فلسطين التي روت بدماء الإخوان من الدول الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فلسطين التي روت بدماء الإخوان من الدول الإسلامية


مقدمة

الإمام حسن البنا مع الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين

لقد اعتبر الإخوان قضية فلسطين من القضايا المحورية والاستراتيجية في منهجهم وفكرهم، ورفعوا راية الجهاد مرددين [الجهاد سبيلنا ..والموت في سبيل الله أسمى أمانينا] ومن ثم ما أن اندلعت حرب فلسطين حتى انتفض لها الإخوان في كل الدول الاسلامية، فكانت الهيئة الوحيدة التي ترسل شبابها من جميع الدول ليدافعوا عن فلسطين.

لقد اعتبر اليهود فلسطين أرضهم التي وعدهم الله سبحانه وتعالى بها، ولهذا عملوا منذ القدم على العودة إليها والسيطرة عليها، وكان اجتماع بازل عام 1897م اجتماعا محوريا، حيث رسمت فيه الاستراتيجيات لتحقيق الحلم.

وقد تحقّق لهم هذا الحلم حينما وجدوا من يساندهم على ذلك من أصحاب المصالح ومن الدّول الاستعماريّة، التي رأت في إنشاء وطنٍ لليهود في فلسطين مصلحة غربيّة استعماريّة، فكان وعد بلفور الذي أصدرته بريطانيا عام 1917م ومنح اليهود كيانًا قوميًّا لهم في فلسطين طوق النّجاة لليهود.

وتعود أوّل محاولة لليهود لدخول فلسطين والاستيطان فيها إلى يوم قدوم البريطانيّ اليهوديّ الثّري موشي مونتفيوري إلى فلسطين، وقد كان حلمه وضع موطئ قدم لليهود في هذه البلاد، حتّى يمهّد لما بعد ذلك من تمكينٍ لهم، وقد كان ذلك في العام 1837 ميلادي حينما كانت فلسطين تحت السّيطرة المصرية، وقد حصل موشي على امتيازات من الدّولة العثمانيّة مكّنته من شراء أرضٍ، حتّى يقيم عليها مستشفى سنة 1855 ميلادي، ثمّ تمكّن موشي من إقامة حيّ يهوديّ على هذه الأرض فيه مساكن شعبيّة لهم، وذلك عام 1859 ميلادي، وقد كان عدد اليهود في هذه الفترة لا يتعدّي خمسة وعشرين ألفاً (1).

ارتبط وعد بلفور بالانتداب البريطانيّ في فلسطين، وأصدرت بريطانيا تعليمات وقوانين تسهّل هجرة اليهود إلى فلسطين، وكنتيجة لهذا الوعد تأسّست الوكالة اليهوديّة للهجرة التي أخذت على عاتقها مهمّة رعاية المهاجرين، واحتضانهم، وتوفير المأوى، والوظيفة لهم، وقد كانت السّياسة الصهيونية تقوم على إنشاء مستعمرات يهوديّة، يعمل فيها اليهود بشكلٍ جماعيّ، وقد ساهمت الولايات المتّحدة الأمريكيّة في دعم الهجرة من خلال برنامج بلتمور، الذي بدأ تنفيذه بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة، حيث أنشئت الدّول الكبرى مكتب مهاجري الحرب؛ لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين (2).

ولذا انتفض الشعب الفلسطيني يدافع عن أرضه ومقدساته، وانتفض معه كل حر في العالم الإسلامي.

خاصة بعدما فشلت الجامعة العربية في لمِّ شمل دول الشرق العربي؛ لما بين رؤساء العرب وملوكهم وحكامهم من تنافر وفُرقة؛ لأن عوامل التفرقة التي بذرها الاستعمار في البلاد العربية كانت أقوى بكثير من صيحات التوحيد؛ لذلك بدلاً من أن تقوى الروابط وتتوحد الغايات ضعفت الروابط وفقدت معها الثقة في إمكانية هذا الكيان من تحقيق مطالب العرب.

الإخوان وقضية فلسطين

تختلف علاقة الإخوان بفلسطين عن علاقتها بباقي الدول، حيث كانت فلسطين محور اهتمام كل الدول بسبب ما كان يحاك لها من مؤامرات سواء بريطانية أو صهيونية.

ولقد عبر الإمام البنا عن ذلك بقوله: "فلسطين تحتل من نفوسنا موضعًا روحيًّا وقدسيًّا فوق المعنى الوطني المجرد؛ إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح عليه السلام، وفى كل ذلك ما ينعش النفوس ويغذى الأرواح"، وإن كانت قضية فلسطين قد ملكت على الإمام البنا كل جوانحه منذ أن كان طالبا (3).

واتَّسم الموقف العام بإجماع الجماهير في الشارع المصري والطلبة في المدارس والجامعات والعلماء والأحزاب والبرلمان والجماعات الدينية على مساندة القضية الفلسطينية، وبذل الجهود لجمع التبرعات والتطوع في الجيش للمشاركة في الحرب من أجل نصرة فلسطين.

ولذا عمل الإخوان – سواء في مصر أو بقية الدول- على العمل من أجل فلسطين، والدفاع عنها بشتى الوسائل المشروعة، سواء بالتعريف بالقضية، وإنارة الرأي العام، والتبرع لها ولأهلها، والجهاد من أجلها.

ولقد حوت كثير من الكتب والمراجع جهود الإخوان المصريين والإمام البنا تجاه القضية الفلسطينية، كما كتب كثير من المجاهدين المصريين – وهم كثر- مذكراتهم في حرب فلسطين، وما قاموا به.

على الرغم من جهود إخوان العديد من الدول – مثل سوريا والعراق والأردن وفلسطين – في هذه الحرب المفصلية، والتي برزت فيها عوامل الخيانة من الحكام والأنظمة الحاكمة.

