروءة، والنبل، والإيثار، والصدق، والصفاء، والتسامح، وكرم النفس، وحسن الخلق، لقد بكته القلوب قبل العيون؛ لأنها فقدت بموته العالم الثبت المحقق الصدوق، الذي عرف شرف العلم فوهب له نفسه ووقته وماله، وأدرك أثره الكبير في تعميق الثقافة الإسلامية لدى أجيال المسلمين الصاعدة في العالم الإسلامي، فعكف على التأليف والتحقيق، وخلف أكثر من ستين كتابًا في شتى جوانب العلوم الإسلامية، وترك نحوًا من ثلاثين كتابًا تحت الإعداد، عاجلته المنية عن إنجازها وتقديمها للطبع» (مجلة المجتمع العدد 1241).

وعن اهتمامه بالعلم وطلبه والسعي له في مظانه والرحلات من أجل لقاء العلماء والوقوف على التراث الإسلامي واستخراج كنوزه، يحدثنا الشيخ عمر الجيلاني عن رحلة الشيخ أبو غدة إلى الهند، فيقول:

«قامت في القارة الهندية نهضة علمية لخدمة الحديث النبوي الشريف، لا أحسب أن لها مماثلاً في مكان آخر من ديار الإسلام، لا من حيث الكثرة في الدارسين والمؤلفين، ولا من حيث تنوع المباحث واتساعها، وتكونت بها مكتبة عظيمة في هذا العلم الشريف كانت موصدة أبوابها، مسدلة عليها الستور، فكان للشيخعبد الفتاح أبو غدة الفضل العظيم في فتح رتاجها، وكشف حجابها، واستخراج كنوزها، وإدناء ثمارها اليانعة، وعرضها على طرف الثمام لمبتغيها، مع تحقيق لنصوصها وتعليقات يندر وجودها في العصور المتأخرة.

عاد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة من الهند بعد أن وردها عام 1382هـ بمغانم كثيرة كان من أثمنها تراث ثلاثة من كبار علمائها، وهم الإمام محمد عبد الحي اللكنوي، والإمام أحمد العثماني التهانوي، والإمام محمد أنور الكشميري» (مجلة المجتمع العدد 1241).

وعن ثناء العلماء الأعلام الكبار على جهوده العلمية يقول الشيخحسنين محمد مخلوف - مفتي الديار المصرية - في تقريظه للطبعة الأولى من كتاب (رسالة المسترشدين):

«وبعد، فإني أحمد الله تعالى إليكم إذ وفقكم لنشر (رسالة المسترشدين) للإمام المحاسبي بتحقيقكم القيم الذي ألممتم فيه بما ينبئ عن غزير علمكم ودقيق بحثكم.. وازدانت به (الرسالة) رواءً وجمالاً وازدادت به نفعًا وكمالاً».

أما الشيخ العلاّمة محمد أبو زهرة فكتب له رسالة قال فيها:

«فإن الأيام السعيدة التي قضيتها بصحبتك الطيبة الخالصة التي رأيت فيها إخلاص المتقين وظرف المؤمنين واصطبار الأصدقاء على بلاغة الأولياء، وإن هذه أيام لا أنسى ما بدا منك فيها من طبع سليم ولطف مودة وحسن صحبة».

أما شيخه العلاّمة الشيخ مصطفى أحمد الزرقا فقال في تقريظه لكتاب (صفحات من صبر العلماء):

«أخي الأثير الحبيب، الذي له في قلبي محبة أكبر من قلبي، وله في نفسي وقار وإن كان أصغر مني سنًا».

هذا هو العالم الجليل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، الذي نشأ في رحاب العلم، وتتلمذ على العلماء، والتقى بمجدد الدعوة في القرن الرابع عشر الهجري الأستاذ الناصح الراشد المرشد ـ وهذه تسمية أبو غدة للإمام الشهيد حسن البنا ـ وسار مع إخوانه الدعاة في بلاد الشام، يرفعون راية الإسلام، ويخوضون كل ميدان؛ من أجل نشر الوعي الإسلامي وتربية الجيل على منهج الإسلام، وتحرير البلاد الإسلامية من سلطان الأجنبي، والتصدي لموجة التغريب العلماني الوافدة من الغرب والفكر الماركسي والهجمة الصليبية والصهيونية، فكان إسهامه في المجالين الدعوي والعلمي واضح المعالم بالغ الأثر، وكانت أحاديثه لشباب الدعوة فيها التوجيه السديد والرأي الرشيد الذي يمنعهم من الاندفاع والتهور والغلو والتطرف ويلزمهم المنهج النبوي في الدعوة إلى الله والصبر على لأواء الطريق، كما يحثهم على طلب العلم والتخصص في مجالاته المختلفة؛ لأن الأمة المعاصرة في حاجة ماسة إلى المتخصصين في ميادين المعرفة، ولن يكون ذلك إلاّ بمداومة القراءة والاطلاع على مستجدات العصر، ومواكبة الأحداث المتسارعة على ضوء التصور الإسلامي.

من أقواله المأثورة

«الكتاب لا يعطيك سرّه إلاّ إذا قرأته كله، مزية العالم أن يوقظ العقل بظل الشرع، درهم مال يحتاج قنطار عقل ودرهم علم يحتاج قنطاري عقل».

وهو قد فعل هذا فيما يؤلفه من كتب، فقد قضى عشرين عامًا في تأليف كتاب (صفحات من صبر العلماء)؛ لأنه كلما وجد شيئًا يناسب الموضوع كتبه في قصاصة وفاته وجمعه.

وبعد هذا العمر المديد المبارك، شاءت إرادة الله عز وجل أن ينتقل إلى جوار ربه ويغادر هذه الدنيا الفانية حيث توفاه الله يوم الأحد 9 شوال 1417هـ، الموافق 16/2/1997 م بمدينة الريـاض، ثم نـقل في اليـوم التالي إلى المدينة المنورة ـ حسب رغبته ـ وصلي عليه عقب صلاة العشاء ودفن في مقبرة البقيع عن عمر يناهز الثمانين، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألحقه بالصالحين من عباده، وجمعنا وإياه في مستقر رحمته مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

العلاَّمة مصطفى الزرقاء .. الفقيه المجدد

(1322 ـ 1420هـ/1904 ـ 1999 م)

مولده ونشأته

هو مصطفى بن أحمد بن محمد الزرقاء، ولـد في مدينة حلب بسوريا 1322هـ/ 1904 م، وبدأ دراسته في كتاتيب القرآن على يد الشيخ محمد الحجار، وتعلم القراءة والكتابة والحساب وتلاوة القرآن الكريم، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية (الخسروية) الشرعـية، مـع الحرص على تـلقي الـعلم مـن والده، فقد كان يحضر دروسه وخطبـه في المسجد، وبعد امتحان البكالوريا التحق بالجامعة السوريا، حيث درس الحقوق والآداب في وقت واحد.

وفي سنة 1933 م، تخرج في الكليتين بدرجة التفوق، وهو يتكلم الفرنسية جيدًا، وعمل محاميًا أمام المحاكم الوطنية والمختلطة في حلب.

شيـوخـه

جده العالم الكبير محمد الزرقاء، ووالده العالم الجليل أحمد الزرقاء، والشيخ محمد الحنفي، والشيخ محمد راغب الطباخ، المؤرخ المشهور والمحدث المعروف.

حياته العملية والعلمية

الشيخ مصطفى الزرقا

شارك أقرانه، ومنهم الدكتور معروف الدواليبي، في التصدي للاستعمار الفرنسي، وكان يخطب في المظاهرات الوطنية، والتحق بالكتلة الوطنية، وقادتها: إبراهيم هنانو، و سعد الله الجابري، وإخوانهما.

عُيِّن بجامعة دمشق أستاذًا لتدريس الحقوق المدنية والشريعة الإسلامية سنة 1944 م، وكان أساس هذه الحقوق مجلة الأحكام العدلية المستمدة كليًا من الفقه الإسلامي، وقد أصدر في هذه الفترة سلسلته الفقهية في أربعة مجلدات بعنوان: (الفقه الإسلامي في ثوب جديد)، التي تعتبر من المراجع المعتمدة لدى القانونيين والشرعيين والأساتذة الجامعيين، كما أصدر السلسلة الثانية في ثلاثة مجلدات بعنوان: «شرح القانون المدني السوري»، التي حلّت محل مجلة الأحكام الملغاة بالقانون المدني عام 1949 م.

شارك في الحياة النيابية، وانتخب نائبًا في البرلمان السوري عن مدينة حلب، وشكَّل مع إخوانه النواب الكتلة الإسلامية برئاسة د.مصطفى السباعي. وكذلك تولى حقيبة وزارتي الأوقاف والعدل سنة 1956 م، ثم سنة 1961 م.

وكان للزرقاء دوره في مشروع الموسوعة الفقهية بكلية الشريعة بدمشق مع زملائه: الدكتور الشيخ مصطفى السباعي، ود. معروف الدواليبي، والأستاذ محمد المبارك، وكان التفكير في المشروع عقب مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد في كلية الحقوق بالسوربون بباريس سنة 1951 م، وصدرت عنه توصية، وشارك في الموسوعة من مصر: الشيخ الجليل محمد أبوزهرة، والشيخ الفقيه علي الخفيف، وقد تعطل عمل الموسوعة بعد الانفصال بين مصر و سوريا سنة 1961 م.

وفي سنة 1966 م، فكَّرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت في تبني المشروع، ووقع الاختيار على الشيخ مصطفى الزرقاء ليكون خبيرًا للموسوعة الفقهية، وباشر العمل لمدة خمس سنوات، ثم توقف بعدها المشروع وغادر الزرقاء الكويت إلى الأردن حيث عمل أستاذًا في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، كما عمل عضوًا بالمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، التابع لرابطة العالم الإسلامي.

هذا، وقد حصل أستاذنا الزرقاء على جائزة الملك فيصل سنة 1404هـ للدراسات الإسلامية على كتابه (المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي).

وكانت آخر أعماله: مستشارًا لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار.


نماذج من شعره

القرآن الكريم

كتاب من العلم المحيط مدادهُ

به صفحات الكون تتلى وتسمعُ

فآياته مرآة صدق جليةٌ

يُرى ما مضى فيها وما يتوقعُ

عظات وأمثال وهدي وحكمةٌ

وشرع جليل نيّر الحكم مبدعُ

ألا إنه القرآن فاعلم ملاذُنا

فما دونه خير، ولا عنه منزعُ

به قارعات كالصواعق قوةً

ونور رفيق بالعيون «مشعشعُ»

بلاغ كساه الله ثوب بلاغة

ترد بليغ القوم عيًا فيخضعُ

علاج لبؤس البائسين محققٌ

ورَوْح لروح اليائسين مشجعُ

كفاء لحاجات الحياة جميعها

فللفرد تقويم وللقوم مهيعُ

شفاء لأدواء النفوس ورحمةٌ

وتكراره أحلى لسمعِ وأمتعُ

تراه جديدًا كلما جئت سامعًا

كأن المعاني من مثانيه تنبعُ

معـرفتي بـه

عرفت أستاذنا الزرقاء من خلال ما كان يقوم به من دور في البرلمان السوري، ضمن الكتلة الإسلامية بالمجلس، وبوصفه من أقطاب الحركة الإسلامية في سوريا، التي كانت تناهض التوجهات العلمانية واليسارية، وتسعى ليكون الإسلام هو الأساس في الدستور.

ثم كانت لقـاءاتي بـه في أثناء الموسم الثقافي في الكـويت، حيث تشرفت بتقديمه في المحاضرات والندوات، ومرافقتـه في الجولات والزيارات.

وحين وفقنا الله سنة 1966 م للنهوض بمشروع موسوعة الفقه الإسلامي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، كان اختيار الأستاذ الزرقاء ليكون خبير الموسوعة الفقهية، يضع برنامج العمل فيها، ويختار الأعضاء العاملين من الفقهاء في إدارتها، ويرسم الخطط العملية لاستكتاب علماء الأمة الإسلامية، للإسهام في كتابة البحوث التمهيدية لموضوعاتها. وبالفعل تمّ ذلك بفضل الله، ثم بالجهود المشكورة التي بذلها أستاذنا الفاضل، فصدرت تلك البحوث التمهيدية، وكان أولها عن الأطعمة والأشربة والحوالة وغيرها.

وبقي معنا في الوزارة أكثر من خمس سنوات، كنت فيها قريبًا منه، بحكم طبيعة العمل، فضلاً عن التزاور فيما بيننا، في منزله أو في منزلي، حيث يحضر الندوة الأسبوعية يوم الجمعة، ويشارك فيها ويجيب عن أسئلة الحضور واستفساراتهم، وحين ترك الوزارة، بعد توقف المشروع فترة من الزمن، غادرنا إلى الجامعة الأردنية بعمان، فكنت ألتقي به في منزله بعمان، مع مجموعة من تلامذته ومحبيه.

وبعد التحاقي للعمل برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، أمينًا عامًا مساعدًا، كنت أسعد بمشاركته في جلسات المجمع الفقهي، وأستمتع بحواراته ومناقشاته مع أعضاء المجمع، وأعجب باجتهاداته للقضايا المعاصرة التي جدت في حياة الناس، وطرحه للحلول المقترحة على ضوء هدي الكتاب والسُّنَّة، وما أجمع عليه سلف الأمة والقياس على الأشباه والنظائر، والحرص على التيسير على الناس في الفتيا.

وقد استمرت الصلة به حتى بعد تقاعدي من العمل بالرابطة، فقد كنت ألتقي به في الرياض، حيث يسكن كلانا فيها، ويعمل هو مستشارًا بشركة الراجحي للاستثمار.

قالوا عنه

يقول عنه د.يوسف القرضاوي:

«عرفت العلاَّمة الشيخ مصطفى الزرقاء أول ما عرفته في صورة له في مجلة (الشهاب) المصرية التي أصدرها في أواخر حياته الإمام حسن البنا رحمه الله، وكان فيها مقال للزرقاء بعنوان: (العقل العلمي والعقل العامي)، كما كتب مقالاً في عدد آخر من أعداد المجلة عن العصبية المذهبية، وقد وجدت فيما كتبه الشيخ الزرقاء حينئذ وأنا طالب في المرحلة الثانوية أفكارًا علمية، وروحًا تجديدية، مع بلاغة وبيان مشرق.

وبعد ذلك قرأت للشيخ الزرقاء بعض مقالات في مجلة (المسلمون) التي كان يصدرها الداعية المعروف د. سعيد رمضان، مثل مقاله (العبادة: جوهرها وآفاقها)، كما قرأت للفقيه الضليع الشهيد عبد القادر عودة - صاحب كتاب (التشريع الجنائي الإسلامي) - تعريفًا بكتاب الشيخ الزرقاء (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد) أثنى فيه ثناءً عاطرًا على الكتاب، مما شوقني إليه، وشدني للاطلاع عليه، وعندما أتيح لي الاطلاع عليه، وجدته جديرًا بما قال عنه الأستاذ عبد القادر عودة (رحمة الله عليهما).

وكان أول لقاء لي مع الشيخ الزرقاء في مصر في عهد الوحدة مع سوريا، عرفني به الدكتور محمد البهي - المدير العام للثقافة الإسلامية بالأزهر حينئذ - وكنت أعمل معه في ذلك الوقت، وكان الشيخ الزرقاء يشارك مع رفقائه الثلاثة في وضع مناهج كلية الشريعة وكلية أصول الدين في الأزهر، وأعني بهم: شيخ الدعاة الدكتور مصطفى السباعي، والمفكر المربي الأستاذ محمد المبارك، والمفكر السياسي الدكتور محمد معروف الدواليبي، وكان كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) قد ظهر في طبعته الأولى سنة 1959 م، وكنت أرسلت إليه نسخة هدية مني فقرأه وسُرَّ به، وأثنى عليه، وقال كلمته الشهيرة: «إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة».

ومن ذلك الوقت من أربعين سنة والمودة بيني وبين شيخنا موصولة، وكلما ظهر لي شيء من الإنتاج العلمي، هشّ له، ورحّب به، وحثّ طلابه على قراءته، مثل «فقه الزكاة» وغيره من الكتب.

لقد كان الزرقاء جبلاً من جبال العلم، وبحرًا من بحور الفقه، ولسانًا من ألسنة الصدق، وقبسًا من مشكاة النبوة، وستظل الأجيال تنتفع بعلمه الغزير وعمله الكبير».

ويقول الأستاذ عصام العطار:

«ما تزال جراحاتنا تنزف لفقد الطنطاوي... واليوم نفقد أيضًا علامتنا الكبير مصطفى الزرقاء تغمده الله بالرحمة والرضوان، كان الطنطاوي و الزرقاء أخوين وفيين، وصديقين حميمين، جمعهما على خدمة الإسلام والمسلمين عمر مديد على كل صعيد، وكان كل منهما يحمل لأخيه وصديقه أصدق المحبة والتقدير، وكانت معرفتي وعلاقتي بالأستاذ الزرقاء من خلال لقاءاتنا بإخواننا: الدكتور مصطفى السباعي، والأستاذ علي الطنطاوي، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، رحمهم الله جميعًا.