ولقد تحدثنا في أبحاث سابقة عن العديد من جهود إخوان مصر وسوريا في الحرب الفلسطينية، وأوضحنا كيف جاهدوا وقدموا من دماء من اجل هذه القطعة الغالية على قلوب الأمة الإسلامية.

ولقد عبر محمد محمود الصواف عن ذلك بقوله: إن معركة فلسطين هي امتداد لمعارك صلاح الدين بالأمس (4).

ونعرج بالذكر على جهود الإخوان في الأردن والعراق نحو فلسطين والدماء الذكية التي روت بالحق أرض القدس.

إخوان العراق وقضية فلسطين

اهتم الإخوان بالعراق كما اهتموا بباقي دول العالم العربي والإسلامي ثم العالم الخارجي، ولقد كانت باكورة الدعوة في العراق بعد ما سافر الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد للتدريس هناك عام 1941م حيث استطاع أن ينشر فكر الإخوان المسلمين بين الطلبة العراقيين، ولقد كان يكتب في مجلة الإخوان المسلمين مقالات مما شاهده فى العراق كتب مقالاً بعنوان: "بين العراق ومصر"، وكتب أخر بعنوان: "عامان في العراق" (5).

ولم تنته هذه الفترة إلا وقد خصص الإخوان المسلمون في مجلتهم ركنًا خاصًّا بالعراق سمي رسالة العراق، كان يتحدث عن الأحداث المتنوعة السياسية والاجتماعية، والأدبية، والإسلامية وغيرها.

ثم سافر أيضا الدكتور حسين الدين كمال للتدريس هناك فكانت إضافة قوية للدعوة وللحركة الإسلامية في العراق، يقول الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد عن أسلوب الدكتور حسين كمال الدين في الدعوة: "كان يشرح لهم أهداف الدعوة بأسلوب سلس جذاب، وقد كان الدكتور "حسين" محبوبًا من طلابه وزملائه أساتذة الكلية وعميدها، حتى إنه لما نوى إنهاء خدمته بعد وفاة والده طلبوا إليه البقاء بالكلية، ويشترط ما يشاء من شروط في المرتب والمزايا الأخرى، فاعتذر الدكتور وأنهى خدمته بعد سنتين من عقده مشكورًا، وقد قام في هذه الفترة الوجيزة بأعمال هندسية جليلة في العراق، كتحديد القبلة في المساجد، وغيرها من المشروعات الهندسية، مما أطلق ألسنتهم بالثناء الجميل عليه على إخلاصه وخدماته (6).

لم يقتصر نشاط الإخوان في نشر الدعوة على بغداد فقط، بل حرص الأستاذ محمد عبدالحميد والدكتور حسين كمال الدين على نشرها في باقي المدن، فكانا يتنقلان بين المدن كلما سنحت الفرصة لذلك.

وتزامن مع جهود هذين الأخوين الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد والدكتور حسين كمال الدين اتصال الشيخ محمد محمود الصواف بالإخوان في مصر وتعرفه على الشيخ حسن البنا، يقول الشيخ الصواف عن هذا اللقاء: "وأخيرًا استقر بي المقام بلقاء الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله، وحضرت دروسه في المركز العام في الحلمية، وأعجبت بنشاطه وأسلوبه الحكيم والرصين في الدعوة إلى الله، ثم قرت عيني بتلك الأفواج الصاعدة من شباب الإسلام التي رباها على الإيمان هذا المجاهد المصلح الكبير حسن البنا، وتوطدت علاقتي به وازداد حبي له وإعجابي به، وبادلني -رحمه الله- حبًّا بحب وعطفًا بعطف، فأكثرت من اللقاء بهذه الزمرة المباركة المجاهدة الصادقة من جماعة الإخوان المسلمين (7).

بدأ الإخوان المسلمون في العراق العمل العلني عام 1944م، وبعدما اشتغل الصواف مدرسا بكلية الشريعة في مدينة الأعظمية مفضلا التعليم على القضاء، وأنشأ جمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم أسس مع الشيخ أمجد الزهاوي جمعية "الأخوة الإسلامية" سنة (صفر 1367هـ= يناير 1948) التي كانت الاسم الذي تحرك تحته الإخوان في العراق، وأصدر مجلة "الأخوة الإسلامية" التي ظلت تصدر لمدة عامين حتى أغلقتها حكومة "نوري السعيد" في العهد الملكي، وألغت الجمعية.

حيث كتب الشيخ الصواف فيها عن فلسطين قائلا:

وقضيتنا اليوم هى قضية الإسلام الكبرى وما فلسطين إلا قلب الوطن الإسلامى النابض, وهى ثغر الجزيرة التى يربض فيها نبى الإسلام ورسوله " محمد صل الله عليه وسلم, وهى طريق الإسلام إلى عاصمته الدينية المقدسة" مكة المكرمة"

ومعركة فلسطين لم تبدأ بعد, وقد آن الأوان لأن نجدد لها العزائم والسواعد ونحشد لها الإمكانيات والمواهب, ونبدأ العمل الجدى ونصحح الأوضاع الفاسدة ونبدأ مرحلة جديدة من مراحل كفاحنا مع اليهودية العالمية الأثيمة وأنصارها المجرمين السفاكين. فقد كنا – ولا نزال – نستجدى حقنا من هيئة الأمم استجداء ذليلا ونعلق انتصارنا الموهوم على رضاها وهى العدوة الحاقدة وصدق الله غذ يقول " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم". ويقينى أن مرحلة جهادنا يجب أن تختلف عما مضى. أن نحتاج إلى خطوات عملية تبدأ بالإصلاح الشامل لجميع مرافق الأمة,, وتقوية الداخل ماديا وروحيا, والاتصال بالعالم الإسلامى اتصالا مباشرا قائما على أساس الدين الصحيح, والحب الخالص, والإخاء فى الله, العمل على جعل ديار المسلمين دارا واحدة وجمع المسلمين تحت راية القرآن " أن هذه أمتكم أمكة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".