وكان الأستاذ الزرقاء فقيهًا كبيرًا مجددًا، اجتمعت له أداة الفقه والتجديد على أفضل وجه، وكان ضليعًا في الشريعة والفقه، أخذه عن والده، ودرسه في المدرسة الخسروية في حلب، ثم درس الحقوق والآداب في دمشق، فاجتمع له في وقت واحد، المعرفة بالشريعة والقانون واللغة والأدب، وكان يعرف اللغة الفرنسية، مما مكنه من الاطلاع على المراجع القانونية الأجنبية المعتبرة، واقتبس ما رآه مناسبًا من الأساليب الحديثة في البحث الفقهي وترتيبه، ومن التعرف على بعض الأحكام الجديدة التي نظمتها التشريعات للأوضاع الحقوقية والاقتصادية الحديثة، كالشركات المساهمة، وعقود التأمين، وقد أعانه هذا كله على أن يعرض الفقه الإسلامي في ثوب قشيب وأسلوب جديد يساير ذوق العصر ولغته.

لقد كان (رحمه الله) آية في صدقه ووفائه ودأبه ومثابرته وإرادته وهمته وحرصه على أداء واجبه على أفضل وجه، قبل ساعتين من وفاته كان عنده زائرون وناس يستفتونه وهو يجيبهم بكل صبر ورحابة صدر، ثم انطفأ هذا السراج المنير، وسكت هذا اللسان البليغ، وتوقف هذا القلب الكبير، ومات مصطفى أحمد الزرقاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون».

أهم مؤلفاته

هذا، بالإضافة إلى عدد كبير من البحوث والمقالات المنشورة في عدد من المجلات والصحف العربية والإسلامية، وهي تحتاج إلى طالب مجد من طلاب الدراسات العليا، ليقوم بجمعها، وإصدارها في كتب.

وفـاتـه

انتقل إلى رحمة الله مساء يوم السبت 19/3/1420هـ، الموافق 3/7/1999 م في بيته بمدينة الرياض عن عمر يناهز 95 (خمسة وتسعين عامًا) قضاها في رحاب العلم الشرعي، والفقه الإسلامي، والدعوة إلى الله، ودفن في مقبرة العود بالرياض، وشارك في تشييعه كبار القوم وطلبة العلم، وكنت مع بعض أبنائي في مراسم التشييع إلى المقبرة.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

العلامة الموسوعي علي الطنطاوي .. فقيه الأدباء وأديب الفقهاء

(1327ـ 1420هـ/ 1909 ـ 1999 م)

تقديم

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
العلامة الشيخ علي الطنطاوي

كأنه قبضة من الشام عُجنت بنهري النيل والفرات، لوحتها شمس صحراء العرب، فانطلقت بإذن ربها نفساً عزيزةأبية، تنافح عن الدعوة وتذود عن حياض الدين.

ذلكم هو العلامة الكبير،الفقيه النجيب، والأديب الأريب الشيخ علي الطنطاوي الذي فقدته الأمة قبل فترة،لتنثلم بذلك ثلمة كبيرة، ضاعفت آلامنا وأدمت قلوبنا.

كان الشيخ الطنطاوي قوة فكرية من قوى الأمة الإسلامية، ونبعا نهل منه طالبو العلم، والأدب في كل مكان، كان قلمه مسلطا كالسيف سيالاً كأعذب الأنهار وأصفاها، رائعة صورته، مشرقا بيانه، وفي ذلك يقول عن نفسه (( أنا من "جمعية المحاربين القدماء" هل سمعتم بها؟ كان لي سلاح أخوض به المعارك، وأطاعن به الفرسان، وسلاحي قلمي، حملته سنين طوالاً، أقابل بها الرجال، وأقاتل به الأبطال، فأعود مرة ومعي غار النصر وأرجع مرة أمسح عن وجهي غبار الفشل. قلم إن أردته هدية نبت من شقه الزهر، وقطر منه العطر وإن أردته رزية حطمت بهالصخر، وأحرقت به الحجر، قلم كان عذبا عند قوم، وعذاباً لقوم آخرين ))

مولده

ولد الشيخ علي الطنطاوي في مدينة دمشق في 23 جمادى الأولى 1327 ه ((12 يونيو 1909 م)) من أسرةعلم ودين، فأبوه الشيخ مصطفى الطنطاوي من أهل العلم، وجده الشيخ محمد الطنطاوي عالم كبير، وخاله الأستاذ محب الدين الخطيب الكاتب الإسلامي الكبير والصحافي الشهير.

تفتح وعيه على قنابل الحلفاءتدك عاصمة الأمويين وفلول الأتراك تغادر المدينة وديار الشام مقفرة بعد أن عزالطعام وصارت أوقية السكر (200 غرام) بريال مجيدي كان يكفي قبل الحرب لوليمة كبيرة. وكان أول درس قاس تعلمه وعاشه تفكك الدولة العثمانية وتحول ولاياتها السابقة إلى دويلات. فسوريا أصبحت أربع دول: واحدة للدروز والثانية للعلويين، والثالثة في دمشق والرابعة في حلب.

كان الفتى علي الطنطاوي وقتها مازال تلميذا في المدرسة لكن وعيه كان يسبق سنه، فعندما أعلن في مدرسته عن المشاركة في مسيرة لاستقبال المفوض السامي الجديد الجنرال ويفان الذي حل محل الجنرال غورو، رفض ذلك وألقى خطبة حماسية، قال فيها: ((إن الفرنسيين أعداء دينناووطننا ولا يجوز أن نخرج لاستقبال زعيمهم))

لله درك يا فتى أدركت ما لم يدركه الكبار، فكيف تستقبل أمة عدوها الذي سلبها حريتها وكيف تنسى ما قاله قائد هذاالعدو بعد معركة ميسلون ودخول الشام عندما زار الجنرال غورو قبر صلاح الدين وقالله: ها نحن عدنا يا صلاح الدين.. الآن انتهت الحروب الصليبية.

تلك المعركة التي كانت نقطة تحول في وعي الفتى علي الطنطاوي، فقد خرج منها بدرس ممهور بدماء الشهداء واستقلالا لأمة.. درس يقول إن الجماهير التي ليس عندها من أدوات الحرب إلا الحماسة لا تستطيع أن ترد جيشا غازيا. أصبح الاحتلال الفرنسي واقعا جديدا في سوريا، وغدا حلم الدولةالمستقلة أثراً بعد عين، وكما حدث في كل بقاع العالم الإسلامي كان العلماء رأسالحربة قي مواجهة المحتل وتولى الشيخ بدر الدين الحسيني شيخ العلماء في مدن سوريا قيادة ثورة العلماء الذين جابوا البلاد يحرضون ضد المستعمر، فخرجت الثورة من غوطة دمشق وكانت المظاهرات تخرج من الجامع الأموي عقب صلاة الجمعة فيتصدى لها جنودالاحتلال بخراطيم المياه ثم بالرصاص، والشاب علي الطنطاوي في قلب من تلك الأحداث في أحد الأيام كان على موعدلصلاة الجمعة في مسجد القصب في دمشق فقال له أصحابه: إن المسجد قد احتشد فيه جمهورمن الموالين للفرنسيين واستعدوا له من أيام وأعدوا خطباءهم فرأينا أنهم لا يقوى لهم غيرك، فحاول الاعتذار فقطعوا عليه طريقه حين قالوا له إن هذا قرار الكتلة ((كانمقاومو الاحتلال ينضوون تحت لواء تنظيم يسمى الكتلة الوطنية وكان الطنطاوي عضوافيها)) فذهب معهم وكان له صوت جهور، فقام على السّدة مما يلي ((باب العمارة)) ونادى: إليّ إليّ عباد الله، وكان نداء غير مألوف وقتها، ثم صار ذلك شعاراً له كلماخطب، فلما التفوا حوله بدأ ببيت شوقي:

وإذا أتونا بالصفوف كثيرة جئنا بصف واحد لن يكسرا

وأشار إلى صفوفهم المرصوصةوسط المسجد، وإلى صف إخوانه القليل، ثم راح يتحدث على وترين لهما صدى في الناس هماالدين والاستقلال، فلاقت كلماته استحساناً في نفوس الحاضرين، وأفسدت على الآخرين أمرهم، وصرفت الناس عنهم. ولما خرج تبعه الجمهور وراءه، وكانت مظاهرة للوطن لاعليه.

سيرته العلمية والعملية

درس الطنطاوي الابتدائية والثانوية في مدينة دمشق، وعمل في التعليم الابتدائي، وفي المدارس الأهلية، وفي المدارس الحكومية، وفي الصحافة، في 1928 دعاه خاله محب الدين الخطيب للقدوم إلى مصر وكان قد أصدر مجلة "الفتح" قبل ذلك بعامين فسافر علي الطنطاوي إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم، وكان زميلاً للأستاذ الشهيد سيد قطب ، ولكن الطنطاوي لم يتم الدراسة فيها، وعاد إلى دمشق، ودخل معهد الحقوق بدمشق، وتخرج فيه سنة 1933 م وظل يعمل في سلك التعليم إلى سنة 1935 م ثم انتقل إلى العراق سنة 1936 م للتدريس في الثانوية المركزية بغداد، ودار العلوم الشرعية بالأعظمية، ثم في المدرسة الثانوية في كركوك، ثم في ثانوية البصرة، وبقي في العراق إلى سنة 1939 م ثم عاد إلى دمشق.