ويجب أن نعلنها صريحة أننا يئسنا من الحكومات العربية المتخاذلة فلا خير يرتجى ولا صلاح يرتقب, وكل منها قد ركبت رأسها, وألقت اللوم والتبعات على أختها, وإذا خانتها الحجة اتكأت على الجامعة العربية المفرقة التى كانت حلقة سوء طوق بها " ايدن" وهى رييبته أعناق العرب ليقودهم بزمام واحد, بدل الأزمة المتعددة, وقد كان ما أراد وتمت الصفقة فخسر العرب شرفهم, وباعوا فى سوق النخاسة كرامتهم, وانتزع منهم الحياء حتى أصبحوا عبرة المعتبرين,واضحكوا السامرين, وتكاثرت عليهم اللطمات , وكلما تلقوا لطمة وقدموا الشكوى والاحتجاج وحسبهم هذا وكفى, وعلى الشرف السلام ما داموا على الكراسى أيقاظا وهم نيام,أموات غير أحياء ولكن لا يشعرون.

والمستعان بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله لقد برح الخفاء, وانكشف الأمر لكل ذى عينين, وما اجتماعات الجامعة بسر, فلم تعد التصريحات الجوفاء المخدرة تخدعنا, ولم تعد أسطورة القرارات السرية بأمر ذى بال فأمرنا مفضوح, وقد هنا على أنفسنا وعلى الناس بعد أن انكشفنا لأعدائنا وزال عنا غطاء الرياء فاستخف بنا الأعداء بعد أن عرفوا أننا طبول جوفاء تريد أن تقاتل وتكسب المعارك بالتصريحات الفارغة والاجتماعات الهزيلة السخيفة, وما هكذا ترود يا سعد الإبل أيها الرؤساء.

إن دام هذا الحال يا مسعود

لا جمل يبقى ولا قعود

أيها المسلمون استيقظوا واستفيقوا من غفلتكم واذكروا – دوما وأبدا – فى يقظتكم ومنامكم, فى حلكم وترحالكم مساجدنا وآثارنا الإسلامية فى حيفا, ويافا , واللد , والرملة, وطبرية, وصفد, والناصرة.

ولا تنسوا الثآر لشهداء " قيبة" و" دير ياسين" وانفخوا فى نفوس الناس روح التضحية والجهاد والانتقام, والجد والمثابرة على العمل, وقولوا لهم بلسان الواثق المطمئن أننا سنرجه إلى ديارنا هذه – بعون الله – فاتحين معتمدين على الله ثم على أنفسنا نحن المسلمين, وسواعدنا وإيماننا بالله وحده ونحن واثقون من أن الله سيتم لنا النصر ولو كره الكافرون, والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وسنصل إلى أهدافنا بإذن الله مهما اعترضنا من أشواك وعقبات وسدود وحدود, وأملنا بالله وطيد من أننا نكسر هذه السدود, ونحطم تلك القيود ونسير على بركة الله وتوفيقه ونسترد ما فقدناه, ولا نقف أبدا فالوقوف انتحار وخسار بل هو الموت بعينه والله معنا ولن يترنا أعمالنا ما دمنا متوكلين عليه, " وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" فنحن لا نيأس ولن نيأس من النصر فاليأس كفر ونعوذ بالله من الكفر والكافرين والضلال والمضلين. فاستعدوا أيها المسلمون وما يوم الفصل بين حقنا, وباطل المعتمدين ببعيد " ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين". وعلى الله توكلوا وجددوا السير مسرعين و وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة فقد اشتدت الأزمة حتى آذنت بالانبلاج , وما طلوع فجر ا الإسلام ببعيد, وإن غدا لناظره قريب, فارتقبوا هذا اليوم بإعداد العدة من النفس والأموال, وليحيينكم الله بعده حياة طيبة ويستخلفنكم فى الأرض لتقيموا العدل, وتحكموا بما أنزل الله وتعودوا بالناس ثانية إلى الله وتردوهم إليه عزوجل ردا جميلا حتى يرضى به عنا ويجعلنا ممن استحقوا الكرامة فى الدنيا, والنعيم فى الآخرة وما ذلك على الله بعزيز.

والله أكبر ولله الحمد (8).

وعندما صدر قرار تقسيم فلسطين في عام 1947م صار الصواف يجوب مدن العراق الواحدة بعد الأخرى يعدّ كتائب المجاهدين لقتال عصابات اليهود، ويجمع الأموال للجهاد، وكان ـ رحمه الله ـ ذا صوت جهوري وخطيبا مفوَّها، فلم يكن أحد يستمع إليه إلا وشده إليه، وقاد الشيخ المظاهرات في بغداد مرفوعاً على أكتاف مؤيديه يهتف لنصرة أرض الإسراء والمعراج، ولم يكن أهل العراق وقتها معتادين على رؤية شيخ بالجبة والعمامة الأزهرية يقود المظاهرات ويخطب خطباً سياسية ويعمل لقضية فلسطين (9).

ولقد لبى نداء التطوع 15 ألفًا معظمهم ممن تدرب في الجندية أو الشرطة. وكان للإخوان المسلمين في تلك الفترة دور أساسي في تعبئة الجماهير للجهاد، وكانوا على رأس المظاهرات التي خرجت للتنديد بقرار تقسيم فلسطين، والتي اشترك فيها 200 ألف عراقي في بغداد (10).

وتألف من المتطوعين للجهاد كتيبتا الحسين والقادسية (كل واحدة تتكون من 360 مقاتلًا) وقد وصلتا إلى فلسطين في مارس 1948م (11).

كما اشترك ضمن الأفواج التي ذهبت للجهاد الكثير من إخوان العراق الذين قاتلوا ضمن قوات جيش الإنقاذ، ورأوا الكثير من تخاذل وضعف وسوء إدارة قيادته وعلى رأسه فوزي القاوقجي، إلا أنهم بذلوا ما استطاعوا في المعارك التي شاركوا فيها خصوصًا في شمال فلسطين (12).

يقول الشيخ الصواف:بدأ التطوع بثلاثة أفواج، وبعد أن سيرنا فوجين جاءتني برقية خاصة لجمعية إنقاذ فلسطين يطالبون فيها بعدم تسيير الفوج الثالث لعدم الحاجة إليه؟ فاستشرت شيخنا الشيخ الزهاوي ورئيس الجمعية حسين فوزي، واتفقنا أن لا أذيع البرقية، وسيرت الفوج الثالث، ولكن للأسف فلما ذهبت إلى مفتشية التطوع – وكانت في دمشق- وكان يرأسها الفريق طه الهاشمي، وجد هؤلاء الكبار لا يعرفون معنى الجهاد ولا ينزلون إلى مستوى أفراد الشعب، وكنت أرسلت عشرة آلاف بطانية ومائة طن من التمور، وإذا بي أجد المجاهدين والجرحى حول المفتشية لا يسأل عنهم أحد ولا كساء لهم، المجاهدون بلا أغطية والأغطية مكدسة في العنابر، يبيت المجاهدون بلا طعام والطعام مخزون في العنابر، لهذا اصطدمت مع الرجل وناقشته متأسفا على هذا الحال وعلى إهمال المجاهدين وجرحاهم، وهكذا كان التسيب والتآمر (13).

يقول محسن عبد الحميد: شكلت اللجنة العسكرية برئاسة اللواء الركن إبراهيم باشا الراوي.

وبسرعة قرت اللجنة إرسال المتطوعين إلى الجهاد في فلسطين وأقبل الشعب العراقي إقبالا منقطع النظير وتدافع الشباب وتسابقت الوفود إلى مقر الجمعية في باب المعظم يريد الانخراط في سلك الجهاد الأكبر وبدأ الصواف يخطب في المساجد خطابات نارية حماسية يدعو المسلمين إلى التبرع بالغالي والنفيس من أجل فلسطين والمسجد الأقصى .

وبدأت الأموال تنهال على اللجنة من الرجال والنساء حتى شكلوا ثلاثة أفواج ( فوج القادسية) و( فوج اليرموك ) و( فوج الحسين ) جهزت بالمستلزمات الواجبة للمجاهدين كل ذلك في أقل من شهر وأرسلت الأفواج تباعا إلى معسكر قطنة في دمشق بين حماس الجماهير الحاشدة المباركة وتهليلات المؤمنين والمؤمنات بالنصر المبين .

ثم قررت الجمعية إرسال الصواف إلى ميادين المعارك مسافرا أولا إلى جنوب لبنان ثم نابلس وطولكرم وقلقيلية للإلحاق بالجيش العراقي والتنسيق مع قادته فخطب خطابا حماسيا في الفوج الذي كان يقوده الرجل المؤمن عمر على ودعاهم إلى الثأر والجهاد.

وبعد الخيانات المكشوفة التي حصلت من عدد من الحكومات العربية يومئذ وعدم السماح للمجاهدين الفلسطينيين والعراقيين والسوريين والمصريين من الإخوان وغيرهم بالقتال انكشفت الجريمة وتمكنت العصابات اليهودية بالبقاء ليشكلوا دولة مغتصبة ظالمة من خلال فرقة العرب ومناصرة الدول الاستعمارية .

ويروي الشيخ الصواف في سجل ذكرياته ما رأي من خيانات وإهمال مقصود للمجاهدين وعدم وجود إرادة القتال عند قادة معظم الجيوش العربية خلا الجيش العراقي الذي كان يقود قطعاته قادة مؤمنون من أمثال اللواء الركن مصطفي راغب والعقيد الركن ( يومئذ ) عمر على بطل معركة جنين.

وبعد سنوات الهدنة المزعومة مع اليهود من سنوات الخمسينيات لم يهدأ الصواف وإخوانه فكان يتصل في كل سنة قبل موسم الشتاء بأغنياء بغداد الكبار ويحرك فهم النخوة لندة إخوانهم اللاجئين الفلسطينيين فكان يجمع المواد الغذائية والتمور والبطانيات فيذهب هو ويوزعها على مخيمات اللاجئين.

وكم مر رأيت بأم عيني السيارات الكبيرة تقف أمام جمعية إنقاذ فلسطين وهي تتهيأ محملة بتلك المواد للتوجه إلى مدن الضفة الغبية ومخيمات اللاجئين (14).

وعندما انتهت حرب 1948 بين العرب واليهود وقامت إسرائيل لم يتوقف الصواف في نصرة قضية فلسطين، بل خاض جهادًا آخر في ميدان الوعي والثقافة؛ وعمل على جمع التبرعات وشرح القضية، وإظهار أن هذه القضية هي قضية جميع المسلمين. وعقدت الجمعية في عام 1373هـ/ 1953م مؤتمر القدس الذي حضره لفيف من العلماء. وانتدب المؤتمر الصواف وأمجد الزهاوي وعلي الطنطاوي للطواف بالعالم الإسلامي لشرح أبعاد القضية الفلسطينية (15).