وفي سنة 1941 م، التحق بسلك القضاء، حيث عيّن قاضياً ثم قاضياً ممتازاً، ثم مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر، وقد أسهم في إعداد قانون الأحوال الشخصية، وتعديل قانون الأوقاف، ومناهج المدارس الثانوية.

رحلته إلى المملكة العربية السعودية

وفي سنة 1963 م، بعد الانقلاب العسكري، وإعلان حالة الطوارئ غادر سورية إلى المملكة العربية السعودية، فعمل في التدريس في كلية اللغة العربية وكلية الشريعة في الرياض ثم انتقل إلى التدريس في كلية الشريعة في مكة المكرمة ثم تفرغ للعمل في مجال الإعلام وقدم برنامجاً إذاعياً يومياً بعنوان "مسائل ومشكلات" وبرنامجاً تلفزيونياًأسبوعياً بعنوان "نور وهداية".

و الطنطاوي له برامج إذاعية منذ أوائل الثلاثينيات، في إذاعة الشرق الأدنى التي كانت تبث من "يافا" وبرامج من إذاعة بغداد سنة 1937 م وبرامج من إذاعة دمشق سنة 1942 م، وهو من الكتاب والأدباء الذين أسهموا في أكثر من جريدة ومجلة على مستوى العالم العربي، حيث كانت أول مقالة له سنة 1926 م في جريدة "المقتبس" ولم ينقطع عن النشر، فكان يكتب في مجلتي "الفتح" و"الزهراء" وجرائد "فتى العرب" و"ألف باء" و"الأيام" التي كان مدير تحريرها، وجريدتي "الناقد" و"الشعب" ومجلة "الرسالة" التي رأس تحريرها حين مرض مؤسسها، و"المسلمون" و"حضارة الإسلام" و"النصر" و"الحج" وفي جريدتي "المدينة" و"الشرق الأوسط".

كما شارك في الكثير من المؤتمرات في البلاد العربية والإسلامية وأوروبا، فضلاً عن المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية.

وظل طوال تنقله بين عواصم العالم الإسلامي يحن إلى دمشق ويشده إليها شوق متجدد. وكتب في ذلك درراً أدبية يقول في إحداها:

((وأخيراً أيها المحسن المجهول، الذي رضي أن يزور دمشق عني،حين لم أقدر أن أزورها بنفسي، لم يبق لي عندك إلا حاجة واحدة، فلا تنصرف عني، بلأكمل معروفك، فصلّ الفجر في "جامع التوبة" ثم توجه شمالاً حتى تجد أمام "البحرةالدفاقة" زقاقاً ضيقاً جداً، حارة تسمى "المعمشة" فادخلها فسترى عن يمينك نهراً،أعني جدولاً عميقاً على جانبيه من الورود والزهر وبارع النبات ما تزدان منه حدائق القصور، وعلى كتفه ساقية عالية، اجعلها عن يمينك وامش في مدينة الأموات، وارع حرمة القبور فستدخل أجسادنا مثلها.

دع البرحة الواسعة في وسطها وهذه الشجرة الضخمة ممتدة الفروع، سر إلى الأمام حتى يبقى بينك وبين جدار المقبرةالجنوبي نحو خمسين متراً، إنك سترى إلى يسارك قبرين متواضعين من الطين على أحدهما شاهد باسم الشيح أحمد الطنطاوي، هذا قبر جدي، فيه دفن أبي وإلى جنبه قبر أمي فأقرئهما مني السلام، واسأل الله الذي جمعهما في الحياة، وجمعهما في المقبرة، أنيجمعهما في الجنة، {رب اغفر لي ولوالدي} {رب ارحمهما كما ربياني صغيراً} رب ارحمبنتي واغفر لها، رب وللمسلمين والمسلمات ((

ويعد الشيخ علي الطنطاوي أحد رموز الدعوة الإسلامية المعاصرة، الذين كان لهم الدور الكبير في الدعوة إلى الله، وإصلاح المجتمع، وهداية الناس إلى طريق الحق، والوقوف في وجه المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام وتلامذتهم من العملاء والمأجورين ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان، وبخاصة الاستعمار الفرنسي في سورية و الجزائر، والاستعمار الإنجليزي والصهيوني في فلسطين. وكانت له وقفات شجاعة، وتحديات جسورة، جعلت الكثير من الخصوم ينكمشون ويتضاءلون أمام هذا الداعية الصلب في مقارعة الباطل وأهله، في الوقت الذي كان فيه يتبع أسلوب التشويق الجميل الجذاب لهداية الناس وتقريبهم إلى جادة الصواب، وإعانتهم على الالتزام بمنهج الإسلام، عقيدة ونظاماً ومنهج حياة.

وكانت جهوده تشمل ميادين الإصلاح في كل جوانبها التشريعية والسياسية والاجتماعية والتربوية والتعليمية والدعوية والفقهية، ومحاربة البدع والخرافات والعادات والتقاليد البالية التي لا يقرها الشرع، والسلوكيات التي تتنافى مع مبادئ الإسلام وقيمه، ويدعو للاعتزاز باللغة العربية، لغة القرآن الكريم، ويتصدى لأعدائها.

ومن هنا كان الطنطاوي متعدد الجوانب، غزير العطاء، وافر العلم، يقتحم الميادين، ويغوص في غمار المعارك، ويلج كل الأبواب، ليصل إلى الناس، ويسمعهم كلمة الحق، ويعرّفهم بدين الإسلام، ويجمعهم على الخير والتعاون والحب في الله، والعمل في مرضاة الله، وقد مُنح جائزة الملك فيصل العالمية سنة 1990 م.

مؤلفاته

ترك الطنطاوي عدة مؤلفات هي:

1 تعريف عام بدين الإسلام.

2 صور وخواطر.

3 من حديث الناس.

4 الجامع الأموي.

5 قصص من التاريخ.

6 قصص من الحياة.

7 أبوبكر الصديق.

8 عمر بن الخطاب "جزءان".

9 في إندونيسيا.

10 في بلاد العرب.

11 في سبيل الإصلاح.

12 رسائل سيف الإسلام.

13 رجال من التاريخ.

14 الهيثميات.

15 هتاف المجد.

16مباحث إسلامية.

17 فصول إسلامية.

18 نفحات من الحرم.

19 صور من الشرق.

20 صيد الخاطر لابن الجوزي "تحقيق".

21فكر ومباحث.

22 بشار بن برد.

23مع الناس.

24 رسائل الإصلاح.

25 مسرحية أبي جهل.

26 ذكريات علي الطنطاوي "ثمانية أجزاء".

27 أخبار عمر.

28 التحليل الأدبي.

29 من التاريخ الإسلامي.

30 دمشق.

31 مقالات في كلمات.

32فتاوى علي الطنطاوي.

33 بغداد.. مشاهدات وذكريات.

34 حكايات من التاريخ "من أدب الأطفال".

35 أعلام التاريخ "سلسلة التعريف بأعلام الإسلام" (سبعة أجزاء).

وله العديد من المقالات، وآلاف الأحاديث الإذاعية والتلفازية، والخطب المنبرية، التي تنتظر طلاب الدراسات العليا، ليجمعوها، وينشؤوا عليها دراساتهم ورسائلهم الجامعية.

معرفتي به

كان ابن العم سعود بن عبدالعزيز العقيل من تلامذة الأستاذ علي الطنطاوي في ثانوية البصرة، وكان من المعجبين به، وكانت له حظوة عند الأستاذ الطنطاوي، لتميّزه باللغة والأدب، وقد حببني الأخ سعود في أستاذه وأنا طالب في الابتدائية، بل كان يعطيني مجلة الرسالة لأقرأها وبخاصة مقالات الطنطاوي رغم مستواي العلمي المتواضع، ولكني مع ذلك تعلقت بالطنطاوي وأحببته، وكنت فيما بعد أحرص على قراءة مقالاته وكتبه، وكذا مؤلفات أستاذه الرافعي الذي أحببته من كل قلبي لغيرته على الإسلام كدين، وعلى المسلمين كأمة، وعلى العربية كلغة، وأصبحت أعتبر نفسي من تلامذة هذه المدرسة التي تضم علي الطنطاوي وسعيد العريان، و عبدالمنعم خلاف، و محمود شاكر، وغيرهم من تلامذة الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي.

وكان الأستاذ علي الطنطاوي قريباً إلى نفسي جداً، بحكم دعمه للحركة الإسلامية المعاصرة بمصر والشام و العراق، وكتابته عن رجالها، وتعاونه مع العاملين في صفوفها ببلاد الشام، كالدكتور مصطفى السباعي، ومحمد المبارك، وعمر بهاء الدين الأميري وغيرهم.