وكتب الصواف يقول:

قبل خمس سنوات وفى مثل هذا اليوم انطلقت الجيوش العربية مندفعى نحو فلسطين كآساد الثرى وقد صممت أن تدك الصهيونيين وتلقيهم فى البحر وتضع حدا لأحلام الصهاينة فى الوطن القومى ولتفسد على ثعالبه السياسى وفجرة الاستعمار خطة التهويد المسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد استبشر المسلمون وظنوا بهذه الجيوش خيرا وتوقعوا أن يكون يوم خمسة عشر من أيام يوم سعد ونصر وتحطيم للأغلال وبداية النهاية للاستعمار البغيض لا فى فلسطين وحدها ولكن فى العالم الإسلامي أجمع.

وكانت تصريحات الزعماء والملوك تجلجل فى الآفاق, فهذا يصرح فيقول ( والله لن أدع ركائبى هذه حتى تجوس فى نجيع اليهود) وذاك يعلن على رؤوس الأشهاد ( سنضحى بكل شىء فى سبيل عروبة فلسطين) وثالث يقول:( إن مقررات بلودان ستهز العالم هزا) وكان الواقع المرير أن جاس اليهود فى نجيع العرب وشردوهم كل مشرد ومزقوهم كل ممزق. ولم ير المسلمون تضحية بنفس أو ولد أو مال تقدم قربانا على مذبح الحرية فى فلسطين. وما اهتز العالم مقررات بلودان وإنما اهتز المسلمون اهتزازة المنكوب والمفجوع فى مقدساته وشرفه وأوطانه, ولا غرابة فى هذا وما كان يقع غير هذا على يد الذين اصطنعهم الاستعمار لنفسه وصنعهم على عينه وما كان إرسال الجيوش لفلسطين إلا لتمزق فلسطين يعد أن تسلم فلسطين لليهود وهى خطة ماكرة وضعتها الخارجية البريطانية.

وقد قام الزعماء العرب بوظيفة المموه وملبس الباطل ثوب الحق فبرزوا كالأبطال في معركة التحرير الموهومة (16).

ظل إخوان العراق يحيون بالقضية الفلسطينية، حتى حينما شكلوا الحزب الإسلامي العراقي، ووضعوا له دستور جاء في مادته الأربعين (قضية فلسطين لا يمكن حلها إلا عن طريق القوة بإخراج المتعصبين لها وإرجاع أهلها فإن الحزب يؤمن بأن الطريق الوحيد هو استعمال القوة بعد أن فشلت جميع الوسائل السلمية لحلها .

والحزب يدعو الدولة العربية أن تنجد إخواننا الفلسطينيين اللاجئين في أرضها وتجعل منهم جيشا حاضرا لخوض المعركة المنتظرة وأن تساويهم في جميع الحقوق مع مواطنيها لتشعرهم حقيقة أنهم بين أهلهم وإخوانهم).

لقد اكتسحت الجيوش العربية شرذام اليهود أول الأمر وأنزل بهم الجيش العراقى الباسل ضربة قاصمة فى جنين ودك الإخوان المسلمون كثيرا من معاقلهم وحصونهم ولما رأت أمريكا وانكلترا و روسيا أن ربيبتهم إسرائيل تكاد تزهق وأن تل أبيب أصبح احتلالها ودكها قاب قوسين أو أدنى, فوضعوا الهدنة الأولى والثانية ولم يملك زعماؤنا وهم ربائنهم أن يعصوا أمرهم, واليهود كانوا أثناء ذلك يستحثون الخطى فى التزود من السلاح والرجال حتى أخذوا المبادأة من الجيوش العربية التى كانت تنقصها القيادة الموحدة الرشيدة والسلاح الفتاك والتدريب الكامل, فمال اليهود عليها واحدا بعد الاخر وطعنوها طعنات نجلاء فحدثت مذبحة فى الجيش السورى. ودخل الجيش اليهودى أراضى لبنان وتمزق الجيش المصرى فى النقب ودخل اليهود سيناء بعد أن سلم كلوب باشا اللد والرملة. ثم تتابعت الفواجع وكانت الخيانة العظمى بتسليم المثلث العربى لقمة سائغة لليهود ثم كانت مأساة مليون مشرد وقعوا فريسة الخوف والجوع والعرى والمرض فى حمارة القيظ وزمهرير الشتاء. ثم كان ضم ما تبقى من الجسد الممزق إلى الأردن ومحى اسم واسألوا الجنرال كلايتون مدير الاستخبارات البريطانية السابق فى الشرق الأوسط إن كنتم لا تعلمون.

أيها المسلمون:...

إن ضياع فلسطين على هذا النحو البشع عقوبة فرضها العدل الإلهي وإن من سنة الله أن يولى بعض الظالمين بعضا لما كانوا يكسبون ولولا كفراننا وجحودنا وقعودنا عن إعداد العدة وتسليم زمامنا إى شرارنا ومحاربتنا خيارنا لما نزل بنا ما نزل وصدق الله العظيم( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون).

أيها المسلمون:-.........

إن هذا لا يعنى أن فلسطين قد ضاعت إلى الأبد كلا. إن الحرب لما تنته بعد وإن ما حدث لم يكن إلا بداية لحرب طويلة الأمد وسيكون النصر فى ختامها لمن اتعظ وأسلم وجهه لله واعتصم بحبله وواجه الواقع الأليم وعرفه على حقيقته وشخص أدواءه حتى نعالجها جميعا علاج مقدام قد وطن نفسه على خوض غمرات هول عظيم.

وأولى هذه الأدواء قيام دولة إسرائيل فى أدق أجزاء الوطن العربى وأعظمها خطورة, وإسرائيل الحاضرة لا تعدو فى نظر اليهود أن تكون نقطة ارتكاز تثب منها على الأردن وسوريا والحجاز والعراق ومصر.

وثانى هذه الأدواء أن الشعب الفلسطينى شعب محطم مكدود قد أكلته هذه الحرب وأخرج من دياره ظلما وعدوانا وقد أنشب الجوع والمرض والموت أظفاره فيه فامتلأت الأرض بأشلائه وما تبقى منه يعيش على فتات أوربا وأمريكا وهى التى أرادت به هذا المصير المخزى ومن غباء الحكومات العربية أن تساهم فى مساعدة اللاجئين عن طريق هيئة الأمم المتحدة وكان الأولى بها أن تقف عكس وهذا أراده اليهود ومن يظاهرهم. أما الوطن المباح والكرامة المهدورة والشرف السليب فأصبح فى الهامش.

والداء الثالث: هو التأخر الذى تعانيه الشعوب الإسلامية والعربية فى سياستها واقتصادياتها وأمورها العلمية والعسكرية والاجتماعية وتركها لدينها وراءها ظهريا. ففى السياسة تخبط وتفرق وإسلام قيادة للإنجلو أمريكان وتطاحن بين ولاة الأمور فى العالم العربى (17).

إخوان الأردن وجهادهم

لم يقتصر العمل من أجل فلسطين على بعض الإخوان في عدد محدود من الدول، لكنه كان من الواضح أن الإخوان في كل بلد تواجدوا فيها عملوا من أجل القضية الفلسطينية منذ البداية، بل وشكلوا قوات من المتطوعين للدفاع عنها وعن شعبها تحت التحرشات الصهيونية والمجازر التي كانوا يقومون بها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

ولم يترك إخوان الأردن الساحة فارغة من مجاهديهم، بل أدلوا بإسهاماتهم في الدفاع عن القدس وشعبها.

تفاعل سكان شرق الأردن مع حرب فلسطين، وشكل الإخوان المسلمون هناك لجنة لجمع التبرعات والمساعدات، كما فتحوا باب التطوع للمشاركة في الجهاد، وكان تجاوب الناس رائعًا، فيذكر محمد عبد الرحمن خليفة أنه عندما فتح باب التطوع في شعبة السلط سجل أكثر من ثلاثة آلاف شخص أنفسهم (18).

وتكونت من إخوان منطقة عمان وما حولها سرية متطوعين تضم نحو 120 مجاهدًا من الإخوان المسلمين، وسميت باسم سرية أبي عبيدة وقد تولى قيادتها الإخوانية الحاج عبد اللطيف أبو قورة المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن في تلك الفترة، أما قيادتها العسكرية فقد تولاها الملازم المتقاعد ممدوح الصرايرة، وقد دخلت فلسطين في 14/4/1948م وتمركزت في عين كارم وصور باهر، وقد خاضت هذه السرية عدة معارك واستشهد عدد من أفرادها (19).

وفي إربد تولى مسئول شعبة الإخوان هناك السيد أحمد محمد الخطيب قيادة الإخوان فيها في حرب فلسطين، وبلغ مجموع من شارك معه في الجهاد من إخوان إربد وأهلها المتطوعين حوالي مائة مجاهد (20).

وكانت توجد سرية بقيادة عبد اللطيف أبو قورة ومساعده ممدوح الصرايرة من الكرك وكان موقعها في جبال القدس وكانت السرية الثانية في بيت لحم بقيادة فارس عقيل ومساعده عربي الجميّل كما كان يوجد مناضلون من بني صخر في كل من اللد والرملة بقيادة الشيخ محمد الفايز ومن الحويطات بقيادة الشيخ هارون بن جازي وكانوا في أول باب الواد (21).

دور الإخوان الفلسطينيين

شارك الإخوان المسلمون الفلسطينيون في الجهاد عندما اندلعت حرب 1947-1948م، إلا أن حداثة تنظيمهم وعدم نموه واستقراره بشكل مناسب وقوي جعلت مشاركتهم محصورة ضمن قدراتهم المحدودة وإمكاناتهم المتواضعة.

بعدما حديث خلاف بين قادة منظمتي "النجادة" و"الفتوة" الفلسطينيتين، فسارع الإخوان لرأب هذا الصدع والتوفيق بين المختلفين، وانتهت جهود الإخوان إلى إرسال الصاغ/ محمود لبيب وكيل الإخوان للشئون العسكرية قائدًا ومدربًا لهذه المنظمات، وتمكن بمساعدة الهيئة العربية في فلسطين من تكوين جيش ضخم من أبناء فلسطين، ولمَّا أحس الإنجليز بذلك أخرجوه من فلسطين بالقوة.. كما تولَّى القيادة العامة لمتطوعي الإخوان المسلمين في فلسطين.

ومع ذلك فقد شكلت شُعب الإخوان في فلسطين قوات غير نظامية منذ بداية الحرب، عملت في أماكن استقرارها في الشمال والوسط تحت القيادات العربية المحلية هناك (التي تتبع جيش الإنقاذ أو جيش الجهاد المقدس). وقد قامت بغارات ناجحة على مستعمرات اليهود وطرق مواصلاتهم، على الرغم من الضعف الشديد الذي كانت تعانيه سواء في التسليح أو التدريب، ولذلك لا نجد ذكرًا رسميًّا لدور الإخوان في هذه المناطق بشكل عام. أما في المناطق الجنوبية وخصوصًا غزة وبئر السبع فقد انضم العديد من إخوان فلسطين إلى قوات الإخوان المصرية الحرة بقيادة كامل الشريف، وشاركوا بقوة وفاعلية في معارك فلسطين هناك. ويذكر كامل الشريف أن قوات الإخوان المصرية الحرة كان معدل عددها 200 مجاهد في مناطق جنوب فلسطين، وأنها كان يشاركها الجهاد حوالي 800 مجاهد آخر من أبناء فلسطين، تحت قيادتها، حيث إن كثيرًا منهم تأثروا بفكر الإخوان المسلمين وأصبحوا منهم .