ولقد كانت له وقفة شجاعة جريئة ضد الطغيان الناصري بمصر الذي حارب الإخوان المسلمين في أرض الكنانة، وسجن الآلاف المؤلفة من رجالهم، وعلق الكثير من قادتهم الأبطال الأفذاذ على أعواد المشانق، وكان "يوم الحداد" يوماً مشهوداً على هؤلاء الشهداء الأبرار، وفي مقدمتهم الشهداء العظام: عبدالقادر عودة، ومحمد فرغلي، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوي دوير، ومحمود عبداللطيف وغيرهم، فقد سخَّر قلمه بالكتابة في الصحافة عن جرائم الدكتاتور، وكذا أحاديثه الإذاعية، وخطبه ومحاضراته التي أشاد فيها بحركة الإخوان، ومؤسسيها ودعاتها ومجاهديها في مصر و سوريا و العراق.

وكان الشيخ علي الطنطاوي هو الفارس المجلي، والبطل الشجاع، والرجل المقدام الذي يواجه الصعاب، ويتحدى قوى البغي والطغيان، دون خوف أو وجل، وقد منحه الله عز وجل قوة الحجة، وبلاغة القول، ونصاعة البيان، والذاكرة الحافظة للأحداث والوقائع والتواريخ.

ولقد أكرمني الله بزيارته في مكة المكرمة، حيث كان يسكن بمنطقة العزيزية التي كنت أسكن فيها، أيام كنت أعمل برابطة العالم الإسلامي من سنة 1988 م إلى سنة 1996 م، وكذا زيارته في مدينة "جدة" بعد أن انتقل إليها سنة 1993 م حتى وفاته سنة 1999 م.

وفي كل مرة أزوره في مكة المكرمة، أو في مدينة جدة، كان يسألني عن تلميذه سعود العقيل الذي كان أحد طلابه في ثانوية البصرة، رغم مرور هذه السنين الطويلة.

وكنت أسعد بمجالسته، والأنس بأحاديثه، والاستفادة من فيض علمه الغزير في كل شؤون المعرفة، مع الطرافة في الأسلوب، والدعابة في الحديث، والأدب الإسلامي الجم، فضلاً عن برامجه الإذاعية والتلفازية التي عمَّ خيرها الناس جميعاً، داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، فكانت الأسر والأفراد والجماعات تترقب مواعيد أحاديثه، وتتلهف لسماعها ومشاهدتها، وتقبل عليها إقبال الظمآن على المورد العذب الزلال.

قالوا عنه

يقول العلامة الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي:

"عرفت الشيخ علي الطنطاوي في بواكير شبابي، حين كنت مشغوفاً بالأدب والشعر، منهوماً بقراءة كتب الأدب وتتبع المجلات الأدبية، وعلى رأسها مجلة "الرسالة" وكان الطنطاوي أحد كتابها المحببين لدي، لنزعته الإسلامية، وسلاسة أسلوبه، وعذوبة منطقه، وبراعة تصويره، وقد أشرف سنة 1949 م على تحرير "الرسالة" حين مرض الأستاذ الزيات. وحين تولى التدريس لمادة الثقافة الإسلامية في كلية التربية بالمملكة العربية السعودية، اختار كتاب "الحلال والحرام في الإسلام" مرجعاً للطلاب في هذا المقرر، دون أن يلقاني، ولكنه سمع بي من زملائه من أهل الشام، مثل الشيخ مصطفى الزرقاء، والشيخ محمد المبارك.

لقد كان الطنطاوي مشعلاً من مشاعل الهداية، ونجماً من نجوم التنوير، ولساناً من ألسنة الصدق، وداعية من دعاة الحق والخير والجمال، وكان يجمع في عظاته بين العلم والأدب، أو بين الإقناع والإمتاع، يتجلى هذا فيما سطره يراعه من كتب ومقالات، وما فاض به لسانه من خطب ومحاضرات أو دروس وإفتاءات، كان يرتجلها لتوه، ولا يكتبها أو يحضّرها، وحين أصدرت كتابي "الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف" نوَّه به وحثَّ على قراءته.

حفظ الشيخ الطنطاوي عشرات بل مئات القصائد من الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي والأموي باعتباره الحجة في اللغة.

أيَّد الوحدة بين مصر و سورية، ولكن حين أصبحت في عهد عبدالناصر خطراً على الحريات وعلى حقوق الإنسان، وانتشر التجسس، وعاش الناس في رعب السلطة، وغدا المكتب الثاني "المخابرات" هو الذي يحكم البلاد، وقف مع الانفصال، وأيّده بقوة، وخطب خطبة تاريخية مشهورة، كان لها صداها الواسع، وتأثيرها البالغ على جماهير الناس".

ويقول الأستاذ عصام العطار:

"سمعت الطنطاوي وسمعت به أول مرة في الجامع الأموي في دمشق يرثي الشيخ بدر الدين الحسني الملقب بالمحدث الأكبر في الشام، وكنت طالباً بالمدرسة الابتدائية، ثم قرأت له في مجلة "الرسالة" فأعجبت بروحه العربية والإسلامية الصافية، وحماسته الصادقة للدين والفضيلة والمثل العليا، وحربه المستعرة على الفرنسيين والإنجليز، والغزو الثقافي والفكري، وانتصاره للعرب والمسلمين المستضعفين في كل مكان، ودفاعه عن حقوق شعوبنا وأبنائنا المضطهدين أو المستغَلين أو المحرومين، وأعجبت بما كان يجلوه على قرائه من صور تاريخنا العربي والإسلامي المشرق التي تبهر العقول وتحرك النفوس وتحفزها إلى رفض الواقع والحاضر الحقير، والسمو بالمطامح والمشاعر بأسلوب جزل سليم جميل".

ويقول الأستاذ زهير الشاويش:

"عاش أستاذنا ووالدنا الشيخ علي الطنطاوي حياة عريضة طويلة، ذات أبعاد في الأفق، وعمق بجذورها في الأرض، وكان له الأثر الكبير في تنشئة الدعاة والأدباء والقضاة والمجاهدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وامتاز بالمروءة والنخوة والفضل.

قاد الأمة في وجه الاستعمار الفرنسي في سورية، ودافع عن فلسطين، وحفظ حقها إسلاماً وعروبة فيما قال وكتب، وسافر من أجلها لنصف الدنيا، وشارك في المؤتمرات والاجتماعات لها، وقمع الملحدين في أيامهم الأولى، وفي محيطه الإسلامي، وجابههم في كل مكان، وجمع مسار العلماء والمشايخ في الأوقاف ومساجد دمشق وغيرها، وكان مالئ الدنيا وشاغل الناس طوال حياته، كنا نعد أنفسنا للجهاد في فلسطين، وكان الشيخ الطنطاوي من أكبر من ساعدنا على ذلك مع أستاذنا الشيخ السباعي".

ويقول الدكتور منير الغضبان:

"كانت حياة الطنطاوي كلها صدعاً بالحق، في العهد الفرنسي والعهد الوطني، لا يخشى زعيماً ولا كبيراً ولا رئيساً، يثني إن كان الثناء لازماً في موقف معين، وينتقد بعنف حين تنتهك حرمات الله، فلا يقوم له شيء، فوزارة الثقافة والإرشاد القومي عنده وزارة السخافة والإفساد القومي، يهاجم الدولة، وخطبته تنقل على الهواء من مسجد الجامعة، لقد كان الطنطاوي يغذي فينا عنصر الثورة للإسلام، والاعتزاز به، والاستعداد للتضحية في سبيله، ونحن نراه القدوة أمامنا على منبر الجامعة، يخاطب الوزراء والرؤساء، فنقول: لن يخرج إلا إلى السجن أو الموت، في الوقت الذي كانت فيه الدبابات تجوب الشوارع، والعسكر يمسكون بخناق الناس، وما غادر سورية إلا وقال كلمة الحق مجلجة على منبر الجامعة، في الحزب العلماني، والنظام المتخلي عن الإسلام، فكانت كلمة الحق عند السلطان الجائر، وكان قوَّالاً للحق، صدَّاعاً به، ولو كان يودي بحياته".