وكانت أنشط شُعب الإخوان مشاركة في الجهاد شعبة الإخوان المسلمين في يافا، وقد كان هناك (تنظيم عسكري سري خاص) ضمن أعضاء الإخوان في يافا، شارك فيه عدد محدود من الإخوان ممن يصلحون لهذا العمل، ولم يكن باقي الإخوان أعضاء فيه أو يعلمون شيئًا عنه، وقد ظهر نشاطه الجهادي مع بداية الحرب (22).

وعندما جاء كامل الشريف إلى منطقة يافا مع سرية من شباب الجامعات، تولى هو قيادة مجاهدي الإخوان حيث تجمع تحت قيادته حوالي 100 مجاهد، وتولى كامل الشريف قيادة منطقة في يافا اسمها (كرم التوت) وتقع بين يافا وتل أبيب، حيث تقع معارك يومية بين المجاهدين واليهود. كما شارك الإخوان المجاهدون في الهجوم على مستعمرة بتاح تكفا، ثم ما لبث كامل الشريف أن انتقل إلى منطقة النقب (23).

ويذكر عارف العارف أنه كان للإخوان المسلمين في يافا قوات متحركة يبلغ عددها 30 مجاهدًا بقيادة حسن عبد الفتاح والحاج أحمد دولة، وكان عندهم 30 بندقية ورشاشا و2 ستن، وقد كانوا يهبون لنجدة المواقع كلما دعت الحاجة.

ويقول يوسف عميرة إن الإخوان تولوا في أثناء الحرب الدفاع عن مناطق البصة وتلّ الريش والعجمي والنزهة في يافا، فضلًا عن المحافظة على الأمن داخل المدينة، كما يؤكد على الدور المشرف الذي قام به الإخوان في يافا، حيث كان الالتزام بالإسلام من سماتهم، وكان الدفاع والقتال عن إيمان بالله.

وفي منطقة القدس شارك إخوان فلسطين في القتال مع إخوانهم القادمين من البلاد العربية أو مع قوات الجهاد المقدس (24).

مجاهدون إخوان من دول أخرى

من المعروف أن أعداد شاركت من الإخوان في دول الجوار كليبيا وتونس والسودان وغيرها إلا أن أعدادهم كانت محدودة.

1-سرية من تونس تتكون من مئة وعشرين مجاهدا كانت مع قوات أحمد عبد العزيز التي زحفت إلى الخليل (25).

2-سرية من ليبيا، فقد كان مه مجموعة البكباشي زكريا الورداني في الكتيبة الأولى زهاء مئتي متطوع معظمهم من الليبيين، ورابطوا في عراق سويدان، ثم ذهبوا مع أحمد عبد العزيز إلى قطاع الخليل والقدس (26).

3-مجموعة من إخوان السودان تدربوا في مرسي مطروح ودخلوا مع الإخوان المصريين (27).

هذل غير من شارك من المغرب العربي بل وبعض المسلمين من يوغوسلافيا بقيادة الميجور شوقي شقيق مفتي المسلمين بيوغوسلافيا، وكان يعاونه الملازم راسم مصطفى على ومحمود كمال والذين تولوا الدفاع عن البصة والمنشية وسكنة درويش، قبل ان تصادر أسلحتهم ويرحلوا، ويقول عارف العارف أن هذه الكتيبة كانت من الإخلاص على جانب عظيم (28).

خاتمة

وحقيقة واقعية إن خروج "إسرائيل" إلى الوجود لم يكن نتيجة معركة أو حرب، ولم تحقِّق الصهيونية أحلامها في فلسطين بجهود بضعة أشخاص من زعمائها، كما أنها لم تظهر على مسرح الأمم المتحدة وتصبح دولةً مستقلةً لها مقعدٌ خاصٌّ بينها نتيجة تحقيق عاجل قامت به لجنة التحقيق الدولية في مايو 1947، وقرَّرت فيه تقسيم فلسطين وإقامة دولتين؛ دولةً للعرب ودولةً لليهود.

إن معركة الصهيونية في فلسطين لم تقرِّرها عوامل داخلية في فلسطين، وإنما قرَّرتها المصلحة التي جمعت بين الدول الكبرى والصهيونية العالمية في الشرق الأوسط.

كان للدول الاستعمارية- خاصةً بريطانيا- دورٌ كبيرٌ في مساندة اليهود لإقامة دولة لهم في فلسطين؛ فقد أراد الاستعمار بتجزئة الوطن العربي حماية مصالحه وتوطيد أقدامه وأن تكون "إسرائيل" أداة هذه التجزئة، والركيزة التي يعتمد عليها في فرضها، وأراد منها أن تكون عاملَ إشغال وتوتر في المنطقة العربية كلها، لصرف جهود الدول العربية عن أعمال التنمية والنهوض بشعوبها، وحصرها في التحسُّب والإعداد للدفاع عن نفسها ضد هذا الخطر، كما قصد منها أيضًا منع الشعب العربي في أرجاء وطنه الكبير من خوض معارك التحرر لإبعاد آخر أثر من آثار الاستعمار في المنطقة.

لقد فشلت الدول العربية في الاحتفاظ بفلسطين دولةً عربيةً مُوحَّدةً، على الرغم من عدالة قضيتهم ووضوح الحق العربي؛ لأنه غاب عن العرب بأن الحق ليس هو المقياس الذي أخذت به الدول الكبرى عند النظر إلى القضية الفلسطينية في المنظمة الدولية، كما غاب عنهم سيطرة الدول الكبرى على قرارات المنظمة الدولية، وأخطأ العرب عندما اعتقدوا في عدل هيئة الأمم التي وُجدَت فقط لتخدم الدول الكبرى وتساعدهم في تحقيق أغراضهم الاستعمارية؛ لذا فكان من الطبيعي أن تحبط كل المساعي التي بذلتها الدول العربية، وخاصةً مصر، في سبيل الحفاظ على وحدة فلسطين.

كما افتقر العرب إلى وحدة العمل في المجال الوطني والدولي على السواء؛ وذلك بغض النظر عن الشعارات البرَّاقة التي أعلنوها عن وحدة الصف تارةً، ووحدة الهدف تارةً أخرى، اللهم إلا وحدة عدائهم لـ"إسرائيل" وإنْ اختلفت درجتها من دولة لأخرى.

ضاعت فلسطين، وأُعطِيَ الحق لمن لا حقَّ له، وضاع الحق من صاحبه، وإن كان هذا الحق قد ضاع على أرض فلسطين فإنه لن يعود إلا على ذات الأرض، وإن كان الضمير العالمي في غفلة عن الوصول إلى فهم حقائق التاريخ الثابتة فإن دورًا آخر يقع على عاتق الأمة العربية في تحريك هذا الوجدان العالمي، من خلال الرأي العام العالمي؛ لمعرفة الحقيقة التي ضاعت بين دهاليز منظماته الدولية (29).

الهامش

  1. محمود أمين عبد الله: مشاريع الاستيطان اليهودي في مرحلة التكوين (1798- 1920)، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،2011م، صـ 45
  2. الهجرة الصهيونية إلى فلسطين: الموسوعة الفلسطينية، 8 أغسطس 2016م، http://cutt.us/GlBrG
  3. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (585)، السنة الثانية، 15 جمادى الأولى 1367- 26 مارس 1948، صـ3.
  4. محمد محمود الصواف.. رائد الحركة الإسلامية في العراق: إخوان أون لاين، 10/ 4/ 2008م، http://cutt.us/EILhG
  5. مجلة الإخوان المسلمين نصف الشهرية، العدد (21)، السنة الأولى، 18 رمضان 1362ه- 18 سبتمبر 1943م، صـ 12-13.
  6. محمد عبد الحميد أحمد: ذكرياتي، دار البشير للثقافة والعلوم الإسلامية، 1993م، صـ 94
  7. محمد محمود الصواف: صفحات من تاريخ الدعوة الإسلامية في العراق، دار الاعتصام، صـ16.
  8. مجلة الإخوة الإسلامية: العدد الأول، السنة الثانية، الجمعة 20 ربيع الأول 1373هـ/ 27 تشرين ثانى " نوفمبر" 1953م، صـ 1
  9. مجد مكي: محمد محمود الصواف، رابطة العلماء السوريين، الاثنين 17 ربيع الثاني 1435 - 17 فبراير 2014م، http://cutt.us/7nnj3
  10. بيان الحوت، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981)، صـ 612
  11. وليد الخالدي وأخرون: حرب فلسطين 1947-1948م (الرواية الإسرائيلية الرسمية)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الثانية، 1986 صـ 221.
  12. محمد محمود الصواف، معركة الإسلام أو وقائعنا في فلسطين بين الأمس واليوم (لبنان: د.ن.، 1969م)، ص 158-175.
  13. جريدة المسلمون: العدد 37، 25 أكتوبر 1985م، صـ 9
  14. محسن عبد الحميد: الإخوان المسلمون في العراق( 1945 م – 2003م)، طـ1، دار المأمون للنشر والتوزيع، 2011م، صـ 145
  15. محمود شاكر: التاريخ الإسلامي "بلاد العراق" ، المكتب الإسلامي ،دمشق ، الطبعة الأولى ،1412 هـ /1992م.
  16. الإخوة الإسلامية: العدد (13)، السنة الأولى، الجمعة فى 2 رمضان 1373هـ/ 15 مايو 1953م، صـ1.
  17. الإخوان المسلمون في العراق: مرجع سابق، صـ 200
  18. حوار أجراه د/ محسن صالح مع محمد عبد الرحمن خليفة، عمّان، 30/10/1985م.
  19. سليمان موسى، أيام لا تنسى: الأردن في حرب 1948م (الأردن: مطبعة القوات المسلحة الأردنية، 1982م)، ص 44-45.
  20. حوار أجراه د/ محسن صالح مع أحمد محمد الخطيب، عمّان، 29/10/1985م
  21. د.أحمد التل: معارك الجيش العربي الأردني في حرب 1948م، موقع صحفي، http://cutt.us/pD0QP
  22. حوار د/ محسن صالح مع كامل الشريف، عمّان، 28/10/1985م.
  23. من مقال د/ محسن صالح عن عارف العارف، النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود (بيروت: المكتبة العصرية، 1954م)، ج 1، ص 227-229.
  24. محسن صالح: الطريق إلى القدس: دراسة تاريخية في رصيد التجربة الإسلامية على أرض فلسطين منذ عصور الأنبياء وحتى أواخر القرن العشرين، مركز الإعلام العربي للأبحاث والمعلومات والنشر, 2003م، صـ152
  25. الإخوان في حرب فلسطين:مرجع سابق، صـ70
  26. نكبة فلسطين عام 1947- 1948 مؤامرات وتضحيات، مرجع سابق، صـ 88 نقلا عن نكبة بيت المقدس: ج2، مرجع سابق، صـ 389
  27. المرجع السابق
  28. نكبة بيت المقدس: مرجع سابق، صـ 388
  29. هيام عبد الشافي عبد المطلب: مصر وحرب فلسطين 1984، دار التوزيع والنشر الإسلامية- القاهرة: (1422هـ = 2001م)، نتائج البحث.


للمزيد عن جهود الإخوان تجاه فلسطين وحرب 1948م

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو

أقرأ-أيضًا.png
مرشدو الإخوان والقضية الفلسطينية
الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد حامد أبو النصر والقضية الفلسطينية

الأستاذ مصطفي مشهور والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد المأمون الهضيبي والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

تابع الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

الدكتور محمد بديع والقضية الفلسطينية