ويقول الشاعر أحمد محمد الصديق في رثاء عالم الأدباء وأديب العلماء الشيخ علي الطنطاوي عليه رحمة الله في قصيدة بعنوان: "بشائر الفوز":

شدا بفضلك أهل العلم والأدب

فاظفر بما شئت في الفردوس من رتب

أودعت كل عصارات النهى درراً

يشع لألاؤها العلوي في الكتب

إذا تحدثت ناجيت القلوب فما

في الحاضرين فؤاد غير منجذب

وإن كتبت فحبات منضدة

من عسجد.. رقرقت كالسلسل العذب

أقمتها حججاً للدين دامغة

بها يضيق ذوو البهتان والريب

وتقبس النور من ينبوعه عبراً

تجلو الحقائق في أثوابها القشب

كأنها من رؤى الأسلاف بارقة

تهدي إلى الرشد.. تأسو الجرح عن كثب

لله درك.. والتاريخ حافلة

يداه.. تزخر بالأمجاد.. والنوب

وكم نسجت لنا من خيطه قصصاً

محبوكة مثل حبك الدر بالذهب

نعيش أحداثه الكبرى.. تخالطنا

شخوصه.. كاختلاط اللحم بالعصب

آتاك ربك فقهاً زانه أدب

وحكمة نلت منها غاية الأرب

طلاوة الحرف تجري منك في نسق

مذاقه الشهد يشفي الروح من عطب

كأنه من نسيم الشام تنفحه

من عطرها بردى ريانة السحب

نشأت صلباً على التوحيد ملتزماً

كالسيف.. تكره طيش اللغو واللعب

ولا تهادن طغياناً ولا بدعاً

لا يخيفك سوط الظلم والرهب

والذكريات التي سطرتها نهضت

شهادة عبر أشتات من الحقب

رويتها بلسان الصدق خالدة

عبر المدى.. نزفت مشبوبة اللهب

يلقى الشباب بها في شخصكم مثلاً

يقفو خطاه إلى الإصلاح في خبب

وللقضاء.. وقد وليته زمناً

عهد الوفاء وثيق غير منقضب

جميع همك للإسلام تحمله

عبئاً ثقيلاً من الآلام والتعب

وقد تجشمت فيه ما ينوء به

طود.. وآن بلوغ المنزل الرحب


من أقواله

كتب مقالة رائعة بعنوان: "نحن المسلمين" جاء فيها:

سلوا عن ديار الشام ورياضها، و العراق وسوادها، والأندلس وأرباضها.

سلوا مصر وواديها، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا الدنيا ومن فيها.

سلوا بطاح إفريقية، وربوع العجم، وسفوح القفقاس.

سلوا خفافي الكنج، وضفاف اللوار، ووادي الدانوب.

سلوا عنا كل أرض في "الأرض" وكل حي تحت السماء

إن عندهم جميعاً خبراً، من بطولاتنا وتضحياتنا ومآثرنا ومفاخرنا وعلومنا وفنونان. نحن المسلمين!!

هل روى رياضَ المجد إلا دماؤنا!

هل زانت جنات البطولة إلا أجسادُ شهدائنا!

هل عرفت الدنيا أنبل منا وأكرم، أو أرأف أو أرحم، أو أجلّ أو أعظم، أو أرقى أو أعلم!

نحن حملنا المنار الهادي، والأرض تتيه في ليل الجهل، وقلنا لأهلها: هذا الطريق!

نحن نصبنا موازين العدل يوم رفعت كل أمة عصا الطغيان.

نحن بنينا للعلم داراً يأوي إليها حين شرده الناس عن داره.

نحن أعلنَّا المساواة يوم كان البشر يعبدون ملوكهم ويؤلهون سادتهم.

نحن أحيينا القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والناس كلهم بالحرية والحضارة.

نحن المسلمين!

قوتنا بإيماننا، وعزُّنا بديننا، وثقتنا بربنا.

قانوننا قرآننا، وإمامنا نبينا، وأميرنا خادمنا.

وضعيفنا المحق قوي فينا، وقوينا عون لضعيفنا.

وكلنا إخوان في الله، سواء أمام الدين.

نحن المسلمين!

نماذج من شعره

"اذكروا الأقصى"

المرأة الشلاء تحمي بيتها

أنبيح بيت الخالق المعبود؟

هو حصن حق غاب عنه حماته

هو قلعة لكن بغير جنود

لا العطر والند المصفَّى طيبه

لكنّ ريّاه شذى البارود

يصلى المصلي النار في جنباته

والمسلمون بنومة وهجود

أينام من تقري المدافع سمعه

صوت يزلزل قنّة الجلمود

أينام من يمشي اللهيب بداره

يشوي حميم لظاه رمل البيد

"لبيك.. لبيك"

لبيك ربي قد أتيتك تائباً

أيُرَدَّ محتاج أتى يتضرع؟

لبيك جُدْ بالعفو عني ليس لي

أملٌ بغير العفو منك ومطمع

لبيك ربي المسلمون تفرقوا

من ذا يوحدهم سواك ويجمع

"عودوا"

عودوا إلى النهج القديم فإن هذا العود أحمد

عودوا يعد مجد الجدود ويوم بدر يتجدد

وتروا صلاح الدين عاد ويوم حطين الممجد

وفاته

في مساء يوم الجمعة الثامن عشر من شهر يونيو (18-6- 1999 م) انتقل إلى رحمة الله تعالى، وهو في مستشفى الملك فهد في جدة. وقد صُلي عليه في الحرم المكي الشريف، ثم دُفن في مكة المكرمة وكان قد بلغ الخامسة والتسعين من عمره.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسُن أولئك رفيقاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

العالم الداعية سعيد حوَّى

(1354 ـ 1410هـ/1935 ـ 1989م)

مولده ونشأته

الداعية المجاهد سعيد حوى

هو الشيخ سعيد بن محمد ديب حوَّى، ولد في مدينة حماة بسوريا سنة 1935م، توفيت والدته وعمره سنتان، فتربى في كنف جدته، برعاية والده الذي كان من المجاهدين الشجعان ضد الفرنسيين، عاصر في شبابه أفكار الاشتراكيين والقوميين والبعثيين والإخوان المسلمين، واختار الله له الخير بالانضمام إلى الإخوان المسلمين سنة 1952م، وهو في الصف الأول الثانوي.

وقد درس على يد عدد من المشايخ في سوريا، في مقدمتهم: شيخ حماة وعالمها الشيخ محمد الحامد، والشيخ محمد الهاشمي، والشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، والشيخ عبد الكريم الرفاعي، والشيخ أحمد المراد، والشيخ محمد علي المراد، كما درس على يد الأساتذة: مصطفى السباعي، ومصطفى الزرقاء، وفوزي فيض الله، وغيرهم. وقد تخرج في الجامعة السوريا سنة 1961 م، وأدَّى الخدمة العسكرية الإلزامية سنة 1963 م ضابطًا مجندًا، وتزوج سنة 1964 م، ورزقه الله أربعة أولاد.

نشاطه الدعوي

حاضر وخطب ودرّس في سوريا والسعودية والكويت والإمارات والعراق والأردن ومصر وقطر والباكستان وأمريكا وألمانيا، كما شارك في أحداث الدستور في سوريا سنة 1973م مشاركة رئيسة، حيث سجن لمدة خمس سنوات من (5/3/1973 م = 29/1/1978 م)، وقد ألّف وهو في السجن عددًا من الكتب الدعوية.

تولى مناصب قيادية في تنظيم الإخوان المسلمين على المستوى القطري والعالمي، وشارك في عدة أعمال دعوية وسياسية وجهادية.

شهادة بحقه

يقول عنه الأستاذ زهير الشاويش في جريدة اللواء الأردنية بتاريخ 15/3/1989 م: «قدر الله ولا راد لقضائه، وانقضت حياة سعيد بن محمد ديب حوَّى في المستشفى الإسلامي بعمّان ضحى الخميس غرة شعبان المعظم 1409هـ، الموافق 9/3/1989 م، وصُلِّي عليه بعد الجمعة في مسجد الفيحاء بالشميساني، ودفن في مقبرة سحاب جنوبي عمّان، وحضر الجنازة جموع غفيرة، وأبّنه كثيرون منهم الأستاذ يوسف العظم، والشيخ علي الفقير، والشاعر أبو الحسن، والشيخ عبد الجليل رزق، والأستاذ فاروق المشوح، والأديب الأستاذ عبد الله الطنطاوي، وكان تعاطف أهل الأردن الكرام مع أخ غريب مات في بلدهم، مثل كرمهم مع الأحياء المقيمين عندهم؛ كرم في اليد وطيب في الكلام، وعفوية في المبادرة.

إن سعيد حوَّى كان من أنجح الدعاة الذين عرفتهم، أو قرأت عنهم، حيث استطاع إيصال ما عنده من رأي ومعرفة إلى العدد الكبير من الناس، وقد مات وعمره لم يتجاوز الثالثة والخمسين وهو عمر قصير، وترك من المؤلفات العدد الكبير، مما يلحقه بالمكثرين من المؤلفين في عصرنا الحاضر.. والاختلاف في تقييم كتبه، لا يغير من هذه الحقيقة شيئًا، وكانت لي معه جولات في كتبه وما حوت، ومع أن بعض رأيي كان ذابحًا ولفظي كان جارحًا، فإنه تلقاه دائمًا برحابة صدر لم أجدها عند صحبي.

زرته في الأحساء، وكان في حينها مدرسًا في المعهد العلمي، فلم أجد في بيته من الفرش إلا ما يسد حاجة المتقلل، ومن الثياب إلا ما لا يصلح لأمثاله من العلماء والمدرسين في تلك البلاد الحارة، كانت جلابيبه من النوع الحموي السميك، وما زلت به حتى اقتنع بلبس أثواب بيضاء وعباءة تليق بأمثاله، ولكنه اشترط ألا تكون فضفاضة، وأما الطعام فلم يكن أحسن حالاً من الفرش والثياب، ومما يدخل في هذا الباب تساهله مع الذين تولوا طبع كتبه سواء ممن أذن لهم أو لم يأذن، فقد توالت الطبعات الكثيرة لكتبه ـ بالحلال والحرام ـ فما بلغني أنه جعل من ذلك مشكلة مع أحد، وهذا من زهده، إن هذا الخلق وهذا التسامح من سعيد حوَّى مفخرة، وتذكر أمثولة للناس، وهذه شهادتي» انتهى.

معرفتي بـه

لقد عرفته من خلال كتبه، ونشاطه الدعوي في سوريا، ومن تلامذته في المدينة المنورة، والتقيته بعد ذلك في الأردن والكويت وأوروبا وباكستان، فوجدت فيه الخلق الفاضل والأدب الجم، والتواضع والزهد، والبساطة في المظهر، والإقبال على الطاعة، وكثرة التلاوة والذكر، وإدمان القراءة والكتابة في الموضوعات الدعوية والحركية والفقهية والروحية، والانشغال الكامل بقضايا الإسلام والمسلمين، والتصدي لطواغيت الأرض الذين خربوا البلاد وأذلوا العباد وسعوا في الأرض بالفساد.

لقد كان سعيد حوَّى طاقة هائلة، وحيوية متدفقة لا يكل ولا يمل، وله باع طويل في التأليف، بحيث يفرغ من الكتاب خلال أيام يكون بعدها بأيدي القراء، وهو ذو نزعة صوفية تغلبه بعض الأحيان، كما أن رقته وطيبة قلبه وحياءه تجعله يؤثر الصمت في بعض المواقف.

زيارته لنا بالكويت

لقد سعدنا بزيارته في الكويت أكثر من مرة، وحضر ندوتنا الأسبوعية مساء الجمعة، وتحدث فيها حديثًا شائقًا أخذ بمجامع القلوب، وكان محور حديثه عن منهج الإمام البنا في الاستفادة من الخيرية في كل إنسان، وأن على الدعاة أن يزيدوا الخير في نفوس الناس، وأن يباشروا مخاطبة القلوب التي هي مفتاح الهداية، ونفوس البشر جميعًا فيها الخير وفيها الشر ولكن بنسب متفاوتة، فإذا وفقنا الله لزيادة الخير في النفس البشرية، فمعنى هذا أننا قللنا نسبة الشر فيها؛ لأن تزكية النفوس هي المفتاح لتقويم السلوك: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس: 7 ـ 10).

مؤلفاته وآثاره

كما كانت له دروس وأحاديث ومحاضرات في جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت، ومدرسة النجاة الخاصة فيها، لقيت القبول من شباب الصحوة الإسلامية.

كما كان لمؤلفاته الدعوية والحركية رواجها لدى الشباب المسلم في البلاد العربية والإسلامية، وبخاصة في اليمن وبلدان الخليج وبلاد الشام، وقد ترجم بعضها إلى لغات أخرى.

ومن أهم مؤلفاته المطبوعة

السيرة بلغة الحب. الإجابات. هذه تجربتي وهذه شهادتي. جند الله تخطيطًا وتنظيمًا. إلخ.

مـذكـراتـه

لقد كان الشيخ سعيد حوَّى قارئًا جيدًا، حيث قال عن نفسه في كتابه (هذه تجربتي): «...كان معدل قراءتي في الساعة ستين صفحة، وكان موجهي في الأُسرة الإخوانية هو الأستاذمصطفى الصيرفي، وتأكدت تلمذتي على يد الشيخ محمد الحامد في هذه المرحلة، ثم أصبحت مسؤولاً عن الطلاب في مدينة حماة، وكان لي دور رئيسي في ثلاث مظاهرات طلابية:

الأولى: حين طالب الإخوان المسلمون في سوريا بإدخال نظام الفتوة في المدارس الثانوية.

والثانية: احتجاجًا على إعدام الإخوان المسلمين في مصر.

والثالثة: في الذكرى المشؤومة لوعد بلفور، وكنت المتحدث الرسمي في هذه المظاهرات عن الإخوان المسلمين.

وقد التحقت بكلية الشريعة بدمشق، وحضرت خلال ذلك محاضرة الدكتور مصطفى السباعي - المراقب العام للإخوان المسلمين بسوريا - في مدرج جامعة دمشق، فكانت محاضرة رائعة شعرت أثناءها وكأني منوَّم مغناطيسيًا.

كما حضرت حفل الاستقبال الذي أُقيم للأستاذ حسن الهضيبي - المرشد الثاني للإخوان المسلمين - في جامع السلطان بمدينة حماة، وتكلم فيه الدكتور مصطفى السباعي، والدكتور سعيد رمضان، وخُتم الحفل بكلمة قصيرة للأستاذ الهضيبي» انتهى.

ولقد كان للشيـخ سعيد حوَّى إسهامه في الحقل التعليمي، حيـث مـارس التدريس داخل سوريا وخـارجها، وعمـل في السعودية خـمس سنوات: سنتين في مدينة (الهفوف) بمنطقة الأحساء، وثلاث سنـوات بالمدينة المنورة.

زيــاراتـه ورحــلاتـه

كما كانت له زيارات متعددة إلى كثير من البلاد العربية والإسلامية والأوروبية والأمريكية، وقد زار باكستان أكثر من مرة، حيث قابل الإمام أبا الأعلى المودودي في الزيارة الأولى، واستفاد من توجيهاته وإرشاداته في مجال الدعوة الإسلامية والعمل الجماعي.

وفي الزيارة الثانية لباكستان حضر تشييع جنازة المودودي، حيث كنت والعلاّمة القرضاوي وسيف الإسلام البنا، و عبد العزيز المطوع وغيرهم، واجتمع بقادة الجماعة الإسلامية بباكستان، ثم ذهب إلى لاهور حيث التقى قادة المجاهدين الأفغان وحثّهم على التعاون، والعمل المشترك، ونكران الذات، وإخلاص النية لله تعالى، وجعل الجهاد خالصًا لوجه الله وفي سبيله، وألا يكون للنفس فيه حظ.

وفي أواخر شهر مايو سنة 1979 م سافر إلى إيران ضمن وفد إسلامي، حيث التقى الخميني ووزير الخارجية آنذاك إبراهيم يزدي و كمال خرازي، وقام بشرح حقيقة ما يجري في سوريا، وناشدهم حق الأخوة الإسلامية نحو إخوانهم المسلمين في سوريا.

يقول الشيخ سعيد حوَّى في كتابه (هذه تجربتي): «إن من ثمار الانقلاب العسكري الأمريكي بسوريا بقيادة حسني الزعيم ـ الذي أعلنت المخابرات الأمريكية في أكثر من كتاب أنها وراءه:

  • تسليم مستعمرة (مشمار هايردن) لليهود.
  • توقيع اتفاق مد خط أنابيب التابلاين كما أرادتها الشركة الأمريكية.
  • إلغاء مجلة الأحكام العدلية التي كانت القانون المدني الإسلامي لسوريا» انتهى.

ومن سنة 1984 م كثرت لقاءاتي بالشيخ سعيد حوَّى بحكم ترددي على الأردن، حيث يقيم، ومن خلالها ازددت به معرفة واشتركت معه في تقويم كثير من الأحداث والوقائع، وكتابة بعض الدراسات والبرامج والمناهج، التي تحتاج إليها الحركة الإسلامية المعاصرة، وكنا نتفق في الكثير من الأمور ونختلف في القليل منها، ولا يؤثر هذا على موقف أي منا نحو أخيه.

وحين أصدر كتابه (في آفاق التعاليم) أثنيت عليه وشكرته على هذا الجهد؛ لأن شباب الدعوة الإسلامية في أمس الحاجة إلى فهم الأصول العشرين التي وردت برسالة التعاليم للإمام الشهيد حسن البنا، التي تناولها بالشرح كثير من الإخوان أمثال: محمد الغزالي، عبد المنعم تعيلب، عبد البديع صقر، يوسف القرضاوي، علي عبد الحليم، جمعة أمين، محمد عبد الله الخطيب، وغيرهم، وهي رسالة قيّمة في حاجة إلى المزيد من الشرح.

وقد قام الأخ مصطفى الطحان بإدراجها في سلسلة مطبوعات الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية، وتمت ترجمتها إلى بعض اللغات، وراجت رواجًا كبيرًا، وطبعت عدة طبعات بالعربية وغيرها، والحمد لله.

ثناؤه على الإخوان

لقد كان الشيخ سعيد حوَّى يرى في ثباتالإخوان المسلمين بمصر، هذه السنين الطويلة رهن السجون والمعتقلات وسط الزنازين وتحت سياط الجلادين، دون أن يتنازلوا قيد شعرة عن مبادئهم رغم طول السنين وقساوة التعذيب ومرارة الحرمان، يرى أنهم القدوة للدعاة في هذا العصر وللإخوان في العالم.

وهو في هذا يوافق ما قاله الدكتور مصطفى السباعي - المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا - في كتابه (أخلاقنا الاجتماعية)، حيث يقول: «إن في سجون مصر علماء يقطعون الأحجار، ويلبسون ثياب المجرمين، ويعاملون بالزراية والمهانة؛ لأنهم فهموا العلم، جهادًا ونصيحة وتعبًا ومعاملة مع الله عز وجل، فإذا رأوا المنكر أنكروه، وإذا التقوا مع الجاهل نصحوه، وإذا ابتُلوا بالظالم وقفوا في وجهه، ليردوه ويهدوه، وإذا كانوا مع مستغلّي الشعب من أغنياء وزعماء ورجال أحزاب، واجهوهم بالحق الذي جعله الله أمانة في أعناق الذين أوتوا العلم، هذه جريمتهم التي زُجوا من أجلها بالسجون، وقيدت أرجلهم بالحديد، وسيقوا إلى مقالع الأحجار كما يساق القتلة واللصوص والأشرار والمجرمون!

ويا ليتهم سلموا من ألسنة إخوانهم من علماء الدنيا، الذين سخَّرهم الطغيان ليخدعوا الناس باسم الدين، فإذا هم أداة تخدير للشعب، وزراية بالعلماء المصلحين وتمجيد للفسقة والمغتصبين!

هؤلاء العلماء المصلحون على قلتهم ومحنتهم والعداوات التي تحيط بهم، هم وحدهم الأمل المرتجى لنهضة الأمة وتحررها وانعتاقها» انتهى.

يقول علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز:

«أيها العرب في كل مكان.. أيها القادة والزعماء. إن المعركة الحالية بين العرب واليهود ليست معركة عربية فحسب، بل هي معركة إسلامية عربية، معركة بين الكفر والإيمان، بين الحق والباطل، بين المسلمين و اليهود.

وعدوان اليهود على المسلمين في بلادهم وعقر دارهم أمر معلوم مشهور، والواجب على المسلمين في كل مكان مناصرة إخوانهم المُعتدى عليهم، والقيام في صفهم، ومساعدتهم على استرجاع حقهم ممن ظلمهم وتعدّى عليهم، بكل ما يستطيعون من نفس وجاهٍ وعتاد ومال، كلٌّ بحسب وسعه وطاقته. كما قال (سبحانه وتعالى): (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ.

وقال تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29].

ومواقف اليهود ضد الإسلام وضد نبي الإسلام معلومة مشهورة قد سجلها التاريخ، وتناقلها رواة الأخبار، بل قد شهد بها أعظم كتاب وأصدق كتاب، ألا وهو كتاب الله الذي (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42).

فيا معشر المسلمين من العرب وغيرهم في كل مكان، بادروا إلى قتال أعداء الله من اليهود وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.

بادروا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين والمجاهدين والصابرين.

وأخلصوا النية لله واصبروا وصابروا واتقوا الله عز وجل تفوزوا بالنصر المُؤزر أو شرف الشهادة في سبيل الحق ودحر الباطل».

(ابن باز ـ من كتاب: موقف اليهود من الإسلام وفضل الجهاد في سبيل الله)

مرضه ووفاته

وفي سنة 1987 م، أُصيب الشيخ سعيد حوَّى بشلل جزئي إضافة لأمراضه الأخرى الكثيرة: السكر.. الضغط.. تصلب الشرايين.. الكلى.. مرض العيون.. فلجأ للعزلة الاضطرارية، وانقطع عن الناس، ثم أُدخل المستشفى.

وفي يوم 14/12/1988 م، دخل في غيبوبة لم يصحُ منها، حتى توفاه الله ظهر يوم الخميس 9/3/1989 م في المستشفى الإسلامي بعمّان في الأردن.

رحم الله أخانا سعيد حوَّى، فكم صبر على الأمراض الكثيرة وعلى البلاء في السجون وعلى الألسنة الطويلة التي امتدت إليه بالإساءة، جعل الله ذلك كله في ميزان حسناته، وغفر الله لنا وله، وحشرنا وإياه مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.


رثــاؤه

وقد رثاه الشاعر الإسلامي الكبير وليد الأعظمي بقصيدة عنوانها (سكت الهزار) جاء فيها:

سكت الهزار الصادح الغرّيدُ
فاستوحش الوادي وغاب العيدُ

يا راًلاً عنا وفي أعماقنا

شوق إليكم ما عليه مزيدُ

فارقتنا وتركت فينا لوعةً

في القلب يلذع جمرها الموقودُ

دين لكم في عنق كل مجاهدٍ

يجب الوفاء بذاك والتسديدُ

ذكراكَ في قلبي وذكرك في فمي

أشدو به بين الورى وأشيدُ

بالأمس كان لقاؤنا في طيبةٍ

طاب الحديث بها وطاب نشيدُ

بجوار خير المرسلين سمت بنا

سبحاتُ فكرٍ زانها التوحيدُ

والروضة الزهراء في جنباتها

يتناغم التسبيح والتحميدُ

وصلاتنا فيها عروج للسما

يسمو ركوعٌ عندها وسجودُ

وتحلقت للعلم في أفيائها

حلقات هَدْيٍ نفعها مقصودُ

وأبو محمد (السعيد) كأنَّهُ

قمر تألق نوره المشهودُ

يحيي القلوب بوعظه وبيانِهِ

لكأنما هو لؤلؤ منضودُ

فيه من الذكر الحكيم لآلئٌ

ومن الحديث أزاهرٌ وورودُ

والناس يستافون شهد بيانِهِ

منهم قيام حوله وقعودُ

يا رافعًا للحق راية نصرِهِ

والحق تحرسه ظُبـًا وبنودُ

أفنيت عمرك بالجهاد مصابرًا

لله فيما تبتغي وتريدُ

لك في الجهاد عزيمة مشبوبةٌ

لا تعتريها فترة وخمودُ

كالليث في وَثْباته وَثَبَاتِهِ

شهدت بذاك خنادقٌ وجنودُ

والشام تذكر إذ نهضت مكبرًا

تحدو بها نحو العُلا وتقودُ

و(المسجد الأموي) يشهد أنك الـ

بطل الهمام القائد الصنديدُ

و(حماة) لا تنسى نداك محذرًا

مما تخبئه الليالي السودُ

وتردّ كيد المعتدين بنحرهم

وتذُبُّ عن أحسابها وتذودُ

أبناؤها الصِّيدُ الكرام تحملوا

فوق الذي حمل الكرام الصيدُ

فنساؤها اللبؤات في ساح الوغى

ورجالها عند اللقاء أسودُ

عانَوْا من الأهوال كل فظيعةٍ

منها تكاد الراسياتُ تميدُ

في كل ناحية جريح يلتوي

وشهيدة مبرورة وشهيدُ

وإذا تخطى القتل بعض رجالهم

فالسجن والتعذيب والتشريدُ

في (القدس) قد عاث اليهود وفي (حما)

عاثتْ (قرامطة) بها و(يهودُ)

جاءوا بكل كبيرة وكريهةٍ

لم يأت أمسِ بمثلها (نمرودُ)

عادت بها (عاد) وعادت (تُبّع)

و(الرسُّ) و(الأحقافُ) و(الأخدودُ)

هدموا بيوت الله حقدًا منهمُ

هيهات يُفلح آثمٌ وحقودُ

تبكي محاريب الهدى إذ حلَّها

بعد الهداة الصالحين قرودُ

شاقتك جنات الخلود ورفقة الـ

هادي البشير وحوضهُ المورودُ

ببشائر الرضوان من ربِّ السما

والذكر للرحمن والتمجيدُ

كسب الفتى من سعيه بحياتِهِ

طيب الثناء وذكرُه المحمودُ

أنت السعيد بكل ما قدمتَهُ

تلقى الرسول بهِ وأنتَ (سعيدُ)


للمزيد عن الإخوان في سوريا

مراقبو الإخوان في سوريا

1- الشيخ الدكتور مصطفي السباعي (1945-1964م) أول مراقباً عاماً للإخوان المسلمين بسوريا ولبنان.

2- الأستاذ عصام العطار (1964- 1973م).

3- الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (1973-1975م).

4- الأستاذ عدنان سعد الدين (1975-1981م).

5- الدكتور حسن هويدي (1981- 1985م).

6- الدكتور منير الغضبان (لمدة ستة أشهر عام 1985م)

7- الأستاذ محمد ديب الجاجي (1985م لمدة ستة أشهر).

8- الشيخ عبدالفتاح أبو غدة (1986- 1991م)

9- د. حسن هويدي (1991- 1996م).

10- الأستاذ علي صدر الدين البيانوني (1996- أغسطس 2010م)

11- المهندس محمد رياض شقفة (أغسطس 2010)

.

من أعلام الإخوان في سوريا
أقرأ-أيضًا.png

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

وثائق ومتعلقات أخرى

وصلات خارجية

الموقع الرسمي لإخوان سوريا

وصلات فيديو

.